باب آخر تكون أن فيه مخففة
وذلك قولك: قد علمت أن لا يقول ذاك، وقد تيقنت أن لا تفعل ذاك، كأنه قال: أنَّه لا يقول وأنَّك لا تفعل.
ونظير ذلك قوله عزَّ وجلَّ: " علم أن سيكون منكم مرضى " وقوله: " أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً "، وقال أيضاً: " لئلاَّ يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء ".
وزعموا أنَّها في مصحف أبيّ ٍ: أنَّهم لا يقدرون.
وليست أن التي تنصب الأفعال تقع في هذا الموضع، لأن ذا موضع يقين وإيجابٍ.
وتقول: كتبت إليه أن لا تقل ذاك، وكتبت غليه أن لا يقول ذاك وكتبت إليه أن لا تقول ذاك.
فأما الجزم فعلى الأمر.
وأما النصب فعلى قولك لئلاَّ يقول ذاك.
وأما الرفع فعلى قولك: لأنك لا تقول ذاك أو بأنَّك لا تقول ذاك، تحبره بأن ذا قد وقع من أمره.
فأما ظننت وحسبت وخلت ورأيت، فانَّ أن تكون فيها على وجهين: على أنها تكون أن التي تنصب الفعل، وتكون أنَّ الثقيلة.
فإذا رفعت قلت: قد حسبت أن لا يقول ذاك، وأرى أن سيفعل ذاك.
ولا تدخل هذه السين في الفعل ههنا حتى تكون أنه.
وقال عزَّ وجلَّ: " وحسبوا أن لا تكون فتنةٌ "، كأنك قلت: قد حسبت أنَّه لا يقول ذاك.
وإنما حسنت أنَّه ههنا لأنك قد أثبتَّ هذا في ظِّنك كما أثبتَّه في علمك، وأنَّك أدخلته في ظنك على أنه ثابتٌ الآن كما كان في العلم، ولولا ذلك لم يحسن
أنَّك ههنا ولا أنَّه، فجرى الظن ههنا مجرى اليقين لأنَّه نفيه.
وإن شئت نصبت فجعلتهن بمنزلة خشيت وخفت، فتقول: ظننت أن لا تفعل ذاك.
ونظير ذلك: تظن أن يفعل بها فاقرةٌ و: إن ظنَّا أن يقيما حدود الله.
فلا إذا دخلت ههنا لم تغير الكلام عن حاله وإنما منع خشيت أن تكون بمنزلة خلت وظننت وعلمت إذا أردت الرفع أنك لا تريد أن تخبر أنك تخشى شيئاً قد ثبت عندك ولكنه كقولك: أرجو، وأطمع، وعسى.
فأنت لا توجب إذا ذكرت شيئاً من هذه الحروف، ولذلك ضعف أرجو أنَّك تفعل، وأطمع أنَّك فاعلٌ.
ولو قال رجلٌ: أخشى أن لا تفعل، يريد أن يخبر أنه يخشى أمراً قد استقرّ عنده كائن، جاز.
وليس وجه الكلام.
واعلم أنَّه ضعيفٌ في الكلام أن تقول: قد علمت أن تفعل ذاك ولا قد علمت أن فعل ذاك حتَّى تقول: سيفعل أو قد فعل، أو تنفي فتدخل لا؛ وذلك لأنَّهم جعلوا ذلك عوضاً مما حذفوا من أنَّه، فكرهوا أن يدعوا السين أو قد إذ قدروا على أن تكون عوضاً، ولا تنقص ما يريدون لو لم يدخلوا قد ولا السين.
وأما قولهم: أما أن جزاك الله خيراٍ، فإنَّهم إنما أجازوه لأنه دعاءٌ، ولا يصلون إلى قد ههنا ولا إلى السين.
وكذلك لو قلت: أما أن يغفر الله
لك جاز لأنه دعاءٌ، ولا تصل هنا إلى السين.
ومع هذا أيضاً أنَّه قد كثر في كلامهم حتى حذفوا فيه إنَّه، وإنَّه لا تحذف في غير هذا الموضع.
سمعناهم يقولون: أما إن جزاك الله خيراً، شبهوه بأنَّه، فلمَّا جازت إنَّ كانت هذه أجوز.
وتقول: ما علمت إلاَّ أن أن تقوم، وما أعلم إلا أن تأتيه، إذا لم ترد أن تخبر أنك قد علمت شيئاً كائناً البتة، ولكنك تكلمت به على وجه الإشارة كما تقول: أرى من الرأي أن تقوم، فأنت لا تخبر أن قياماً قد ثبت كائناً أو يكون فيما تستقبل البتَّة، فكأنه قال: لو قمتم.
