تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 3875-3914

الباب الستون باب أسماء الأفعال والأصوات

صفحات 3875-3914

................................  ولم يبنيا!! فالجواب: أنهما مصدران قد استعملا بعد فعلهما وتمكّنا؛ فإذا وقعا موقع فعلهما بقيا على إعرابهما وليس كذلك «شتان»، لأنك لا تقول: شتّ يشتّ شتّانا، وإنما استعمل في أول أحواله موضوعا موضع الفعل المبني فبني لذلك. انتهى. وأقول: مقتضى هذا الجواب أن تبنى المصادر الملتزم إضمار ناصبها كـ «سبحان الله» و «معاذ الله» 1. ثم قال ابن عصفور: «والأولى عندي أن يكون اسم فعل غير مصدر؛ لأن هذا البناء في المصادر ولم يجئ منه إلا «ليّان» و «شنآن» [5/ 35] وأسماء الأفعال أوسع في كلام العرب، وأكثر مما جاء من المصادر على فعلان» 2، ثم قال: «وزعم الأصمعي 3 أن العرب لا تقول: شتان ما بين زيد وعمرو وإنما تقول: شتان زيد وعمرو، وشتان ما زيد وعمرو، قال الشاعر 4: 3622 - شتّان هذا والعناق والنّوم... والمشرب البارد في ظلّ الدّوم 5

................................  وقال الأعشى: 3623 - شتّان ما يومي على كورها... ويوم حيّان أخي جابر 1 وكان يرد قول ربيعة الرّقّي 2: 3624 - لشتّان ما بين اليزدين في النّدى... يزيد سليم والأغرّ ابن حاتم 3

    • الدائم، إقامة المصدر مقام الوصف، وصحة رواية المبرد كما في المقتضب «والمشرب البارد والظل الدوم».
      والشاهد فيه: في «شتان» حيث استعمله بدون زيادة لفظ (بين) والبيت في ابن يعيش (4/ 37) والمفصل (ص 162)، وقد ذكره الزمخشري في أساس البلاغة (دوم) (1/ 288) والشطر الأول في المرتجل (ص 257) وأنشده ابن هشام في شرح شذور الذهب (ص 403) كالرواية التي بين أيدينا، وكذلك البغدادي في الخزانة (3/ 49، 57) والبيت في اللسان (دوم) وروايته كرواية المقتضب والمخصص وقال: «ويروى: في الظل الدوم».

................................  ويقول: إنه ليس بحجة 1، قال: وكان الذي حمله على ذلك أن «شتان» بمعنى: تباعد وتباعد عنده كتقاطع؛ يحتاج إلى فاعلين 2، والذي يجيزه يجعله بمنزلة «بعد»، فكما يجوز بعد ما بين زيد وعمرو كذلك يجوز: شتان ما بين زيد وعمرو».
انتهى.
وفي شرح الشيخ 3: «ذهب الأصمعي إلى أن شتان مثنى وهو بمنزلة سيّان زيد وعمرو يعني في كونه يقتضي خبرا مثنى أو بالعطف نحو: شتان الزيدان أو شتان زيد وعمرو، فـ «شتان» خبر مقدم وما بعده مبتدأ، ولا يكون بعده مفرد لئلا يخبر بمثنى عن مفرد، قال الشاعر: 3625 - شتّان هذا والعناق......... البيت وقد تزاد بينهما «ما» قال الشاعر: 3626 - شتّان ما يومي على.......... البيت ولا يجوز عنده: شتان ما بين زيد وعمرو 4 وذكر رد الأصمعي قول ربيعة الرقي: 3627 - لشتّان ما بين اليزيدين...... البيت لأن ربيعة مولد 5، وقد رد على الأصمعي بأن «شتان» لو كان مثنى ما فتحت نونه، وبأنه لو كان ما بعده مبتدأ لجاز فيه التقديم فكنت تقول: زيد وعمرو شتان، والعرب لم تقل هذا» 6 انتهى.
والحق أن «شتان» اسم فعل لا يتجاوز ذلك وأنه اسم فعل لـ «افترق» كما قال المصنف.
وأما «بطآن»: فقد قال المصنف: إنه اسم لـ «أبطأ»، لكن قال في الصحاح: - - (ص 119) وابن يعيش (4/ 37، 68) والمفصل (ص 163) وشرح شذور الذهب (ص 404) والخزانة (3/ 45) وانظر شرح البيت في المفضل في شرح أبيات المفصل بهامش المفصل (ص 163، 164).

