الكتاب لسيبويهباب الصفة المشبَّهة بالفاعل فيما عَمِلتْ فيه

باب الصفة المشبَّهة بالفاعل فيما عَمِلتْ فيه

ولم تقوم أن تَعمل عَمَلَ الفاعل لأنّها ليست فى معنى الفِعل المضارِع، فإِنَّما شُبَّهَتْ بالفاعل فيما عَملتْ فيه.
وما تَعْمَلُ فيه معلومٌ، إنَّما تَعمل فيما كان من سببها مُعَرَّفا بالألف واللام أو نكرةً، لا تُجاوِز هذا؛ لأنَّه ليس بفعلٍ ولا اسم هو فى معناه.
والإضافةُ فيه أحسنُ وأكثر، لأنَّه ليس كما جرى مجرى الفعل ولا فى معناه، فكان أحسنَ عندهم أن يَتباعدَ منه فى اللفظ، كما أنَّه ليس مثلَه فى المعنى وفى قوّته فى الأشياء.
والتنوينُ عربىٌّ جيّدٌ.
ومع هذا إنهم

لو تركوا التنوينَ أو النونَ لم يكن أَبداً إلاّ نكرةً على حاله منوَّنا.
فلما كان تركُ التنوين فيه والنون لا يُجاوَزُ به معنى النون والتنوين، كان تركُهما أخفَّ عليهم، فهذا يقوَّى " أَنَّ " الإِضافة " أَحسنُ "، مع التفسير الأوَّلِ.
فالمضافُ قولك: هذا حَسَنُ الوجهِ، وهذه حَسَنَةُ الوجهِ.
فالصَّفةُ تَقَعُ على الاسم الأوَّل ثم توصِلُها إلى الوجه وإلى كلّ شيء من سببه على ما ذكرتُ لك، كما تقول: هذا ضاربُ الرجلِ، وهذه ضاربةُ الرجلِ؛ إلاَّ أنَّ الحُسن فى المعنى للوجه والضَّربُ ههنا للأوَّل.
ومن ذلك قولهم: هو أَحْمَرُ بَيْنِ العينينِ، وهو جيَّدُ وجهِ الدار.
وممّا جاء منَّونا قول زُهَيْر: أَهْوَى لها أَسْفَعُ الخَدَّيْنِ مُطَّرِقٌ ... رِيشَ القَوَادِمِ لم تُنصَبْ له الشبك

وقال العجّاج: مُحْتَبِكٌ ضَخْمٌ شئوُنَ الرَّأْسِ وقال أيضاً النابغة: ونَأْخُذْ بعدَه بِذِنابِ عَيْشٍ ... أَجَبَّ الظَّهْرَ ليس له سَنامُ وهو فى الشعر كثير.
واعلم أنّ كينونة الألف واللام فى الاسم الآخِرِ أكثرُ وأحسنُ من أن لا تكون فيه الألفُ واللام، لأنَّ الأوَّل فى الألف واللام وفى غيرِهما ههنا على حالةٍ واحدةٍ، وليس كالفاعل، فكان إدخالُهما أَحسنَ وأَكثرَ، كما كان تركُ التنوين أكثرَ، وكان الألفُ واللام أَولَى لأنَّ معناه حَسَنٌ وجهُه.
فكما لا يكون

هذا إلاّ معرفةً اختاروا فى ذلك المعرفةَ.
والأُخرى عربيّةٌ، كما أنَّ التنوين " والنون " عربىٌّ مطَّرِدٌ.
فمن ذلك قوله: " " هو " حديثُ عَهْدٍ بالوَجَعِ ". وقال عَمرو بن شأسٍ: أَلِكْنْى إلى قومى السَّلامَ رِسالةً ... بآيَةِ ما كانوا ضِعافاً ولا عزلاً ولا سيئي زِىًّ إذا ما تَلَبّسوا ... إلى حاجةٍ يوماً مخيسة بُزْلاَ وقال حُميدٌ الأرقطُ: لاحِقُ بَطْنِ بِقَراً سمين

