باب المنفى المضاف بلام الإضافة
اعلم أن التنوين يقع من المنفى في هذا الموضع إذا قلت: لا غلامَ لك كما يقع من المضاف إلى اسم، وذلك إذا قلت: لا مثلَ زيد.
والدليل على ذلك قول العرب: لا أبا لك، ولا غلامَيْ لك، ولا مُسلمَيْ لك.
وزعم الخليل رحمه الله أن النون إنما ذهبت للإضافة، ولذلك ألحقت الألف التي لا تكون إلا في الإضافة.
وإنما كان ذلك من قبل أن العرب قد تقول: لا أباك، في معنى لا أبالك، فعلموا أنهم لو لم يجيئوا باللام لكان التنوين ساقطا كسقوطه في لا مثل زيد
فلما جاءوا بلام الإضافة تركوا الاسم على حاله قبل أن تجيء اللام إذ كان المعنى واحدا، وصارت اللام بمنزلة الاسم الذي ثُنّي به في النداء، ولم يغيروا الأول عن حاله قبل أن تجيء به، وذلك قولك: يا تَيْم تَيْم عَديّ، وبمنزلة الهاء إذا لحقت طلحةَ في النداء، لم يغيروا آخر طلحةَ عما كان عليه قبل أن تلحق، وذلك قولهم: كِلينى لهمٍّ يا أميمةَ ناصبِ ومثل هذا الكلام قول الشاعر إذا اضطُر، للنابغة:
يا بؤسَ للجَهْلِ ضَرّاراً لأقوامِ حملوه على أن اللام لو لم تجئ لقلت يا بؤسَ الجهل.
وإنما فُعل هذا في المنفى تخفيفا، كأنهم لم يذكروا اللام كما أنهم إذ قالوا يا طلحةَ أقبلْ فكأنهم لم يذكروا الهاء، وصارت اللام من الاسم بمنزلة الهاء من طلحة لا تغير الاسم عن حاله قبل أن تلحق، كما لا تغير الهاء الاسمَ عن حاله قبل أن تلحق، فالنفيُ في موضع تخفيف كما أن النداء في موضع تخفيف، فمن ثم جاء فيه مثل ما جاء في النداء.
وإنما ذهبت النون في لا مُسلمَيْ لك على هذا المثال، جعلوه بمنزلة ما لو حُذفت بعده اللام كان مضافاً إلى اسم وكان في معناه إذا ثبتت بعده اللام، وذلك قولك: لا أباك؛ فكأنهم لو لم يجيئوا باللام قالوا لا مُسلمَيْك فعلى هذا الوجه حذفوا النون في لا مُسلمَي لك، وذا تمثيلٌ وإن لم يُتكلم بلا
مسلمَيْكَ.
قال مسكين الدارمى:
وقد مات شماخٌ وماتَ مزَرِّدٌ ... وأيُّ كريمٍ لا أباكَ يمتَّعُ
ويُروى: مخلّدُ.
وتقول: لا يَدَينِ بها لك، ولا يدينِ اليوم لك، إثبات النون أحسن، وهو الوجه.
وذلك أنك إذا قلت: لا يَدَيْ لك ولا أبالك، فالاسمُ بمنزلة اسم ليس بينه وبين المضاف إليه شيء؛ نحو لا مِثل زيد؛ فكما قبح أن تقول لا مثل بها زيد فتفصل، قبح أن تقول لا يَدَي بها لك، ولكن تقول: لا يَدَين بها لك، ولا أبَ يوم الجمعة لك، كأنك قلت: لا يدين بها ولا أبَ يوم الجمعة، ثم جعلت لك خبرا، فرارا من القبح.
وكذلك إن لم تجعل لك خبرا ولم تفصل بينهما، وجئت بلك بعد أن تضمر مكانا وزمانا كإضمارك إذا قلت: لا رجلَ.
ولا بأس، وإن أظهرت
فحسن.
ثم تقول لك لتبين المنفى عنه، وربما تركتَها استغناء بعلم المخاطب، وقد تذكرها توكيدا وإن عُلم من تعنى.
فكما قبح أن تفصل بين المضاف والاسم المضاف إليه قُبح أن تفصل بين لك وبين المنفى الذي قبله؛ لأن المنفى الذي قبله إذا جعلته كأنه اسمٌ لم تفصل بينه وبين المضاف إليه بشيء، قبح فيه ما قُبح في الاسم المضاف إلى اسم لم تجعل بينه وبينه شيئا؛ لأن اللام كأنها ههنا لم تُذكر.