................................  «البطء نقيض السّرعة تقول فيه: بطؤ مجيئك فأنت بطيء ولا تقل: أبطأت، وقد استبطأتك، ويقال: ما أبطأ بك وما بطّأ بك بمعنى، وتباطأ الرّجل في مسيره، وبطآن ذا خروجا أي بطؤ ذا خروجا، فجعلت الفتحة التي في بطؤ على نون بطآن، حين أدت عنه ليكون علما لها، ونقلت ضمة الطاء إلى الباء، وإنما صح فيه النقل لأن معناه التعجب أي: ما أبطأه، أبو زيد: أبطأ القوم إذا كانت دوابّهم بطاء» 1. هذا كله كلام الجوهري رحمه الله تعالى. وأما الذي لغير المضي مما هو موضوع للخبر أيضا فعشر كلمات وهي: «واها» و «وي» و «أوّه» و «أفّ» و «أخّ» و «كخّ» و «هاء» و «بجل» و «قطّ» و «قد». أمّا «واها» و «وي»: فمعناهما واحد، وهما اسمان لـ «أعجب» قال الشاعر: 3628 - واها لسلمى ثمّ واها واها... هي المنى لو أنّنا نلناها 2 وقال الآخر: 3629 - وي كأنّ من يكن له نشب يح... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ 3

................................  وإذا قيل: ويك فـ «الكاف» للخطاب 1، قال الشيخ 2: «وذهب الكسائي 3 إلى أن ويك محذوفة من ويلك فالكاف على هذا مجرورة بالإضافة، قال الشاعر: 3630 - ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها... قول الفوارس: ويك عنتر قدّم 4 يريد: ويلك، وأما قوله تعالى: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ 5 فقال أبو الحسن 6: هو ويك كأنه قال: أعجب لأن الله يبسط الرزق، وذهب الخليل وسيبويه 7 إلى أنه: وي، ثم قال 8: كأن الله يبسط الرزق» انتهى.
-

................................  وقد ضم المصنف في شرح الكافية 1 إلى هاتين الكلمتين وهما: «واها» و «وي» كلمة ثالثة وهي «وا» وذكر أنها أقل استعمالا منهما، وأنشد شاهدا على ذلك: 3631 - وا بأبي أنت وفوك الأشنب... كأنّما ذرّ عليه الزّرنب 2 وأما «أوّه»: فهي السم لـ «أتوجع» 3 وفيها لغات 4: «أوّه» وهي المشهورة، و «أوّه» قال الشاعر: 3632 - فأوّه لذكراها إذا ما ذكرتها... ومن بعد أرض بيننا وسماء 5 و «أوّه» قال الشاعر 6: 3633 - أوّه من ذكرى حصينا ودونه... نقى هائل جعد الثّرى وصفيح 7 حرّك الهاء بالكسر إتباعا لما اضطر والقياس السكون 8. -

