باب عدة ما يكون عليه الكلم
وأقل ما تكون عليه الكلمة حرف واحدٌ.
وسأكتب لك ما جاء على حرف بمعناه إن شاء الله.
أما ما يكون قبل الحرف الذي يجاء به له، فالواو التي في قولك: مررت بعمرٍو وزيدٍ.
وإنما جئت بالواو لتضم الآخر إلى الأول وتجمعهما.
وليس فيه دليلٌ على أن أحدهما قبل الآخر.
والفاء، وهي تضم الشيء إلى الشيء كما فعلت الواو، غير أنها تجعل ذلك متسقاً بعضه في إثر بعض؛ وذلك قولك: مررت بعمرٍ فزيدٍ فخالدٍ، وسقط المطر بمكان كذا وكذا فمكان كذا وكذا.
وإنما يقرو أحدهما بعد الآخر.
وكاف الجر التي تجيء للتشبيه، وذلك قولك: أنت كزيدٍ.
ولام الإضافة، ومعناها الملك واستحقاق الشيء.
ألا ترى أنك تقول: الغلام لك، والعبد لك، فيكون في معنى هو عبدك.
وهو أخٌ له، فيصير نحو هو أخوك، فيكون مستحقاً لهذا كما يكون مستحقاً لما يملك.
فمعنى هذه اللام معنى إضافة الاسم.
وقد بين ذلك أيضاً في باب النفي.
وباء الجر إنما هي للإلزاق والاختلاط، وذلك قولك: خرجت بزيدٍ، ودخلت به، وضربته بالسوط: ألزقت ضربك إياه بالسوط.
فما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله.
والواو التي تكون للقسم بمنزلة الباء، وذلك قولك: والله لا أفعل.
والتاء التي في القسم بمنزلتها، وهي: تالله لا أفعل.
والسين التي في قولك: سيفعل، وزعم الخليل أنها جواب لن يفعل.
والألف في الاستفهام.
ولام اليمين التي في لأفعلن.
وأما ما جاء منه بعد الحرف الذي جيء به له فعلامة الإضمار، وهي الكاف التي في رأيتك وغلامك، والتاء التي في فعلت وذهبت، والهاء التي في عليه ونحوها.
وقد تكون الكاف غير اسم ولكنها تجيء للمخاطبة، وذلك نحو كاف ذاك.
فالكاف في هذا بمنزلة التاء في قولك: فعلت فلانة ونحو ذلك.
والتاء تكون بمنزلتها، وهي التي في أنت.
واعلم أن ما جاء في الكلام على حرفٍ قليلٌ، ولم يشذ علينا منه شيء إلا ما لا بال له إن كان شذ.
وذلك لأنه عندهم إجحاف أن يذهب من أقل الكلام عدداً حرفان.
وسنبين ذلك إن شاء الله.
واعلم أنه لا يكون اسمٌ مظهرٌ على حرف أبداً، لأن المظهر يسكت عنده وليس قبله شيءٌ ولا يلحق به شيءٌ، ولا يوصل إلى ذلك بحرف، ولم يكونوا ليجحفوا بالاسم فيجعلوه بمنزلة ما ليس باسم ولا فعلٍ وإنما يجيء لمعنى.
والاسم أبداً له من القوة ما ليس لغيره.
ألا ترى أنك لو جعلت في ولو ونحوها اسماً ثقلت.
وإنما فعلوا ذلك بعلامة الإضمار حيث كانت لا تصرف ولا تذكر إلا فيما قبلها، فأشبهت الواو ونحوها، ولم يكونوا ليخلوا بالمظهر وهو الأول القوي إذ كان قليلاً في سوى الاسم المظهر.
ولا يكون شيءٌ من الفعل على حرف واحد لأن منه ما يضارع الاسم وهو يتصرف ويبنى أبينةً، وهو الذي يلي الاسم، فلما قرب هذا القرب لم يجحف به، إلا أن تدرك الفعل علةٌ مطردةٌ في كلامهم في موضع واحد فيصير على حرف، فإذا جاوزت ذلك الموضع رددت ما حذفت.
