الكتاب لسيبويهباب ما يجري من الشتم مجرى التعظيم

باب ما يجري من الشتم مجرى التعظيم

وما أشبهه

تقول: أتاني زيدٌ الفاسقَ الخبيث: لم يرد أن يكرره ولا يعرفك شيئا تُنكره، ولكنه شتمه بذلك.
وبلغنا أن بعضهم قرأ هذا الحرف نصبا: " وامرأتُه حمّالةَ الحطب " لم يجعل الحمالة خبرا للمرأة، ولكنه كأنه قال: أذكرُ حمّالةَ الحطب، شتما لها، وإن كان فعلاً لا يُستعمل إظهاره.
وقال عروة الصعاليك العبسي: سقَوْني الخمرَ ثمَّ تَكنَّفوني ... عُداةَ الله من كَذِبٍ وزورِ إنما شتمهم بشيء قد استقر عند المخاطَبين.
وقال النابغة: لَعمري وما عَمري علىَّ بهيّنٍ ... لقد نطقتْ بُطلاً عليّ الأقارعُ

أقارعُ عَوفٍ لا أُحاوِلُ غيرَها ... وجوهَ قرودٍ تبتغي من تُجاذع وزعم يونس أنك إن شئت رفعتَ البيتين جميعا على الابتداء، تُضمر في نفسك شيئا لو أظهرته لم يكن ما بعده إلا رفعا.
ومثل ذلك: متىَ ترَ عينيْ مالكٍ وجِرانَه ... وجَنبَيْه تعلمْ أنه غيرُ ثائرِ حِضْجَرٌ كأُمِّ التوأمَين توكّأَتْ ... على مِرفقيها مستهلةَ عاشرِ وزعموا أن أبا عمرو كان ينشد هذا البيت نصبا، وهذا الشعرُ لرجل معروف من أزْدِ السّراة:

قُبّح من يزني بعو ... فٍ من ذوات الخُمُرْ الآكلَ الأشداء لا ... يحفِلُ ضَوْء القَمَرْ وإن شاء جعله صفة فجره على الاسم.
وزعم يونس أنه سمع الفرزدق يُنشد: كم عمةٍ لكَ يا جريرُ وخالةٍ ... فَدْعاءَ قد حلبتْ على عِشاري شَغَّارةً تَقِذُ الفصيلَ برِجْلها فَطّارةٌ لقوادمِ الأبكارِ

جعله شتما، وكأنه حين ذكر الحلب صار من يخاطَب عنده عالماً بذلك.
ولو ابتدأه وأجراه على الأول كان ذلك جائزا عربيا.
وقال: طليقُ الله لم يمنُنْ عليه ... أبو داودَ وابنُ أبي كثيرِ ولا الحجاجُ عينيْ بنتِ ماءٍ ... تقلّبُ طَرفها حَذَرَ الصُّقورِ فهذا بمنزلة وجوه قرودٍ.
وأما قول حسان بن ثابت: حارِ بنَ كَعْب ألا أحلامَ تزجُركم ... عَنِّي وأنتم من الجُوف الجماخيرِ

لا بأسَ بالقوم من طُولٍ ومن عِظمٍ ... جسمُ البِغال وأحلامُ العصافيرِ فلم يردْ أن يجعله شتما، ولكنه أراد أن يعدد صفاتهم ويفسرها، فكأنه قال: أما أجسامهم فكذا وأما أحلامهم فكذا.
وقال الخليل رحمه الله: لو جعله شتما فنصبه على الفعل كان جائزا.
وقد يجوز أن ينصب ما كان صفة على معنى الفعل ولا يريد مدحا ولا ذما ولا شيئا مما ذكرت لك.
وقال: وما غرّني حوزُ الرِّزاميّ مِحصَناً ... عَواشِيَها بالجَوّ وهو خصيبُ ومِحصن: اسم الرزامى، فنصبه على أعني، وهو فعل يظهر، لأنه لم يرد أكثر من أن يعرفه بعينه، ولم يرد افتخارا ولا مدحا ولا ذما.
وكذلك سُمع هذا البيت من أفواه العرب، وزعموا أن اسمه مِحصَنٌ.
ومن هذا الترحم، والترحم يكون بالمسكين والبائس ونحوه، ولا يكون

بكل صفة ولا كل اسم، ولكن ترحم بما ترحم به العرب.
وزعم الخليل أنه يقول: مررت به المسكين، على البدل، وفيه معنى الترحم، وبدله كبدل مررت به أخيك.
وقال: فأصبحتْ بقَرْقَرى كَوانِساً ... فلا تلُمه أنْ يَنامَ البائِسا وكان الخليل يقول: إن شئت رفعته من وجهين فقلت: مررت به البائس، كأنه لما قال مررت به قال المسكين هو، كما يقول مبتدئا: المسكين هو، والبائس أنت.
وإن شاء قال: مررت به المسكين هو، والبائس أنت.
وإن شاء قال: مررت به المسكين، كما قال: بنا تماماً يُكشَف الضّبابْ

وفيه معنى الترحم، كما كان في قوله رحمةُ الله عليه معنى رحمه الله.
فما يُترحّم به يجوز فيه هذان الوجهان، وهو قول الخليل رحمه الله.
وقال أيضا: يكون مررت به المسكين على: المسكين مررت به، وهذا بمنزلة لقيته عبد الله، إذا أراد عبد الله لقيتُه.
وهذا في الشعر كثير.
وأما يونس فيقول: مررت به المسكينَ على قوله: مررت به مسكينا.
وهذا لا يجوز لأنه لا ينبغي أن يجعله حالا ويدخل فيه الألف واللام، ولو جاز هذا لجاز مررت بعبد الله الظريف، تريد ظريفا.
ولكنك إن شئت حملته على أحسنَ من هذا، كأنه قال: لقيت المسكينَ، لأنه إذا قال مررت بعبد الله فهو عملٌ، كأنه أضمر عملا.
وكأن الذين حملوه على هذا إنما حملوه عليه فِراراً من أن يصفوا المضمَر، فكان حملهم إياه على الفعل أحسن.
وزعم الخليل رحمه الله أنه يقول إنه المسكين أحمق، على الإضمار الذي جاز فى مررت، كأنه قال: إنه هو المسكين أحمق.
وهو ضعيف.
وجاز هذا أن يكون فصلا بين الاسم والخبر لأن فيه معنى المنصوب الذي أجريته مجرى: إنا تميما ذاهبون.
فإذا قلت: بى المسكينَ كان الأمر، أو بك المسكينَ مررت، فلا يحسن فيه البدل، لأنك إذا عنيت المخاطَب أو نفسَك فلا يجوز أن يكون لا يدرى من تعنى، لأنك لست تحدث عن غائب،

ولكنك تنصبه على قولك: بنا تميما، وإن شئت رفعته على ما رفعت عليه ما قبله.
فهذا المعنى يجري على هذين الوجهين والمعنى واحد، كما اختلف اللفظان في أشياء كثيرة والمعنى واحد.
واما يونس فزعم أنه ليس يرفع شيئا من الترحم على إضمار شيء يرفع، ولكنه إن قال ضربته لم يقل أبدا إلا المسكين، يحمله على الفعل.
وإن قال ضربانى قال المسكينان، حمله أيضا على الفعل.
وكذلك مررت به المسكين، يحمل الرفعَ على الرفع، والجرَّ على الجر، والنصب على النصب.
ويزعم أن الرفع الذي فسرنا خطأ.
وهو قول الخليل رحمه الله وابن أبي إسحاق.
؟

جارٍ التحميل