الكتاب لسيبويهباب الإدغام في الحرفين

باب الإدغام في الحرفين

اللذين تضع لسانك لهما موضعاً واحداً لا يزول عنه وقد بينا أمرهما إذا كانا من كلمة لا يفترقان.
وإنما نبينهما في الانفصال.
فأحسن ما يكون الإدغام في الحرفين المتحركين اللذين هما سواءٌ إذا كانا منفصلين، أن تتوالى خمسة أحرف متحركة بهما فصاعداً.
ألا ترى أن بنات الخمسة وما كانت عدته خمسةً لا تتوالى حروفها متحركةً، استثقالاً للمتحركات مع هذه العدة، ولابد من ساكن.
وقد تتوالى الأربعة متحركة في مثل علبطٍ؛ ولا يكون ذلك في غير المحذوف.
ومما يدلك على أن الإدغام فيما ذكرت لك أحسن أنه لا يتوالى في تأليف الشعر خمسة أحرف متحركة، وذلك نحو قولك: جعل لك وفعل لبيدٌ.
والبيان في كل هذا عربيٌّ جيد حجازيٌّ.
ولم يكن هذا بمنزلة قد واحمر ونحو ذلك، لأن الحرف المنفصل لا يلزمه أن يكون بعده الذي هو مثله سواءً.
فإن كان قبل الحرف المتحرك الذي وقع بعده حرفٌ مثله حرفٌ متحرك ليس إلا، وكان بعد الذي هو مثله حرفٌ ساكنٌ حسن الإدغام.
وذلك نحو قولك: يدداود، لأنه قصدٌ أن يقع المتحرك بين ساكنين واعتدالٌ منه.
وكلما توالت الحركات أكثر كان الإدغام أحسن.
وإن شئت بينت.
وإذا التقى الحرفان المثلاثن اللذان هما سواءٌ متحركين، وقبل الأول حرف مدٍ، فإن الإدغام حسنٌ، لأن حرف المد بمنزلة متحركٍ في الإدغام.

ألا تراهم في غير الانفصال قالوا: رادٌ، وتمود الثوب.
وذلك قولك: إن المال لك، وهم يظلموني، وهما يظلماني، وأنت تظلميني.
والبيان ههنا يزداد حسناً لسكون ما قبله.
ومما يدلك على أن حرف المد بمنزلة متحرك أنهم إذا حذفوا في بعض القوافي لم يجز أن يكون ما قبل المحذوف إذا حذف الآخر إلا حرف مدٍ ولين، كأنه يعوض ذلك، لأنه حرفٌ ممطولٌ.
وإذا كان قبل الحرف المتحرك الذيبعده حرفٌ مثله سواءٌ، حرفٌ ساكن، لم يجز أن يسكن، ولكنك إن شئت أخفيت، وكان بزنته متحركاً من قبل أن التضعيف لا يلزم في المنفصل كما يلزم في مدقٍ ونحوه مما التضعيف فيه غير منفصل.
ألا ترى أنه قد جاز ذلك وحسن أن تبين فيما ذكرنا من نحو جعل لك.
فلما كان التضعيف لا يلزم لم يقو عندهم أن يغير له البناء.
وذلك قولك: ابن نوحٍ، واسم موسى، لا تدغم هذا.
فلو أنهم كانوا يحركون لحذفوا الألف، لأنهم قد استغوا عنها، كما قالوا قتلوا وخطف فلم يقو هذا على تغيير البناء كما لم يقو على أن لا يجوز البيان فيما ذكرت لك.
ومما يدلك على أنه يخفى ويكون بزنة المتحرك قول الشاعر: وإني بما قد كَلَّفَتْني عَشِيرتي ... مِن الذّبِّ عن أَعْراضِها لَحَقيِقُ

وقال غيلان بن حريثٍ: وامتاج مِنّي حَلَباتِ الهاجِمِ ... شَأوُ مدلٍ سابِقِ اللهامِمِ وقال أيضاً: وغيرُ سفعٍ مثلٍ يَحامِمِ فلو أسكن في هذه الأشياء لانكسر الشعر، ولكنا سمعناهم يخفون.
ولو قال إني ما قد كلفتني فأسكن الياء وأدغمها في الميم في الكلام لجاز، لحرف المد.
فأما اللهامم فإنه لا يجوز فيها الإسكان، ولا في القرادد، لأن قردداً فعللٌ، ولهمماً فعللٌ ولا يدغم، فيكره أن يجيء جمعه على جمع ما هو مدغمٌ واحده، وليس ذلك في إني بما.
ولكنك إن شئت قلت قرادد فأخفيت، كما قالوا متعففٌ فيخفى.
ولا يكون في هذا إدغام، وقد ذكرنا العلة.
وأما قول بعضهم في القراءة: " إن الله نعما يعظكم به " فحرك