فلو أراد غير هذا المعنى لقال: ما علمت إلاَّ أن ستقومون.
وإنمَّا جاز قد علمت أن عمروٌ ذاهبٌ، لأنك قد جئت بعده باسم وخبر كما كان يكون بعده لو ثقَّلته وأعملته، فلمَّا جئت بالفعل بعد أن
جئت بشيء كان سيمتنع أن يكون بعده لو ثقلته أو قلت: قد علمت أن يقول ذاك، كان يمتنع، فكرهوا أن يجمعوا عليه الحذف وجواز ما لم يكن يجوز بعده مثقلاً، فجعلوا هذه الحروف عوضاً.
؟ ؟؟؟؟
هذا باب أم وأو
أما أم فلا يكون الكلام بها إلاَّ استفهاماً.
ويقع الكلام بها في الاستفهام على وجهين: على معنى أيهما
وأيهم
، وعلى أن يكون الاستفهام الآخر منقطعاً من الأول.
وأما أو فإنما يثبت بها بعض الأشياء، وتكون في الخبر.
والاستفهام يدخل عليها على ذلك الحد.
وسأبين لك وجوهه إن شاء الله تعالى.
؟ باب أم إذا كان الكلام بها بمنزلة أيهما
وأيهم
وذلك قولك: أزيدٌ عندك أم عمروٌ، وأزيداً لقيت أم بشراً؟ فأنت الآن مدَّع أنَّ عنده أحدهما، لأنَّك إذا قلت: أيهما عندك، وأيَّهما لقيت.
فأنت مدّعٍ أن المسئول قد لقي أحدهما، أو أن عنده أحدهما، الاَّ أن علمك قد استوى فيهما لا تدري أيهما هو.
والدليل على أن قولك: أزيدٌ عندك أم عمروٌ بمنزلة قولك: أيهما عندك، أنَّك لو قلت: أزيدٌ عندك أم بشرٌ فقال المسئول: لا، كان محالاً، كما أنَّه إذا قال: أيهما عندك، فقال: لا فقد أحال.
واعلم أنك إذا أردت هذا المعنى فتقديم الاسم أحسن، لأنك لا تسأله عن اللقى، وإنَّما تسأله عن أحد الاسمين لا تدري أيهما هو، فبدأت بالاسم
لأنَّك تقصد قصد أن يبين لك أي الاسمين في هذا الحال، وجعلت الاسم الآخر عديلاً للأول، فصار الذي لا تسأل عنه بينهما.
ولو قلت: ألقيت زيداً أم عمراً كان جائزاً حسناً، أو قلت: أعندك زيدٌ أم عمرو كان كذلك.
وإنما كان تقديم الاسم ههنا أحسن ولم يجز للآخر إلاَّ أن يكون مؤخراً، لأنه قصد قصد أحد الاسمين، فبدأ بأحدهما، لأن حاجته أحدهما، فبدأ به مع القصة التي لا يسأل عنها، لأنه إنما يسأل عن أحدهما من أجلها، فإنما يفرغ مما يقصد قصده بقصته ثم يعدله بالثاني.
ومن هذا الباب قوله: ما أبالي أزيداً لقيت أم عمرا، وسواءٌ عليَّ أبشراً كلمت أم زيدا، كما تقول: ما أبالي أيَّهما لقيت.
وإنَّما جاز حرف الاستفهام ههنا لأنك سويت الأمرين عليك كما استويا حين قلت: أزيدٌ عندك أم عمرو، فجرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النِّداء قولهم: اللهمَّ اغفر لنا أيَّتها العصابة.
وإنما لزمت أم ههنا لأنك تريد معنى أيَّهما.
ألا ترى أنَّك تقول: ما أبالي أي ذلك كان، وسواءٌ عليَّ أي ذلك كان، فالمعنى واحد، وأي ههنا تحسن وتجوز كم جازت في المسألة.
ومثل ذلك: ما أدري أزيدٌ ثمَّ أم عمروٌ، وليت شعري أزيدٌ ثمَّ أم عمروٌ، فإنَّما أوقعت أم ههنا كما أوقعته في الذي قبله؛ لأن ذا يجري على حرف الاستفهام حيث استوى علمك فيهما كما جرى الأول.
ألا ترى أنك تقول، ليت شعري أيهما ثم، وما أدري أيهما ثمَّ، فيجوز أيهما ويحسن، كما جاز في قولك: أيهما ثمَّ.
وتقول: أضربت زيداً أم قتلته، فالبدء ههنا بالفعل أحسن، لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان، ولا تسأل عن موضع أحدهما، فالبدء بالفعل ههنا أحسن، كما كان البدء بالاسم ثمَّ فيما ذكرنا أحسن كأنك قلت: أي ذاك كان بزيدٍ.
وتقول: أضربت أم قتلت زيداً لأنك مدَّعٍ أحد الفعلين: ولا تدري أيهما هو، كأنك قلت: أي ذاك كان بزيد.
وتقول: ما أدري أقام أم قعد، إذا أردت: ما أدري أيهما كان.
وتقول: ما أدري أقام أو قعد، إذا أردت: أنه لم يكن بين قيامه وقعوده شيءٌ، كأنه قال: لا أدَّعي أنه كان منه في تلك الحال قيامٌ ولا قعودٌ بعد
قيامه أي: لم أعدَّ قيامه قياماً ولم يستبن لي قعودٌ بعد قيامه، وهو كقول الرجل: تكلمت ولم تكلَّم.
هذا باب أم منقطعة
ً
وذلك قولك: أعمروٌ عندك أم عندك زيدٌ، فهذا ليس بمنزلة: أيهَّما عندك.
ألا ترى أنك لو قلت: أيهما عندك عندك، لم يستقم إلاَّ على التكرير والتوكيد.
ويدلك على أن هذا الآخر منقطعٌ من الأول قول الرجل: إنِّها لإبلٌ ثم يقول: أم شاءٌ يا قوم.
فكما جاءت أم ههنا بعد الخبر منقطعةً، كذلك تجيء بعد الاستفهام، وذلك أنه حين قال: أعمروٌ عندك فقد ظنَّ أنَّه عنده، ثم أدركه مثل ذلك الظن في زيد بعد أن استغنى كلامه، وكذلك: إنها لإبلٌ أم شاءٌ، إنما أدركه الشك حيث مضى كلامه على اليقين.
وبمنزلة أم ههنا قوله عز وجلَّ: " آلم تنزيل الكتاب
لا ريب فيه من رب العالمين.
أم يقولون افتراه "، فجاء هذا الكلام على كلام العرب قد علم تبارك وتعالى وذلك من قولهم، ولكن هذا على كلام العرب ليعرَّفوا ضلالتهم.
ومثل ذلك: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون.
أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مهين، كأنَّ فرعون قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء.
فقوله: أم أنا خيرٌ من هذا، بمنزلة: أم أنتم بصراء؛ لأنهم لو قالوا: أنت خيرٌ منه كان بمنزلة قولهم: نحن بصراء عنده وكذلك: أم أنا خيرٌ بمنزلته لو قال: أم أنتم بصراء.
ومثل ذلك قوله تعالى: " أم اتَّخذ ممَّا يخلق بناتٍ وأصفاكم بالبنين ". فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون: أن الله عز وجلَّ لم يتخَّذ ولداً، ولكنه جاء حرف الاستفهام ليبصَّروا ضلالتهم.
ألا ترى أن الرجل يقول للرجل: آلسعادة أحب إليك أم الشقاء؟ وقد علم أن السعادة أحب إليه من الشقاء، وأن المسئول سيقول: السعادة، ولكنَّه أراد أن يبصر صاحبه وأن يعلمه.
ومن ذلك أيضاً: أعندك زيدٌ أم لا، كأنه حيث قال: أعندك زيدٌ، كان يظن أنه عنده ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا.
وزعم الخليل أنّ قول الأخطل:
كذبتك عنك أم رأيتَ بواسطٍ ... غَلَسَ الظّلامِ من الرَّباب خَيالاَ
كقولك: إنَّها لإبلٌ أم شاءٌ.
ومثل ذلك قول الشاعر، وهو كثَّير عزة:
أليس أبِي بالَّنضر أم ليس والِدِي ... لكل نَجيبٍ من خُزاعةَ أزْهَرَا
ويجوز في الشعر أن يريد بكذبتك الاستفهام ويحذف الألف.
