باب الأفعال في القسم
اعلم أنَّ القسم توكيدٌ لكلامك.
فإذا حلفت على فعلٍ غير منفي لم يقع لزمته اللامُ.
ولزمت اللام النونُ الخفيفة أو الثقيلة في آخر الكلمة.
وذلك قولك: والَّله لأفعلنَّ.
وزعم الخليل: أن النون تلزم اللام كلزوم اللام في قولك: إن كان لصالحاً، فإن بمنزلة اللام، واللام بمنزلة النون في آخر الكلمة.
واعلم أن من الأفعال أشياء فيها معنى اليمين، يجري الفعل بعدها مجراه بعد قولك واللَّه، وذلك قولك: أقسم لأفعلنَّ، وأشهد لأفعلنَّ، وأقسمت باللَّه عليك لتفعلنَّ.
وإن كان الفعل قد وقع وحلفت عليه لم تزد على اللام؛ وذلك قولك: والَّله لفعلت.
وسمعنا من العرب من يقول: والَّله لكذبت، وواللَّه لكذب.
فالنون لا تدخل على فعلٍ قد وقع، إنَّما تدخل على غير الواجب.
وإذا حلفت على فعلٍ منفيٍّ لم تغيِّره عن حاله التي كان عليها قبل أن تحلف، وذلك قولك: والَّله لا أفعل.
وقد يجوز لك وهو من كلام العرب أن تحذف لا وأنت تريد معناها، وذلك قولك: والَّله أفعل ذلك أبداً، تريد: والَّله لا أفعل ذلك أبداً.
وقل:
فحالِفْ فلا والَّله تَهْبِطُ تَلْعةً ... من الأَرضِ إلا أنتَ للذل عارِفُ
وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك إلاَّ فعلت ولما فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع، وإنما أقسمت ها هنا كقولك: والَّله؟ فقال: وجه الكلام
لتفعلنَّ، هاهنا ولكنهم إنما أجازوا هذا لأنهم شبهوه بنشدتك الله، إذ كان فيه معنى الطلب.
وسألته عن قوله إذا جاءت مبتدأةً ليس قبلها ما يحلف به؟ فقال: إنما جاءت على نيَّة اليمين وإن لم يتكلَّم بالمحلوف به.
واعلم أنَّك إذا أخبرت عن غيرك أنَّه أكَّد على نفسه أو على غيره فالفعل يجري مجراه حيث حلفت أنت؛ وذلك قولك: أقسم ليفعلنَّ، واستحلفه ليفعلن، وحلف ليفعلنَّ ذلك، وأخذ عليه لا يفعل ذلك أبداً.
وذاك أنَّه أعطاه من نفسه في هذا الموضع مثل ما أعطيت أنت من نفسك حين حلفت، كأنَّك قلت حين قلت أقسم ليفعلَّن قال واللَّه ليفعلنَّ، وحين قلت استحلفه ليفعلنَّ قال له واللَّه ليفعلنَّ.
ومثل ذلك قوله تعالى جدُّه: " وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاَّ الَّله ".
وسألته: لِمَ لَم يجز والَّله تفعل يريدون بها معنى ستفعل؟ فقال: من قبل أنَّهم وضعوا تفعل ها هنا محذوفة منها لا، وإنما تجيء في معنى لا أفعل، فكرهوا أن تلتبس إحداهما بالأخرى.
فقلت: فلم ألزمت
النون آخر الكلمة؟ فقال: لكي لا يشبه قوله إنه ليفعل، لأن الرجل إذا قال هذا فإنما يخبر بفعلٍ واقعٍ فيه الفاعل، كما ألزموا اللام: إن كان ليقول، مخافة أن يلتبس بما كان يقول ذاك، لأن إن تكون بمنزلة ما.
وسألته عن قوله عز وجل: " وإذ أخذ الَّله ميثاق النَّبييِّن لما آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ ثمَّ جاءكم رسول مصدِّق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنَّه " فقال: ما ههنا بمنزلة الذي، ودخلتها اللام كما دخلت على إن حين قلت: والله لئن فعلت لأفعلن، واللام التي في ما كهذه التي في إن، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا.
