الكتاب لسيبويهباب ما يكون العمل فيه من اثنين

باب ما يكون العمل فيه من اثنين

وذلك قولك: سرت حتّى يدخلها زيداً، إذا كان دخول زيدٌ لم يؤده سيرك ولم يكن سببه، فيصير هذا كقولك: سرت حتى تطلع الشمس؛ لأن سيرك لا يكون سبباً لطلوع الشمس ولا يؤديه، ولكنك لو قلت: سرت حتى يدخلها ثقلى، وسرت حتى يدخلها بدنى، لرفعت لأنك جعلت دخول ثقلك يؤديه سيرك، وبدنك لم يكن دخوله إلا بسيرك.
وبلغنا أن مجاهداً قرأ هذه الآية: " وزلزلوا حتى يقول الرسول "؛ وهي قراءة أهل الحجاز.
وتقول: سرت حتى يدخلها زيدٌ وأدخلها، وسرت حتى أدخلها ويدخلها

زيدٌ إذا جعلت دخول زيد من سبب سيرك وهو الذي أداه، ولا تجد بداً من أن تجعله ههنا في تلك الحال، لأن رفع الأول لا يكون إلا وسبب دخوله سيره.
وإذا كانت هذه حال الأول لم يكن بد للآخر من أن يتبعه، لأنك تعطفه على دخولك في حتى.
وذلك أنه يجوز أن تقول: سرت حتى يدخلها زيدٌ، إذا كان سيرك يؤدي دخوله كما تقول: سرت حتى يدخلها ثقلى.
وتقول: سرت حتى أدخلها وحتى يدخلها زيدٌ، لأنك لو قلت: سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس كان جيداً، وصارت إعادتك حتى كإعادتك له في تباً له وويلٌ له، ومن عمراً ومن أخو زيد.
وقد يجوز أن تقول: سرت حتى يدخلها زيد إذا كان أداه سيرك.
ومثل ذلك قراءة أهل الحجاز: " وزلزلوا حتى يقول الرسول ". واعلم أنه لا يجوز سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس يقول: إذا رفعت طلوع الشمس لم يجز، وإن نصبت وقد رفعت فهو محالٌ حتى تنصب فعلك من قبل العطف، فهذا محالٌ أن ترفع، ولم يكن الرفع لأنّ

طلوع الشمس لا يكون أن يؤديه سيرك فترفع تطلع وقد حلت بينه وبين الناصبة.
ويحسن أن تقول: سرت حتى تطلع الشمس وحتى أدخلها، كما يجوز أن تقول: سرت إلى يوم الجمعة، وحتى أدخلها.
وقال امرؤ القيس: سَرَيْتُ بهمْ حتَّى تَكَّل مَطِيُّهمْ ... وحتَّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بأَرْسانِ فهذه الآخرة هي التي ترفع.
وتقول: سرت وسار حتى ندخلها، كأنك قلت: سرنا حتى ندخلها.
وتقول: سرت حتى أسمع الأذان، هذا وجهه وحده النصب، لأن سيرك ليس يؤدي سمعك الأذان، إنما يؤديه الصبح، ولكنك تقول: سرت حتى أكل لأن الكلال يؤديه سيرك.
وتقول: سرت حتى أصبح، لأن الإصباح لا يؤديه سيرك إنما هي غاية طلوع الشمس.