قال التميمي، وهو الأسود بن يعفر:
لَعَمْرُك ما أدْرِي وإن كنتُ دارياً ... شُعَيْثُ بن سهمٍ أم شُعَيْثُ بن مِنْقَر وقال عمر بن أبي ربيعة: لَعَمْرُك ما أدَرِي وإنْ كنتُ دارياً ... بسبعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أم بَثمانِ
هذا باب أو
تقول: أيَّهم تضرب أو تقتل، تعمل أحدهما، ومن يأتيك أو يحدثك أو يكرمك؛ لا يكون ههنا إلاَّ أو؛ من قبل أنك إنما تستفهم عن الاسم المفعول، وإنما حاجتك إلى صاحبك أن يقول: فلانٌ.
وعلى هذا الحد يجري ما، ومتى، وكيف، وكم، وأين.
وتقول: هل عندك شعيرٌ أو برٌّ أو تمرٌ؟ وهل تأتينا أو تحدثنا، لا يكون إلاَّ ذلك.
وذاك أن هل ليست بمنزلة ألف الاستفهام، لأنك
إذا قلت: هل تضرب زيداً، فلا يكون أن تدَّعي أن الضرب واقعٌ، وقد تقول: أتضرب زبداً وأنت تدَّعي أنَّ الضرب واقعٌ.
ومما يدلك على أن ألف الاستفهام ليست بمنزلة هل أنك تقول للرجل: أطرباً! وأنت تعلم أنه قد طرب، لتوبَّخه وتقِّرره.
ولا تقول هذا بعد هل.
وإن شئت قلت: هل تأتيني أم تحدّثني، وهل عندك برٌّ أم شعيرٌ، على كلامين.
وكذلك سائر حروف الاستفهام التي ذكرنا.
وعلى هذا قالوا: هل تأتينا أم هل تحدثنا.
قال زفر بن الحارث:
أبا مالِكٍ هل لُمَتْنَي مذ حَضَضتَني ... على القتل، أم هل لامني لك لائمُ
وكذلك سمعناه من العرب.
فأمَّا الذين قالوا: أم هل لامني لك لائم فإنَّما قالوه على أنه أدركه الظن بعد ما مضى صدر حديثه.
وأما الذين قالوا: أو هل فإنَّهم جعلوه كلاماً واحداً.
وتقول: ما أدري هل تأتينا أو تحدثنا، وليت شعري هل تأتينا أو تحدثنا، فهل ههنا بمنزلتها في الاستفهام إذا قلت: هل تأتينا، وإنما أدخلت هل ههنا لأنك إنما تقول: أعلمني، كما أردت ذلك حين قلت: هل تأتينا أو تحدثنا، فجرى هذا مجرى قوله عزَّ وجلَّ: " هل يسمعونكم إذ تدعون.
أو ينفعونكم أو يضرون "، وقال زهير:
ألا لَيْتَ شِعْري هل يَرى الناسُ ما أرَى ... من الأمرِ أو يَبْدُو لهم ما بداليا
وقال مالك بن الريب:
ألا لَيْتَ شَعْري هل تغيرَّت الرَّحا ... رَحَا الحَزْنِ أو أضْحَتْ بفلجٍ كما هِيَا
فهذا سمعناه ممن ينشده من بني عِّمه.
وقال أناسٌ: أم أضحت على كلامين، كما قال علقمة بن عبدة:
هل ما علمتَ وما استُودِعْتَ مَكْتومُ ... أم حَبْلُها إذ نَأَتْك اليومَ مصْرومُ
أم هل كبيرٌ بَكى لم يَقْضِ عَبْرتَه ... إثْرَ الأَحِبْةِ يومَ البَينِ مَشْكومُ
؟
هذا باب آخر من أبواب أو
تقول: ألقيت زيدا أو عمرا أو خالدا، وأعندك زيد أو خالدٌ أو عمروٌ، كأنك قلت: أعندك أحدٌ من هؤلاء، وذلك أنّك للم تدَّع أن أحداً منهم ثمَّ.
ألا ترى أنه إذا أجابك قال: لا، كما يقول إذا قلت: أعندك أحدٌ من هؤلاء.
واعلم أنَّك إذا أردت هذا المعنى فتأخير الاسم أحسن؛ لأنك إنَّما تسأل عن الفعل بمن وقع.
ولو قلت: أزيداً لقيت أو عمرا أو خالدا، وأزيدٌ عندك أو عمروٌ أو خالدٌ كان هذا في الجواز والحسن بمنزلة تأخير الاسم إذا أردت معنى أيهما.
فإذا قلت: أزيدٌ أفضل أم عمرو لم يجز ههنا إلاَّ أم، لأنك إنَّما تسأل عن أفضلهما ولست تسأل عن صاحب الفضل.
ألا ترى أنَّك لو قلت: أزيدٌ أفضل لم يجز، كما يجوز: أضربت زيداً فذلك يدلك أن معناه معنى أيهما.
