الكتاب لسيبويهباب بدل المعرفة من النكرة

باب بدل المعرفة من النكرة

والمعرفة من المعرفة وقطع المعرفة من المعرفة مبتدأة

أما بدل المعرفة من النكرة فقولك: مررتُ برجلٍ عبدِ الله.
كأنه قيل له: بمَن مررت؟ أو ظنّ أنه يقال له ذاك، فأبدل مكانه ما هو أعرفُ منه.
ومثل ذلك قوله عز وجل ذكره: " وإنك لَتَهدي إلى صِراطٍ مستقيمٍ صِراطِ الله ".

وإن شئت قلت: مررتُ برجلٍ عبدُ الله، كأنه قيل لك: مَن هو؟ أو ظننت ذلك.
ومن البدل أيضا: مررتُ بقوم عبدِ الله وزيد وخالد، والرفعُ جيد.
وقال الشاعر، وهو بعض الهُذليين، وهو مالك بن خُويلد الخُناعي: يا مَيّ إنْ تَفقِدي قوماً وَلدتِهمِ ... أو تُخلَسيهم فإِّنْ الدهر خلاسُ عمرٌو وعبدُ مَنافٍ والذى عهدَتْ ... ببَطْنِ عرعرَ آبِى الضَّيْمِ عباسُ

والرفع جائز قوى، لأنه لم ينقض معنى كما فعل ذلك في النكرة.
وأما المعرفة التي تكون بدلا من المعرفة، فهو كقولك: مررتُ بعبد الله زيد، إما غلطتَ فتداركتَ، وإما بدا لك أن تُضرِب عن مرورك بالأول وتجعله للآخر.
وأما الذي يجيء مبتدأ فقول الشاعر، وهو مُهلهلٌ: ولقد خبَطنَ بيوتَ يَشكُرَ خَبطةً ... أخوالُنا وهُمُ بنو الأعمامِ كأنه حين قال: خبطنَ بيوت يشكرَ قيل له: وما هم؟ فقال: أخوالُنا وهم بنو الأعمام.
وقد يكون مررتُ بعبد الله أخوك، كأنه قيل له: مَن هو؟ أو مَن عبدُ الله، فقال: أخوك.
وقال الفرزدق: ورثتُ أَبى أخلاقَه عاجِلَ القِرى ... وعَبطَ المَهاري كُومُها وشَبوبُها

كأنه قيل له: أيُّ المهارى؟ فقال: كومُها وشَبوبُها.
وتقول: مررتُ برجلٍ الأسدِ شدة، كأنك قلت: مررتُ برجلٍ كامل، لأنك أردت أن ترفع شأنَه.
وإن شئت استأنفتَ، كأنه قيل له: ما هو.
ولا يكون صفة كقولك: مررتُ برجلٍ أسدٍ شدة، لأن المعرفة لا توصَف بها النكرة، ولا يجوز أن توصَف بنكرة أيضا لما ذكرتُ لك.
والابتداء في التبعيض أقوى.
وهذا عربي جيد: قوله أخولُنا، وقد جاء في النكرة في صفتها، فهو في ذا أقوى.
قال الراجز: وساقيَيْن مثلِ زيدٍ وجُعَل ... سَقْيانٍ مَمشوقان مَكنوزاً العَضَلْ

؟ باب ما يجرى عليه صفةُ ما كان من سببه

وصفتُ ما التبس به أو بشيء من سببه كمجرى صفته التي خَلصتْ له هذا ما كان من ذلك عملا.
وذلك قولك: مررتُ برجلٍ ضاربٍ أبوه رجلا، ومررتُ برجلٍ ملازمٍ أبوه رجلا.
ومن ذلك أيضا: مررت برجل ملازم أباه رجلٌ، ومررت برجل مخالط أبه داءٌ.
فالمعنى فيه على وجهين: إن شئت جعلته يلازمه ويخالطه فيما يُستقبل، وإن شئت جعلته عملا كائنا في حال مرورك.
وإن ألقيتَ التنوينَ وأنت تريد معناه جرى مثله إذا كان منونا.
ويدلك على ذلك أنك تقول: مررتُ برجلٍ ملازمك.
فيَحسُن ويكون صفة للنكرة، بمنزلته إذا كان منونا.
وحين قلت: مررتُ برجل ملازم أباه رجلٌ، وحين قلت: مررتُ برجل ملازم أبيه رجلٌ، فكأنك قلت في جميع هذا: مررتُ برجل ملازم أباه، ومررتُ برجلٍ ملازم أبيه، لأن هذا يجري مجرى الصفة التي تكون خالصة للأول.
وتقول: مررتُ برجلٍ مخالِطِ بَدنه أو جسدِه داءٌ، فإن ألقيتَ