العين فليس على لغة من قال نعم فأسكن العين، ولكنه على لغة من قال نعم فحرك العين.
وحدثنا أبو الخطاب أنها لغة هذيلٍ، وكسروا كما قالوا لعبٌ.
وقال طرفة: ما أقلت قدمٌ ناغلها ... نِعِمَ الساعُونَ في الحيِّ الشُّطُرْ وأما قوله عز وجل: " فلا تتناجوا " فإن شئت أسكنت الأول للمد، وإن شئت أخفيت وكان بزنته متحركاً.
وزعموا أن أهل مكة لا يبينون التاءين.
وتقول: هذا ثوب بكرٍ، البيان في هذا أحسن منه في الألف، لأن حركة ما قبله ليس منه فيكون بمنزلة الألف.
وكذلك: هذا جيب بكرٍ.
ألا ترى أنك تقول: اخشو واقداً فتدغم، واخشي ياسراً، وتجريه مجرى غير الواو والياء.

ولا يجوز في القوافي المحذوفة.
وذلك أن كل شعرٍ حذفت من أتم بنائه حرفاً متحركاً أوزنة حرفٍ متحرك فلابد فيه من حرف لينٍ للردف، نحو: ومَا كُّل ذي لبٍ بُمْؤتِيك نُصْحَه ... وما كُّل مؤتٍ نصحه بلبيب فالياء التي بين الياءين ردفٌ.
وإن شئت أخفيت في ثوب بكرٍ وكان بزنته متحركا.
وإن أسكنت جاز، لأن فيهما مداً ولينا، وإن لم يبلغا الألف.
كما قالوا ذلك في غير المنفصل نحو قولهم: أصيم.
فياء التحقير لا تحرك لأنها نظيرة الألف في مفاعل ومفاعيل، لأن التحقير عليهما يجري إذا جاوز الثلاثة.
فلما كانوا يصلون إلى إسكان الحرفين في الوقف من سواهما، احتمل هذا في الكلام لما فيهما مما ذكرت لك.

وتقول: هذا دلو واقدٍ، وظبي ياسرٍ، فتجري الواوين والياءين ههنا مجرى الميمين في قولك اسم موسى، فلا تدغم.
وإذ قلت مررت بولي يزيد وعدو وليدٍ، فإن شئت أخفيت وإن شئت بينت، ولا تسكن، لأنك حيث أدغمت الواو في عدوٍ والياء في وليٍ فرفعت لسانك رفعةً واحدة ذهب المد، وصارتا بمنزلة ما يدغم من غير المعتل.
فالواو الأولى في عدوٍ بمنزلة اللام في دلوٍ، والياء الأولى في وليٍ بمنزلة الياء في ظبيٍ.
والدليل على ذلك أنه يجوز في القوافي ليا مع قولك ظبييا، ودوا مع قولك غزوا.
وإذا كانت الواو قبلها ضمةٌ والياء قبلها كسرة، فإن واحدةً منهما لا تدغم إذا كان مثلها بعدها.
وذلك قولك: ظلموا واقداً، واظلمي ياسراً، ويغزو واقدٌ، وهذا قاضي ياسرٍ، لا تدغم.
وإنما تركوا المد على حاله في الانفصال كما قالوا قد قوول، حيث لم تلزم الواو، وأرادوا أن تكون على زنة قاول، فكذلك هذه، إذ لم تكن الواو لازمةً لها، أرادوا أن يكون ظلموا على زنة ظلما واقداً، وقضي ياسراً، ولم تقو هذه الواو عليها كما لم يقو المنفصلان على أن تحرك السين في اسم موسى.
وإذا قلت وأنت تأمر: اخشى ياسراً واخشو واقداً أدغمت، لأنهما ليسا بحرفي مد كالألف، وإنما هما بمنزلة قولك: احمد داود، واذهب بنا.
فهذا لا تصل فيه إلا إلى الإدغام، لأنك إنما ترفع لسانك من موضع هما فيه سواءٌ، وليس بينهما حاجز.

