الكتاب لسيبويهباب اشتراك الفعل في أن

باب اشتراك الفعل في أن

وانقطاع الآخر من الأول الذي عمل فيه أن

فالحروف التي تشرك: الواو، والفاء، وثم، وأو.
وذلك قولك: أريد أن تأتيني ثم تحدثني، وأريد أن تفعل ذاك وتحسن، وأريد أن تأتينا فتبايعنا، وأريد أن تنطق بجميل أو تسكت.
ولو قلت: أريد أن تأتيني ثم تحدثني جاز، كأنك قلت: أريد إتيانك ثم تحدثني.
ويجوز الرفع في جميع هذه الحروف التي تشرك على هذا المثال.
وقال عز وجل: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله "، ثم قال سبحانه: " ولا يأمركم "، فجاءت منقطعة من الأول، لأنه أراد: ولا يأمركم الله.
وقد نصبها بعضهم على قوله: وما كان لبشرٍ أن يأمركم أن تتخذوا.
وتقول: أريد أن تأتيني فتشتمني، لم يرد الشتيمة، ولكنه قال: كلما أردت إتيانك شتمتني.
هذا معنى كلامه، فمن ثمّ نقطع من أن.
قال رؤبة:

يريدُ أن يُعْرِبَهُ فيُعْجِمُهْ أي فإذا هو يعجمه.
وقال الله عز وجل: " لنبين لكم ونقر في الأرحام "، أي ونحن نقر في الأرحام؛ لأنه ذكر الحديث للبيان ولم يذكره للإقرار.
وقال عز وجل: " أن تضل إحداهما الأخرى فتذكر إحدهما الأخرى "، فانتصب لأنّه أمر بالإشهاد لأن تذكّر إحداهما الأخرى ومن أجل أن تذكر.
فإن قال إنسانٌ: كيف جاز أن تقول: أن تضل ولم يعد هذا للضلال وللالتباس؟ فإنما ذكر أن تضل لأنه سبب الإذكار، كما يقول الرجل: أعددته أن يميل الحائط فأدعمه، وهو لا يطلب بإعداد ذلك ميلان الحائط، ولكنه أخبر بعلة الدعم وبسببه.

وقرأ أهل الكوفة: " فتذكر " رفعاً.
وسألت الخليل عن قول الشاعر، لبعض الحجازيين: فما هو إلاّ أن أراها فجاءة ... فأَبْهَتُ حتّى ما أكادُ أُجيبُ فقال: أنت في أبهت بالخيار، إن شئت حملتها على أن، وإن شئت لم تحملها عليه فرفعت، كأنك قلت: ما هو إلا الرأي فأبهت.
وقال ابن أحمر فيما جاء منقطعاً من أن: يُعالِجُ عاقِراً أُعْيَتْ عليه ... ليُلْقِحَها فينْتِجُها حوارا

كأنه قال: يعالج فإذا هو ينتجها.
وإن شئت على الابتداء.
وتقول: لا يعدو أن يأتيك فيصنع ما تريد، وإن شئت رفعت، كأنك قلت لا يعدو ذلك فيصنع ما تريد.
وتقول: ما عدا أن رآني فيثب، كأنه قال ما عدا ذلك فيثب، لأنه ليس على أول الكلام.
فإن أردت أن تحمل الكلام على أن فإن أحسنه ووجهه أن تقول: ما عدا أن رآني فوثب، فضعف يثب هاهنا كضعف ما أتيتني فتحدثني، إذا حملت الكلام على ما.
ونقول: ما عدوت أن فعلت، وهذا هو الكلام، ولا أعدوا أن أفعل، وما آلو أن أفعل، يعني لقد جهدت أن أفعل.
وتقول: ما عدوت أن آتيك، أي ما عدوت أن يكون هذا من رأي فيما أستقبل.
ويجوز أن يجعل أفعل في موضع فعلت، ولا يجوز فعلت في موضع أفعل إلا في مجازاةٍ، نحو: إن فعلت فعلت.
وتقول: والله ما أعدو أن جالستك، أي أن كنت فعلت ذلك، أي ما أجاوز مجالستك فيما مضى.
ولو أراد ما أعدو أن جالستك غداً كان محالاً ونقضاً، كما أنه لو قال: ما أعدو أن أجالسك أمس كان محالا.