هذا باب الفاء

اعلم أن ما انتصب في باب الفاء ينتصب على إضمار أن، وما لم ينتصب فإنه يشرك الفعل الأول فيما دخل فيه، أو يكون في موضع مبتدإ أو مبني على مبتدإ أو موضع اسم مما سوى ذلك.
وسأبين ذلك إن شاء الله.
تقول: لا تأتيني فتحدثني، لم ترد أن تدخل الآخر فيما دخل فيه الأول فتقول: لا تأتيني ولا تحدثني، ولكنك لما حولت المعنى عن ذلك تحول إلى الاسم، كأنك قلت: ليس يكون منك إتيانٌ فحديثٌ، فلما أردت ذلك استحال أن تضم الفعل إلى الاسم، فأضمروا أن، لأن أن مع الفعل بمنزلة الاسم، فلما نووا أن يكون الأول بمنزلة قولهم: لم يكن إتيانٌ، استحالوا أن يضموا الفعل إليه، فلما أضمروا أن حسن؛ لأنه مع الفعل بمنزلة الاسم.
وأن لا تظهر ههنا، لأنه يقع فيها معان لا تكون في التمثيل، كما لا يقع معنى الاستثناء في لا يكون ونحوها، إلا أن تضمر.
ولولا أنك إذا قلت لم آتك صار كأنك قلت: لم يكن إتيانٌ، لم يجز فأحدثك، كأنك قلت في التمثيل فحديث.
وهذا تمثيل ولا يتكلم به بعد لم آتك، لا تقول: لم آتك فحديثٌ.
فكذلك لا تقع هذه المعاني في الفاء إلا بإضمار أن، ولا يجوز إظهار أن، كما لا يجوز إظهار المضمر في لا يكون ونحوها.
فإذا قلت: لم آتك، صار كأنك قلت: لم يكن إتيانٌ، ولم يجز أن تقول فحديثٌ، لأن هذا لو كان جائزاً لأظهرت أن.
ونظير جعلهم لم آتك ولا آتيك وما أشبهه بمنزلة الاسم في النية، حتّى

كأنهم قالوا: لم يك إتيانٌ، إنشاد بعض العرب قول الفرزدق: مَشائيمُ ليسوا مُصْلِحِينَ عشيرةً ... ولا ناعِبٍ إلاَّ ببَيْنٍ غُرابُهَا ومثله قول الفرزدق أيضاً: وما زُرْتُ سَلْمَى أن تكون حبيبَةً ... إلىَّ ولا دَيْنٍ بها أنا طالبُهْ جره لأنه صار كأنه قال: لأن.
ومثله قول زهير: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيَا لما كان الأول تستعمل فيه الباء ولا تغير المعنى، وكانت مما يلزم الأول نووها في الحرف الآخر، حتى كأنهم قد تكلموا بها في الأول.

وكذلك صار لم آتك بمنزلة لفظهم بلم يكن إتيانٌ، لأن المعنى واحد.
واعلم أن ما ينتصب في باب الفاء قد ينتصب على غير معنىً واحدٍ، وكل ذلك على إضمار أن، إلا أن المعاني مختلفةٌ، كما أن يعلم الله يرتفع كما يرتفع يذهب زيدٌ، وعلم الله ينتصب كما ينتصب ذهب زيدٌ، وفيهما معنى اليمين.
فالنصب ههنا في التمثيل كأنك قلت: لم يكن إتيانٌ فإن تحدث والمعنى على غير ذلك، كما أن معنى علم الله لأفعلن غير معنى رزق الله.
فأن تحدث في اللفظ مرفوعةٌ بيكن؛ لأنّ المعنى: بم يكن إتيان فيكون حديث.
وتقول: ما نأتيني فتحدثني، فالنصب على وجهين من المعاني: أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدثني، أي لو أتيتني لحدثتني.
وأما الآخر: فما تأتيني أبداً إلا لم تحدثني، أي منك إتيانٌ كثيرٌ ولا حديثٌ منك.
وإن شئت أشركت بين الأول والآخر، فدخل الآخر فيما دخل فيه الأول فتقول: ما تأتيني فتحدثني كأنك قلت: ما تأتيني وما تحدثني.
فمثل النصب قوله عز وجل: " لا يقضى عليهم فيموتوا ". ومثل الرفع قوله عز وجل: " هذا يوم لا ينطقون.
ولا يؤذن لهم فيعتذرون ".

وإن شئت رفعت على وجهٍ آخر، كأنك قلت: فأنت تحدثنا.
ومثل ذلك قول بعض الحارثيين: غير أنّا لم تأتنا بيقين ... فترجّي ونُكْثِرُ التأْميلاَ كأنه قال: فنحن نرجى.
فهذا في موضع مبني على المبتدإ.
وتقول: ما أتيتنا فتحدثنا، فالنصب فيه كالنصب في الأول، وإن شئت رفعت على: فأنت تحدثنا الساعة، وارفع فيه يجوز على ما.
وإنما اختير النصب لأن الوجه ههنا وحد الكلام أن تقول: ما أتيتنا فحدّثتنا، فلّما صرفوه عن هذا الحد ضعف أن يضموا يفعل إلى فعلت فحملوه على الاسم، كما لم يجز أن يضموه إلى الاسم في قولهم: ما أنت منا فتنصرنا ونحوه.
وأما الذين رفعوه فحملوه على موضع أتيتنا، لأن أتيتنا في موضع فعل مرفوع، وتحدثنا ههنا في موضع حدثتنا.

وتقول: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل.
فالمعنى أنّك لم تأتنا إلا تكلمت بجميل، ونصبه على إضمار أن كما كان نصب ما قبله على إضمار أن، وتمثيله كتمثيل الأول وإن شئت رفعت على الشركة كأنه قال: وما تكلم إلاّ الجميل.
ومثل النصب قول الفرزدق: وما قام منَّا قائمٌ في نَديِّنا ... فيَنْطِقَ إِلاَّ بالتي هي أعرف وتقول: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبةً، فالنصب ههنا كالنصب في: ما تأتيني فتحدثني إذا أردت معنى: ما تأتيني محدثاً، وإنما أراد معنى: ما أتيتني محدثاً إلا ازددت فيك رغبةً.
ومثل ذلك قول اللعين: وما حلَّ سعْديٌّ غريباً ببلدةٍ ... فيُنْسَبَ إِلاَّ الزِّبْرِقانُ له أبُ وتقول: لا يسعني شئ فيعجز عنك، أي لا يسعني شئ فيكون عاجزاً

عنك ولا يسعني شئ إلا لم يعجز عنك.
هذا معنى هذا الكلام.
فإن حملته على الأول قبح المعنى؛ لأنك لا تريد أن تقول: إن الأشياء لا تسعني ولا تعجز عنك، فهذا لا ينويه أحدٌ.
وتقول: ما أنت منا فتحدثنا، لا يكون الفعل محمولاً على ما؛ لأن الذي قبل الفعل ليس من الأفعال فلم يشاكله، قال الفرزدق: ما أنتَ من قيسٍ فتَنْبِحَ دُونها ... ولا من تَميمٍ في اللهَا والغَلاصِمِ وإن شئت رفعت على قوله: فنُرَجِّى ونكثر التأميلا وتقول: ألا ماء فأشر به، وليته عندنا فيحدثنا.
وقال أميه بن أبي الصلت: ألا رَسولَ لنا مِنّا فيُخْبِرنَا ... ما بُعْدُ غايتِنا من رأسِ مُجْرانَا

لا يكون في هذا إلا النصب، لأن الفعل لم تضمه إلى فعلٍ.
وتقول: ألا تقع الماء فتسبح، إذا جعت الآخر على الأول، كأنك قلت: ألا تسبح.
وإن شئت نصبته على ما انتصب عليه ما قبله، كأنك قلت: ألا يكون وقوعٌ فأن تسبح.
فهذا تمثيلٌ وإن لم يتكلم به.
والمعنى في النصب أنه يقول: إذا وقعت سبحت.
وتقول: ألم تأتنا فتحدثنا، إذا لم يكن على الأول.
وإن كان على الأول جزمت.
ومثل النصب قوله: ألم تَسأل فتُخْبِرَكَ الرسومُ ... على فِرْتاجَ، والطَّلَلُ القديمُ وإن شئت جزمت على أول الكلام.
وتقول: لا تمددها فتشقها، إذا لم تحمل الآخر على الأول.
وقال عز وجل: " لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب ". وتقول: لا تمددها فتشققها، إذا أشركت بين الآخر والأول كما أشركت بين الفعلين في لم.
وتقول: ائتني فأحدّثك.
وقال أبو النجم:

ياناق سيري عنقاً فسيحاً ... إلى سليمان فنستريحا ولا سبيل ههنا إلى الجزم؛ من قبل أن هذه الأفعال التي يدخلها الرفع والنصب والجزم، وهي الأفعال المضارعة، لا تكون في موضع افعل أبداً، لأنها إنما تنتصب وتنجزم بما قبلها، وافعل مبنية على الوقف.
فإن أردت أن تجعل هذه الأفعال أمراً أدخلت اللام، وذلك قولك: ائته فليحدثك، وفيحدثك إذا أردت المجازاة.
ولو جاز الجزم في: ائتني فأحدثك ونحوها لقلت: تحدثني تريد به الأمر.
وتقول: ألست قد أتيتنا فتحدثنا، إذا جعلته جواباً ولم تجعل الحديث وقع إلا بالإتيان؛ وإن أردت فحدثتنا رفعت.
وتقول: كأنك لم تأتنا فتحدثنا؛ وإن حملته على الأول جزمت.
وقال رجل من بني دارم: كأنَّك لم تَذبح لأهلِك نَعْجةً ... فيصْبِحَ مُلْقىً بالفِناء إِهابُهَا