إلا أنَّك إذا سألت عن الفعل استغنى بأول اسمٍ.
ومثل ذلك: ما أدري أزيدٌ أفضل أم عمروٌ، وليت شعري أزيدٌ أفضل أم عمروٌ.
فهذا كله على معنى أيهما أفضل.
وتقول: ليت شعري ألقيت زيدا أو عمراً، وما أدري أعندك زيدٌ أو عمروٌ، فهذا يجري مجرى ألقيت زيداً أو عمراً، وأعندك زيدٌ أو عمروٌ.
فإن شئت قلت: ما أدري أزيدٌ عندك أو عمروٌ، فكان جائزا حسا كما جاز أزيدٌ عندك أو عمرو.
وتقديم الاسمين جميعا مثله وهو مَّؤخر وإن كانت أضعف.
فأما إذا قلت: ما أبالي أضربت زيداً أم عمراً، فلا يكون هنا إلاَّ أم، لأنه لا يجوز لك السكوت على أوّل الاسمين، فلا يجيء هذا إلاَّ على معنى أيهَّما، وتقديم الاسم ههنا أحسن.
وتقول: أتجلس أو تذهب أو تحدثنا، وذلك إذا أردت هل يكون شيءٌ من هذه الأفعال.
فأمَّا إذا
ادَّعيت أحدهما فليس إلاَّ أتجلس أم تذهب أم تأكل، كأنَّك قلت: أيَّ هذه الأفعال يكون منك.
وتقول: أتضرب زيداً أم تشم عمرا أم تكلم خالدا.
ومثل ذلك
أتضرب زيدا أو تضرب عمرا أو تضرب خالداً، إذا أردت هل يكون شيءٌ من ضرب واحد من هؤلاء.
وإن أردت أي ضرب هؤلاء يكون قلت: أم.
قال حسان بن ثابت:
ما أبالِي أنبَّ بالحَزْن تيسٌ ... أم لحَانِى بظَهْرِ غيبٍ لَئيمُ
كأنه قال: ما أبالي أي الفعلين كان.
وتقول: أزيدا أو عمرا رأيت أم بشراً، وذلك أنَّك لم ترد أن تجعل عمراً عديلا لزيد حتى يصير بمنزلة أيهما، ولكنَّك أردت أن يكون حشواً، فكأنك قلت: أأحد هذين رأيت أم بشراً.
ومثل ذلك قول صفَّية بنت عبد المطلب:
كيف رأيت زبرا أأقطاً أو تَمْرا أم قرشيَّا صَقْرَا
وذلك أنَّها لم ترد أن تجعل لتمر عديلاً للأقط؛ لأن المسئول عندها لم يكن عندها ممن قال: هو إما تمرٌ وإما أقطٌ وإما قرشيٌّ، ولكنها قالت: أهو طعامٌ أم قرشيٌّ، فكأنها قالت: أشيئاً من هذين الشيئين رأيته أم قرشياً.
وتقول: أعندك زيدٌ أو عندك عمروٌ أو عندك خالدٌ؟ كأنَّك قلت: هل عندك من هذه الكينونات شيءٌ؟ فصار هذا كقولك: أتضرب زيدا أو تضرب عمرا أو تضرب خالدا.
ومثل ذلك: أتضرب زيداً أو عمراً أو خالدا؟
وتقول: أعاقلٌ عمروٌ أو عالمٌ؟ وتقول: أتضرب عمرا أو تشتمه؟ تجعل الفعلين والاسم بينهما بمنزلة الاسمين والفعل بينهما؛ لأنَّك قد أثبتَّ عمراً لأحد الفعلين كما أثبتَّ الفعل هناك لأحد الاسمين، وادعَّيت أحدهما كما ادَّعيت ثمَّ أحد الاسمين.
وإن قدمت الاسم فعربيٌّ حسن.
وأما إذا قلت: أتضرب أو تحبس زيداً؟ فهو بمنزلة أزيدا أو عمراً تضرب.
قال جرير:
أثَعْلَبَةَ الفَوارِسَ أو رِياحاً ... عَدَلتَ بهمِ طُهَيّةَ والخِشابَا
وإن قلت: أزيدا تضرب أو تقتل؟ كان كقولك: أتقتل زيداً أو عمراً وأم في كل هذا جيدّةٌ.
وإذا قال: أتجلس أم تذهب، فأم وأو فيه سواءٌ؛ لأنك لا تستطيع أن تفصل علامة المضمر فتجعل لأو حالاً سوى حال أم.