وإنما ذكرت هذا لتصرف وجوهه ومعانيه، وأن لا تستحيل منه مستقيماً، فإنه كلامٌ يستعمله الناس.
ومما جاء منقطعا قول الشاعر، وهو عبد الرحمن بن أم الحكم: على الحَكَم المأْتيِّ يوماً إذا قَضَى ... قَضيْتَه أن لا يَجوزَ ويَقْصِدُ كأنه قال: عليه غير الجور، ولكنه يقصد أو هو قاصدٌ، فابتدأ ولم يحمل الكلام على أن، كما تقول: عليه أن لا يجور، وينبغي له كذا وكذا، فالابتداء في هذا أسبق وأعرف؛ لأنها بمنزلة قولك، كأنه قال: ونولك.
فمن ثم لا يكادون يحملونها على أن.

هذا باب الجزاء

فما يجازي به من الأسماء غير الظروف: من، وما، وأيهم.
وما يجازي به من الظروف: أي حينٍ، ومتى، وأين، وأنى، وحيثما.
ومن غيرهما: إن، وإذ ما.
ولا يكون الجزاء في حيث ولا في إذ حتى يضم إلى كل واحد منهما ما

فتصير إذ مع ما بمنزلة إنما وكأنما، وليست ما فيهما بلغو، ولكن كل واحد منهما مع ما بمنزلة حرف واحد.
فمما كان من الجزاء بإذما قول العباس بن مرداس: إذْ ما أتيتَ على الرسول فقُلْ له ... حَقّاً عليك إذا اطْمَأَنَّ المَجْلِسُ وقال الآخر، قالوا: هو لعبد الله بن همام السّلوليّ: إذ ما تريني اليوم مزجى ظعينتي ... أُصَعِّدُ سَيْراً في البلاد وأُفْرِعُ فإِنَّي من قوم سواكم وإنّما ... رجالي فهم بالحجاز وأشجع

سمعناهما ممن يرويهما عن العرب.
والمعنى إما.
ومما جاء من الجزاء بأني قول لبيد: فأَصبحتَ أنّي تأتها تلتبس بها ... كلا مر كبيها تحت رِجْلك شاجِرُ وفي أين قوله، وهو ابن همام السلولي: أيْن تَضربْ بنا الُعداةُ تجدْنا ... نَصْرِفُ العِيسَ نَحْوَها للتَّلاقِي وإنما منع حيث أن يجازي بها أنك تقول: حيث تكون أكون، فتكون وصلٌ لها، كأنك قلت: المكان الذي تكون فيه أكون.
ويبين هذا أنها في الخبر بمنزلة إنما وكأنما وإذا، أنه يبتدأ بعدها الأسماء، أنك تقول: حيث عبد الله قائمٌ زيدٌ، وأكون حيث زيدٌ قائمٌ.
فحيث كهذه الحروف التي تبتدأ بعدها الأسماء في الخبر، ولا يكون هذا من

حروف الجزاء.
فإذا ضممت إليها ما صارت بمنزلة إن وما أشبهها، ولم يجز فيها ما جاز فيها قبل أن تجئ بما، وصارت بمنزلة إما.
وأما قول النحويين: يجازى بكلّ شئ يستفهم به، فلا يستقيم، من قبل أنك تجازي بإن وبحيثما وإذ ما ولا يستقيم بهن الاستفهام، ولكن القول فيه كالقول في الاستفهام.
ألا ترى أنك إذا استفهمت لم تجعل ما بعده صلةً.
فالوجه أن تقول: الفعل ليس في الجزاء بصلةٍ لما قبله كما أنه في حروف الاستفهام ليس صلةً لما قبله، وإذا قلت: حيثما تكن أكن، فليس بصلةٍ لما قبله، كما أنك إذا قلت أين تكون وأنت تستفهم فليس الفعل بصلةٍ لما قبله، فهذا في الجزاء ليس بصلةٍ لما قبله، كما أن ذلك في الاستفهام ليس بوصلٍ لما قبله.
وتقول: من يضربك في الاستفهام، وفي الجزاء: من يضربك أضربه، فالفعل فيهما غير صلة.
وسألت الخليل عن مهما فقال: هي ما أدخلت معها ما لغواً، بمنزلتها مع متى إذا قلت متى ما تأتني آتك، وبمنزلتها مع إن إذا قلت إن ما تأتني آتك، وبمنزلتها مع أين كما قال سبحانه وتعالى: " أينما تكونوا يدرككم

