باب الحروف التي تنزل بمنزلة الأمر والنهي
لأن فيها معنى الأمر والنهي
فمن تلك الحروف: حسبك، وكفيك، وشرعك، وأشباهها.
تقول: حسبك ينم الناس.
ومثل ذلك: " اتقي الَّله امرؤ وفعل خيراً يثب عليه " لأن فيه معنى ليتَّق الَّله امرؤ وليفعل خيراً.
وكذلك ما أشبه هذا.
وسألت الخليل عن قوله عز وجل: " فأصَّدق وأكن من الصالحين " فقال: هذا كقول زهير:
بَدا ليَ أنّي لستُ مُدْرِكَ ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
فإنَّما جروا هذا، لأنَّ الأول قد يدخله الباء، فجاءوا بالثاني وكأنَّهم قد أثبتوا في الأول الباء، فكذلك هذا لما كان الفعل الذي قبله قد يكون جزماً ولا فاء فيه تكلموا بالثاني، وكأنهم قد جزموا قبله، فعلى هذا توهموا هذا.
وأما قول عمرو بن عمار الطائي:
فقلتُ له صوِّب ولا تجهدنَّه ... فيُدْنِك من أُخْرَى القطاةِ فتَزْلَقِ
فهذا على النهي كما قال: لا تمددها فتشققها، كأنَّه قال: لا تجهدنه ولا يدنينك من أخرى القطاة ولا تزلقن.
ومثله من النهي: لا يرينَّك ههنا، ولا أرينَّك ههنا.
وسألته عن آتي الأمير لا يقطع الِّصَّ، فقال: الجزاء ها هنا خطأ، لا يكون الجزاء أبداً حتى يكون الكلام الأول غير واجب، إلا أن يضطرَّ شاعرٌ.
ولا نعلم هذا جاء في شعر البتَّة.
وسألته عن قوله: أما أنت منطلقاً انطلق معك، فرفع.
وهو قول أبي عمرو، وحدثنا به يونس.
وذلك لأنه لا يجازي بأن كأنه قال: لأن صرت منطلقاً أنطلق معك.
وسألته عن قوله: ما تدوم لي أدوم لك، فقال: ليس في هذا جزاء، من قبل أن الفعل صلةٌ لما؛ فصار بمنزلة الذي، وهو بصلته كالمصدر، ويقع على الحين كأنه قال: أدوم لك دوامك لي.
فما، ودمت، بمنزلة الدَّوام.
ويدلك على أنَّ الجزاء لا يكون ها هنا أنك لا تستطيع أن تستفهم بما تدوم على هذا الحد.
ومثل ذلك: كلَّما تأتيني آتيك، فالإتيان صلة لما، كأنه قال: كلَّ إتيانك آتيك، وكلَّما تأتيني يقع أيضاً على الحين كما كان ما تأتيني يقع على الحين.
ولا يستفهم بما تدوم.
وسألته عن قوله: الذي يأتيني فله درهمان، لم جاز دخول الفاء ها هنا والَّذي يأتيني بمنزلة عبد اللَّه، وأنت لا يجوز لك أن تقول عبد الَّله فله درهما؟ فقال: إنَّما يحسن في الَّذي لأنه جعل الآخر جواباً للأوَّل، وجعل الأول به يجب له الدرهمان، فدخلت الفاء ها هنا، كما دخلت في الجزاء إذا قال: إن يأتني فله درهمان.
وإن شاء قال: الذي يأتيني له درهمان، كما تقول: عبد الَّله له درهمان غير أنَّه إنما أدخل الفاء لتكون العطّية مع وقوع الإتيان، فإذا أدخل الفاء فإنما يجعل الإتيان سبب ذلك.
فهذا جزاء وإن لم يجزم، لأنَّه صلة.
ومثل ذلك قولهم: كل رجل يأتينا فله درهمان.
ولو قال: كل رجل فله درهمان كان محالاً، لأنه لم يجيْ بفعل ولا بعمل يكون له جوابٌ.
ومثل ذلك: " الذَّين ينفقون أموالهم بالَّليل والنَّهار سرَّاّ وعلانية فلهم أجرهم عند ربِّهم " وقال تعالى جدُّه: " قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم " ومثل ذلك: " إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمَّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنَّم ولهم عذاب الحريق.
وسألت الخليل عن قوله جلَّ ذكره: " حتَّى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها " أين جوابها؟ وعن قوله جل وعلا: " ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب "، " ولو يرى إذ وقفوا على النَّار " فقال: إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر الجواب في كلامهم، لعلم المخبر لأيِّ شيءٍ وضع هذا الكلام.
وزعم أنَّه قد وجد في أشعار العرب ربَّ لا جواب لها.
من ذلك قول الشماخ:
ودوّيّةٍ قفرٍ تمشِّى نَعامُها ... كمَشْي النَّصارى في خفافِ الأَرنْدَجِ وهذه القصيدة التي فيها هذا البيت لم يجيء فيها جوابٌ لربَّ؛ لعلم المخاطب أنه يريد قطعتها، وما فيه هذا المعنى: