باب ما يرتفع بين الجزمين وينجزم بينهما
فأمَّا ما يرتفع بينهما فقولك: إن تأتني تسألني أعطك، وإن تأتني تمش أمش معك.
وذلك لأنك أردت أن تقول إن تأتني سائلاً يكن ذلك، وإن تأتني ماشياً فعلت.
وقال زهير:
ومَن لا يَزَلْ يَسْتحْمِلُ النَّاس نفسَه ... ولا يُغْنِها يوماً مِن الدهر يُسْأَمِ
إنما أراد: من لا يزل مستحملاً يكن من أمره ذاك.
ولو رفع يغنها جاز وكان حسناً، كأنَّه قال: من لا يزل لا يغني نفسه.
ومما جاء أيضاً مرتفعاً قول الحطيئة:
مَتى تأتِه تَعْشو إلى ضَوْءِ نارِه ... تَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِدِ
وسألت الخليل عن قوله:
متى تأتنا بلمم بنا في دِيارنا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأَجَّجَا
قال: تلمم بدلٌ من الفعل الأول.
ونظيره في الأسماء: مررت برجلٍ عبد الَّله، فأراد أن يفسر الإتيان بالإلمام كما فسَّر الاسم الأوَّل بالاسم الآخر.
ومثل ذلك أيضاً قوله، أنشدنيهما الأصمعي عن أبي عمرو لبعض بني أسد:
إن يَبْخَلوا أو يَجْبُنوا ... أو يَغْدِروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجَّلين كأنهم لم يفعلو
فقوله يغدوا: بدلٌ من لا يحفلوا، وغدوهم مرجَّلين يفسِّر أنَّهم لم يحفلوا.
وسألته: هل يكون إن تأتنا تسألنا نعطك؟ فقال: هذا يجوز على غير أن يكون مثل الأول، لأنَّ الأول الفعل الآخر تفسيرٌ له، وهو هو، والسُّوال لا يكون الإتيان، ولكنَّه يجوز على الغلط والنَّسيان ثم يتدارك كلامه.
ونظير ذلك في الأسماء: مررت برجلٍ حمارٍ، كأنه نسي ثم تدارك كلامه.
وسألته عن قوله جلَّ وعزَّ: " ومن يفعل ذلك يلق أثاما.
يضاعف له العذاب يوم القيامة " فقال: هذا كالأول؛ لأن مضاعفة العذاب هو لقيٌّ الآثام.
ومثل ذلك من الكلام: إن تأتنا بحسن إليك نعطك ونحميك، تفسر الإحسان بشيء هو هو، وتجعل الآخر بدلاً من الأول.
فإن قلت: إن تأتني آتك أقل ذاك، كان غير جائز؛ لأنَّ القول ليس بالإتيان إلا أن تجيزه على ما جاز عليه تسألنا وأمَّا ما ينجزم بين المجزومين فقولك: إن تأتني ثمَّ تسألني أعطك، وإن
تأتني فتسألني أعطك، وإن تأتنيي وتسألني أعطك.
وذلك لأنَّ هذه الحروف يشركن الآخر فيما دخل فيه الأول.
وكذلك أو وما أشبههنَّ.
ولا يجوز في ذا الفعل الرفع.
وإنَّما كان الرفع في قوله متى تأته تعشو، لأنَّه في موضع عاش، كأنه قال: متى تأته عاشياً.
ولو قلت متى تأته وعاشياً كان محالا.
فإنَّما أمرهن أن يشركن بين الأول والآخر.
وسألت الخليل عن قوله: إن تأتني فتحدثني أحدثك، وإن تأتني وتحدثني أحدِّثك، فقال: هذا يجوز، والجزم الوجه.
ووجه نصبه على أنه حمل الآخر على الاسم، كأنه أراد إن يكن إتيانٌ فحديث أحدِّثك، فلمَّا قبح أن يرد الفعل على الاسم نوى أن، لأن الفعل معها اسمٌ.
وإنما كان الجزم الوجه لأنه إذا نصب كان المعنى معنى الجزم فيما أراد من الحديث، فلما كان ذلك كان أن يحمل على الذي عمل فيما يليه أولى؛ وكرهوا أن يتخطَّوا به من بابه إلى آخر إذا كان يريد شيئاً واحداً.
وسألته عن قول ابن زهير:
ومَن لا يقدِّم رِجْلَه مُطْمَئِنَّة ... فيُثْبِتَها في مُسْتَوَى الأرضِ يَزْلَقِ
فقال: النصب في هذا جيِّد، لأنه أرادها هنا من المعنى ما أراد في قوله: لا تأتينا إلا لم تحدِّثنا، فكأنه قال: من لا يقدَّم إلا لم يثبت زلق.