................................  و «آوّه» و «أوتاه» و «أوناه» و «أه» و «أه» و «أوّ» و «أوه» و «آووه» و «أو» و «أوّ».
قال الشيخ 1: «وإذا صرّف الفعل منه قيل: أوّه وتأوّه آهة قال الشاعر: 3634 - إذا ما قمت أرحلها بليل... تأوّه آهة الرّجل الحزين 2 انتهى.
ولا شك أن «آهة» لا تلاقي «تأوّه» ولا «أوّه» أيضا، والظاهر أن «آهة» إنما تلاقي «أه» أو «أه»، والذي يظهر أن «آهة» ملاقية «أه» أو «أه» لفظا، وملاقية «تأوّه» معنى، فجاز انتصاب «آهة» بقوله «تأوّه» لملاقاتها له في المعنى كما يقال: أعطني عطاء.
وأما «أفّ» فهو اسم لأتضجر 3، وذكروا أن فيها تسع لغات: «أفّ»، «أفّ»، «أفّ»، «أف»، «أف»، «أف»، «أفا»، «تفّ»، «أفّي» ممالا، فالتنوين مع التنكير، وعدمه مع التعريف، والحركة في جميعها لالتقاء الساكنين، فمن كسر فعلى أصل التقائهما، ومن ضم فللإتباع، ومن فتح فللتخفيف 4، وقد ذكر المصنف أنها تؤنث بالتاء فتنتصب مصدرا، وتقدم له في باب المفعول المطلق أن عامل المصدر يحذف وجوبا إذا كان بدلا من اللفظ بفعل مهمل أو مستعمل ومثّل للمهمل بقوله: أفّة، وتفّة.
قال الجوهري: «يقال: أفّا له، وأفّة، وتفّة، وقد أفّف تأفيفا إذا قال: أفّ، وفيه ست لغات حكاها الأخفش: أفّ، أفّ، أف، أف، أفا، أف، ويقال: أفّا، وتفّا، وهو إتباع له، وقولهم: كان ذلك على أف ذاك وإفّانه - بكسرهما - أي -

................................  حينه وأوانه، وجاء على تثفّة ذاك مثال: تعفّة ذاك وهو تفعلة» 1، انتهى. وفهم من قوله: «قولهم: كان ذاك على إفّ ذاك وإفّانه أي حينه» أن «أفّك» يكون للحين وحينئذ يخرج عن الباب. وأما «أخّ» و «كخّ»: فهما اسمان لـ «أتكره» 2 روي أن الحسن 3 - رضي الله تعالى عنه - أخذ تمرة من تمر الصّدقة فجعلها في فيه فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كخّ كخّ» 4 حتّى ألقاها من فيه. وأما «هاء»: فهي اسم لـ «أجيب» 5. وأما «بجل» و «قط» و «قد»: فهي اسم لـ «أكتفي» 6، وأشار المصنف بقوله: في أحد الوجهين إلى أن ثلاث الكلمات قد يستعملن على أن شيئا منها ليس اسم فعل. أما «بجل»: [5/ 36] فتكون حرفا معناه الجواب بمعنى «نعم» ويجاب بها الطلب والخبر 7. تقول: بجل في جواب: اضرب زيدا أي نعم اضربه، وفي جواب: قام زيد أي نعم قام، وقد تقدم في باب المضمرات أن هذه الكلمة أعني «بجل» قد تكون بمعنى «حسب» وعليه قول طرفة: 3635 - ألا بجلي من الشّراب ألا بجل 8

................................  والفرق بينها بهذا المعنى وبينها اسم فعل أن ياء المتكلم إذا اتصلت بها وكانت اسم فعل وجبت نون الوقاية، وإذا كانت بمعنى «حسب» امتنعت النون 1، وعلى هذا يكون لهذه الكلمة التي هي «بجل» ثلاثة استعمالات 2:

  • تكون حرفا بمعنى «نعم».
  • واسما بمعنى «حسب» 3.
  • واسم فعل معناه: «أكتفي».
    وأما «قد» و «قط»: فيكونان بمعنى «حسب» 4 أيضا، فلا يكونان اسمي الفعل.
    وحكى الكوفيون أن من العرب من يقول: قط عبد الله درهم، وقد عبد الله درهم، وقط عبد الله درهم، وقد عبد الله درهم، فمن خفض «عبد الله» ورفع «قط» و «قد» جعلهما بمنزلة «حسب» إذ كانتا في معناها، ومن نصب «عبد الله» وبناهما على السكون جعلهما اسمين للفعل والمعنى: يكفي عبد الله درهم، ومن خفض بهما لم يلحقهما نون الوقاية إذا أضافهما إلى ياء المتكلم كما لا تلحق النون «حسب»، ومن نصب بهما ألحقهما النون لأنهما اسما فعل والياء منصوبة بهما 5، وقد تقدم الكلام عليهما أيضا في باب المضمر.
    - - ألا إنني أشربت أسود حالكا الشرح: قوله: «أسود حالكا» أراد به كأس المنية، وقيل: أراد شرابا فاسدا، وقال بعضهم: أراد: السّمّ، يقول: كأنني سقيت سمّا فقتلني وهذا مثل ضربه لفساد ما بينه وبينها، والحالك: الشديد السواد، و «بجلي» أي حسبي.
    والشاهد فيه: مجيء «بجل» بمعنى «حسب»، والبيت في نوادر أبي زيد (ص 307) والمغني (ص 112). وانظر التذييل (6/ 208).