وكذلك: أتضرب زيداً أو تقتل خالدا، لأنَّك لم تثبت أحد الفعلين لسمٍ واحد.
وإن أردت معنى أيهما في هذه المسألة قلت: أتضرب زيداً أم تقتل خالدا؟ لأنَّك لم تثبت أحد الفعلين لاسمٍ واحد.
هذا باب أو في غير الاستفهام
تقول: جالس عمراً أو خالدا أو بشراً، كأنَّك: قلت: جالس أحد هؤلاء ولم ترد إنساناً بعينه، ففي هذا دليلٌ أن كلهم أهلٌ أن يجالس، كأمَّك قلت: جالس هذا الضرب من الناس.
وتقول: كل لحماً أو خبزا أو تمراً، كأنك: قلت: كل أحد هذه الأشياء.
فهذا بمنزلة الذي قبله.
وإن نفيت هذا قلت: لا تأكل خبزا أو لحما أو تمرا.
كأنك قلت: لا تأكل شيئاً من هذه الأشياء.
ونظير ذلك قوله عزَّ وجلَّ: " ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً " أي: لا تطع أحداً من هؤلاء.
وتقول: كل خبزا أو تمراً، أي: لا تجمعهما.
ومثل ذلك أن تقول: ادخل على زيد أو عمروٍ أو خالدٍ، أي: لا تدخل على أكثر من واحدٍ من هؤلاء.
وإن شئت جئت به على معنى ادخل على هذا الضرب.
وتقول: خذه بما عزَّ أو هان، كأنه قال: خذه بهذا أو بهذا، أي
لا يفوتَّنك على كل حال ومن العرب من يقول: خذه بما عن وهان، أي خذه بالعزيز والهين، وكل واحدة منهما تجزئ عن أختها.
وتقول: لأضربنَّه ذهب أو مكث، كأنه قال: لأضربنَّه ذاهباً أو ماكثاً، ولأضربنَّه إن ذهب أو مكث.
وقال زيادة بن زيد العذري:
إذا ما انتَهى عِلمْي تَناهَيْتُ عنده ... أطالَ فأَمْلَى أو تَناهَى فأَقْصَرَا
وقال:
فلستُ أبالِي بعد يومِ مطرّفٍ ... حُتوفَ المَنايا أكْثرتْ أو أقلَّت
وزعم الخليل أنَّه يجوز: لأضربنَّه أذهب أم مكث، وقال: الدليل على ذلك أنَّك تقول: لأضربنَّك أي ذلك كان.
وإنما فارق هذا سواء وما أبالي، لأنَّك إذا قلت: سواءٌ عليَّ أذهبت أم مكثت فهذا الكلام في موضع سواءٌ عليَّ هذان.
وإذا قلت: ما أبالي أذهبت أم مكثت هو في موضع: ما أبالي واحداً من هذين.
وأنت لا تريد أن تقول في الأول: لأضربنَّ هذين، ولا تريد أن تقول: تناهيت هذين، ولكنك إنَّما تريد أن تقول: إن الأمر يقع على إحدى الحالين.
ولو قلت: لأضربنَّه أذهب أو مكث لم يجز، لأنَّك لو أردت معنى أيهما قلت: أم مكث، ولا يجوز لأضربنَّه مكث فلهذا لا يجوز: لأضربنَّه أذهب أو مكث، كما يجوز: ما أدري أقام زيدٌ أو قعد.
ألا ترى أنَّك تقول: ما أدري أقام كما تقول: أذهب، وكما تقول: أعلم أقام زيدٌ، ولا يجوز أن تقول: لأضربنَّه أذهب.
وتقول: وكل حقٍ له سميناه في كتابنا أو لم نسمِّه، كأنه قال: وكل حق له علمناه أو جهلناه، وكذلك كل حقٍّ هو لها داخلٍ فيها أو خارجٍ منها، كأنه قال: إن كان داخلا أو خارجا.
وإن شاء أدخل الواو كما قال: بما عزَّ وهان.
وقد تدخل أم في: علمناه أو جهلناه وسميناه أو لم نسمه، كما دخلت في: أذهب أم مكث وتدخل أو على وجهين: على أنه يكون صفة للحق، وعلى أن يكون حالاً، كما قلت: لأضربنَّه ذهب أو مكث، أي: لأضربنَّه كائنا ما كان.
فبعدت أم ههنا حيث كان خبراً في موضع ما ينتصب حالاً، وفي موضع الصفة.