ولم يلزمها أن تكون على حرفٍ واحد إلا في ذلك الموضع.
وذلك قولك: عِ كلاماً، وعه وشه، وقه من الوقاء.
ثم الذي يلي ما يكون على حرفٍ ما يكون على حرفين، وقد تكون عليها الأسماء المظهرة المتمكنة والأفعال المتصرفة.
وذلك قليل؛ لأنه إخلال عندهم بهن، لأنه حذفٌ من أقل الحروف عدداً.
فمن الأسماء التي وصفت لك: يدٌ، ودمٌ، وحرٌ، وستٌ، وسهٌ يعني الأست، وددٌ وهو اللهو، وعند بعضهم هو الحسن.
فإذا ألحقتها الهاء كثرت، لأنها تقوى وتصير عدتها ثلاثة أحرف.
وأما ما جاء من الأفعال فخذ، وكل، ومر.
وبعض العرب يقول: أو كل فيتم، كما أن بعضهم يقول في غدٍ: غدوٌ.
فهذا ما جاء من الأفعال والأسماء على حرفين، وإن كان شذ شيءٌ فقليلٌ.
ولا يكون من الأفعال شيءٌ على حرفين إلا ما ذكرت لك، إلا أن تلحق الفعل علةً مطردةً في كلامهم فتصيره على حرفين في موضع واحد، ثم إذا جاوزت ذلك الموضع رددت إليه ما حذفت منه، وذلك قولك: قل، وإن تق أقه.
وما لحقته الهاء من الحرفين أقل مما فيه الهاء من الثلاثة، لأن ما كان على حرفين ليس بشيءٍ مع ما هو على ثلاثة، وذلك نحو: قلةٍ، وثبةٍ، ولثةٍ وشيةٍ، وشفةٍ، ورئةٍ، وسنةٍ، وزنةٍ، وعدةٍ، وأشباه ذلك.
ولا يكون شيء على حرفين صفةً حيث قل في الاسم، وهو الأول الأمكن.
وقد جاء على حرفين ما ليس باسم ولا فعلٍ، ولكنه كالفاء والواو، وهو على حرفين أكثر لأنه أقوى، وهو في هذا أجدر أن يكون إذ كان يكون على حرف.
وسنكتب ذلك بمعناه إن شاء الله.
فمن ذلك: أم وأو، وقد بين معناهما في بابهما.
وهل وهي للاستفهام.
ولم، وهي نفيٌ لقوله فعل.
ولن وهي نفيٌ لقوله: سيفعل.
وإن، وهي للجزاء، وتكون لغواً في قولك: ما إن يفعل.
وما إن طِبُّنا جبنٌ
وأما إن مع ما في لغة أهل الحجاز فهي بمنزلة ما في قولك: إنما الثقيلة، تجعلها من حروف الابتداء، وتمنعها أن تكون من حروف ليس وبمنزاتها.
وأما ما فهي نفيٌ لقوله: هو يفعل إذا كان في حال الفعل، فتقول: ما يفعل.
وتكون بمنزلة ليس في المعنى، تقول: عبد الله منطلقٌ، فتقول: ما عبد الله منطلقٌ أو منطلقاً، فتنفي بهذا اللفظ كما تقول: ليس عبد الله منطلقاً.
وتكون توكيداً لغواً، وذلك قولك: متى ما تأتني آتك، وقولك: غضبت من غير ما جرمٍ.
وقال الله عز وجل: " فبما نقضهم ميثاقهم " وهي لغوٌ في أنها لم تحدث إذ جاءت شيئاً لم يكن قبل أن تجيء من العمل، وهي توكيدٌ للكلام.
وقد تغير الحرف حتى يصير يعمل لمجيئها غير عمله الذي كان قبل أن تجيء، وذلك نحو قوله: إنما، وكأنما، ولعلما.