ولو قلت هذا لقلت لا أخا هذينِ اليومين لك.
وهذا يجوز في الشعر؛ لأن الشاعر إذا اضطرّ فصل بين المضاف والمضاف إليه.
قال الشاعر، وهو ذو الرمة:
كأن أصواتَ من إيغالهن بنا ... أواخرِ المَيس أصواتُ الفراريجِ
وإنما اختير الوجهُ الذي تثبَت فيه النون في هذا الباب كما اختير في كم إذا قلت كم بها رجلا مصابا، وأنت تُخبر، لغة من ينصب بها، لئلا يفصَل بين الجار والمجرور: ومن قال: كم بها رجل مصاب فلم يُبالِ القبح قال: لا يَدَيْ بها لك، ولا أخا يوم الجمعة لك، ولا أخا فاعلم لك.
والجر في كم بها رجلٍ مصابٍ، وترك النون في لا يَديْ بها لك، قول
يونس، واحتج بأن الكلام لا يستغنى إذا قلت كم بها رجلٍ.
والذي يستغنى به الكلام وما لا يستغنى به قبحهما واحدٌ إذا فصلت بكل واحد منهما بين الجار والمجرور.
ألا ترى أن قبح كم بها رجلٍ مصاب، كقبح رُبّ فيها رجل، فلو حسن بالذي لا يستغنى به الكلام لحسُن بالذي يستغنى به، كما أن كل مكان حسن لك أن تفصل فيه بين العامل والمعمول فيه بما يحسن عليه السكوت حسن لك أن تفصل فيه بينهما بما يقبح عليه السكوت.
وذلك قولك: إن بها زيدا مصابٌ، وإن فيها زيدا قائمٌ، وكان بها زيد مصابا، وكان فيها زيدٌ مصابا.
وإنما يفرَق بين الذي يحسُن عليه السكوت وبين الذي لا يحسن عليه في موضع غير هذا.
وإثبات النون قول الخليل رحمه الله.
وتقول: لا غلامَينِ ولا جريتَيْ لك، إذا جعلت الآخِر مضافا ولم تجعله خبراً له، وصار الأول مضمَراً له خبرٌ، كأنك قلت: لا غلامين في مِلكك ولا جاريتيْ لك، كأنك قلت: ولا جاريتَيك في التمثيل، ولكنهم لا يتكلمون.
فإنما اختُصّت لا في الأب بهذا كما اختُصّ لدُن مع غُدوةَ بما ذكرت لك.
ومن كلامهم أن يجري الشيء على ما لا يستعمل في كلامهم، نحو
قولهم: ملامحُ ومذاكيرُ، لا يستعملون لا مَلمَحةً ولا مِذكاراً؛ وكما جاء عذيرك على مثال ما يكون نكرة ومعرفة نحو ضَرباً وضرْبَك، ولا يُتكلم به إلا معرفة مضافة.
وسترى نحو هذا إن شاء الله.
ومنه ما قد مضى.
وإن شئت قلت: لا غلامين ولا جريتين لك، إذا جعلت لك خبرا لهما، وهو قول أبى عمرو.
وكذلك إذا قلت: لا غلامين لك وجعلت لك خبرا، لأنه لا يكون إضافة وهو خبرٌ لأن المضاف يحتاج إلى الخبر مضمَراً او مظهَراً.
ألا ترى أنه لو جاز تيمُ تَيمُ عدى في غير النداء لم يستقم لك إلا أن تقول ذاهبون.
فإذا قلت لا أبا لك فها هنا إضمارُ مكان، ولكنه تُرك استخفافا واستغناء.
قال الشاعر، وهو نهارُ بن تَوسِعة اليشكُريّ فيما جعله خبرا:
أبِى الإسلامُ لا أبَ لي سواهُ ... اذا افتَخروا بقيسٍ أو تميمِ
وإذا ترك التنوين فليس الاسم مع لا بمنزلة خمسة عشر، لأنه لو أراد ذلك لجعل لك خبرا وأظهر النون، أو أضمر خبرا ثم جاء بعدها بلك توكيدا، ولكنه أجراه مجرى ما ذكرت لك في النداء، لأنه موضع حذف وتخفيف، كما أن النداء كذلك.
