الكتاب لسيبويهباب الحروف التي ينبه بها المدعو

باب الحروف التي ينبه بها المدعو

فأما الاسم غيرُ المندوب فينبَّه بخمسة أشياء: بيا، وأيا، وهَيا، وأى، وبالألف.
نحو قولك: أحارِ بنَ عمرٍو.
إلا أن الأربعة غير الألف قد

يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشيء المتراخى عنهم، والإنسان المعرض عنهم، الذي يُرَون أنه لا يُقبل عليهم إلا بالاجتهاد، أو النائم المستثقل.
وقد يستعملون هذه التي للمد في موضع الألف ولا يستعملون الألف في هذه المواضع التي يمدون فيها.
وقد يجوز لك ان تستعمل هذه الخمسة غيروا إذا كان صاحبك قريبا منك، مقبِلاً عليك، توكيدا.
وإن شئت حذفتهن كلهن استغناء كقولك: حار بنَ كعبٍ، وذلك أنه جعلهم بمنزلة مَن هو مقبِلٌ عليه بحضرته يخاطبه.
ولا يحسن أن تقول: هذا، ولا رجلُ، وأنت تريد: يا هذا، ويا رجلُ ولا يجوز ذلك في المبهم؛ لأن الحرف الذي ينبَّه به لزم المبهم كأنه صار بدلا من أيُّ حين حذفته، فلم تقل يا أيها الرجل ولا يا أيهذا، ولكنك تقول إن شئت: مَن لايزال مُحسناً افعل كذا وكذا؛ لأنه لا يكون وصفا لأي.
وقد يجوز حذفُ يا من النكرة في الشعر، وقال العجّاج:

جاريَ لا تستنكِري عَذيري يريد يا جاريةُ.
وقال في مَثَل: افتَدِ مخنوقُ، وأصبِحْ ليلُ، وأطرِقْ كَرا.
وليس هذا بكثير ولا بقوى.
واما المستغاث به فيا لازمة له؛ لأنه يجتهد.
فكذلك المتعجَّب منه، وذلك: يا لَلناس ويا لَلماء.
وإنما اجتهد لأن المستغاث عندهم متراخ أو غافل والتعجب كذلك.
والندبة يلزمها يا ووا؛ لأنهم يحتلطون ويدعون ما قد فات وبعد عنهم.
ومع ذلك أن الندبة كأنهم يترنمون فيها، فمن ثم ألزموها المد، وألحقوا آخر الاسم المدَّ مبالغة في الترنم.
؟

هذا باب

ما جرى على حرف النداء وصفا له

وليس بمنادى ينبهه غيره، ولكنه اختُصّ كما أن المنادى مختص من

بين أمته، لأمرك ونهيك أو خبرك.
فالاختصاص أجرى هذا على حرف النداء، كما أن التسوية أجرت ما ليس باستخبار ولا استفهام على حرف الاستفهام؛ لأنك تسوى فيه كما تسوى في الاستفهام.
فالتسوية أجرتْه على حرف الاستفهام، والاختصاصُ أجرى هذا على حرف النداء.
وذلك قولك: ما أدرى أفَعلَ أم لم يفعل.
فجرى هذا كقولك أزيدٌ عندك أم عمرو، وأزيدٌ أفضلُ أم خالدٌ، إذا استفهمتَ؛ لأن علمك قد استوى فيهما كما استوى عليك الأمران في الأول.
فهذا نظير الذي جرى على حرف النداء.
وذلك قولك: أما أنا فأفعل كذا وكذا أيها الرجل، ونفعل نحن كذا وكذا أيها القوم، وعلى المضارب الوضيعةُ أيها البائع، واللهم اغفِر لنا أيتها العصابة، وأردت أن تختص ولا تُبهم حين قلت: أيتها العصابةُ وأيها الرجل، أراد أن يؤكد لأنه قد اختص حين قال أنا، ولكنه أكد كما تقول للذي هو مقبلٌ عليه بوجهه مستمعٌ منصِتٌ لك: كذا كان الأمر يا أبا فلان، توكيدا.
ولا تُدخل يا ها هنا لأنك لست تنبه غيرك.
يعني: اللهمّ غفر لنا أيتها العصابة.

