الكتاب لسيبويهباب فعلان ومصدره وفعله

باب فعلان ومصدره وفعله

أما ما كان من الجوع والعطش فإنه أكثر ما يبنى في الأسماء على فعلان ويكون المصدر الفعل، ويكون الفعل على فعل يفعل.
وذلك نحو: ظمىء يظمأ ظمأً وهو ظمآن، وعطش يعطش عطشاً وهو عطشان، وصدى يصدى صدىً وهو صديان.
وقالوا: الظماءة كما قالوا: السقامة، لأن المعنيين قريبٌ، كلاهما ضررٌ على النفس وأذى لها.
وغرث يغرث غرثاً وهو غرثان، وعله يعله علها وهو علهان، وهو شدة الغرث والحرص على الأكل.
وتقول: علهٌ كما تقول: عجلٌ، ومع هذا قرب معناه من وجع.

وقالوا: طوى يطوي طوى وهو طيان.
وبعض العرب يقول: الطوى فيبينه على فعلٍ، لأن زنة فعلٍ وفعلٍ شيء واحد، وليس بينهما إلا كسرة الأول.
وضد ما ذكرنا يجيء على ما ذكرنا، قالوا: شبع يشبع شبعا وهو شبعان، كسروا الشبع كما قالوا: الطوى، وشبهوه بالكبر والسمن حيث كان بناء الفعل واحداً.
وقالوا: روى يروي ريا وهو ريان، فأدخلوا الفعل في هذه المصادر كما أدخلوا الفعل فيها حين قالوا: السكر.
ومثله خزيان وهو الخزي للمصدر، وقالوا: الخزى في المصدر كما قالوا: العطش، اتفقت المصادر كاتفاق بناء الفعل والاسم.
وقد جاء شيءٌ من هذا على خرج يخرج، قالوا: سغب يسغب سغبا وهو ساغبٌ، كما قالوا: سلف يسفل سفلا وهو سافلٌ.
ومثله جاع يجوع جوعا وهو جائع، وناع ينوع نوعا وهو نائعٌ.
وقالوا: جوعان فأدخلوها ههنا على فاعل لأن معناه غرثان.
ومثل ذلك أيضاً من العطش: هام يهيم هيماً وهو هائمٌ، لأن معناه عطشان.
ومثل هذا قولهم: ساغبٌ وسغابٌ، وجائعٌ وجياعٌ، وهائمٌ وهيامٌ،

لما كان المعنى معنى غراث وعطاش بني على فعال كما أدخل قوم عليه فعلان إذ كان المعنى معنى غراثٍ وعطاشٍ.
وقالوا: سكر يسكر سكراً وسكرا، وقالوا: سكران، لما كان من الامتلاء جعلوه بمنزلة شبعان.
ومثل ذلك ملآن.
وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: ملئت من الطعام، كما يقولون: شبعت وسكرت.
وقالوا: قدحٌ نصفان وجمجمةٌ نصفى، وقدحٌ قربان وجمجمةٌ قربى، جعلوا ذلك بمنزلة الملآن لأن ذلك معناه معنى الامتلاء، لأن النصف قد امتلأ والقربان ممتلىءٌ أيضاً إلى حيث بلغ.
ولم نسمعهم قالوا: قرب ولا نصف، اكتفوا بقارب ونصف، ولكنهم جاءوا به كأنهم يقولون: قرب ونصف، كما قالوا: مذاكير ولم يقولوا: مذكير ولا مذكارٌ، وكما قالوا: أعزل وعزلٌ ولم يقولوا: أعازل.
وقالوا: رجلٌ شههوان وشهوى لأنه بمنزلة الغرثان والغرثى.
وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: شهيت شهوة، فجاءوا بالمصدر على فعلة، كما قالوا: حرت تحار حيرة وهو حيران.
وقد جاء فعلان وفعلى في غير هذا الباب: قالوا خزيان وخزيا، ورجلان ورجلى، وقالوا عجلان وعجلى.
وقد دخل في هذا الباب فاعلٌ كما دخل فعلٌ فشبهوه، بسخط يسخط سخطاً وهو ساخطٌ، كما شبهوا فعلٌ

يفزع يفزع فزعا وهو فزعٌ؛ وذلك قولهم، نادمٌ وراجلٌ وصادٍ.
وقالوا: غضبان وغضبى، وقالوا: غضب يغضب غضبا، جعلوه كعطش يعطش عطشا وهو عطشان، لأن الغضب يكون في جوفه كا يكون العطش.
وقالوا: ملآنةٌ، شبهوه بخمصانةٍ وندمانةٍ.
وقالوا: ثكل يثكل ثكلا، وهو ثكلان وثكلى، جعلوه كالعطش، لأنه حرارةٌ في الجوف.
ومثله لهفان ولهفى، ولهف يلهف لهفا.
وقالوا: حزنان وحزنى، لأنه غمٌّ في جوفه وهو كالثكل، لأن الثكل من الحزن.
والندمان مثله وندمى.
وأما جربان وجربى فإنه لما كان بلاء أصيبوا به بنوه على هذا كما بنوه على أفعل وفعلاء، نحو أجرب وجرباء.
وقالوا: عبرت تعبر عبرا، وهي عبرى مثل ثكلى، فالثكل مثل السكر، والعبر مثل العطش.
وقالوا: عبرى ما قالوا: ثكلى.
وأما ما كان من هذا من بنات الياء والواو التي هي عينٌ فإنما تجيىء على فعل يفعل معتلة لا على الأصل؛ وذلك عمت تعام عتمةً، وهو عيمان وهي عيمى، جعلوه كالعطش، وهو الذي يشتهي اللبن كما يشتهي ذاك الشراب، وجاءوا بالمصدر على فعلةٍ لأنه كان في الأصل على فعلٍ كما كان العطش ونحوه

على فعلٍ، وكلنهم أسكنوا الياء وأماتوها كما فعلوا ذلك في الفعل، فكأن الهاء عوضٌ من الحركة.
ومثل ذلك: غرت تغار غيرة وهو في المعنى كالغضبان.
وقالوا: حرت تحار حيرة، وهو حيران وهي حيرى، هو في المعنى كالسكران لأن كليهما مرتجٌ عليه.

جارٍ التحميل