وتقول أيضا إن شئت: لا غلامين ولا جاريتين لك، ولا غلامين وجاريتين، كأنك قلت: لا غلامين ولا جاريتين في مكان كذا وكذا لك، فجاء بلك بعد ما بنى على الكلام الأول في مكان كذا وكذا، كما قال: لا يَدَين بها لك، حين صيره كأنه جاء بلك فيه بعد ما قال لا يَدين بها في الدنيا.
واعلم أن المنفي الواحد إذا لم يك لك فإنما يُذهب منه التنوين كما أُذهب من آخر خمسة عشر، كما أُذهب من المضاف.
والدليل على ذلك أن العرب تقول: لا غلامين عندك، ولا غلامين فيها، ولا أبَ فيها؛ وأثبتوا النون لأن النون لا تُحذف من الاسم الذي يُجعل وما قبله أو وما بعده بمنزلة اسم واحد.
ألا تراهم قالوا: الذين في الدار، فجعلوا الذين وما بعده من الكلام بمنزلة اسمين جُعلا اسما واحدا، ولم يحذفوا النون لأنها لا تجيء على حد التنوين.
ألا تراها تدخل في الألف واللام وما لا ينصرف.
وإنما صارت الأسماء حين وَلِيَت لك بمنزلة المضاف لأنهم كأنهم ألحقوا اللام بعد اسمٍ كان مضافا، كما أنك حين قلت: يا تيمَ تيمَ عَديّ فإنما ألحقتَ الاسم اسماً كان مضافاً، ولم يغير الثاني المعنى كما أن اللام لم تغير معنى لا أباكَ.
وإذا قلت: لا أبَ فيها، فليست فى من الحروف التي إذا لحقتْ بعد مضاف لم تغير المعنى الذي كان قبل أن تلحق.
ألا ترى أن اللام لا تغير معنى المضاف إلى الاسم إذا صارت بينهما، كما أن الاسم الذي يثنى به لا يغير المعنى إذا صار بين الأول والمضاف إليه، فمن ثم صارت اللام بمنزلة الاسم يثنى به.
وتقول: لا غلامَ وجارية فيها، لأن لا إنما تُجعل وما تعمل فيه اسما واحدا إذا كانت إلى جنب الاسم، فكما لا يجوز أن تفصل خمسة من عشر، كذلك لم يستقم هذا لأنه مشبه به، فإذا فارقه جرى على الأصل.
قال الشاعر:
لا أبَ وابناً مثلُ مَروانَ وابنِه ... اذا هو بالمَجْد ارْتَدى وتأَزَّرَا
وتقول: لا رجلَ ولا امرأةً يا فتى إذا كنت لا بمنزلتها في ليس حين تقول: ليس لك لا رجلٌ ولا امرأة فيها.
وقال رجل من بنى سُليم، وهو أنس بن العباس:
لا نسبَ اليومَ ولا خُلةً ... اتَّسَعَ الخَرقُ على الراقِع
وتقول: لا رجلَ ولا امرأةَ فيها، فتُعيد لا الأولى كما تقول: ليس عبد الله وليس أخوه فيها، فتكون حالُ الآخرة في تثنيتها كحال الأولى.
فإن قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك، إذا كانت الثانية هي الأولى، أثبت النون، لأن لكَ خبرٌ عنهما، والنون لا تذهب إذا جعلتهما كاسم واحد، لأن النون أقوى من التنوين، فلم يُجروا عليها ما أجرَوا على التنوين في هذا الباب؛ لأنه مفارِق للنون، ولأنها تثبت فيما لا يَثبت فيه.
واعلم أن كل شيء حسن لك أن تُعمل فيه تُبّ حسُن لك أن تعمِل فيه لا.
وسألت الخليلَ رحمه الله عن قول العرب: ولاسيما زيدٍ، فزعم أنه مثل قولك: ولا مثلَ زيدٍ، وما لَغوٌ.
وقال: ولاسيما زيدٌ كقولهم دعْ ما زيدٌ، وكقوله: " مثلا ما بَعوضةٌ "؛ فسيٌّ في هذا الموضع بمنزلة مثل، فمن ثم عملتْ فيه لا كما تعمل رُبّ في مثل، وذلك قولك: رب مثلِ زيدٍ.