جعلتهن بمنزلة حروف الابتداء.
ومن ذلك: حيثما، صارت لمجيئها بمنزلة أين.
وتكون إن كما، في معنى ليس.
وأما لا فتكون كما في التوكيد واللغو.
قال الله عز وجل: " لئلا يعلم أهل الكتاب ". أي لأن يعلم.
وتكون لا نفياً لقوله يفعل ولم يقع الفعل، فتقول: لا يفعل.
وقد تغير الشيء عن حاله كما تفعل ما، وذلك قولك: لولا، صارت لو في معنىً آخر كما صارت حين قلت لوما تغيرت كما تغيرت حيث بما، وإن بما.
ومن ذلك أيضاً: هلا فعلت، فتصير هل مع لا في معنى آخر.
وتكون لا ضداً لنعم وبلى.
وقد بين أحوالها أيضاً في باب النفي.
وأما أن فتكون بمنزلة لام القسم في قوله: أما والله لو فعلت لفعلت.
وقد بينا ذلك في موضعه.
وتكون توكيداً أيضاً في قولك: لما أن فعل، كما كانت توكيداً في القسم وكما كانت إن مع ما.
وقد تلغى إن مع ما إذا كانت اسماً وكانت حيناً.
وقال الشاعر:
ورَجٍّ الفَتَى للخير ما إنْ رأيتَه ... عَلَى السِّنِّ خيراً لا يزالُ يَزيدُ
وأما كي فجوابٌ لقوله كيمه، كما يقول لمه؟ فقتول: ليفعل كذا وكذا.
وقد بين أمرها في بابها.
وأما بل فلترك شيءٍ من الكلام وأخذٍ في غيره.
قال الشاعر حيث ترك أول الحديث، وهو أبو ذؤيبٍ:
بَلْ هَلْ أُرِيكَ حُمُولَ الحيّ غاديةً ... كالنّخْلِ زَيَّنَها ينعٌ وإِفْضَاحُ
أينع: أدرك.
وأفضح: حين تدخله الحمرة والصفرة، يعني البسر.
وقال لبيد:
بَلْ من يَرَى البَرْقَ بِتُّ أرقبه ... يزجي حبيباً إذا خَبَا ثَقَبَا
وأما قد فجواب لقوله لما يفعل، فتقول: قد فعل.
وزعم الخليل أن هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر.
وما في لما مغيرة لها عن حال لم، كما غيرت لو إذا قلت: لو ما ونحوها.
ألا ترى أنك تقول: لما، ولا تتبعها شيئاً، ولا تقول ذلك في لم.
وتكون قد بمنزلة ربما.
وقال الشاعر الهذلي:
قد أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أنامِلُه ... كأنَّ أثوابَهُ مُجّتْ بفِرْصادِ
كأنه قال: ربما.
وأما لو فلما كان سيقع لوقوع غيره.
وأما يا فتنبيه.
ألا تراها في النداء وفي الأمر كأنك تنبه المأمور.
قال الشاعر، وهو الشماخ:
ألا يا اسْقِياني قبلَ غارةِ سَنْجال ... وقَبْلَ مَنايا قد حَضَرْنَ وآجالِ
وأما من فتكون لابتداء الغاية في الأماكن، وذلك قولك: من مكان كذا وكذا إلى مكان كذا وكذا.
وتقول إذا كتبت كتاباً: من فلان إلى فلان.
فهذه الأسماء سوى الأماكن بمنزلتها.
وتكون أيضاً للتبعيض تقول: هذا من الثوب، وهذا منهم، كأنك قلت: بعضه.
وقد تدخل في موضعٍ لو لم تدخل فيه كان الكلام مستقيما ولكنها توكيد بمنزلة ما، إلا أنها تجر لأنها حرف إضافة، وذلك قولك: ما أتاني من رجلٍ، وما رأيت من أحدٍ.