ومثل هذه هذه اللام الأولى أن إذا قلت: والَّله أن لو فعلت لفعلت.
وقال:
فأُقْسِمُ أن لوِ التَقينْا وأنْتُمُ ... لكان لكمْ يومٌ من الشرِّ مُظْلِمُ
فأن في لو بمنزلة اللام في ما، فأوقعت ها هنا لامين: لامٌ للأول ولامٌ للجواب، ولام الجواب هي التي يعتمد عليها القسم، فكذلك الامان في قوله عز وجل: " لما آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ ثمَّ جاءكم رسول مصدَّق لما
معكم لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه " لامٌ للأول وأخرى للجواب.
ومثل ذلك " لمن تبعك منهم لأملأنَّ " إنما دخلت اللام على نية اليمين.
والَّله أعلم.
وسألته عن قوله عز وجل: " ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون " فقال: هي في معنى ليفعلنَّ، كأنه قال ليظلَّن، كما تقول: والَّله لا فعلت ذاك أبداً، تريد معنى لا أفعل.
وقالوا: لئن زرته ما يقبل منك، وقال: لئن فعلت ما فعل، يريد معنى ما هو فاعلٌ وما يفعل، كما كان لظلُّوا مثل ليظلن، وكما جاءت: " سواءٌ عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون " على قوله: أم صمتٌّم فكذلك جاز هذا على ما هو فاعلٌ.
قال عز وجل: " ولئن أتيت الذين أوتوا
الكتاب بكلِّ آيةٍ مَّا تبعوا قبلتك " أي ما هم تابعين.
وقال: سبحانه: " ولئن زالتا إن أمسكهما من أحدٍ من بعده " أي ما يمسكهما من أحدٍ.
وأما قوله عز وجل: " وإنَّ كلاً لما ليوفِّينهم ربُّك أعمالهم " فإن إن حرف توكيد، فلها لامٌ كلام اليمين، لذلك أدخلوها كما أدخلوها في: " إن كلُّ نفسٍ لما عليها حافظ "، ودخلت اللام التي في الفعل على اليمين، كأنَّه قال: إن زيداً لما واللَّه ليفعلنَّ.
وقد يستقيم في الكلام إن زيداً ليضرب وليذهب، ولم يقع ضربٌ.
والأكثر على ألسنتهم كما خبَّرتك في اليمين، فمن ثمَّ ألزموا النون في اليمين، لئلا يلتبس بما هو واقعٌ.
قال الَّله عز وجل: " إنَّما جعل السَّبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربَّك ليحكم بينهم يوم القيامة ". وقال لبيد:
ولقد علمتُ لَتَأْتِيَن منيَّتي ... إنَّ المَنايا لا تَطِيشُ سِهامُهَا
كأنَّه قال: والَّله لتأتين، كما قال: قد علمت لعبد الله خيرٌ منك، وقال: أظنُّ لتسبقنني، وأظنُّ ليقومنَّ، لأنه بمنزلة علمت.
وقال عز وجل: " ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننه "؛ لأنه موضع ابتداء.
ألا ترى أنك لو قلت: بدا لهم أيُّهم أفضل، لحسن كحسنه في علمت، كأنك قلت: ظهر لهم أهذا أفضل أم هذا.
هذا باب
الحروف التي لا تقدِّم فيها الأسماء الفعل
فمن تلك الحروف العوامل في الأفعال الناصبة.
ألا ترى أنك لا تقول: جئتك كي زيدٌ يقول ذاك، ولا خفت أن زيدٌ يقول ذاك.
فلا يجوز أن تفصل بين الفعل والعامل فيه بالاسم، كما لا يجوز أن تفصل بين الاسم وبين إن وأخواتها بفعلٍ.
ومما لا تقدَّم فيه الأسماء الفعل الحروف العوامل في الأفعال الجازمة، وتلك: لم، ولما، ولا التي تجزم الفعل في النهيولا التي تجزم في الأمر.
ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لم زيدٌ يأتك، فلا يجوز أن تفصل بينها وبين الفعل بشيء، كما لم يجز أن تفصل بين الحروف التي تجر وبين الأسماء بالأفعال، لأن الجزم نظير الجر.
ولا تجوز أن تفصل بينها وبين الفعل بحشوٍ، كما لا تجوز لك أن تفصل بين الجار والمجرور بحشوٍ، إلا في شعر.
ولا يجوز ذلك في التي تعمل في الأفعال فتنصب، كراهة أن تشبَّه بما يعمل في الأسماء.
ألا ترى أنه لا يجوز أن تفصل بين الفعل وبين ما ينصبه بحشوٍ، كراهية أن يشبهوه بما يعمل في الاسم؛ لأن الاسم ليس كالفعل، وكذلك ما يعمل فيه ليس كما يعمل في الفعل.
ألا ترى إلى كثرة ما يعمل في الاسم وقلة هذا.
فهذه الأشياء فيما يجزم أردأ وأقبح منها في نظيرها من الأسماء، وذلك أنك لو قلت: جئتك كي بك يؤخذ زيدٌ لم يجز، وصار الفصل في الجزم والنصب أقبح منه في الجر؛ لقلة ما يعمل في الأفعال، وكثرة ما ينسى في الأسماء.
واعلم أن حروف الجزاء يقبح أن تتقدم الأسماء فيها قبل الأفعال، وذلك لأنهم شبهوها بما يجزم مما ذكرنا، إلا أن حروف الجزاء قد جاز فيها ذلك في الشعر لأن حروف الجزاء يدخلها فعل ويفعل، ويكون فيها الاستفهام فترفع فيها الأسماء، وتكون بمنزلة الذي، فلما كانت تصرَّف هذا التصُّرف وتفارق الجزم ضارعت ما يجبرُّ من الأسماء التي إن شئت استعملتها غير مضافة نحو: ضارب عبد الَّله، لأنك إن شئت نونت ونصبت، وإن شئت لم تجاوز الاسم العامل في الآخر، يعني ضاربٍ، فلذلك لم تكن مثل لم ولا في النهي واللام في الأمر؛ لأنهن لا يفارقن الجزم.
ويجوز الفرق في الكلام في إن إذا لم تجزم في اللفظ، نحو قوله:
عاوِدْ هَراةَ وإنْ معمورُها خَرِبَا
فإن جزمت ففي الشعر، لأنه يشبَّه بلم، وإنما جاز في الفصل ولم يشبه لم لأن لم لا يقع بعدها فعل، وإنما جاز هذا في إن لأنها أصل الجزاء
ولا تفارقه، فجاز هذا كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا: إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرُّ.
وأما سائر حروف الجزاء فهذا فيه ضعفٌ في الكلام، لأنَّها ليست كإن، فلو جاز في إن وقد جزمت كان أقوى إذ جاز فيها فعل.
وممَّا جاء في الشعر مجزوماً في غير إن قول عدىَّ بن زيد:
فَمتى واغلٌ ينبهم يحيّو ... هـ هو وَتُعْطَفْ عليه كأسُ الساقِي
وقال كعب بن جعيل:
صَعْدَةٌ نَابِتَةٌ فِي حَائِرٍ ... أَيْنَمَا الريحُ تميَّلها تَمِلْ
ولو كان فعل كان أقوى إذ كان ذلك جائزاً في إن في الكلام.
واعلم أن قولهم في الشعر: إن زيد يأتك يكن كذا، إنما ارتفع على فعلٍ
هذا تفسيره، كما كان ذلك في قولك: إن زيداً رأيته يكن ذلك؛ لأنه لا تبتدأ بعدها الأسماء ثم يبنى عليها.
فإن قلت: إن تأتني زيدٌ يقل ذاك، جاز على قول من قال: زيداً ضربته، وهذا موضع ابتداء ألا ترى أنك لو جئت بالفاء فقلت: إن تأتني فأنا خيرٌ لك، كان حسناً.