؟ هذا باب من الاختصاص يجري على ما جرى عليه النداء فيجيء لفظه على موضع النداء نصبا لأن موضع النداء نصب، ولا تجري الأسماء فيه مجراها في النداء، لأنهم لم يجروها على حروف النداء، ولكنهم أجروها على ما حمل عليه النداء.
وذلك قولك: إنا معشرَ العرب نفعل كذا وكذا، كأنه قال: أعني، ولكنه فعلٌ لا يظهر ولا يُستعمل كما لم يكن ذلك في النداء؛ لأنهم اكتفوا بعلم المخاطَب، وأنهم لا يريدون أن يحملوا الكلام على أوله، ولكن ما بعده محمول على أوله.
وذلك نحو قوله، وهو عمرو بن الأهتَم: إنَّا بنى مِنقرٍ قومٌ ذَوُو حسَبٍ ... فينا سَراةُ بنى سعدٍ وناديَها وقال الفرزدق:

ألم ترَ أنّا بنى دارِمٍ ... زُرارةُ منّا أبو معبدِ فإنما اختُصّ الاسم هنا ليعرَف بما حُمل على الكلام الأول، وفيه معنى الافتخار.
وقال رؤبة: بنا تَميماً يُكشف الضّبابْ وقال: نحن العُربَ أقرى الناس لضيف، فإنما أدخلتَ الألف واللام لأنك أجريت الكلام على ما النداء عليه، ولم تُجره مجرى الأسماء في النداء.
ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول: يا العربَ، وإنما دخل في هذا الباب من حروف النداء أيُّ وحدَها، فجرى مجراه في النداء.
وأما قول لبيد:

نحن بنو أمِّ البنينَ الأربعة ... ونحن خيرُ عامر بنِ صَعصعَهْ فلا يُنشدونه إلا رفعا، لأنه لم يرد أن يجعلهم إذا افتخروا أن يُعرَفوا بأن عدّتهم أربعة، ولكنهم جعل الأربعة وصفا ثم قال: المُطعمِون الفاعلون، بعدما حلاهم ليُعرَفوا.
وإذا صغّرتَ الأمر فهو بمنزلة تعظيم الأمر في هذا الباب، وذلك قولك: إنا معشرَ الصعاليك لا قوةَ بنا على المُروّة.
وزعم الخليل رحمه الله أن قولهم: بك اللهَ نرجو الفضلَ، وسُبحانك اللهَ العظيمَ، نصبُه كنصب ما قبله، وفيه معنى التعظيم.
وزعم أن دخول أى

في هذا الباب يدل على أنه محمول على ما حُمل عليه النداء، يعني أيتها العصابة فكان هذا عندهم في ألأصل أن يقولوا فيه يا، ولكنهم خزلوها وأسقطوها حين أجروه على الأصل.
واعلم أنه لا يجوز لك أن تُبهم في هذا الباب فتقول: إني هذا أفعلُ كذا وكذا، ولكن تقول: إني زيدا أفعلُ.
ولا يجوز أن تذكر إلا اسما معروفا؛ لأن الأسماء إنما تُذكرها توكيدا وتوضيحا هنا للمضمَر وتذكيرا وإذا أبهمتَ فقد جئت بما هو أشكلُ من المضمَر.
ولو جاز هذا لجازت النكرةُ فقلتَ إنا قوما، فليس هذا من مواضع النكرة والمبهَم، ولكن هذا موضعُ بيان كما كانت الندبةُ موضعَ بيان، فقبُح إذ ذكروا الأمر توكيدا لما يعظمون أمرَه أن يذكروا مبهما.
وأكثر الأسماء دخولا في هذا الباب بنو فلان، ومعشَر مُضافةً، وأهل البيت، وآل فلان.
ولا يجوز أن تقول إنهم فعلوا أيتها العصابةُ، إنما يجوز هذا للمتكلم والمكلَّم المنادى، كما أن هذا لا يجوز إلا لحاضر.
وسألت الخليل رحمه الله ويونس عن نصب قول الصّلَتان العبدي:

