الكتاب لسيبويهباب إضافة المنادى إلى نفسك

باب إضافة المنادى إلى نفسك

اعلم أن ياء الإضافة لا تثبت مع النداء كما لم يثبت التنوين في المفرد لأن ياء الإضافة في الاسم بمنزلة التنوين، لأنها بدل من التنوين، ولأنه لا يكون كلاما حتى يكون في الاسم، كما أن التنوين إذا لم يكن فيه لا يكون كلاما، فحُذف وتُرك آخرُ الاسم جرا ليُفصَل بين الإضافة وغيرها، وصار حذفها هنا لكثرة النداء في كلامهم، حيث استغنوا بالكسرة عن الياء.
ولم يكونوا ليثبتوا حذفها إلا في النداء ولم يكن لُبسٌ في كلامهم لحذفها وكانت الياء حقيقة بذلك لما ذكرتُ لك، إذ حذفوا ما هو أقل اعتلالا في النداء، وذلك قولك: يا مومِ لا بأسَ عليكم، وقال الله جل ثناؤه: " يا عبادِ فاتّقونِ ". وبعض العرب يقول: يا رَبُّ اغفِرْ لى، ويا قومُ لا تَفعلوا.
وثباتُ الياء فيما زعم يونس في الأسماء.

واعلم أن بقيان الياء لغة في النداء في الوقف والوصل، تقول: يا غلامي أقبل.
وكذلك إذا وقفوا.
وكان أبو عمرو يقول: " يا عِبَادى فاتّقونِ ". وقال الراجز، وهو عبد الله بن عبد الأعلى القرشي: وكنت إذ كنتَ إلهي وَحْدَكا ... لم يكُ شيء يا إلِهى قَبْلَكاَ وقد يبدلون مكان الياء الألف لأنها أخف، وسنبين ذلك إن شاء الله، وذلك قولك: يا ربا تجاوز عنا، ويا غلاما لا تفعل.
فإذا وقفت قلت: يا غُلاماه.
وإنما ألحقتَ الهاء ليكون أوضح للألف؛ لأنها خفية.
وعلى هذا النحو يجوز: يا أباه، ويا أُمّاه.
وسألت الخليل رحمه الله عن قولهم: يا أبَهْ، ويا أبَتِ لا تفعلْ، ويا أبتاه

ويا أمتاه، فزعم الخليل رحمه الله أن هذه الهاء مثل الهاء في عمةٍ وخالة.
وزعم الخليل رحمه الله أنه سمع من العرب من يقول: يا أمةُ لا تَفعلى.
ويدلك على أن الهاء بمنزلة الهاء في عمة وخالة أنك تقول في الوقف: يا أمة ويا أبَهْ، كما تقول يا خالَهْ.
وتقول: يا أمّتاهْ كما تقول يا خالتاهْ.
وإنما يُلزمون هذه الهاء في النداء إذا أضفتَ إلى نفسك خاصة، كأنهم جعلوها عوضاً من حذف الياء، وأرادوا أن لا يخلوا بالاسم حين اجتمع فيه حذف الياء، وأنهم لا يكادون يقولون يا أباهْ ويا أماه، وهي قليلة في كلامهم وصار هذا محتملا عندهم لما دخل النداء من التغيير والحذف، فأرادوا أن يعوضوا هذين الحرفين كما قالوا أيْنُقٌ لما حذفوا العين رأسا جعلوا الياء عوضا، فلما ألحقوا الهاء في أبَهْ وأمّهْ، صيروها بمنزلة الهاء التي تلزم الاسم في كل موضع، نحو خالة وعمة.
واختُصّ النداء بذلك لكثرته في كلامهم كما اختُصّ النداء بيا أيها الرجلُ.