وإن لم يحمله على ذلك رفع وجاز في الشعر كقوله:
اللهُ يَشكرُها
ومثل الأوّل قول هشام المرّى:
فَمن نحن نُؤْمِنْه يَبِتْ وهْوَ آمِن ... ومَنْ لا نُجِرْهُ يُمْسِ منّا مفزّعَا
هذا باب
الحروف التي لا يليها بعدها إلا الفعل
ولا تغير الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يكون قبله شيء منها
فمن تلك الحروف قد، لا يفصل بينها وبين الفعل بغيره، وهو جوابٌ لقوله أفعل كما كانت ما فعل جواباً لهل فعل؟ إذا أخبرت أنه لم يقع.
ولما
يفعل وقد فعل، إنَّما هما لقومٍ ينتظرون شيئاً.
فمن ثم أشبهت قد لما، في أنَّها لا يفصل بينها وبين الفعل.
ومن تلك الحروف أيضاً سوف يفعل؛ لأنها بمنزلة السين التي في قولك سيفعل.
وإنما تدخل هذه السين على الأفعال، وإنَّما هي إثباتٌ لقوله لن يفعل، فأشبهتها في أن لا يفصل بينها وبين الفعل.
ومن تلك الحروف: ربما وقلما وأشباههما، جعلوا ربَّ مع ما بمنزلة كلمة واحدة، وهيئوها ليذكر بعدها الفعل، لأنهم لم يكن لهم سبيلٌ إلى " ربَّ يقول "، ولا إلى " قلَّ يقول "، فألحقوهما ما وأخلصوهما للفعل.
ومثل ذلك: هلا ولولا وألاَّ، ألزموهن لا وجعلوا كلَّ واحدة مع لا بمنزلة حرف واحد، وأخلصوهن للفعل حيث دخل فيهن معنى التحضيض.
وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم، قال:
صددن فأطولت الصدودِ وقلَّما ... وِصالٌ على طُول الصدود يَدْومُ
واعلم أنه إذا اجتمع بعد حروف الاستفهام نحو هل وكيف ومن اسمٌ وفعلٌ، كان الفعل بأن يلي حرف الاستفهام أولى؛ لأنها عندهم في الأصل من الحروف التي يذكر بعدها الفعل.
وقد بيِّن حالهنَّ فيما مضى.
هذا باب
الحروف التي يجوز أن يليها بعدها الأسماء
ويجوز أن يليها بعدها الأفعال
وهي لكن، وإنما، وكأنما، وإذ، ونحو ذلك، لأنَّها حروفٌ لا تعمل شيئاً، فتركت الأسماء بعدها على حالها كأنَّه لم يذكر قبلها شيءٌ، فلم يجاوز ذا بها إذ كانت لا تغيَّر ما دخلت عليه، فيجعلوا الاسم أولى بها من الفعل.
وسألت الخليل عن قول العرب: انتظرني كما آتيك، وارقبني كما ألحقك، فزعم أن ما والكاف جعلتا بمنزلة حرف واحد، وصيِّرت للفعل كما صيِّرت للفعل ربَّما، والمعنى لعلِّى آتيك؛ فمن ثم لم ينصبوا به الفعل، كما لم ينصبوا بربما.
قال رؤبة:
لا تَشْتُمِ الناسَ كما لا تُشْتَمُ
وقال أبو النجم:
قلتُ لِشَيْبانَ ادْنُ مِن لقائهْ ... كما تغدِّى النَاسَ مِن شِوائِه
هذا باب نفي الفعل
إذا قال: فعل فإنَّ نفيه لم يفعل.
وإذا قال: قد فعل فإن نفيه لمَّا يفعل.
وإذا قال: لقد فعل فإنَّ نفيه ما فعل.
لأنه كأنَّه قال: والَّله لقد فعل فقال: والله ما فعل.
وإذا قال هو يفعل، أي هو في حال فعل، فإنَّ نفيه ما يفعل.
وإذا قال هو يفعل ولم يكن الفعل واقعاً فنفيه لا يفعل.
وإذا قال لفعلنَّ فنفيه لا يفعل، كأنه قال: والَّله ليفعلنَّ فقلت والَّله لا يفعل.
وإذا قال: سوف يفعل فإنَّ نفيه لن يفعل