وتقول: ودّلو تأتيه فتحدثه.
والرفع جيد على معنى التمني.
ومثله قوله عز وجل: " ودوا لو تدهن فيدهنون ". وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: " ودوا لو تدهن فيدهنوا ". وتقول: حسبته شتمني فأثب عليه، إذا لم يكن الوثوب واقعاً، ومعناه: أن لو شتمني لوثبت عليه.
وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلا الرفع؛ لأن هذا بمنزلة قوله: ألست قد فعلت فأفعل.
واعلم أنك إن شئت قلت: ائتني فأحدثك، ترفع.
وزعم الخليل: أنك لم ترد أن تجعل الإتيان سبباً لحديث، ولكنك كأنك قلت: ائتني فأنا ممن يحدثك البتة، جئت أو لم تجئ.
قال النابغة الذبياني: ولا زالً قبرٌ بين تُبْنَى وجاسمٍ ... عليه من الوَسْميّ جَوْدٌ ووابلُ

فيُنْبتُ حَوْذاناً وعَوْفاً مُنَوِّراً ... سأُتْبِعُه مِن خيرِ ما قال قائلُ وذلك أنه لم يرد أن يجعل النبات جواباً لقوله: ولا زال، ولا أن يكون متعلقاً به، ولكنه دعا ثم أخبر بقصة السحاب، كأنه قال: فذاك ينبت حوذاناً.
ولو نصب هذا البيت قال الخليل لجاز، ولكنّا قبلناه رفعاً: ألم تسأل الرّبع القَواءَ فيَنْطِقُ ... وهل تُخْبِرَنْكَ اليومَ بَيْداءُ سَمْلَقُ لم يجعل الأول سبباً للآخر، ولكنه جعله ينطق على كل حال، كأنه قال: فهو مما ينطق كما قال: ائتني فأحدثك، فجعل نفسه ممن يحدثه على كل حال.
وزعم يونس: أنه سمع هذا البيت بألم.
وإنما كتبت ذا لئلا يقول

إنسانٌ: فلعل الشاعر قال ألا.
وسألت الخليل عن قول الأعشى: لقد كانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتَهُ ... تُقَضَّى لُباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ فرفعه وقال: لا أعرف فيه غيره؛ لأن أول الكلام خبرٌ وهو واجب، كأنه قال: ففي حول تقضي لُباناتٌ ويسأم سائمٌ.
هذا معناه.
واعلم أن الفاء لا تضمر فيها أن في الواجب، ولا يكون في هذا الباب إلا الرفع، وسنبين لم ذلك.
وذلك قوله: إنه عندنا فيحدثنا، وسوف آتيه فأحدثه ليس إلا، إن شئت رفعته على أن تشرك بينه وبين الأول، وإن شئت كان منقطعاً؛ لأنك قد أوجبت أن تفعل فلا يكون فيه إلا الرفع.
وقال عز وجل: " فلا تكفر فيتعلمون " فارتفعت لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلمون، ليجعلا كفره سبباً لتعليم غيره، ولكنه على كفروا فيتعلّمون.

