الكتاب لسيبويهباب استعمال الفعل فى اللَّفظ لا فى المعنى

باب استعمال الفعل فى اللَّفظ لا فى المعنى

لاتَّساعِهم فى الكلام، والإيجاز والاختصار فمن ذلك أَنْ تقولَ على قول السائل: كَمْ صِيدَ عليه؟ وكَمْ غيرُ ظَرْفٍ لما ذكرت لك من الاتّساع والإِيجاز، فتقول: صِيدَ عليه يومانِ.
وإنَّما المعنى صِيدَ عليه الوحشُ فى يومينِ، ولكنّه اتَّسع واختَصر.
ولذلك أيضاً وَضَعَ السائلُ كَم غيرَ ظرفٍ.
ومن ذلك أن تقول: كم وُلِدَ له؟ فيقول: ستّون عاما.
فالمعنى ولد له الأولاد ولد له الوَلَدُ سِتّينَ عاماً، ولكنَّه اتَّسع وأَوْجَزَ.
ومن ذلك أن تقول: كَمْ سِيرَ عليه؛ وكم غَيرُ ظرفٍ، فيقول: يومُ الجُمُعةِ ويومان.
فكم هاهنا بمنزلة قوله: ما صِيدَ عليه، وما وُلدَ له من الدَّهر والأَيَّامِ؟ فليس كم ظرفاً كما أنّ " ما " ليس بظرف.

ومن ذلك أن يقول: كم ضرِبَ به؟ فنقول: ضُربَ به ضربتان، وضُرِبَ به ضَرْبٌ كثيرٌ.
ومما جاء على اتّساع الكلام والاختصارِ قوله تعالى جدّه: " واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها " إنّما يريد: أهلَ القرية، فاختصر، وعمل الفعل في القرية كم كان عاملاً في الأهل لو كان هاهنا.
ومثله: " بل مكر الليل والنهار "، وإنّما المعنى: بل مكر كم فى الليل والنهار.
وقال عزّ وجلّ: " ولكن البر من آمن بالله "، وإنّما هو: ولكنّ البِرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخِر.
ومثله فى الاتّساع " قولُه عزّ وجلّ ": " وَمَثَلُ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً "، وإنَّما شُبّهوا بالمنعوق به.
وإنَّما المعنى: مَثَلُكم ومَثَلُ الذين كفروا كمثل الناعِق والمنعوقِ به الذى لاُ يَسمع.
ولكنه جاء على سعة الكلام والإِيجاز لعلم المخاطَب بالمعنى.

ومثل ذلك " من كلامهم ": بنو فلانٍ يَطَؤُهم الطريقُ، يريد: يَطَؤُهم أهلُ الطريق.
وقالوا: صِدْنَا قَنَوَيْنِ، وإنّما يريد صدنا بقَنَوَيْنِ، أو صِدنا وحَش قنوينِ، وإنَّما قنَوَانِ اسمُ أرضٍ.
ومثُله في السعة: أنت أكرم على من أَضربَك، وأنت أَنكدُ من أَن تَتْرُكَه.
إنّما يريد: أنت أَكرمُ علَّى من صاحب الضَّربِ، وأنت أَنكدُ من صاحب تَرْكِه؛ لأنَّ قولك: أَنْ أضربك وأن تتركه، هو الضَّرْبُ والتَّرْكُ، لأنّ أَن اسمٌ، وتتركَه " وأَضربكَ " من صلته، كما تقول: يَسوءُنى أَنْ أَضربك، أى يَسوءُنىٍ ضَرْبُك، وليس يريد: أنت أَكرمُ علَّى من الضرب، ولكن أَكرَمُ علىَّ من صاحب الضربِ.
وقال الجعدىّ:

كأنّ عَذِيرهَم بجُنوبِ سِلَّى ... نَعامٌ قاقَ فى بَلَدٍ قِفارِ العَذير: الصوت.
ومن ذلك قولُ عامرِ بن الطُّفيل: فَلأَبَغِيَنّكُمُ قَناً وعُوارِضاً ... وَلأُقْبِلنَّ الخيل لابة ضرغد إنما يريد: عذير نعام.
وقَناً وعُوارض، يريد بقَناً وعُوارض، ولكنّه حَذَفَ وأَوصَلَ الفعلَ.
" ومن ذلك قول ساعدة: لدن بهز الكفيعسل مَتنُه ... فيه كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ يريد: فى الطريق ". ومن ذلك قولهم: أكلتُ أرضِ كذا وكذا وأكلتُ بلدةَ كذا وكذا، إنما أراد أصاب من خيرها وأكلَ من ذلك وشرب.
وهذا الكلام كثير، منه

ما مضى، وهو أكثر من أحصيَه.
ومنه ما ستراه أيضاً فيما يستقبَل إن شاء الله.
ومنه قولُهم: " هذهِ الظُّهْرُ أو العَصرُ أو المغرب "، إنّما يريد صلاةَ هذا الوقت.
و " اجتمع القَيْظُ "، يريد: اجتَمع الناسُ فى القيظ.
وقال الحُطَيئة: وشرُّ المَنَايا مَيَّتٌ بين أَهلِه ... كهُلْكِ الفَتَى قد أَسْلَمَ الحَىَّ حاضِرُهْ يريد: مَنيّةُ مَيَّتٍ.
وقال النابغةُ الجعدىّ: وكيف تُواصِلُ مَنْ أصبحت ... خلالته كأبي مرحب

يريد: كخلالة أبي مرحب.

جارٍ التحميل