وأما الهمزتان فليس فيهما إدغام في مثل قولك، قرأ أبوك، وأقرىء أباك، لأنك لا يجوز لك أن تقول قرأ أبوك فتحققهما فتصير كأنك إنما أدغمت ما يجوز فيه البيان، لأن المنفصلين يجوز فيهما البيان أبداً، فلا يجريان مجرى ذلك.
وكذلك قالته العرب وهو قول الخليل ويونس.
وزعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وأناسٌ معه.
وقد تكلم ببعضه العرب وهو رديءٌ، فيجوز الإدغام في قول هؤلاء.
وهو رديء.
ومما يجري مجرى المنفصلين قولك: اقتتلوا ويقتتلون، إن شئت أظهرت وبينت، وإن شئت أخفيت وكانت الزنة على حالها، كما تفعل بالمنفصلين في قولك: اسم موسى وقوم مالك، لا تدغم.
وليس هذا بمنزلة احمررت وافعاللت، لأن التضعيف لهذه الزيادة لازمٌ، فصارت بمنزلة العين واللام اللتين هما من موضعٍ واحد في مثل يرد ويستعد، والتاء الأولى التي في يقتتل لا يلزمها ذلك، لأنها قد تقع بعد تاء يفتعل العين وجميع حروف المعجم.
وقد أدغم بعض العرب فأسكن لما كان الحرفان في كلمة واحد، ولم يكونا منفصلين، وذلك قولك: يقتلون وقد قتلوا، وكسروا القاف لأنهما التقيا، فشهت بقولهم رد يا فتى.
وقد قال آخرون: قتلوا، ألقوا حركة المتحرك على الساكن.
وجاز في قاف اقتتلوا الوجهان ولم يكن بمنزلة عض وفر يلزمه شيءٌ واحد، لأنه يجوز في الكلام فيه الإظهار والإخفاء، والإدغام.
فكما جاز فيه هذا في الكلام وتصرف دخله شيئان يعرضان في التقاء الساكنين.
وتحذف ألف الوصل حيث حركت القاف كما حذفت الألف في رد

حيث حركت الراء، والألف في قل لأنهما حرفان في كلمة واحدة، لحقهما الإدغام فحذفت الألف كما حذفت في رد، لأنه قد أدغم كما أدغم.
وتصديق ذلك قول الحسن: " إلا من خطف الخطفة ". ومن قال يقتل قال مقتلٌ ومن قال يقتل قال مقتلٌ.
وحدثني الخليل وهارون أن ناساً يقولون: " مردفين " فمن قال هذا فإنه يريد مرتدفين.
وإنما أتبعوا الضمة الضمة حيث حركوا، وهي قراءةٌ لأهل مكة كما قالوا رد يا فتى فضموا لضمة الراء.
فهذه الراء أقرب.
ومن قال هذا قال مقتلين، وهذا أقل اللغات.
ومن قال قتل قال ردف في ارتدف، يجري مجرى اقتتل ونحوه.
ومثل ذهاب الألف في هذا ذهابها في قولك: سل، حيث حركت السين.
فإن قيل: فما بالهم قالوا ألحمر فيمن حذف همزة أحمر، فلم يحذفوا

الألف لما حركوا اللام.
فلأن هذه الألف قد ضارعت الألف المقطوعة نحو أحمر.
ألا ترى أنك إذا ابتدأت فتحت وإذا استفهمت ثبتت.
فلما كانت كذلك قويت كما قلت الجوار حين قلت جاورت، وتقول: ياألله اغفر لي، وأفألله لتفعلن.
فتقوى أيضاً في مواضع سوى الاستفهام.
ومنها: إي ها الله ذا.
وحسن الإدغام في اقتتلوا كحسنه في جعل لك.
إلا أنه ضارع، حيث كان الحرفان غير منفصلين، احمررت.
وأما اردد فليس فيه إخفاء، لأنه بين ساكنين، كما لا تخفى الهمزة مبتدأة ولا بعد ساكن، فكذلك ضعف هذا إذ كان بين ساكنين.
وأما رد داود فبمنزلة اسم موسى لأنهما منفصلان، وإنما التقيا في الإسكان، وإنما يدغمان إذا تحرك ما قبلهما.

جارٍ التحميل