ولا يكون أبداً إذا قلت: إن تأتني فأحدثك الفعل الآخر الا رفعا، وإنَّما منعه أن يكون مثل ما انتصب بين المجزومين أنّ هذا منقطع من الأوّل؛ شريكٌ له وإذا قلت إن يكن إتيانٌ فحديثٌ أحدثك، فالحديث متصل بالأول؛ ألا ترى أنَّك إذا قلت: إن يكن إتيانٌ فحديثٌ ثم سكتَّ وجعلته جواباً لم يشرك الأول، وكان مرتفعاً بالابتداء.
وتقول: إن تأتني لآتك فأُحدثك.
هذا الوجه، وإن شئت ابتدأتَ.
وكذلك الواو وثمَّ، وإن شئت نصبت بالواو والفاء كما نصبت ما كان بين المجزومين.
واعلم أن ثمَّ لا ينصب بها كما ينصب بالواو والفاء، ولم يجعلوها مما يضمر بعده أن، وليس يدخلها من المعاني ما يدخل في الفاء، وليس معناها معنى الواو، ولكنها تشرك ويبتدأ بها.
واعلم أن ثمَّ إذا أدخلته على الفعل الذي بين المجزومين لم يكن إلَّا جزماً، لأَّنه ليس مما ينصب.
وليس يحسن الابتداء لأنَّ ما قبله لم ينقطع.
وكذلك الفاء والواو وأو إذا لم ترد بهن النصب، فإذا انقضى الكلام ثم
جئت بثمَّ، فإن شئت جزمت وإن شئت رفعت.
وكذلك الواو والفاء.
قال الَّله تعالى: " وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثمَّ لا ينصرون " وقال تبارك وتعالى: " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثمَّ لا يكونوا أمثالكم " إِّلا أنَّه قد يجوز النصب بالفاء والواو.
وبلغنا أنَّ بعضهم قرأ: " يحاسبكم به الَّله فيغفر لمن يشاء ويعذِّب من يشاء " والَّله على كل شيء قدير " وتقول: إن تأتني فهو خير لك وأكرمك، وإن تأتني فأنا لآتيك وأحسن إليك.
وقال عزَّ وجلَّ: " وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم ". والرفع ههنا وجه الكلام، وهو الجيِّد؛ لأنَّ الكلام الذي بعد الفاء جرى مجراه في غير الجزاء فجرى الفعل هنا كما كان يجري في غير الجزاء.
وقد بلغنا أنَّ بعض القرَّاء قرأ: " من يضلل الَّله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون "؛ وذلك لأنَّه حمل الفعل على موضع الكلام؛ لأنَّ
هذا الكلام في موضع يكون جواباً؛ لأن أصل الجزاء الفعل، وفيه تعمل حروف الجزاء؛ ولكنَّهم قد يضعون في موضع الجزاء غيره.
؟ ومثل الجزم ههنا النصب في قوله:
فلسْنا بالجبالِ ولا الحديدَا
حمل الآخر على موضع الكلام وموضعه موضع نصبٍ، كما كان موضع ذاك موضع جزمِ.
وتقول: إن تأتني فلن أوذيك وأستقبلك بالجميل، فالرفع ههنا الوجه إذا لم يكن محمولاً على لن كما قال الرفع الوجه في قوله فهو خير لك وأكرمك ومثل ذلك إن أتيتني لم آتك وأحسن إليك فالرفع الوجه إذا لم تحمله على لم كما كان ذلك في لن.
وأحسن ذلك أن تقول: إن تأتني لا آتك، كما أن أحسن الكلام أن تقول: إن أتيتني لم آتك.
وذلك أن لم أفعل نفي فعل وهو مجزوم بلم، ولا أفعل نفي أفعل وهو مجزوم بالجزاء.
فإذا قلت: إن تفعل فأحسن الكلام أن يكون الجواب أفعل وهو مجزوم بالجزاء.
فإذا قلت: إن تفعل فأحسن الكلام أن يكون الجواب أفعل لأنه نظيره من الفعل.
وإذا قال إن فعلت فأحسن
الكلام أن تقول: فعلت، لأنَّه مثله.
فكما ضعف فعلت مع أفعل، وأفعل مع فعلت، قبح لم أفعل مع يفعل، لأن لم أفعل نفي فعلت.
وقبح لا أفعل مع فعل لأنها نفي أفعل.
واعلم أنَّ النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني لآتك وأعطيك ضعيف، وهو نحومن قوله:
وَأَلحقُ بالحجاز فأسترِيحَا
فهذا يجوز وليس بحد الكلام ولا وجهه، إلَّا أنَّه في الجزاء صار أقوى قليلاً؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون من الأول فعلٌ، فلمَّا ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه، وإن كان معناه كمعنى ما قبله إذا قال وأعطيك.
وإنَّما هو في المعنى كقوله أفعل إن شاء الَّله، يوجب بالاستثناء.
قال الأعشى فيما جاز من النصب:
ومَن يَغترِبْ عن قومه لا يزل يرى ... مصرع مظلومٍ مَجَرّاً ومَسْحَبا
وتُدفَنَ منه الصالحاتُ وإن يُسيءُ ... يكنْ ما أساء النار في رأس كبكبا