باب ما تكون اللام فيه مكسورة
لأنه مدعوّ له ها هنا وهو غير مدعو
وذلك قول بعض العرب: يا لِلعجب ويا لِلماء، وكأنه نبّه بقوله
يا غيرَ الماء للماء.
وعلى ذلك قال أبو عمرو: يا ويلٌ لك ويا ويحٌ لك كأنه نبه إنسانا ثم جعل الويل له.
وعلى ذلك قول قيس بن ذريح: فيا لَلناس للواشي المُطاع يا لقومي لِفرْقةِ الأحبابِ كسروها لأن الاسم الذي بعدها غير منادى، فصار بمنزلته إذا قلت هذا لزيدٍ.
فاللام المفتوحة أضافت النداء إلى المنادى المخاطَب، واللام المكسورة أضافت المدعو إلى ما بعده لأنه سببُ المدعو.
وذلك أن المدعو إنما دُعي من أجل ما بعده، لأنه مدعو له.
ومما يدلك على أن اللام المكسورة ما بعدها غيرُ مدعو قوله:
يا لعنةُ اللهِ والأقوامِ كلِّهمُ ... والصالحينَ على سِمعانَ من جارِ
فيا لغير اللعنة.
وتقول: يا لَزيدٍ ولعمرو وإذا لم تجئ بيا إلى جنب اللام كسرتَ ورددتَ الى الأصل.
؟
هذا باب الندبة
اعلم أن المندوب مدعو ولكنه متفجع عليه، فإن شئت ألحقتَ في آخر الاسم الألف، لأن الندبة كأنهم يترنمون فيها؛ وإن شئت لم تُلحق كما لم تلحق في النداء.
واعلم أن المندوب لابد له من أن يكون قبل اسمه يا أو وا، كما لزم يا المستغاثَ به والمتعجَّبَ منه.
واعلم أن الألف التي تلحق المندوب تُبتح كلُّ حركة قبلها مكسورة كانت أو مضمومة لأنها تابعة للألف، ولا يكون ما قبل الألف إلا مفتوحا.
فأما ما تلحقه الألف فقولك: وازيداه، إذا لم تُضف إلى نفسك، وإن أضفتَ إلى نفسك، فهو سواء، لأنك إذا أضفتَ زيدا إلى نفسك فالدالُ مكسورة وإذا لم تُضف فالدال مضمومة، ففتحت المكسور كما فتحت
المضموم.
ومن قال يا غلامي وقرأ يا عبادي قال: وازيدِيا إذا أضاف؛ من قبل أنه إنما جاء بالألف فألحقها الياء وحركها في لغة من جزم الياء؛ لأنه لا ينجزم حرفان، وحركها بالفتح لأنه لا يكون ما قبل الألف إلا مفتوحا.
وزعم الخليل أنه يجوز في الندبة واغلامِيَهْ؛ من قبل أنه قد يجوز أن أقول واغُلاميَ فأبين الياء كما أبينها في غير النداء، وهي في غير النداء مبيّنة فيها للغتان: الفتح والوقف.
ومن لغة مَن يفتح أن يُلحق الهاء في الوقف حين يبين الحركة، كما أُلحقت الهاء بعد الألف في الوقف لأن يكون أوضحَ لها في قولك يا رَبّاه.
فإذا بينت الياء في النداء كما بينتها في غير النداء جاز فيها ما جاز إذا كانت غيرَ نداء.
قال الشاعر، وهو ابن قيس الرُقيّات:
تَبكيهم دَهماءُ مُعولةً ... وتقول سَلْمَى وارَزِيّتِيَهْ
وإذا لم تُلحق الألفَ قلت: وازيدُ إذا لم تُضف، ووازيدِ أذا أضفت، وإن شئت قلت: وازيدي.
والإلحاق وغير الإلحاق عربي فيما زعم الخليل رحمه الله ويونس.
وإذا أضفت المندوب وأضفتَ إلى نفسك المضاف إليه المندوبُ فالياء فيه أبدا بينة، وإن شئت ألحقت الألف، وإن شئت لم تُلحق.
وذلك قولك: وانقطاع ظهرياهْ، ووا انقطاعَ ظهرى.
وإنما لزمتْه الياء لأنه غير منادى.
واعلم أنك إذا وصلتَ كلامَك ذهبتْ هذه الهاء في جميع الندبة، كما تذهب في الصلة إذا كانت تبيَّن به الحركة.