ومما جاء منوناً قول أبى زُبَيْدٍ " يَصِفُ الأسدَ ": كأَنّ أَثوابَ نَقّادٍ قُدِرْنَ له ... يَعْلُو بِخَمْلتِها كَهْبَاءَ هُدَّابَا وقال أيضاً: هَيْفاءُ مُقْبِلةً عَجْزاءُ مُدْبِرةً ... مَحْطوطةٌ جُدِلتْ، شَنْباءُ أَنْياباَ وقال عيد بن زيد: من حبيب أو أخي ثقة ... أو عَدُوًّ شاحطٍ دارَا

وقد جاء فى الشعر حسنةُ وَجْهِها، شَبّهوه بحسنة الوجه، وذلك رديء " لأنّه بالهاء معرفة كما كان بالألف واللام، وهو من سبب الأوّل كما أنه من سببه بالألف واللام ". قال الشمّاخ: أَمِنْ دِمْنَتَيْنِ عرس الركب فيهما ... بحقل الرُّخامَى قد عَفا طَللاَهما أَقامتْ على رَبْعَيهما جارَتَا صَفاً ... كُمَيْتَا الأَعالِى جَوْنَتَا مُصطَلاهما واعلم أنه ليس فى العربية مضافٌ يَدخل عليه الألفُ واللام غيرُ المضاف

إلى المعرفة فى هذا الباب، وذلك قولك: هذا الحَسَنُ الوجهِ، أدخلوا الألفَ واللام على حسنِ الوجهِ، لأنه مضافٌ إلى معرفة لا يكون بها معرفةً أبداً، فاحتاجَ إلى ذلك حيث مُنعَ ما يكون فى مثله البتَّةَ، ولا يُجاوَزُ به معنى التنوين.
فأَمَّا النكرة فلا يكون فيها إلاّ الحَسَنُ وجهاً، تكون الألفُ واللام بدلاً من التنوين، لأنَّك لو قلت: حديثُ عهد، أو كريمُ أبٍ، لم تخلل بالأول في شيء فتُحتَمَل له الألفُ واللام، لأنَّه على ما ينبغى أن يكون عليه.
قال رؤبة: الحَزْنُ باباً والعقورُ كَلْبَا

وزعم أبو الخَطّاب أنه سمع قوما من العرب يُنشدون هذا البيت للحارث ابن ظالم: فما قومى بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشُّعْرَى رِقابا فإنَّما أُدخلت الألفُ واللام فى الحسن ثم أعملته، كما قال: الضاربُ زيدا.
وعلى هذا الوجه تقول: هو الحسنُ الوجهَ، وهي عربية جيدة.
قال الشاعر: فما قولي بثعلبةَ بن سعدٍ ... ولا بفَزارةَ الشُّعْرِ الرَّقابا وقد يجوز فى هذا أن تقول: هو الحَسَنُ الوجهِ، على " قوله ": هو الضَّاربُ الرَّجلِ.
فالجرُّ فى هذا الباب من وجهين: " من الباب الذى هو له وهو الإِضافة، ومن إعمال الفعل ثم يُستخَفُّ فيضاف ". فإِذا ثنَّيتَ أو جمعت فأَثبتَّ النون فليس إلاّ النصبُ، وذلك قولهم: هم الطّيبون الأَخبارَ، وهما الحسنانِ الوجه.
ومن ذلك قوله تعالى: " قُلْ هلْ نُنَبَّئُكُمْ بالأخسرين أعمالاً ".

وقالتْ خِرْنِقُ، " من بنى قيس ": لا يَبْعَدَنْ قومى الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر النّازِلون بكلّ مُعْتَرَكٍ ... والطّيبونَ مَعاقِدَ الأَزْرِ فإِنْ كففتَ النونَ جررتَ، كان المعمولُ فيه نكرةً أو فيه ألفٌ ولام، كما قلت: هؤلاء الضارِبُو زيدٍ، وذلك قولهم: هم الطَّيّبو أََخبارٍ.
وإن شئتَ نصبتَ على قوله: الحافِظُو عَوْرَةَ العشيرة وتقول فيما لا يقع إلاَّ منوَّنا عملاً فى نكرةٍ " وإنما وقع منونَّا " لأنّه فُصِلَ فيه بين العامل والمعمول فالفصلُ لازمٌ له أبداً مظهَراً أو مضمراَ، وذلك قولك: هو خير منك أباً، و " هو " أحسنُ منك وجهاً.
ولا يكون المعمول فيه إلا من