ومثله: " كن فيكون "، كأنه قال: إنما أمرنا ذاك فيكون.
وقد يجوز النصب في الواجب في اضطرار الشعر، ونصبه في الاضطرار من حيث انتصب في غير الواجب، وذلك لأنك تجعل أن العاملة.
فمما نصب في الشعر اضطراراً قوله: سأتْرُكُ منزلي لبني تميم ... وأَلَحْقُ بالحجاز فأَستَرِيحَا وقال الأعشى، وأنشدناه يونس: ثُمَّتَ لا تجزونني عند ذاكم ... ولكنْ سَيَجْزيني الإلهُ فيُعقِبَا

وهو ضعيف في الكلام.
وقال طرفة: لنا هَضْبَةٌ لا يدخل الذُّلُّ وسطَها ... ويَأْوي إليها المُستجيرُ فيُعْصَمَا وكان أبو عمرو يقول: لا تأتنا فنشتمك.
وسمعت يونس يقول: ما أتيتني فأحدثك فيما أستقبل، فقلت له: ما تريد به؟ فقال: أريد أن أقول ما أتيتني فأنا أحدثك وأكرمك فيما أستقبل.
وقال: هذا مثل ائتني فأحدثك، إذا أراد ائتني فأنا صاحب هذا.
وسألته عن: " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرّة "، فقال: هذا واجبٌ، وهو تنبيهٌ، كأنك قلت: أتسمع أن الله أنزل من السماء ماء فكان كذا وكذا.
وإنما خالف الواجب النفي لأنك تنقض النفي إذا نصبت وتغير المعنى، يعني أنك تنفي الحديث وتوجب الإتيان، تقول: ما أتيتني قط فتحدثني إلا بالشر، فقد نقضت نفي الإتيان وزعمت أنه قد كان.
وتقول: ما تأتيني فتحدثني، إذا أردت معنى فكيف تحدثني، فأنت لا تنفي الحديث، ولكنك زعمت أن منه الحديث، وإنما يحول بينك وبينه ترك الإتيان.

وتقول: ائتني فأحدثك، فليس هذا من الأمر الأوّل في شئ.
وإذا قلت: قد كان عندنا فسوف يأتينا فيحدثنا، لم تزده على أن جئت بواجب كالأول، فلم يحتاجوا إلى أن، لما ذكرت لك، ولأنّ تلك المعاني لا تقع هاهنا، ولو كانت الفاء والواو وأو ينصبن لأدخلت عليهن الفاء والواو للعطف، ولكنها كحتى في الإضمار والبدل، فشبهت بها لما كان النصب فيها الوجه؛ لأنهم جعلوا الموضع الذي يستعملون فيه إضمار أن بعد الفاء كما جعلوه في حتى، إنما يضمر إذا أراد معنى الغاية، وكاللام في ما كان ليفعل.

هذا باب الواو

اعلم أن الواو ينتصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء، وأنها قد تشرك بين الأول والآخر كما تشرك الفاء، وأنها يستقبح فيها أن تشرك بين الأول والآخر كما استقبح ذلك في الفاء، وأنها يجئ ما بعدها مرتفعاً منقطعاً من الأول كما جاء ما بعد الفاء.
واعلم أن الواو وإن جرت هذا المجرى فإن معناها ومعنى الفاء مختلفان ألا ترى الأخطل قال:

لاتنه عن خُلُقٍ وتأْتِيَ مِثْلَهُ ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم فلو دخلت الفاء ههنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد لا يجتمعنّ النهي والإتيان، فصار تأتي على إضمار أن.
ومما يدلك أيضاً على أن الفاء ليست كالواو قولك: مررت بزيد وعمرو، ومررت بزيد فعمرو، تريد أن تعلم بالفاء أن الآخر مر به بعد الأول.
وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فلو أدخلت الفاء ههنا فسد المعنى.
وإن شئت جزمت على النهي في غير هذا الموضع.
قال جرير: ولا تشتم المَوْلَى وتَبْلُغْ أَذاتَه ... فإنك إن تَفعلْ تُسَفَّهْ وتَجْهَلِ ومنعك أن ينجزم في الأول لأنه إنما أراد أن يقول له: لا تجمع بين

اللبن والسمك، ولا ينهاه أن يأكل السمك على حدةٍ ويشرب اللبن على حدةٍ، فإذا جزم فكأنه نهاه أن يأكل السمك على كل حال أو يشرب اللبن على كل حال.
ومثل النصب في هذا الباب قول الحطيئة: أَلم أَكُ جارَكُمْ ويَكونَ بيني ... وبينَكُم الموَدّةُ والإخاءُ كأنه قال: ألم أك هكذا ويكون بيني وبينكم.
وقال دريد بن الصمة: قتلتُ بعبد الله خيرَ لِداتِهِ ... ذُؤَاباً فلم أفخر بذاك وأجزعا وتقول: لا يسعني شئ ويعجز عنك، فانتصاب الفعل هاهنا من الوجه الذي انتصب به في الفاء، إلا أن الواو لا يكون موضعها في الكلام موضع الفاء.

