الكتاب لسيبويهباب ما جرى على موضع المنفى

باب ما جرى على موضع المنفى

لا على الحرف الذي عمل في المنفى فمن ذلك قول ذى الرمة: بها العِينُ والآرامُ لا عِدَّ عندَها ... ولا كَرَعٌ إلا المَغاراتُ والرَّبْلُ وقال رجل من بني مَذحِج:

هذا لعَمرُكم الصَّغارُ بعينِهِ ... لا أمَّ لى إن كان ذاك ولا أبُ فزعم الخليل رحمه الله أن هذا يجرى على الموضع لا على الحرف الذي عمل في الاسم، كما أن الشاعر حين قال: فَلسْنَا بالجِبال ولا الحَديدَا أجراه على الموضع.
ومن ذلك أيضا قول العرب: لا مالَ له قليلٌ ولا كثير، رفعوه على الموضع.
ومثل ذلك أيضا قول العرب: لا مثلَه أحدٌ، ولا كزيد أحدٌ.
وإن شئت حملتَ الكلام على لا فنصبت.
وتقول: لا مثلَه رجلٌ إذا حملته على الموضع، كما قال بعضُ العرب: لا حولَ ولا قوة إلا بالله.
وإن شئت حملته على لا فنونته ونصبته.
وإن شئت قلت: لا مثلَه رجلا، على قوله: لى مثلُه غلاما.
وقال ذو الرمة: هى الدارُ إذ مَيٌّ لاهْلِكِ جيرةٌ ... لياليَ لا أمثالَهنّ لياليا

وقال الخليل رحمه الله: يدلك على أن لا رجلَ في موضع اسم مبتدإ مرفوع، قولك: لا رجلَ أفضلُ منك، كأنك قلت: زيدٌ أفضل منك.
ومثل ذلك: بحَسبك قول السّوْء، كأنك قلت: حسبك قولُ السّوْء.
وقال الخليل رحمه الله: كأنك قلت: رجلٌ أفضل منك، حين مثله.
وأما قول جرير: يا صاحبَيّ دَنا الرّواحُ فسِيرا ... لا كالعشيةِ زائراً ومَزورا فلا يكون إلا نصبا؛ من قبل أن العشية ليست بالزائر، وإنما أراد: لا أرى كالعشية زائرا، كما تقول: ما رأيت كاليوم رجلا، فكاليوم كقولك في اليوم، لأن الكاف ليست باسم.
وفيه معنى التعجب، كما قال: تالله رجلا، وسبحان الله رجلا، وإنما أراد: تالله ما رأيت رجلا، ولكنه

يترك الإظهار استغناء، لأن المخاطَب يعلم أن هذا الموضع إنما يضمَر فيه هذا الفعل، لكثرة استعمالهم إياه.
وتقول: لا كالعشية عشيةٌ، ولا كزيد رجلٌ؛ لأن الآخِر هو الأول، ولأن زيدا رجل، وصار لا كزيد كأنك قلت: لا أحدَ كزيد، ثم قلت رجلٌ، كما تقول: لا مال له قليلٌ ولا كثير، على الموضع.
قال الشاعر، امرؤ القيس: ويْلِمِّها في هواء الجو طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبُ كأنه قال: ولا شيء كهذا، ورفع على ما ذكرتُ لك.
وإن شئت نصبته على نصبه: فهل في مَعدّ فوقَ ذلك مِرفَدا كأنه قال: لا أحدَ كزيد رجلا، وحمل الرجل على زيد، كما حمل المرفد على ذلك.
وإن شئت نصبتَه على ما نصبتَ عليه لا مال له قليلا ولا كثيرا.

ونظير لا كزيد في حذفهم الاسم قولُهم: لا عليك، وإنما يريد: لا بأس عليك، ولا شيء عليك، ولكنه حذف لكثرة استعمالهم إياه.