يا شاعراً لا شاعرَ اليومَ مثلَه ... جَريرٌ ولكنْ في كليبٍ تواضعُ فزعما أنه غير منادى وإنما انتصب على إضمار كأنه قال يا قائل الشعر شاعرا، وفيه معنى حسبُك به شاعرا.
كأنه حيث نادى قال حسبُك به، ولكنه أضمر كما أضمروا في قوله: تالله رجلا وما أشبهه، مما ستجده في الكتاب إن شاء الله عز وجل.
ومما جاء وفيه معنى التعجب كقولك: يا لك فارسا، قولُ الأخوص ابن شُريح الكلابي:

تمنّاني ليلقاني لَقيطٌ ... أعامِ لك بنَ صعصعةَ بنِ سعدِ وإنما دعاهم لهم تعجبا، لأنه قد تبين لك أن المنادى يكون فيه معنى أفعِل به، يعنى يا لك فارسا.
وزعم الخليل رحمه الله أن هذا البيت مثلُ ذلك؛ للأخطل: أيامَ جُملِ خَليلاً لو يَخافُ لها ... صُرماً لَخولِط منه العقلُ والجسدُ

وقال في قول الشاعر: يا هندُ هندٌ بين خِلبٍ وكَبدْ أنه أراد: أنتِ بين خِلب وكبِد، فجعلها نكرةً.
وقد يجوز أن تقول بعد النداء مقبِلاً على مَن تحدثه: هندٌ هذه بين خِلبٍ وكبدٍ، فيكون معرفة.
؟

هذا باب الترخيم

والترخيم حذفُ أواخر الأسماء المفرد تخفيفا، كما حذفوا غير ذلك من كلامهم تخفيفا، وقد كتبناه فيما مضى، وستراه فيما بقى إن شاء الله تعالى.
واعلم أن الترخيم لا يكون إلا في النداء إلا أن يُضطرّ شاعرٌ، وإنما كان ذلك في النداء لكثرته في كلامهم، فحذفوا ذلك كما حذفوا التنوين، وكما حذفوا الياء من قومى ونحوه في النداء.

واعلم أن الترخيم لا يكون في مضاف إليه ولا في وصف؛ لأنهما غيرُ منادَيين، ولا يرخم مضاف ولا اسمٌ منون في النداء؛ من قبل أنه جرى على الأصل وسلِم من الحذف، حيث أُجري مجراه في غير النداء إذا حملتَه على ما ينصب.
يقول: إن المحذوف في الترخيم إنما يقع على النداء لا على الإعراب، وحين قلت يا زيد أقبل فحذفت ياء الإضافة كنت إنما حذفت هذا الإعراب، وحين قلت يا زيد أقبل فحذفت ياء الإضافة كنت إنما حذفت هذا الإعراب، ومع ذلك إنه إنما ينبغى أن تحذف آخر شيء في الاسم، ولا يُحذف قبل أن تنتهي إلى آخره، لأن المضاف إليه من الاسم الأول بمنزلة الوصل من الذي إذا قلت الذي قال، وبمنزلة التنوين في الاسم.
ولا ترخم مستغاثا به إذا كان مجرورا، لأنه بمنزلة المضاف إليه.
ولا ترخم المندوب لأن علامته مستعملة، فإذا حذفوا لم يحملوا عليه مع الحذف الترخيم.

وإذا ثنيت لم ترخم؛ لأنها كالتنوين.
واعلم أن الحرف الذي يلي ما حذفت ثابتٌ على حركته التي كانت فيه قبل أن تحذف، إن كان فتحا أو كسرا أو ضما أو وقفا؛ لأنك لم ترد أن تجعل ما بقي من الاسم اسما ثابتا في النداء وغير النداء، ولكنك حذفت حرف الإعراب تخفيفا في هذا الموضع وبقي الحرف الذي يلي ما حُذف على حاله، لأنه ليس عندهم حرفَ الإعراب.
وذلك قولك يا حارث: يا حار، وفي سلَمة: يا سَلَم، وفي بُرثُن: يا بُرثُ، وفي هرقل: يا هِرَقْ.
؟

جارٍ التحميل