الكتاب لسيبويهباب استفعلت

تقول: استجدته أي أصبته جيداً، واستكرمته أي أصبته كريماً.
واستعظمته أي أصبته عظيماً، واستسمنته أي أصبته سميناً.
وقد يجيىء استفعلت على غير هذا المعنى كما جاء تذاءبت وعاقبت، تقول: استلأم، واستخلف لأهله كما تقول أخلف لأهله، المعنى واحد.
وتقول: استعطيت أي طلبت العطية، واستعتبته أي طلبت إليه العتبى.
ومثل ذلك استفهمت واستخبرت، أي طلبت إليه أن يخبرني؟ ومثله: استثرته.
وتقول: استخرجته، أي لم أزل أطلب إليه حتى خرج.
وقد يقولون: اخترجته، شبهوه بافتعلته وانتزعته.
وقالوا: قر في مكانه واستقر، كما يقولون: جلب الجرح وأجلب، يريدون بهما شيئاً واحداً، كما بني ذلك على أفعلت بني هذا على استفعلت.
وأما استحقه فإنه يكون طلب حقه، وأما استخفه فإنه يقول طلب خفته.
وكذلك استعمله أي طلب إليه العمل، وكذلك استعجلت، ومر مستعجلاً أي مر طالبا ذاك من نفسه متكلفاً إياه.

وأما علا قرنه واستعلاه فإنه مثل قر واستقر وقالوا في التحول من حالٍ إلى حال هكذا، وذلك قولك: استنوق الجمل، واستتيست الشاة.
وإذا أراد الرجل أن يدخل نفسه في أمرٍ حتى يضاف إليه ويكون من أهله فإنك تقول: تفعل، وذلك تشجع وتبصر وتحلم وتجلد، وتمرأ، وتقديرها تمرع، أي صار ذا مروءة، وقال حاتم طيىء: د تحلمْ عنِ الأدنينَ واستبقِ وُدَّهم ... ولن تَستطيع الحلم حَتى تحلّمَا وليس هذا بمنزلة تجاهل؛ لأن هذا يطلب أن يصير حليما.
وقد يجيء تقيس وتنز وتعرب على هذا.
وقد دخل استفعل ههنا، قالوا: تعظم واستعظم، وتكبر واستكبر.
كما شاركت تفاعلت تفعلت الذي ليس في هذا المعنى، ولكنه استثباتٌ، وذلك قولهم: تيقنت واستيقنت، وتبينت واسبنت: وتثبت واستثبت.
ومثل ذلك - يعني تحلم - تقعدته أي ريثته عن حاجته وعقته.

ومثله: تهيبني كذا وكذا، وتهيبتني البلاد، وتكاءدني ذاك الأمر تكاؤداً، أي شق علي.
وأما قوله: تنقصته وتنقصني فكأنه الأخذ من الشيء الأول فالأول.
وأما تفهم وتبصر وتأمل، فاستثباتٌ بمنزلة تيقن.
وقد تشركه استفعل نحو استثبت.
وأما يتجرعه، ويتحساه ويتفوقه، فهو يتنقصه، لأنه ليس من معالجتك الشيء بمرة، ولكنه في مهلةٍ.
وأما تعقله فهو نحو تقعده، لأنه يريد أن يختله عن أمرٍ يعوقه عنه.
ويتملقه نحو ذلك، لأنه إنما يديره عن شيء.
وقال: تظلمني، أي ظلمني مالي، فبناه في هذا الموضع على تفعل، كما قالوا: جزته وجاوزته وهو يريد شيئاً واحداً، وقلته وأقلته ولقته وألقته، وهو إذا لطخته بالطين؛ وألقت الدواة ولقتها.
وأما تهيبه فإنه حصرٌ، ليس فيه معنى شيءٍ مما ذكرنا، كما أنك تقول استعليته لا تريد إلا معنى علوته.

وأما تخوفه فهو أن يوقع أمراً يقع بك، فلا تأمنه في حالك التي تكلمت فيها أن يوقع أمراً.
وأما خافه فقد يكون وهو لا يتوقع منه في تلك الحال شيئاً.
وأما تخونته الأيام فهو تنقصته، وليس في تخونته من هذه المعاني شيءٌ، كما لم يكن في تهيبه.
وأما يتسمع ويتحفظ فهو يتبصر.
وهذه الأشياء نحو يتجرع ويتفوق، لأنها في مهلة.
ومثل ذلك تخيره.
وأما التعمج والتعمق فنحوٌ من هذا.
والتدخل مثله، لأنه عملٌ بعد عملٍ في مهلة.
وأما تنجز حوائجه واستنجز فهو بمنزلة تيقن واستيقن، في شركة استفعلت.
فالاستثبات والتقعد والتنقص والتنجز وهذا النحو كله في مهلة، وعمل بعد عمل.
وقد بينا ما ليس مثله في تفعل.

جارٍ التحميل