سببه.
وإن شئت قلت: هو خيرٌ عَمَلا وأنت تَنْوِى " منك ". وإن شئت أَخّرت الفصَل فى اللفظ وأصلُه التقديم، لأنه لا يَمنعه تأخيره عمله مقدماً، كما قال: ضرب زيد عمروٌ، فعمروٌ مؤخَّر فى اللَّفظ مبدوءٌ به فى المعنى، وهذا مبدوءٌ به فى أنه يُثبِت التنوينَ ثم يُعْمِلُ.
ولا يَعْمَلُ إلاَّ فى نكرة، كما أنَّه لا يكون إلاَّ نكرة، ولا يَقوَى قوَّة الصفة المشبَّهة، فأَلزم فيه وفيما يَعْمَلُ فيه وجهاً واحدا.
ويعمل فى الجمع كقولهم: هو خيرٌ منك أعمالاً.
فإِن أضفتَ فقلت: " هذا " أوّلُ رَجُلٍ، اجتَمع فيه لزومُ النكرة وأَنْ يُلفَظ بواحدٍ " وهو يريد الجمع "؛ وذلك لأنه أراد أن يقول: أوّلُ الرَّجالِ، فحذف استخفافاً واختصارا، كما قالوا: كلُّ رجلٍ، يريدون كلَّ الرجال.
فكما استَخفُّوا بحذف الألف واللام استخفّوا بترك بناء الجمِيع واستغنوا عن الألف واللام، وعن قولهم: خيرُ الرجال وأوَّلُ الرجال.
ومثلُ ذلك فى ترك الألف واللام وبناءِ الجميع، قولهم: عِشْرُونَ درهماً، إنما أرادوا عِشرينَ من الدَّراهم، فاختَصروا واستَخفّوا.
ولم يَكن دُخولُ الألف واللام يغَّير العشرين عن نكرته، فاستخفوا بتركما لم يُحتَجْ إليه.
ولم تَقْوَ هذه الأحرفُ قوَّةَ الصفة المشبَّهة.
ألاَ ترى أنك تؤنَّثها وتذكَّرها وتَجمعها كالفاعل، تقول: مررت برجلٍ حَسَنِ الوجهِ أبوه، " كما تقول: مررت برجلٍ حسنٍ أبوه، وهو " مثل قولك: مررت برجلٍ ضاربٍ

أبوه.
فإِن جئت بخيرٍ منك، أو عشرينَ، رفعتَ، لأنّها مُلْحَقَةٌ بالأسماء " لا تَعمل عملَ الفعل "، فلم تقو قوة المشبهة، كما لم تَقْوَ المشبَّهةُ قوَّةَ ما جرى مجرى الفعل.
وتقول: هو خيرُ رَجُلٍ فى النَّاس وأَفْرَهُ عبدٍ فى الناس؛ لأن الفارِهَ هو العبد، ولم تُلْقِ أَفْرَهَ ولا خيراً على غيره ثم تَختصُّ شيئاً، فالمعنى مختلف.
وليس هُنا فصلٌ ولم يَلزم إلاَّ تركُ التنوين، كما أنَّ عشرين وخيراً منك لم يَلزم فيه إلاّ التنوينُ.
ولم يُدْخِلوا الألفَ واللام، كما لم يُدخِلوه فى الأوّل، وتفسيرُه تفسيرُ الأوّلُ.
وإنَّما أرادوا: أَفْرَهَ العَبيدِ وخيرَ الأعمالِ.
وإنَّما أَثبتوا الألفَ واللام فى قولهم: أفضلُ الناس، لأنَّ الأولَ قد يصير به معرفةً، فأثبتوا الألف واللام وبناء الجميع ولم ينَّونْ، وفرَقوا بترك النون والتنوين بين معنيين.
وقد جاء من الفعل ما قد أُنفذ إلى مفعولٍ ولم يَقْوَ قوّةَ غيره مما قد تَعدّى إلى مفعولٍ، وذلك قولك: امتَلأَتُ ماءً وتفقَّأْتُ شَحْماً، ولا تقول: امتلأتُه