ولو أخرجت من كان الكلام حسناً، ولكنه أكد بمن لأن هذا موضع تبعيضٍ، فأراد أنه لم يأته بعض الرجال والناس.
وكذلك: ويحه من رجلٍ، إنما أراد أن يجعل التعجب من بعض الرجال.
وكذلك: لي ملؤه من عسلٍ، وكذلك: هو أفضل من زيدٍ، إنما أراد أن يفضله على بعضٍ ولا يعم.
وجعل زيداً الموضع الذي ارتفع منه أو سفل منه في قولك: شرٌّ من زيدٍ، وكذلك إذا قال: أخزى الله الكاذب مني ومنك.
إلا أن هذا وأفضل منك لا يستغني عن من فيهما، لأنها توصل الأمر إلى ما بعدها.
وقد تكون باء الإضافة بمنزلتها في التوكيد، وذلك قولك: ما زيد بمنطلقٍ، ولست بذاهبٍ، أراد أن يكون مؤكداً حيث نفي الانطلاق والذهاب وكذلك: كفى بالشيب لو ألقى الباء استقام الكلام.
وقال الشاعر، من عبد بني الحسحاس:
كفى بالشيب والإِسلامُ للمرء ناهِياً
وتقول: رأيته من ذلك الموضع، فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حيث أردت الابتداء والمنتهى.
وأل تعرف الاسم في قولك: القوم، والرجل.
وأما مذ فتكون ابتداء غاية الأيام والأحيان كما كانت من فيما ذكرت لك، ولا تدخل واحدةٌ منهما على صاحبتها.
وذلك قولك: ما لقيت مذ يوم الجمعة إلى اليوم، ومذ غدوة إلى الساعة، وما لقيته مذ اليوم إلى ساعتك هذه؛ فجعلت اليوم أول غايتك فأجريت في بابها كما جرت من حيث قلت: من مكان كذا إلى مكان كذا.
وتقول: ما رأيته مذ يومين، فجعلتها غايةً كما قلت: أخذته من ذلك المكان، فجعلته غاية ولم ترد منتهىً.
وأما في فهي للوعاء، تقول: هو في الجراب، وفي الكيس، وهو في بطن أمه، وكذلك: هو في الغل، لأنه جعله إذ أدخله فيه كالوعاء له.
وكذلك: هو في القبة، وفي الدار.
وإن اتسعت في الكلام فهي على هذا، وإنما تكون كالمثل يجاء به يقارب الشيء وليس مثله.
وأما عن فلما عدا الشيء، وذلك قولك: أطعمه عن جوعٍ، جعل الجوع منصرفاً تاركاً له قد جاوزه.
وقال: قد سقاه عن العيمة.
العيمة: شهوة اللبن.
قال أبو عمرو: سمعت أبا زيد يقول: رميت عن القوس.
وناسٌ يقولون: رميت عليها.
وأنشد:
أرمِي عليها وهي فرعٌ أجمع ... وهي ثلاث أذرعٍ وإصبع
وكاه عن العرى، جعلهما قد تراخيا عنه.
ورميت عن القوس، لأنه بها قذف سهمه عنها وعداها.
وتقول: جلس عن يمينه، فجعله متراخياً عن بدنه وجعله في المكان الذي بحيال يمينه.
وتقول: أضربت عنه، وأعرضت عنه، وانصرف عنه، إنما تريد أنه تراخى عنه وجاوزه إلى غيره.
وتقول: أخذت عنه حديثاً، أي عدا منه إلي حديث.
وقد تقع من موقعها أيضاً، تقول: أطعمه من جوعٍ، وكساه من عريٍ، وسقاه من العيمة.
وما جاء من الأسماء غير المتمكنة على حرفين أكثر مما جاء من المتمكنة على حرفين نحو يدٍ ودمٍ، لأنها حيث لم تمكن ضارعت هذه الحروف، لأنه لم يفعل بها ما فعل بتلك الأسماء المتمكنة، ولم تصرف تصرفها.