وتقول: واغلامَ زيداه، إذا لم تُضف زيدا إلى نفسك.
وإنما حذفت التنوين لأنه لا ينجزم حرفان.
ولم يحركوها في هذا الموضع في النداء إذ كانت زيادة غير منفصلة من الاسم، فصارت تعاقب، وكانت أخفَّ عليهم، فهذا في النداء أحرى، لأنه موضع حذف.
وإن شئت قلت: واغلامَ زيد، كما قلت وازيدُ.
وزعموا أن هذا البيت يُنشَد على وجهين، وهو قول رؤبة:
فهْي تُنادي بأبِى وابْنِيما ويروى: بأَباَ وابناَما، فما فضلٌ، وإنما حكى نُدبتَها.
واعلم أنه إذا وافقت الياء الساكنة ياءَ الإضافة في النداء لم تحذف أبدا ياء الإضافة ولم يُكسر ما قبلها، كراهية للكسرة في الياء، ولكنهم يلحقون ياءَ الإضافة وينصبونها لئلا ينجزم حرفان.
وإذا ندبت فأنت بالخيار: إن شئت ألحقت الألفَ وإن لم تُلحق جاز كما جاز ذلك في غيره.
وذلك قولك: واغلامَيّاهْ وواقاضياهْ، وواغلاميّ وواقاضيّ، يصير مجراه ها هنا كمجراه في غير الندبة، إلا أن لك في الندبة أن تلحق الألف.
وكذلك الألف إذا أضفتها إليك مجراها في الندبة كمجراها في الخبر إذا أضفت إليك.
وإذا وافقت ياء الإضافة ألفا لم تحرَّك الألف، لأنها إن حرِّكت صارت ياء، والياء لا تدخلها كسرةٌ في هذا الموضع.
فلما كان تغييرهم إياها يدعوهم إلى ياء أخرى وكسرة تركوها على حالها كما تُركت ياء قاضي، إذ لم يخافوا التباسا وكانت أخف، وأثبتوا ياء الإضافة ونصبوها لأنه لا ينجزم حرفان.
فإذا ندبت فأنت بالخيار إن شئت ألحقت الألف كما ألحقتها في الأول وإن شئت لم تُلحقها، وذلك قولك: وامُثنّاياه وامُثنّاي.
فإن لم تُضف الى
نفسك قلت: وا مُثنّاه، وتحذف الأول لأنه لا ينجزم حرفان ولم يخافوا التباسا: فذهبتْ كما تذهب في الألف واللام، ولم يكن كالياء لأنه لا يدخلها نصبٌ.
؟ باب تكون ألفُ الندبة فيه تابعة لما قبلها
إن كان مكسورا فهي ياء، وإن كان مضموما فهي واو.
وإنما جعلوها تابعة ليفرقوا بين المذكر والمؤنث، وبين الاثنين والجميع، وذلك قولك: واظهْرَهُوهْ، إذا أضفت الظهر إلى مذكر، وإنما جعلتها واوا لتفرق بين المذكر والمؤنث إذا قلت: واظهرَهاهْ.
وتقول: واظهرهُموه، وإنما جعلت الألف واوا لتفرق بين الاثنين والجميع إذا قلت: واظهرهُماه.
وإنما حذفت الحرف الأول لأنه لا ينجزم حرفان، كما حذفت الألف الأول من قولك وامُثنّاه.
وتقول: واغلامَكِيهْ، إذا أضفت الغلام إلى مؤنث.
وإنما فعلوا ذلك ليفرقوا بينها وبين المذكر إذا قلت: واغُلامَكاه.
وتقول: واانقطاعَ ظهرهُوه، في قول من قال: مررت بظهرهو قبل.
وتقول: وانقطاع ظهرِهيهْ.
في قول من قال: مررتُ بظهرهي قبلُ.
وتقول: واأبا عمرياه وإن كنت إنما تندب الأب، وإياه تضيف إلى نفسك لا عَمراً، من قبل أن عمرا مجراه هنا كمجراه لو كان لك، لأنه
لا يستقيم لك إضافة الأب إليك حتى تجعل عمرا كانه لك، لأن ياء الإضافة عليه تقع، ولا تحذفها لأن عمرا غير منادى.
ألا ترى أنك تقول يا أبا عَمري.