ولا تفقَّأتُه.
ولا يَعمل فى غيره من المَعارف، ولا يقدَّم المفعولُ فيه فتقولَ: ماءً امتَلأْتُ، كما لا يُقَدَّمُ المفعولُ فيه فى الصفةّ المشبَّهةِ، ولا فى هذه الأسماء، لأنها ليست كالفاعل.
وذلك لأنَّه فعلٌ لا يتَعدّى إلى مفعول، وإنَّما هو بمنزلة الانفعال، لا يتعدَّى إلى مفعول، نحو كسرته فانكسر، ودفعته فاندفع.
فهذا النحو إنما يكون فى نفسه ولا يقع على شيء، فصار امتلأت من هذا الضرب، كأَنك قلت: ملأنى فامتلأت.
ومثله: دحرجته فتدحرج.
وإنما أصلُه امتَلأت من الماء، وتفقَّأتُ من الشَّحم، فحُذف هذا استخفافاً، وكان الفعلُ أَجدرَ أن يَتعدّى إنْ كان هذا ينفُذ، وهو - فى أنّهم ضعَفَّوه - مثله.
وتقول: هو أشجعُ الناس رجلاً، وهما خيرٌ الناس إثنينِ.
فالمجرورُ هُنا بمنزلة التنوين، وانتَصب الرجلُ والاثنانِ، كما انتَصب الوجهُ فى قولك: هو أحسنُ منه وجهاً.
ولا يكون إلاّ نكرةً.
والرجلُ هو الاسم المبتدأُ والاثنان كذلك.
إنَّما معناه هو خيرُ رجُلٍ فى الناس، وهما خيرُ اثنين

فى الناس.
وإن شئت لم تَجعله الأوّلَ.
فتقول: هو أكثرُ الناس مالاً.
وممّا أُجْرِىَ هذا المُجرى أسماء العدد: تقول فيما كان لأَدنى العِدّة بالإِضافة إلى ما يُبْنَى لجمع أَدنى العدد، إلى أدنى العُقود، وتُدْخِل فى المضاف إليه الألف واللام، لأنَّه يكون الأوّلُ به معرفةً.
وذلك قولك: ثلاثة أبواب وأربعة أنفس وأربعة أثواب.
وكذلك تقول: فيما بينك وبين العَشَرَة؛ وإذا أَدخلتَ الألفَ واللام قلت: خمسة الأثواب، وستة الجمال.
فلا يكون هذا أبداً إلا غيرَ منوَّن يَلزمه أمرٌ واحدٌ، لما ذكرتُ لك.
فإِذا زدتَ على العشَرَة شيئاً من أَسماء أدنى العدد فإِنّه يُجعَل مع الأوّل اسماً واحداً استخفافاً، ويكونُ فى موضع " اسمٍ " منَّونٍ.
وذلك قولك: أَحَدَ عَشَرَ درهماً، واثناَ عَشَرَ درهماً، وإحْدَى عشر جاريةً.
فعلى هذا يُجرَى من الواحد إلى التسعة.
فإِذا ضاعفتَ أَدنى العُقود كان له اسمٌ من لفظه ولا يثنَّى العَقدُ.
ويُجْرَى ذلك الاسمُ مُجرى الواحدِ الذى لحقتْه الزيَّادةُ للجمع كما لحقتْه الزيادةُ للتثنية ويكون حرفُ الإِعراب الواوَ والياء وبعدهما النونُ؛ وذلك قولك: عِشْرُونَ درهماً.
فإِن أردتَ أنْ تثلَّثَ أدنى العُقود كان له اسمٌ من لفظ الثلاثة يَجرى مجرى الاسم الذى كان للتثنية،