وتقول: ائتني وآتيك، إذا أردت ليكن إتيانُ منك وأن آتيك، تعني إتيانٌ منك وإتيانٌ مني.
وإن أردت الأمر أدخلت اللام كما فعلت ذلك في الفاء حيث قلت: ائتني فلأحدثك، فتقول ائتني ولآتك.
ومن النصب في هذا الباب قوله عز وجل: " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين "، وقد قرأها بعضهم: " ويعلم الصابرين ". وقال تعالى: " ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون "، إن شئت جعلت وتكتموا على النهي، وإن شئت جعلته على الواو.
وقال تعالى: " ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ". فالرفع على وجهين: فأحدهما أن يشرك الآخر الأول.
والآخر على قولك: دعني ولا أعود، أي فإني ممن لا يعود، فإنما يسأل الترك وقد أوجب على نفسه أن لا عودة له البتة ترك أو لم يترك، ولم يرد أن يسأل أن يجتمع له الترك وأن لا يعود.
وأما عبد الله بن أبي إسحاق فكان ينصب هذه الآية.

وتقول: زرني وأزورك، أي أنا ممن قد أوجب زيارتك على نفسه، ولم ترد أن تقول لتجتمع منك الزيارة وأن أزورك، تعني لتجتمع منك الزيارة فزيارةٌ مني، ولكنه أراد أن يقول زيارتك واجبةٌ على كل حال، فلتكن منك زيارةٌ.
وقال الأعشى: فقلتُ ادْعِي وأدُعْو إنَّ أنْدَى ... لِصَوْتٍ أنْ يُنادِيَ دَاعِيانِ ومن النصب أيضاً قوله: لَلُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... أحبُّ إلىّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ

لما لم يستقم أن تحمل وتقر وهو فعلٌ على لبس وهو اسمٌ، لما ضممته إلى الاسم، وجعلت أحب لهما ولم ترد قطعه، لم يكن بدٌ من إضمار أن.
وسترى مثله مبيناً.
وسمعنا من ينشد هذا البيت من العرب، وهو لكعبٍ الغنوي: وما أنا للشيء الذي ليس نافِعِي ... ويَغْضَبَ منه صاحِبي بقَؤُولِ والرفع أيضاً جائزٌ حسن، كما قال قيس بن زهير بن جذيمة: فلا يَدْعُني قومي صَريحاً لُحرّةٍ ... لئن كنتُ مقتولا ويَسْلمُ عامرُ ويغضب معطوف على الشيء، ويجوز رفعه على أن يكون داخلاً في صلة الذي.

هذا باب أو

اعلم أن ما انتصب بعد أو فإنه ينتصب على إضمار أن كما انتصب في الفاء والواو على إضمارها، ولا يستعمل إظهارها كما لم يستعمل في الفاء والواو، والتمثيل هاهنا مثله ثم.
تقول إذا قال لألزمنك أو تعطيني، كأنه يقول: ليكونن اللزوم أو أن تعطيني.

واعلم أن معنى ما انتصب بعد أو على إلا أن، كما كان معنى ما انتصب بعد الفاء على غير معنى التمثيل تقول: لألزمنك أو تقضيني، ولأضربنك أو تسبقني؛ فالمعنى لألزمنك إلا أن تقتضيني ولأضربنك إلا أن تسبقني.
هذا معنى النصب.
قال امرؤ القيس: فقلتُ له لا تَبْكِ عينُك إنَّما ... نُحاوِلُ مُلْكاً أو نَموتَ فنُعْذَرَا والقوافي منصوبةٌ، فالتمثيل على ما ذكرت لك، والمعنى على إلا أن نموت فنعذرا، وإلا أن تعطيني، كما كان تمثيل الفاء على ما ذكرت لك، وفيه المعاني التي فصلت لك.
ولو رفعت لكان عربياً جائزاً على وجهين: على أن تشرك بين الأول والآخر، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعاً من الأول، يعني أو نحن ممن يموت.
وقال جل وعز: " ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون "، إن شئت كان على الإشراك، وإن شئت كان على: أو هم يسلمون.