وما جاء على حرفين مما وضع مواضع الفعل أكثر مما جاء من الفعل المتصرف؛ لأنها حيث لم تصرف ضارعت هذه الحروف لأنها ليست بفعل يتصرف.
وسأبين لك من ذلك إن شاء الله.
فمن الأسماء: ذا وذه، ومعناهما أنك بحضرتهما.
وهما اسمان مبهمان وقد بينا في غير هذا الموضع.
وأنا، وهي علامة المضمر.
وكذلك: هو، وهي.
وكم، وهي للمسألة عن العدد.
ومن، وهي للمسألة عن الأناسي، ويكون بها الجزاء للأناسي، ويكون بمنزلة الذي للأناسي.
وقد بين جميع ذلك في موضعه.
وما مثلها، إلا أن ما مبهمة تقع على كل شيء.
وأن بمنزلة الذي، تكون مع الصلة بمنزلة الذي مع صلتها اسماً، فيصير يريد أن يفعل بمنزلة يريد الفعل، كما أن الذي ضرب بمنزلة الضارب.
وقد بينت في بابها.
وقط، معناها الاكتفاء.
ومع، وهي للصحبة.
ومذ فيمن رفع بمنزلة إذ وحيث، ومعناها إذا رفعت قد بين فيما مضى بقول الخليل.
وأما عن فاسمٌ إذا قلت: من عن يمينك، لأن من لا تعمل إلا في الأسماء.
وعلٍ معناها الإتيان من فوقٍ.
وقال امرء القيس:
كجلود صخرٍ حَطَّه السَّيْلُ مِنَ عَلِ
وقال جرير:
حتَّى اخْتَطَفْتُكَ يا فَرَزْدَقُ مِنْ عَلِ
وإذ، وهي لما مضى من الدهر، وهي ظرفٌ بمنزلة مع.
وأما ما هو في موضع الفعل فقولك: مه، وصه، وحل للناقة، وسا للحمار.
وما مثل ذلك في الكلام على نحوه في الأسماء، إلا أنا تركنا ذكره لأنه إنما هو أمرٌ ونهيٌ، يعني هلم وإيهٍ.
ولا يختلف اختلاف الأسماء في المعاني.
واعلم أن بعض العرب يقول: م الله لأفعلن، يريد: أيم الله، فحذف حتى صيرها على حرف، حيث لم يكن متمكناً يتكلم به وحده، فجاء على حرف حيث ضارع ما جاء على حرف، كما كثرت الأسماء في الحرفين حيث ضارعت ما قبلها من غير الأسماء.
وأما ما جاء على ثلاثة أحرف فهو أكثر الكلام في كل شيءٍ من الأسماء والأفعال وغيرهما، مزيداً فيه وغير مزيدٍ فيه، وذلك لأنه كأنه هو الأول، فمن
ثم تمكن في الكلام.
ثم ما كان على أربعة أحرف بعده، ثم بنات الخمسة؛ وهي أقل لا تكون في الفعل البتة ولا يكسر بتمامه للجمع؛ لأنها الغاية في الكثرة فاستثقل ذلك فيها.
فالخمسة أقصى الغاية في الكثرة.
فالكلام على ثلاثة أحرف، وأربعة أحرف، وخمسة لا زيادة فيها ولا نقصان.
والخمسة أقل الثلاثة في الكلام.
فالثلاثة أكثر ما تبلغ بالزيادة سبعة أحرف؛ وهي أقصى الغاية والمجهود؛ وذلك نحو: اشهيبابٍ، فهو يجري على ما بين الثلاثة والسبعة.
والأربعة تبلغ هذا؛ نحو احرنجامٍ.
ولا تبلغ السبعة إلا في هذين المصدرين.