ومما يدلّك على أن عمراً ها هنا بمنزلته لو كان لك، أنه لا يجوز أن تقول هذا أبو النّضرِك، ولا هذه ثلاثةُ الأثوابِك، إذا أردت أن تضيف الأب والثلاثة، من قبل أنه لا يسوغ لك ولا تصل إلى أن تضيف الأول حتى تجعل الآخِر مضافا إليك كأنه لك.
؟
هذا باب
ما لا تلحقه الألف التي تلحق المندوب
وذلك قولك: وازيدُ الظريفُ والظريفَ.
وزعم الخليل رحمه الله أنه منعه من أن يقول الظريفاه أن الظريف ليس بمنادى، ولو جاز ذا لقلت: وازيدُ أنت الفارسُ البَطَلاهْ؛ لأن هذا غير منادى كما أن ذلك غير نداء.
وليس هذا كقولك: واأميرَ المؤمنيناه، ولا مثل: واعبدَ قيساه؛ من قبل أن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد منفرد، والمضاف إليه هو تمام الاسم ومقتضاه، ومن الاسم.
ألا ترى أنك لو قلت عبدا أو أميرا، وأنت تريد الإضافة لم يجز لك.
ولو قلت هذا زيد كنتَ في الصفة بالخيار، إن شئت وصفتَ وإن شئت لم تصف.
ولستَ في المضاف إليه بالخيار، لأنه من تمام الاسم، وإنما هو بدل من التنوين.
ويدلك على ذلك أن ألف الندبة إنما تقع على المضاف إليه كما تقع على آخر الاسم المفرد، ولا تقع على المضاف، والموصوف إنما تقع ألفُ الندبة عليه لا على الوصف.
وأما يونس فيلحق الصفة الألف، فيقول: وازيدُ الظريفاه، واجُمجمتيّ الشّاميّتيْناه.
وزعم الخليل رحمه الله أن هذا خطأ.
وتقول: واقهسرُوناه، لأن هذا اسم مفرد.
وكذلك رجل سُمّي باثنَيْ عشر تقول: واثنا عشرَاه، لأنه اسم مفرد بمنزلة قِنّسرين.
وإذا ندبت رجلا يسمى ضربوا قلت: واضَربوه.
وإن سُمي ضربا
قلت: واضرباه.
فهذا بمنزلة واغلامَهاه، جعلت ألف الندبة تابعة لتفرق بين الإثنين والجميع.
ولو سميتَ رجلا بغلامهم أو غلامهما لم تحرف واحدا منهما عن حاله قبل أن يكون اسما، ولتركته على حاله الأول في كل شيء.
فكذلك ضربا وضربوا، إنما تحكى الحال الأولى قبل أن يكونا اسمين، وصارت الألف تابعة لهما كما تبعت التثنية والجمع قبل أن يكونا اسمين، نحو غلامهما وغلامهم، لأنهما كما لم يتغيرا في سائر المواضع لم يتغيرا في الندبة.
؟ هذا باب ما لا يجوز أن يُندب
وذلك قولك: وارَجُلاه ويا رُجلاه.
وزعم الخليل رحمه الله ويونس أنه قبيح، وأنه لا يقال.
وقال الخليل رحمه الله: إنما قبح لأنك أبهمت.
ألا ترى أنك لو قلت واهذاه، كان قبيحا، لأنك إذا ندبت فإنما ينبغي لك أن تفجع بأعرف الأسماء، وأن تخص ولا تُبهم؛ لأن الندبة على البيان، ولو جاز هذا لجاز يا رجلا ظريفا، فكنت نادبا نكرة.
وإنما كرهوا ذلك أنه تفاحَش عندهم أن يختلطوا وان يتفجعوا على غير معروف.
فكذلك تفاحش عندهم في المبهَم لإبهامه؛ لأنك إذا ندبت تُخبر أنك قد وقعت في عظيم، وأصابك جسيمٌ من الأمر، فلا ينبغي لك أن تُبهم.
وكذلك: وامَن في الداراه، في القبح.
وزعم أنه لا يستقبح وامَن حفر بئر زَمزماه؛ لأن هذا معروف بعينه، وكأن التبيين في الندبة عذر للتفجع.
فعلى هذا جرت الندبة في كلام العرب.
ولو قلت هذا لقلت وامن لا يعنين أمرُهوه.
فإذا كان ذا تُرك لأنه لا يُعذر على أن يُتفجّع عليه، فهو لا يُعذر بأن يتفجع ويُبهم، كما لا يُعذر على أن يتفجع على من لا يعنيه أمره.
؟