وقال ذو الرمة: حَراجيجُ لا تنْفَكُّ إلاَّ منُاخَةَ ... على الخَسْفِ أو نَرْمِي بها بَلَدَا قَفْرَا فإن شئت كان على لا تنفك نرمي بها، أو على الابتداء.
وتقول: الزمه أو يتقيك بحقك، واضربه أو يستقيم.
وقال زياد الأعجم: وكنتُ إذا غَمَزْتُ قَنَاةَ قومٍ ... كَسَرْتُ كُعوبَها أو تستقيما

معناه إلا أن، وإن شئت رفعت في الأمر على الابتداء؛ لأنه لا سبيل إلى الإشراك.
وتقول: هو قاتلي أو أفتدي منه؛ وإن شئت ابتدأته كأنه قال: أو أنا أفتدي، وقال طرفة بن العبد: ولكنّ مولايَ امرؤ هو خانِقِي ... على الشُّكْر والتَّسْآلِ أو أَنا مُفْتَدِي وسألت الخليل عن قوله عز وجل: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء "، فزعم أن النصب محمول على أن سوى هذه التي قبلها.
ولو كانت هذه الكلمة على أن هذه لم يكن للكلام وجهٌ، ولكنه لما قال: " إلا وحيا أو من وراء حجاب " كان في معنى إلا أن يوحي، وكان أو يرسل فعلاً لا يجري على إلا، فأجري على أن هذه، كأنه قال: إلا أن يوحي أو يرسل؛ لأنه لو قال: إلا وحياً وإلا أن يرسل كان حسناً، وكان أن يرسل بمنزلة الإرسال، فحملوه على أن، إذ لم يجز أن يقولوا: أو إلا يرسل، فكأنه قال: إلا وحياً أو أن يرسل.
وقال الحصين بن حمام المرّي:

ولولا رِجالٌ من رِزامٍ أَعِزّةٌ ... وآلُ سُبَيْعٍِ أو أسُوءَك عَلْقَمَا يضمر أن، وذاك لأنه امتنع أن يجعل الفعل على لولا فأضمر أن، كأنه قال: لولا ذاك، أو لولا أن أسوءك.
وبلغنا أن أهل المدينة يرفعون هذه الآية: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " فكأنه والله أعلم قال الله عز وجل: لا يكلم الله البشر إلا وحياً أو يرسل رسولاً، أي في هذه الحال وهذا كلامه إياهم، كما تقول العرب: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، وكلامك القتل.
وقال الشاعر، وهو عمرو بن معدي كرب: وخَيْلٍ قد دَلَفْتُ لها بخَيْلٍ ... تَحِيّةُ بَيْنهِم ضَرْبٌ وَجيعُ وسألت الخليل عن قول الأعشي:

إن تَركبوا فرُكوبُ الخيلِ عادتُنا ... أو تَنْزلونَ فإنّا مَعْشَرٌ نُزُل فقال: الكلام هاهنا على قولك يكون كذا أو يكون كذا، لما كان موضعها لو قال فيه أتركبون لم ينقض المعنى، صار بمنزلة قولك: ولا سابقٍ شيئاً.
وأما يونس فقال: أرفعه على الابتداء، كأنه قال: أو أنتم نازلون.
وعلى هذا الوجه فسر الرفع في الآية، كأنه قال: أو هو يرسل رسولاً، كما قال طرفة: أو أنا مُفتدِي وقول يونس أسهل، وأما الخليل فجعله بمنزلة قول زهير: بَدا ليَ أنى لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئاً إذا كان جائيَا والإشراك على هذا التوهم بعيد كبعد ولا سابقٍ شيئاً.
ألا ترى أنه لو كان هذا كهذا لكان في الفاء والواو.
وإنما توهم هذا فيما خالف معناه التمثيل.
يعني مثل هو يأتينا ويحدثنا.
يقول: يدخل عليك نصب هذا على

توهم أنك تكلمت بالاسم قبله، يعني مثل قولك: لا تأته فيشتمك؛ فتمثيله على لا يكن منك إتيانٌ فشتيمةٌ، والمعنى على غير ذلك.

جارٍ التحميل