باب ما شُبّه من الأماكن المختصّةِ
بالمكِان غيرِ المختصَّ شُبّهت به إذ كانتْ تَقع على الأماكن وذلك قول العرب، سمعناه منهم: هو مِنَّى منزلةَ الشَّغافِ، وهو منّى منْزلةَ الوَلَدِ.
ويدلك على أنه ظرفٌ قولك: هو منّى بمنزلة الولد فإنما أردتَ أن
تَجعله فى ذلك الموضع، فصار كقولك: مَنزلى مكانَ كذا وكذا وهو منّى مَزْجَرَ الكَلْبِ، وأنتَ منّى مَقعَدَ القابلةِ، وذلك إذا دنا فَلَزِقَ بك من بين يَدَيك.
قال الشاعر، وهو أبو ذُؤَيبٍ:
فَورَدْنَ والعَيُّوقُ مَقعَدَ رابِئ ال ... ضرباء خلفَ النَّجْمِ لا يتتلَّعُ
وهو منك مَناطَ الثُّرَيَّا.
وقال الأحوَص:
وإنّ بنى حَربٍ كما قد عَلِمْتُمُ ... مَناطَ الثُّرَيَّا قد تَعَلَّتْ نُجومُهَا
وقال: هو منَّى مَعْقِدَ الإِزَارِ، فأجرىَ هذا مجرى قولك: هو منّى مكانَ السارية، وذلك لأنّها أماكنُ، ومعناها هو منّى فى المكان الذي يقعد فيه الضرباءُ، وفى المكان الذى نيطَ به الثُّريَّا، وبالمكان الذى يَنزل به الولدُ، وأنت منى فى المكان الذى تَقعد فيه القابلةُ، وبالمكان الذى يُعْقَدُ عليه الإِزارُ، فإِنَّما أراد هذا المعنى ولكنه حَذف الكلامَ.
وجاز ذلك كما جاز دخلتُ البيتَ وذهبتُ الشأمَ؛ لأنَّها أماكنُ وإن لم تكنْ كالمكان.
وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو منّى مَجْلِسَكَ أو مُتَّكأََ زيدٍ، أو مَربِطَ الفرسِ، لم يجز.
فاستَعملْ من هذا ما استَعملتِ العربُ، وأَجِزْ منه ما أجازوا.
ومن ذلك قول العرب: هو منّى دَرَجَ السَّيْلٍ، أى مكانَ درجِ السيل من السيل.
قال الشاعر، وهو ابن هَرْمةَ:
أنصب للمنية تعتريهم ... رجالى أم هم درج السُّيولِ
ويقال رَجَعَ أَدْراجَه، أى رَجع فى الطريق الذى جاء فيه.
هذا معناه فأُجرى مجرى ما قبله، كما أَجروا ذلك المجرى دَرَجَ السيول.
وأمّا ما يَرتفع من هذا الباب فقولك: هو منّى فَرْسَخَانَ، وهو منّى عَدْوةُ الفَرسِ، ودَعْوةُ الرجُل، " وغَلْوةُ السهمِ "، وهو منّى يومانٍ، وهو منّى فَوْتُ اليد.
فإِنَّما فارَقَ هذا البابَ الأوّلَ لأنَّ معنى هذا أنه يخبر أن بينه وبينه فرسخين ويومين، ودعوة الرجل، وفوتاً.
ومعنى فوت اليد أنه يريد أن يقرَّبَ ما بينه وبينه.
فهذا على هذا المعنى، وجرى على الكلام الأوّل، كأنَّه هو لسَعة الكلام، كما قالوا: أَخْطَبُ ما يكون الأميرُ يومُ الجمعة.
وأمّا قول العرب: أنت منّى مَرْأَى ومَسْمَعٌ، فإِنما رفعوه لأنّهم جعلوه هو الأوّلَ، حتى صار بمنزلة قولهم: أنت مني قريب.
وزعم يونس أن ناسا من العرب يقولون:
أنصب للمنية تعتريهم ... رجالى أم هم درج السُّيولِ
فجعَلَهُم هم الدّرَجَ، كما تقول: زيدٌ قَصْدُك، إذا جعلتَ القصدَ زيداً، وكما يجوز لك أن تقول: عبدُ الله خَلْفُك، إذا جعلتَه هو الخَلْفَ.
واعلمْ أنّ هذه الحروف بعضُها أشدُّ تمكُّنًا فى أن يكون اسماً من بعض، كالقصد والنجو، والقُبْل والناحية، وأمّا الخَلْفُ والأمام والتّحْت والدُّونُ فتكون أسماءً، وكينونةُ " تلك " أسماءً أكثرُ وأَجرى في كلامهم.
وكذلك مرأى ومسمع كينونتهما أسماء أكثرُ، ومع ذلك إنّهم جعلوه اسماً خاصاً، بمنزلة المجلس والمُتَّكأَ وما أِشبه ذلك، فكرهوا أنْ يَجعلوه ظرفا.