ولا يكون هذا في غير النداء، لأنهم جعلوها تنبيها فيها بمنزلة يا.
وأكدوا التنبيه ب ها حين جعلوا يا مع ها، فمن ثم لم يجز لهم أن يسكتوا على أي، ولزمه التفسير.
قلت: فلمَ دخلت الهاء في الأب وهو مذكّر.
قال: قد يكون الشيء المذكر يوصَف بالمؤنث ويكون الشيء المذكر له الاسم المؤنث نحو نَفْس، وأنت تعنى الرجل به.
ويكون الشيء المؤنث يوصَف بالمذكر، وقد يكون الشيء المؤنث له الاسم المذكر.
فمن ذلك: هذا رجلٌ ربْعةٌ وغلامٌ يَفَعةٌ.
فهذه الصفات.
والأسماء قولهم: نَفْسٌ، وثلاثة أنفس، وقولهم ما رأيت عينا، يعنى عين القوم.
فكأن أبَهْ اسم مؤنث يقع للمذكر، لأنهما والدان كما تقع العين للمذكر والمؤنث لأنهما شخصان.
فكأنهم إنما قالوا أبوان لأنهم جمعوا بين أبٍ وأبةٍ، إلا أنه لا يكون مستعمَلاً إلا في النداء إذا عنيت المذكر.
واستغنوا بالأم في المؤنث عن أبة، وكان ذلك عندهم في الأصل على هذا، فمن ثم جاءوا عليه بالأبوين؛ وجعلوه في غير النداء أباً بمنزلة الوالد، وكأن مؤنثه أبةٌ كما أن مؤنث الوالد والدة.
ومن ذلك أيضاً قولك للمؤنث: هذه امرأةٌ عَدْلٌ.
ومن الأسماء فرَسٌ، هو للمذكر، فجعلوه لهما، وكذلك عدْل وما أشبه ذلك.

وحدثنا يونس أن بعض العرب يقول: يا أمَّ لا تفعلى، جعلوا هذه الهاء بمنزلة هاء طلحة إذ قالوا: يا طلحَ أقبلْ؛ لأنهم رأوها متحركة بمنزلة هاء طلحة فحذفوها، ولا يجوز ذلك في غير الأم من المضاف.
وإنما جازت هذه الأشياء في الأب والأم لكثرتهما في النداء، كما قالوا: يا صاح في هذا الاسم.
وليس كل شيء يكثر في كلامهم يغيَّر عن الأصل، لأنه ليس بالقياس عندهم، فكرهوا ترك الأصل.

؟ باب ما تضيف إليه ويكون مضافا إليك

قبل المضاف إليه

وتثبت فيه الياء، لأنه غير منادى، وإنما هو بمنزلة المجرور في غير النداء.
فذلك قولك: يا ابنَ أخي، ويا ابنَ أبي، يصير بمنزلته في الخبر.
وكذلك يا غلامَ غلامي.
وقال الشاعر أبو زُبيد الطائي: يا ابنَ أمي ويا شُقَيّقَ نَفْسِى ... أنتَ خَلَّيْتَني لدهرٍ شديدِ

وقالوا: يا ابنَ أمَّ ويا ابنَ عمَّ، فجعلوا ذلك بمنزلة اسم واحد، لأن هذا أكثرُ في كلامهم من يا ابنَ أبي ويا غلامَ غلامي.
وقد قالوا أيضا: يا ابنَ أمِّ ويا ابنَ عم، كأنهم جعلوا الأول والآخر اسما، ثم أضافوا إلى الياء، كقولك: يا أحدَ عشرَ أَقبِلوا.
وإن شئت قلتَ: حذفوا الياء لكثرة هذا في كلامهم.
وعلى هذا قال أبو النجم: يا ابنةَ عمّا لا تلومي واعجَعي واعلم أن كل شيء ابتدأتُه في هذين البابين أولا فهو في القياس.
وجميع ما وصفناه من هذه اللغات سمعناه من الخليل رحمه الله ويونس عن العرب.

؟

جارٍ التحميل