وأما بنات الخمسة فتبلغ بالزيادة ستة نحو عنصر فوطٍ؛ ولا تبلغ سبعة كما بلغتها الثلاثة والأربعة؛ لأنها لا تكون في الفعل فيكون لها مصدرٌ نحو هذا.
فعلى هذا عدة حروف الكلم، فما قصر عن الثلاثة فمحذوف؛ وما جاوز الخمسة فمزيدٌ فيه.
وسأكتب لك من معاني ما عدة حروفه ثلاثةٌ فصاعداً نحو ما كتبت لك من معاني الحرف والحرفين، إن شاء الله.
أما على فاستعلاء الشيء؛ تقول: هذا على ظهر الجبل، وهي على رأسه.
ويكون أن يطوي أيضاً مستعلياً كقولك: مر الماء عليه؛ وأمررت يدي عليه.
وأما مررت على فلانٍ فجرى هذا كالمثل.
وعلينا أميرٌ كذلك.
وعليه مالٌ أيضاً؛ وهذا لأنه شيءٌ اعتلاه ويكون: مررت عليه،
أن يريد مروره على مكانه؛ ولكنه اتسع.
وتقول: عليه مالٌ؛ وهذا كالمثل؛ كما يثبت الشيء على المكان كذلك يثبت هذا عليه؛ فقد يتسع هذا في الكلام ويجيء كالمثل.
وهو اسمٌ لا يكون إلا ظرفا.
ويدلك على أنه اسم قول بعض العرب: نهض من عليه.
قال الشاعر:
غَدَتْ مِنْ عليه بعد ما تَمّ خِمْسُها ... تَصِلُّ وعن قيضٍ ببَيْداءَ مَجْهَلِ
وأما إلي فمنتهي لابتداء الغاية، تقول: من كذا إلى كذا.
وكذلك حتى، وقد بين أمرها في بابها، ولها في الفعل نحوٌ ليس لإلي.
ويقول الرجل: إنما أنا إليك، أي إنما أنت غايتي، ولا تكون حتى ههنا: فهذا أمر إلي وأصله وإن اتسعت.
وهي أعم في الكلام من حتى، تقول: قمت إليه، فجعلته منتهاك من مكانك، ولا تقول: حتاه.
وأما حسب فمعناه كمعنى قط.
وأما غير وسوى فبدلٌ.
وكلٌّ عمٌّ، وبعضٌ اختصاصٌ، ومثلٌ تسويةٌ.
وأما بله زيدٍ فيقول: دع زيداً.
وبله ههنا بمنزلة المصدر كما تقول: ضرب زيدٍ.
وعند لحضور الشيء ودنوه.
وأما قبل، فهو لما ولي الشيء.
يقول: ذهب قبل السوق، أي نحو السوق.
ولي قبلك مالٌ، أي فيما يليك.
ولكنه اتسع حتى أجري مجرى على إذا قلت: لي عليك.
وأما نولٌ فتقول: نولك أن تفعل كذا وكذا، أي ينبغي لك فعل كذا وكذا.
وأصله من التناول كأنه يقول: تناولك كذا وكذا.
وإذا قال لا نولك فكأنه يقول: أقصر، ولكنه صار فيه معنى ينبغي لك.
وأما إذا فلما يستقبل من الدهر، وفيها مجازاةٌ، وهي ظرف، وتكون للشيء توافقه في حالٍ أنت فيها، وذلك قولك: مررت فإذا زيدٌ قائمٌ.
وتكون إذ مثلها أيضاً، ولا يليها إلا الفعل الواجب، وذلك قولك: بينما أنا كذلك إذ جاء زيد، وقصدت قصده إذ انتفخ على فلانٌ.
فهذا لما توافقه وتهجم عليه من حالٍ أنت فيها.
وأما: لكن خفيفة وثقيلة فتوجب بها بعد نفي.
وأما سوف فتنفيسٌ فيما لم يكن بعد.
ألا تراه يقول: سوفته.
وأما قبل فللأول، وبعد للآخر، وهما اسمان يكونان ظرفين.