وقد زعموا أنّ بعض الناس يَنصبه، يَجعله بمنزلة دَرَجَ السُّيول، فينصبُه، وهو قليل، كأَنّهم لمّا قالوا: بمرأى ومسمعٍ فصار غيرَ الاسم الأوَّل فى المعنى واللفظ، شبهوه بقوله: هو مني يمنزلة الولد.
وقد زعم يونسُ أنّ ناسا يقولون: هو منّى مَزْجَرُ الكلب، يجعلونه بمنزلة مَرْأًى ومسمع.
وكذلك مَقْعَدٌ ومَناطٌ، يجعلونه هو الأوّلَ فيُجرَى، كقول الشاعر:
وأنتَ مَكانُك من وائِلٍ ... مَكانُ القرادِ مِنِ أستِ الجَمَلْ
وإنما حسن الرفعُ ههنا لأنَّه جَعَل الآخِرَ هو الأوّلَ، كقولك: له رأسٌ رأسُ الحِمار.
ولو جَعل الآخِرَ ظرفًا جاز، ولكنّ الشاعر أراد أن يشبَّهَ مكانَه بذلك المكان.
وأمَّا قولهم: دارى خَلْفَ دارك فرسَخاً، فانتَصب لأنَّ خَلْفَ خَبَرٌ للدار، وهو كلامٌ قد عَمِلَ بعضُه فى بعض واستَغنى، فلمَّا قال: دارى خلف دارك أَبْهَمَ، فلم يُدْرَ ما قدرُ ذاك، فقال: فرسَخاً وذِراعا ومِيلا، أراد أن يبيَّنَ.
فيَعملُ هذا الكلامُ فى هذه الغايات بالنَّصب كما عَمل: له عِشْرون درهماً في الدرهم، كأن هذا الكلام شيء منَّونٌ يَعمل فيما ليس من اسمه ولا هو هو، كما كان: أفضلُهم رَجُلا، بتلك المنزلة.
وإنْ شئت قلت: دارى خلفَ دارك فرسخانِ، تُلْغِى خلفَ كما تُلغِى فيها إذا قلت: فيها زيدٌ قائمٌ.
وزعم يونسُ أنّ أبا عمرو كان يقول: دارى من خَلْفِ دارك فرسخانِ، فشبَّهه بقولك: دارُك منّى فرسخانِ، لأنَّ خلفَ ههنا اسمٌ، وجَعَل مِنْ فيها بمزلتها فى الاسم.
وهذا مذهبٌ قوىٌّ.
وأما العربُ فتَجعلُه بمنزلة قولك: خَلْفَ، فتَنصبُ وتَرفعُ، لأنك تقول: أنت من خَلْفى، ومعناه أنت خَلْفى، ولكنّ الكلام حَذْف.
ألاَ ترى أنَّك تقول: دارُك من خلفِ دارى، فيَستغنى الكلامُ.
وتقول: أنت منّى فرسخَينِ، أى أنت منّى ما دُمْنَا نَسيرُ فرسخَينِ، فيكون ظرفاً كما كان ما قبله مما شُبّه بالمكان.
وأما الوَقت والساعاتُ والأيّام والشُّهور والسَّنون، وما أشبه ذلك من الأزمنة والأحيان التى تكون فى الدهر، فهو قولك: " القِتالُ يومَ الجمعة "، إذا جعلت يوم الجمعة ظرفاً، و " الهلال الليلة ". وإنَّما انتَصبا لأنك جعلتهما ظرفًا وجعلتَ القتال في يوم الجمعة، والهلالَ فى الليلة.
وإن قلت: الليلةَ الهلالُ، واليومَ القِتالُ نصبتَ، التقديمُ والتأخيرُ فى ذلك سَواءٌ.
وإن شئت رفعتَ فجعلتَ الآخِرَ الأوّلَ.
وكذلك: اليومَ الجمعةُ واليومَ السبتُ، وإن شئت رفعتَ.
فأمّا اليومُ الأحَدُ، واليومُ الاثنانِ، فإِنّه لا يكون إلاّ رفعاً، وكذلك إلى الخميس، لأنه ليس يعمل فيه كأَنّك أردت أن تقول: اليومُ الخامسُ والرابعُ.
وكذلك: اليومُ خَمسةَ عَشَرَ من الشهر، إنَّما أردت هذا اليومُ تمامُ خَمْسةَ عَشَرَ من الشهر،
ويومان من الشهر رُفع كلُّه، فصار بمنزلة قولك: العامُ عامُها.
ومن العرب من يقول: اليومَ يومْك، فيَجعلُ اليومَ الأوّلَ بمنزلة الآنَ، لأنّ الرجل قد يقول: أنا اليومَ أَفعل ذاك، ولا يريد يومًا بعينه.