الموت " وبمنزلتها مع أيٍ إذا قلت: " أياماً تدعوا فله الأسماء الحسنى "، ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظاً واحداً فيقولوا: ماما، فأبدلوا الهاء من الألف التي في الأولى.
وقد يجوز أن يكون مه كإذ ضم إليها ما.
وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع.
فقال: هي مستكرهة وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء، لأن معناها على أي حالٍ تكن أكن.
وسألته عن إذا، ما منعهم أن يجازوا بها؟ فقال: الفعل في إذا بمنزلته في إذ، إذا قلت: أتذكر إذ تقول، فإذا فيما تستقبل بمنزلة إذ فيما مضى.
ويبيّن هذا أنّ إذا تجئ وقتاً معلوماً؛ ألا ترى أنك لو قلت: أتيك إذا احمر البسر كان حسناً، ولو قلت: آتيك إن احمر البسر، كان قبيحاً.
فإن أبداً مبهمة، وكذلك حروف الجزاء.
وإذا توصل بالفعل، فالفعل في إذا بمنزلته في حين كأنك قلت: الحين الذي تأتيني فيه آتيك فيه.
وقال ذو الرمة: تُصْغِي إذا شَدَّها بالرَّحْلِ جانحةً ... حتّى إذا ما استوى في غَرْزِها تَثِبُ.

وقال الآخر، ويقال وضعه النحويون: إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد وقد جازوا بها في الشعر مضطرين، شبهوها بإن، حيث رأوها لما يستقبل، وأنها لا بدّلها من جواب.
وقال قيس بن الخطيم الأنصاري: إذا قَصُرَتْ أَسْيافُنا كان وَصْلُها ... خُطانَا إلى أَعْدائنا فنُضارِبِ وقال الفرزدق:

تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يرفَعُ لي ... ناراً إذا خَمَدَتْ نِيرانُهمْ تَقِدِ وقال بعض السلوليين: إذا لم تَزل في كلِّ دارٍ عرفتَها ... لها واكفٌ مِن دَمْعِ عينِك يَسْجُمِ فهذا اضطرار، وهو في الكلام خطأ، ولكن الجيد قول كعب بن زهير: وإذا ما تشاءُ تَبعثُ منها ... مَغْرِبَ الشمسِ ناشِطاً مَذْعوراً واعلم أن حروف الجزاء تجزم الأفعال وينجزم الجواب بما قبله.

وزعم الخليل أنك إذا قلت: إن تأتني آتك، فآتك انجزمت بإن تأتني، كما تنجزم إذا كانت جوابا للأمر حين قلت: ائتني آتك.
وزعم الخليل أن إن هي أم حروف الجزاء، فسألته: لم قلت ذلك؟ فقال: من قبل أنى أرى حروف الجزاء قد يتصرفن فيكن استفهاما ومنها ما يفارقه ما فلا يكون فيه الجزاء، وهذه على حالٍ واحدة أبدا لا تفارق المجازاة.
واعلم أنه لا يكون جواب الجزاء إلا بفعل أو بالفاء فأما الجواب بالفعل فنحو قولك: إن تأتني آتك، وإن تضرب أضرب، ونحو ذلك.
وأما الجواب بالفاء فقولك: إن تأتني فأنا صاحبك.
ولا يكون الجواب في هذا الموضع بالواو ولا بثم.
ألا ترى أن الرجل يقول افعل كذا وكذا فتقول: فإذن يكون كذا وكذا.
ويقول: لم أغث أمس، فتقول: فقد أتاك الغوث اليوم.
ولو أدخلت الواو وثم في هذا الموضع تريد الجواب لم يجز.
وسألت الخليل عن قوله جل وعز: " وإن تصبهم سيئةٌ بما قدمت

أيديهم إذا هم يقنطون " فقال: هذا كلام معلقٌ بالكلام الأول كما كانت الفاء معلقةً بالكلام الأول وهذا ها هنا في موضع قنطلوا كما كان الجواب بالفاء في موضع الفعل.
قال: ونظير ذلك قوله: " سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون " بمنزلة أم صمتم.
ومما يجعلها بمنزلة الفاء أنّها لا تجئ مبتدأة كما أنّ الفاء لا تجئ مبتدأةً.
وزعم الخليل أن إدخال الفاء على إذا قبيحٌ، ولو كان إدخال الفاء على إذا حسنا لكان الكلام بغير الفاء قبيحا؛ فهذا قد استغنى عن الفاء كما استغنت الفاء عن غيرها، فصارت إذا هاهنا جوابا كما صارت الفاء جوابا.
وسألته عن قوله: إن تأتني أنا كريمٌ، فقال: لا يكون هذا إلا أن يضطر شاعرٌ، من قبل أنّ أنا كريم يكون كلا ما مبتدأ، والفاء وإذا لا يكونان إلا معلقتين بما قبلهما فكرهوا أن يكون هذا جواباً حيث لم يشبه الفاء.
وقد قاله الشاعر مضطراً، يشبهه بما يتكلم به من الفعل.
قال حسان بن ثابت:

مَن يَفعلِ الحَسَناتِ الله يَشْكُرُها ... والشرُّ بالشرّ عند الله مثلان وقال الأسدي: بَنِي ثُعَلٍ لا تَنْكَعُوا العَنْزَ شِربْهَا ... بني ثُعَلٍ مَن يَنكَعِ العَنْزَ ظالمُ وزعم أنه لا يحسن في الكلام إن تأتني لأفعلن، من قبل أنّ لأفعلنّ تجئ مبتدأةً.
ألا ترى أن الرجل يقول لأفعلن كذا وكذا.
فلو قلت:

إن أتيتني لأكرمنك، وإن لم تأتني لأغمنك، جاز لأنه في معنى لئن أتيتني لأكرمنك ولئن لم تأتني لأغمنك، ولا بد من هذه اللام مضمرةً أو مظهرةً لأنها لليمين، كأنك قلت: والله لئن أتيتني لأكرمنك.
فإن قلت: لئن تفعل لأفعلن قبح، لأن لأفعلن على أول الكلام، وقبح في الكلام أن تعمل إن أو شئ من حروف الجزاء في الأفعال حتى تجزمه في اللفظ ثم لا يكون لها جواب ينجزم بما قبله.
ألا ترى أنك تقول: آتيك إن أتيتني، ولا تقول آتيك إن تأتني، إلا في شعر، لأنك أخرت إن وما عملت فيه ولم تجعل لإن جوابا ينجزم بما قبله.
فهكذا جرى هذا في كلامهم.
ألا ترى أنه قال عز وجل: " وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " وقال عز وجل: " وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين " لما كانت إن العاملة لم يحسن إلا أن يكون لها جوابٌ ينجزم بما قبله.
فهذا الذي يشاكلها في كلامهم إذا عملت.
وقد تقول: إن أتيتني آتيك، أي آتيك إن أتيتني.
قال زهير: وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ

ولا يحسن إن تأتني آتيك، من قبل أن إن هي العاملة.
وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي: يا أَقْرَعُ بنَ حابسٍ يا أَقْرَعُ ... إنَّك إن يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ أي إنك تصرع إن يصرع أخوك.
ومثل ذلك قوله: هذا سُراقةُ للقُرْآن يَدْرُسُهُ ... والمرءُ عند الرُّشا إن يلقها ذيب

أي والمرء ذئب إن يلق الرشا.
قال الأصمعيّ: هو قديم، أنشدينه أبو عمرو.
وقال ذو الرمة: وأنِّي متى أُشْرِفْ على الجانِب الذي ... به أنتِ من بين الجَوانبِ ناظرُ أي ناظرٌ متى أشرف.
فجاز هذا في الشعر، وشبهوه بالجزاء إذا كان جوابه منجزماً؛ لأن المعنى واحد، كما شبّه الله يشكرها وظالم بإذا هم يقنطون، جعله بمنزلة يظلم ويشكرها الله، كما كان هذا بمنزلة قنطوا، وكما قالوا في اضطرارٍ: إن تأتني أنا صاحبك، يريد معنى الفاء، فشبهه ببعض ما يجوز في الكلام حذفه وأنت تعنيه.
وقد يقال: إن أتيتني آتك وإن لم تأتني أجزك، لأن هذا في موضع الفعل المجزوم، وكأنه قال: إن تفعل أفعل.
ومثل ذلك قوله عز وجل: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها "، فكان فعل.
وقال الفرزدق:

دَسَّتْ رسولاً بأنًّ القوم إنْ قَدَروا ... عليكَ يَشْفُوا صُدوراً ذاتَ تَوْغيرِ وقال الأسود بن يعفر: ألا هَلْ لهذا الدَّهرِ مِن مُتَعَلَّلِ ... عن النّاس مَهْمَا شاءَ بالناس يَفْعَلِ وقال: إن تأتني فأكرمك، أي فأنا أكرمك، فلا بد من رفع فأكرمك إذا سكت عليه، لأنه جواب، وإنما ارتفع لأنه مبني على مبتدأ.
ومثل ذلك قوله عز وجل " ومن عاد فينتقم الله منه " ومثله: " ومن كفر فأمتعه قليلا " ومثله: " فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً ".

جارٍ التحميل