التنوينَ جرى مجرى الأول إذا أردتَ ذلك المعنى، ولكنك تلقى التنوين تخفيفا.
فإن قلت: مررتُ برجلٍ مخالطِه داء، وأردتَ معنى التنوين جرى على الأول، كأنك قلت: مررتُ برجل مخالطٍ إياه داء.
فهذا تمثيل، وإن كان يقبحُ في الكلام.
فإذا كان يجري عليه إذا التبس بغيره فهو إذا التبس به أحرى أن يجري عليه.
وإن زعم زاعمٌ أنه يقول مررتُ برجل مخالطِ بدنه داء، ففرق بينه وبين المنوَّن.
قيل له: ألستَ تعلم أن الصفة إذا كانت للأول فالتنوين وغير التنوين سواء، إذا أردت بإسقاط التنوين معنى التنوين، نحو قولك: مررتُ برجل ملازمٍ أباك، ومررت برجلٍ ملازمِ أبيك، أو ملازمِك، فإنه لا يجد بُدّاً من أن يقول نعم، وإلا خالف جميعَ العرب والنحويين.
فإذا قال ذلك قلتَ: أفلستَ تجعل هذا العمل إذا كان منونا وكان لشيء من سبب الأول أو التبس به، بمنزلته إذا كان للأول؟ فإنه قائل: نعم،

وكأنك قلت مررتُ برجل ملازم.
فإذا قال ذلك قلتَ له: ما بالُ التنوين وغير التنوين استويا حيث كانا للأول واختلفا حيث كانا للآخِر، وقد زعمتَ أنه يجري عليه إذا كان للآخِر كمجراه إذا كان للأول.
ولو كان كما يزعمون لقلتَ: مررتُ بعبد الله الملازمِه أبوه؛ لأن الصفة المعرفة تجري على المعرفة كمجرى الصفة النكرة على النكرة.
ولو أن هذا القياس لم تكن العرب الموثوق بعربيتها تقوله لم يُلتفت إليه، ولكنا سمعناها تنشد هذا البيت جرا، وهو قول ابن ميادة المُرّيّ، من غَطَفان: وارتَشْنَ حين أردنَ أن يَرميننا ... نَبلاً بلا ريشِ ولا بقِداحِ ونظرْنَ من خَلَل الخدور بأعيُنٍ مَرضى مُخالطها السّقامُ صِحاحِ وسمعنا من العرب من يرويه ويروى القصيدة التي فيها هذا البيت، لم يلقنه أحدٌ هكذا.
وأنشد غيره من العرب بيتا آخر فأجروه هذا المجرى، وهو قوله:

حَمينَ العَراقيبَ العصا وتركنَه ... به نَفَسٌ عالٍ مُخالطُه بُهْرُ فالعمل الذي لم يقع والعمل الواقع الثابت في هذا الباب سواء، وهو القياس وقولُ العرب.
فإن زعموا أن ناسا من العرب ينصبون هذا فهم ينصبون: به داء مخالطَه، وهو صفة للأول.
وتقول: هذا غلامٌ لك ذاهباً.
ولو قال: مررتُ برجل قائما جاز، فالنصب على هذا.
وإنما ذكرنا هذا لان ناسا من النحويين يفرقون بين التنوين وغير التنوين، ويفرقون إذا لم ينونوا بين العمل الثابت الذي ليس فيه علاجٌ يرونه، نحو الآخذ واللازم والمخالط وما أشبهه، وبين ما كان علاجا يرونه، نحو الضارب والكاسر، فيجعلون هذا رفعا على كل حال، ويجعلون اللازم وما أشبهه نصبا إذا كان واقعاً، ويُجرونه على الأقل إذا كان غير واقع.
وبعضهم يجعله نصبا إذا كان واقعا ويجعله على كل حال رفعا إذا كان غير واقع.
وهذا قول يونس، والأول قول عيسى.

فإذا جعله اسما لم يكن فيه إلا الرّفعُ على كل حال.
تقول: مررتُ برجلٍ ملازمُه رجل، أى مررت برجلٍ صاحبُ ملازَمتِه رجلٌ، فصار هذا كقولك: مررتُ برجل أخوه رجل.
وتقول على هذا الحد: مررت برجلٍ ملازمُوه بنو فلان.
فقولك ملازموه يدلك على أنه اسم، ولو كان عملا لقلت: مررت برجلٍ ملازمه قومُه، كأنك قلت: مررتُ برجلٍ ملازمٍ إياه قومُه، أى قد لزم إياه قومُه.
؟

هذا باب

ما جرى من الصفات غير العمل على الاسم الأول

إذا كان لشيء من سببه

وذلك قولك: مررت برجلٍ حسَنٍ أبوه، ومررتُ برجلٍ كريمٍ أخوه وما أشبه هذا، نحو المسلم والصالح والشيخ والشاب.
وإنما أُجريت هذه الصفات على الأول حتى صارت كأنها له لأنك قد تضعها في موضع اسمِه فيكون منصوبا ومجرورا ومرفوعا، والنعتُ لغيره.
وذلك قولك: مررت بالكريم أبوه، ولقيتُ موسَّعاً عليه الدنيا، وأتاني الحسنةُ أخلاقُه، فالذي أتاك والذي أتيتَ غيرُ صاحب الصفة، وقد وقع موقعَ اسمه وعمل فيه ما كان عاملا فيه، وكأنك قلت: مررتُ بالكريم، ولقيتُ موسَّعاً عليه، وأتاني الحسنُ، فكما جرى مجرى اسمه كذلك جرى مجرى صفته.

؟

جارٍ التحميل