؟ باب ما لا تُغيّر فيه لا الأسماء عن حالها

التي كانت عليها قبل أن تدخل لا

ولا يجوز ذلك إلا أن تُعيد لا الثانية؛ من قبل أنه جواب لقوله: أغلامٌ عندك أم جارية، إذا ادّعيتَ أن أحدهما عنده.
ولا يحسن إلا أن تُعيد لا، كما أنه لا يحسن إذا أردت المعنى الذي تكون فيه أم إلا أن تذكرها مع اسم بعدها.
وإذا قال لا غلامَ، فإنما هي جوابٌ لقوله: هل من غلام، وعملتْ لا فيما بعدها وإن كان في موضع ابتداء، كما عملتْ مِن في الغلام وإن كان في موضع ابتداء.
فمما لا يتغير عن حاله قبل أن تدخل عليه لا قولُ الله عز وجل ذكره: " لا خوفَ عليهم ولا هُم يحزنون ". وقال الشاعر، الراعى: وما صرَمْتُكِ حتّى قلتِ مُعلنةً ... لا ناقةٌ ليَ في هذا ولا جملُ

وقد جُعلت، وليس ذلك بالأكثر، بمنزلة ليس.
وإن جعلتها بمنزلة ليس كانت حالُها كحال لا، في أنها في موضع ابتداء وأنها لا تعمل في معرفة.
فمن ذلك قول سعد بن مالك: مَن صَدَّ عن نيرانِها ... فأنا ابنُ قيسٍ لا بَراحُ واعلم أن المعارف لا تجرى مجرى النكرة في هذا الباب، لأن لا لا تعمل في معرفة أبدا.
فأما قول الشاعر: لا هيثَمَ الليلةَ للمَطيّ فإنه جعله نكرة كأنه قال: لا هيثمَ من الهيثمَين.
ومثل ذلك: لا بضرةَ لكم.
وقال ابن الزبير الأسدى:

أرى الحاجاتِ عند أبى خُبَيبٍ ... نكِدْنَ ولا أميّةَ بالبلادِ وتقول: قضية ولا أبا حسن، تجعله نكرة.
قلت: فكيف يكون هذا وإنما أراد عليا رضى الله عنه فقال: لأنه لا يجوز لك أن تعمِل لا في معرفة، وإنما تعملها في النكرة فإذا جعلت أبا حسنٍ نكرة حسن لك أن تعمِل لا، وعلم المخاطَب أنه قد دخل في هؤلاء المنكورين عليٌّ، وأنه قد غُيِّب عنها.
فإن قلت: إنه لم يُردْ أن ينفى كل من اسمُه على؟ فإنما أراد أن ينفى منكورين كلهم في قضيته مثلُ على كأنه قال: لا أمثالَ على لهذه القضية، ودل هذا الكلام على أنه ليس لها على، وأنه قد غيب عنها.
وإن جعلته نكرة ورفعته كما رفعت لا بَراحُ، فجائز.
ومثله قول الشاعر، مُزاحم العُقَيلي:

فرَطْنَ فلا رَدٌ لِما بُتّ وانقضى ... ولكنْ بغوضٌ أن يقالَ عديمُ وقد يجوز في الشعر رفع المعرفة، ولا تثنى لا.
قال الشاعر: بكتْ جَزْعّا واسترجعت ثم آذنتْ ... ركائبُها أن لا إلينا رجوعُها واعلم أنك إذا فصلت بين لا وبين الاسم بحشو لم يحسن إلا أن تعيد لا الثانية، لأنه جُعل جواب: إذا عندك أم ذا؟ ولم تُجعل لا في هذا الموضع

بمنزلة ليس، وذلك لأنهم جعلوها، إذا رفعتْ، مثلها إذا نصبتْ؛ لا تفصل لأنها ليست بفعل.
فمما فُصل بينه وبين لا بحشوٍ قوله جل ثناؤه: " لا فيها غَوْلٌ ولا هم عنها يُنزَفون ". ولا يجوز لا فيها أحد إلا ضعيفا، ولا يحسن لا فيك خيرٌ؛ فإن تكلمت به لم يكن إلا رفعا؛ لأن لا لا تعمل إذا فُصل بينها وبين الاسم، رافعة ولا ناصبة، لما ذكرت لك.
وتقول: لا أحد أفضل منك، إذا جعلته خبرا، وكذلك: لا أحدَ خيرٌ منك: قال الشاعر: ورَدَّ جازرُهم حَرفاً مُصَرّمةً ... ولا كريمَ من الوِلدان مصبوحُ

لما صار خبرا جرى على الموضع؛ لأنه ليس بوصف ولا محمول على لا، فجرى مجرى: لا أحدَ فيها إلا زيد.
وإن شئت قلت: لا أحدٌ أفضلَ منك، في قول من جعلها كليس ويُجريها مجراها ناصبة في المواضع، وفيما يجوز أن يُحمَل عليها.
ولم تُجعل لا التي كليس مع ما بعدها كاسم واحد، لئلا يكون الرافع كالناصب.
وليس أيضاً كل شيء يخالف بلفظه يجري مجرى ما كان في معناه.
؟

جارٍ التحميل