وكيف: على أي حالٍ؟ وأين: أي مكان؟ ومتى: أي حين.
وأما حيث فمكانٌ، بمنزلة قولك: هو في المكان الذي فيه زيد.
وهذه الأسماء تكون ظروفاً.
وأما خلف فمؤخر الشيء.
وأمام: مقدمه.
وقدام بمنزلة أمام.
وفوق: أعلى الشيء.
وقالوا: فوقك في العلم والعقل، على نحو المثل.
وهذه الأسماء تكون ظروفاً.
وليس: نفيٌ.
وأيٌّ: مسألةٌ ليبين لك بعض الشيء وهي تجري مجرى ما في كل شيء.
ومن: مثل أيٍّ أيضاً، إلا أنه للناس.
وإن توكيدٌ لقوله: زيدٌ منطلقٌ.
وإذا خففت فهي كذلك توكد ما يتكلم به وليثبت الكلام، غير أن لام التوكيد تلزمها عوضاً مما ذهب منها.
وليت: تمنٍّ.
ولعل وعسى: طمعٌ وإشفاقٌ.
وأما لدن فالموضع الذي هو أول الغاية، وهو اسمٌ يكون ظرفاً.
يدلك على أنه اسمٌ قولهم: من لدن.
وقد يحذف بعض العرب النون حتى يصير على حرفين.
قال الراجز - غيلان:
يَسْتَوْعِبُ البَوْعَيْنِ من جَرِيِرِه ... مِنْ لَدُ لَحْيَيْهِ إلى مُنْحُورِهِ
ولدى بمنزلة عند.
وأما دون فتقصيرٌ عن الغاية، وهو يكون ظرفا.
واعلم أن ما يكون ظرفاً بعضه أشد تمكنا في الأسماء من بعض، ومنه ما لا يكون إلاظرفاً.
وقد بين ذلك في موضعه.
وأما قبالة فمواجهة.
وأما بلى فتوجب به بعد النفي؛ وأما نعم فعدةٌ وتصديقٌ، تقول: قد كان كذا وكذا، فيقول: نعم؛ وليسا اسمين.
وقبالة اسم يكون ظرفا.
فإذا استفهمت فقلت أتفعل؟ أجبت بنعم، فإذا قلت: ألست تفعل؟ قال: بلى، يجريان مجراهما قبل أن تجيء الألف.
وأما بجل فبمنزلة حسب.
وأما إذن فجوابٌ وجزاءٌ.
وأما لما: فهي للأمر الذي قد وقع لوقوع غيره، وإنما تجيء بمنزلة لو لما ذكرنا، فإنما هما لابتداءٍ وجوابٍ.
وكذلك: لوما، ولولا، فهما لابتداءٍ وجوابٍ.
فالأول سبب ما وقع وما لم يقع.
وأما أما ففيها معنى الجزاء.
كأنه يقول: عبد الله مهما يكن من أمره فمنطلقٌ.
ألا ترى أن الفاء لازمة لها أبداً.
وأما ألا فتنبيه، تقول: ألا إنه ذاهبٌ.
ألا: بلى.
وأما كلا فردعٌ وزجرٌ.
وأنى تكون في معنى كيف وأين.
وإنما كتبنا من الثلاثة وما جاوزها غير المتمكن الكثير الاستعمال من الأسماء وغيرها الذي تكلم به العامة لأنه أشد تفسيراً.
وكذلك الواضح عند كل أحد هو أشد تفسيراً، لأنه يوضح به الأشياء، فكأنه تفسير التفسير.
ألا ترى أن لو أن إنساناً قال: ما معنى أيان فقلت متى، كنت قد أوضحت.
وإذا قال ما معنى متى قلت في أي زمان، فسألك عن الواضح، شق عليك أن تجيء بما توضح به الواضح.
وإنما كتبنا من الثلاثة على نحو الحرف والحرفين، وفيه الإشكال والنظر.