وتقول: عَهْدى به قَريبًا وحَديثًا، إذا لم تَجعلِ الآخِرَ هو الأوّلَ.
فإِن جعلتْ الآخِر هو الأوّلَ رفعتَ.
وإذا نصبتَ جعلتَ الحديثَ والقريبَ من الدهر.
وتقول: عَهْدى به قائمًا وعِلْمى به ذا مالٍ، فتَنصبُ على أنَّه حال وليس بالعهد ولا العلم، وليسا هنا ظرفَيْنِ.
وتقول: ضَربى عبدَ الله قائماً، على هذا الذى ذكرتُ لك.
واعلم أنَّ ظروفَ الدهرِ أشدُّ تمكّنا فى الأسماء، لأنها تكون فاعِلةً ومفعولةً.
تقول: أَهْلَكَك الليلُ والنهارُ، واستَوفيتَ أيّامَك، فأُجرِىَ الدهرُ هذا المجرى.
فأَجْرِ الأشياءَ كما أَجروها.
هذا باب الجَرّ
والجرُّ إنما يكون فى كلّ اسمٍ مضافٍ إليه.
واعلم أنّ المضاف إليه ينجر بثلاثة أشياء: بشيء ليس باسم ولا ظرف، وبشيء يكون ظرفا، وباسم لا يكون ظرفا.
فأمّا الذى ليس باسم ولا ظرف فقولك: مررتُ بعبدِ الله، وهذا لعبدِ الله، وما أنت كزيدٍ، ويالَبَكْرٍ، وتَاللهِ لا أفعلُ ذاك ومِنْ وفي
ومُذْ، وعنْ ورُب وما أشبه ذلك، وكذلك أخذتُه عن زيدٍ، وإلى زيدٍ.
وأمّا الحروفُ التى تكون ظرفاً فنحو خَلفَ وأَمامَ، وقدام ووراء، وفوق وتحت، وعند وقبل، ومع وعلى، لأنك تقول: من عليك، كما تقول: من فوقك، وذهب من معه.
وعن أيضاً ظرف بمنزلة ذات اليمين والناحية.
ألا ترى أنك تقول: من عن يمينك، كما تقول: من ناحية كذا وكذا.
وقبالة، ومكانك، ودون، وقبل، وبعد، وإزاء، وحذاء، وما أشبه هذا من الأمكنة والأزمنة.
وذلك قولك: أنت خلف عبد الله، وأمام زيد، وقُدّام أخيك، وكذلك سائُر هذه الحروف.
وهذه الظروفُ أسماءٌ، ولكنها صارت مواضعَ للأشياءِ.
وأمّا الأسماءُ فنحوُ: مِثلٍ، وغَيرٍ، وكُلَّ، وبَعْضٍ.
ومثلُ ذلك أيضاً الأسماءُ المختصَّةُ نحوُ: حِمارٍ، وجِدارٍ، ومالٍ، وأَفعَلَ نحوَ قولك: هذا أَعْمَلُ الناس، وما أشبه هذا من الأسماء كلَّها، وذلك قولك: هذا مِثْلُ عبدِ الله، وهذا كل مالك وبعض، وهذا حمار زيد وجدار أخيك، ومال عمرو.
وهذا أَشَدُّ الناسِ.
وأمَّا الباء وما أشبهها فليست بظروف ولا أسماءٍ، ولكنَّها يضاف بها
إلى الاسم ما قبله أو ما بعده.
فإِذا قلتَ: يا لَبَكْرٍ فإِنَّما أردت أن تَجعل ما يَعمل فى المُنادَى من الفعل المضمر مُضافا إلى بكرٍ باللام.
وإذا قلتَ: مررتُ بزيدٍ، فإِنَّما أضفتَ المرورَ إلى زيد بالباء، وكذلك هذا لِعبدِ الله.
وإذا قلت: أنت كعبدِ الله، فقد أضفتَ إلى عبد الله الشبَهَ بالكاف.
وإذا قلت: أخذتُه من عبدِ الله فقد أضفتَ الأَخذَ إلى عبد الله بِمن.
وإذا قلت: مُذْ زمانٍ فقد أضفتَ الأمرَ إلى وقتٍ من الزمان " بمُذ ". وإذا قلت: أنت فى الدارِ فقد أضفت كينونتَك فى الدار إلى الدار بِفى.
وإذا قلت: فيك خصلة سوء، فقد أضفت إليه الرَّداءَةَ بفِى.
وإذا قلت: رب رجل يقول ذاك، فقد أضفت القول إلى الرجل برب.
وإذا قلت: بالله والله وتالله فإِنما أضفتَ الحَلْفَ إلى الله سبحانه.
كما أضفتَ النداءَ باللام إلى بكرٍ حينَ قلت: يالَبَكْرٍ.
وكذلك رَوَيتُه عن زيدٍ، أضفتَ الرواية إلى زيد بعن.