وذلك قولك: ثَلاثونَ عبداً.
وكذلك إلى أن تتسَّعَه، وتكونُ النونُ لازمةً له، كما كان تركُ التنوين لازماً للثلاثة إلى العشرة.
وإنَّما فعلوا هذا بهذه الأسماءِ وأَلزموها وجهاً واحدا لأنها ليست كالصفة فى معنى الفعل، ولا التى شُبَّهَتْ بها، فلم تقوى تلك القوّةَ، ولم يَجُز حين جاوزتَ أدنى العُقود فيما تُبَيَّنُ به من أىَّ صِنْفٍ العددُ إلاّ أنْ يكون لفظُه واحدا، ولا تكون فيه الألفُ واللام، لما ذكرتُ لك.
وكذلك هو إلى التسعين فيما يَعمْلُ فيه ويبيَّن به من أىَ صِنفٍ العددُ.
فإِذا بلغت العدد " الذى يليه " تركتَ التنوينَ والنونَ وأَضفتَ، وجعلت الذى يَعْمَلُ فيه ويبَّين به العددُ من أي صنف هو واحداً، كما فعلت فيما نوَّنت فيه، إلاّ أنَّك تُدْخِلُ فيه الألف واللام، لأن الأوَّل يكون به معرفةً ولا يكونُ المنَّونُ به معرفةً.
وذلك قولك: مِائَةُ درهمٍ ومِائَةُ الدرهمِ.
وذلك إنْ ضاعفتَه قلتَ: مِائَتا درهمٍ ومائتا الدينارِ.
وكذلك العَقْدُ الذى بعده، واحداً كان أو مثنَّى، وذلك قولك: ألْفُ درهمٍ وأَلْفاَ درهمٍ.

وقد جاء فى الشَّعر بعضُ هذا منوَّنا.
قال الربيع بن ضبع الفزاري: عاشَ الفَتَى مِائَتَيْنِ عاماً ... فقد أَوْدَى المَسَرَّةُ والفناء وقال: أَنعَتُ عِيراً من حَمِيرِ خَنْزَرَهْ ... فى كلَّ عِيرٍ مِائتانِ كَمَرَةْ

وأما ثلثُمائةٍ إلى تسعِمائةٍ فكان ينبغى أن تكون في القياس مئين أو مِئاتٍ، ولكنَّهم شبّهوه بعشرينَ وأَحَدَ عَشَرَ، حيث جعلوا ما يبيَّنُ به العددُ واحداً، لأنَّه اسمٌ لعددٍ كما أَنّ عشرينَ اسمٌ لعددٍ.
وليس بمستنكَرٍ فى كلامهم أنْ يكون اللفظُ واحداً والمعنى جميعٌ، حتَّى قال بعضُهم في الشعر " من ذلك " مالا يُسْتَعْمَلُ فى الكلام.
وقال عَلقَمةُ بن عَبَدةَ: بها جِيَفُ الحَسْرَى فأمَّا عِظامُها ... فَبيِضٌ وأَما جِلْدُها فصَلِيبُ وقال: لا تُنكِرُوا القَتْلَ وقد سُبينا ... فى حَلقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجِينَا

فاختُصّ " التثليث " بهذا الباب إلى تسعمائة.
كما أن لدن فى غُدْوَةً حالٌ ليست فى غيرها تُنْصَبُ بها، كأَنّه أَلحقَ التنوينَ فى لغة من قال: لَدُ.
وذلك قولك: " من " لَدُنْ غُدْوَةٌ.
وقال بعضهم: لَداً غدوةٌ كأنه أَسكن الدالَ ثم فتحها، كما قال: اضرب زيداً، ففتح الباء لمَّا جاء بالنون الخفيفة.
والجرُّ فى غُدْوَةٍ هو الوجهُ والقياس.
وتكونُ النون في نفس الحرف بمنزلة نونِ مِنْ وعَنْ؛ فقد يشذ الشيء من كلامهم عن نظائره، ويستخفون الشيء في موضع " و " لا يستخفونه في غيره.
وذلك قولهم: ماشعرت به شِعْرَةً، ولَيْتَ شِعْرِى.
ويقولون: العَمْرُ والعُمْرُ، لا يقولون فى اليمين إلاّ بالفتح، يقولون كُلُّهم: لَعَمْرُك.
وسترى أَشباهَ هذا أيضاً فى كلامهم إنْ شاء الله.
ومما جاء فى الشَّعر على لفظ الواحد يراد به الجميعُ: كُلُوا فى بَعْضِ بَطنِكُمُ تَعِفُّوا ... فإِنّ زمانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ ومثل ذلك " فى الكلام " قوله تبارك وتعالى: " فإن طبن لكم عن شيء مِنْهُ نَفْساً "، وقَرِرْنَا به عَيْناً، وإن شئت قلت: أَعْيُناً وأَنفُساً،

كما قلت: ثلثمائةٍ وثلاثِ مِئينَ ومِئاتٍ، ولم يُدْخِلوا الألفَ واللام، كما لم يُدْخلوا فى امتلأت ماءً.

جارٍ التحميل