وقال أبو محجن الثقفى:
يا رُبّ مثلِكِ فى النساء غريرةٍ ... بيضاءَ قد متّعْتُها بطَلاقِ
هذا باب
ما يثبت فيه التنوين من الأسماء المنفية
وذلك من قبل أن التنوين لم يصر منتهى الاسم، فصار كأنه حرف قبل آخر الاسم، وإنما يُحذف في النفى والنداء منتهى الاسم.
وهو قولك: لا خيرا منه لك، ولا حسَناً وجهُه لك، ولا ضاربا زيدا لك؛ لأن ما بعد حسنٍ وضاربٍ وخيرٍ صار من تمام الاسم فقبح عندهم أن يحذفوا قبل أن ينتهوا إلى منتهى الاسم؛ لأن الحذف في النفى في أواخر الأسماء.
ومثل ذلك قولك: لا عشرين درهما لك.
وقال الخليل رحمه الله: كذلك لا آمِراً بالمعروف لك، إذا جعلت بالمعروف من تمام الاسم وجعلتَه متصلا به، كأنك قلت: لا آمِراً معروفا لك.
وإن قلت لا آمِرَ بمعروف، فكأنك جئت بمعروف بعد ما بنيتَ على الأول كلاما، كقولك: لا آمِرَ في الدار يوم الجمعة.
وإن شئت جعلته كأنك قلت: لا آمِر يوم الجمعة فيها؛ فيصير المبني على الأول مؤخَّراً، ويكون المُلغى مقدما.
وكذلك لا راغبا إلى الله لك، ولا مُغيراً على الأعداء لك، إذا جعلت الآخِر متصلا بالأول كاتصال منك بأفعل.
وإن جعلته منفصلا من
الأول كانفصال لك من سَقياً لك لم تنوّن، لأن يصير حينئذ بمنزلة يوم الجمعة.
وإن شئت قلت: لا آمرا يومَ الجمعة إذا نفيتَ الآمرينَ يوم الجمعة لا من سواهم من الآمرين، فإذا قلت: لا آمرَ يومَ الجمعة فأنت تنفى الآمرين كلهم ثم أعلمت في أى حين.
وإذا قلت لا ضاربا يوم الجمعة فإنما تنفى ضاربى يوم الجمعة في يومه أو في يوم غيره، وتجعل يوم الجمعة فيه منتهى الاسم.
وإنما نونت لأنه صار منتهى الاسم اليوم، كما صار ما ذكرتُ منتهى الاسم، وصار التنوين كأنه زيادة في الاسم قبل آخِره نحو واو مضروب وألف مُضارب، فنونت كما نونتَ في النداء كل شيء صار منتهى الاسم فيه ما بعده وليس منه.
فنوِّنْ في هذا ما نوّنتَه في النداء مما ذكرت لك إلا النكرة فإن النكرة، في هذا الباب بمنزلة المعرفة في النداء.
ولا تعمل لا إلا في النكرة، تُجعل معها بمنزلة خمسة عشر، فالنكرة ههنا بمنزلة المعرفة هناك، إلا ما ذكرت لك.
؟
هذا باب وصف المنفى
اعلم أنك إذا وصفت المنفى فإن شئت نونت صفةَ المنفى وهو أكثر في الكلام، وإن شئت لم تنون.
وذلك قولك: لا غلام ظريفا لك، ولا غلامَ ظريفَ لك.
فأما الذين نونوا فإنهم جعلوا الاسم ولا بمنزلة اسم واحد، وجعلوا صفة المنصوب في هذا الموضع بمنزلته في غير النفى.
وأما الذين قالوا: لا غلامَ ظريفَ لك، فإنهم جعلوا الموصوف والوصف بمنزلة اسم واحد.
فإذا قلت: لا غلامَ ظريفاً لك، فأنت في الوصف الأول بالخيار، ولا يكون الثاني إلا منونا؛ من قبل أنه لا تكون ثلاثة أشياء منفصلة بمنزلة اسم واحد.
ومثل ذلك: لا غلامَ فيها ظريفا، إذا جعلتَ فيها صفة أو غير صفة.
وإن كررتَ الاسمَ فصار وصفا فأنت فيه بالخيار، إن شئت نوّنتَ وإن شئت لم تنون.
وذلك قولك: لا ماءَ ماءَ باردا، ولا ماءَ ماءَ باردا.
ولا يكون باردا إلا منوّناً، لأنه وصفٌ ثانٍ.
؟