................................  وفي شرح الشيخ 1 «قال في البسيط 2: قطك اسم بمعنى حسب أي اكتف، وهي ساكنة الطاء مفتوحة القاف ليس إلّا، تقول: رأيته مرة واحدة فقط، فإذا أضفت إلى النفس قلت: قطني بنون الوقاية بمنزلة «عنّي» تقيه من الكسر 3، وإن شئت قطي بحذف النون، وإن شئت قط بالكسر لتدل على الياء، وإذا أضفت إلى غيرك قلت: قطك وقطكما، [وقطكم] وقطكنّ، وهي محذوفة إما عن مضعّف أو غير ذلك» انتهى. وقد تبين ما أراده المصنف بقوله بعد ذكر الكلمات الثلاث: في أحد الوجهين. وأما كون «قد» يكون حرفا مصاحبا للأفعال فمعلوم ولم يرده المصنف، لأنه إنما يريد «قد» التي هي اسم، نعم «قط» تستعمل ظرفا وقد مرّ ذكرها في الظروف. وفيها إذا كانت ظرفا لغات من جملتها أن تكون مفتوحة القاف ساكنة الطاء خفيفتها كالنطق بها إذا كانت غير ظرف 4، فعلى هذا يكون لهذه الكلمة ثلاثة استعمالات أيضا 5. قال الشيخ 6: قد انقضت أسماء الأفعال غير الظروف والمجرورات والمشتقة من المصادر والمعرّفة باللام التي أوردها المصنف وهي إحدى وثلاثون كلمة، ثم قال: وقد نقص المصنف أن يذكر كلمات أخر هي من أسماء الأفعال التي ليست ظروفا ولا حروف جر ولا مشتقة من المصادر. فمنها: لبى خفيفة الباء: بمعنى أجيبك، ومنها: أولى لك: هو اسم لـ «دنوت من الهلاك» 7 قاله الأصمعي في قول الشاعر: 3636 - فأولى لنفسي أولى لها 8

................................  وقال تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (34) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى 1، لكن نقل 2 عن صاحب البسيط أنه قال: «أولى استعمل في الوعيد في قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ونحوه وهو بمعنى: وليه الشرّ وما يكرهه 3، ولا يكون اسما للفعل فيكون «لك» فيها بمنزلة: هلم لك؛ لأن اسم الفعل لا يعرب وهذا قد أعرب لأن أبا زيد حكى رفعه مؤنثا في قولهم: أولاة 4، وإذا بطل هذا وبطل أن يكون أفعل من كذا على أن يكون المعنى: هو أولى بذلك من غيره، أي الوعيد أولى لك من غيرك، لأن أفعل من كذا لا يؤنث بالهاء، وقد نقلنا عن أبي زيد تأنيثه صحّ أنه «أفعل» اسما بمنزلة «أحمد» استعمل علما في الوعيد فامتنع من الصرف، ومن أدخل الهاء جعله اسما مؤنثا مثل: «أرملة» و «أضحاة» 5 وامتنع من التنوين للعلمية في الوعيد والتأنيث، وعلى هذا فقوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى: «أولى» مبتدأ و «لك» الخبر 6، وحذف حرف الجر الثاني لدلالة الأول عليه، وقول الشاعر 7. 3637 - أولى فأولى يا امرأ القيس بعد ما... خصفن بآثار المطيّ الحوافرا 8

    • هممت بنفسي بعض الهموم والشاهد فيه: مجيء «أولى لك» اسم فعل بمعنى: دنوت من الهلاك - وانظر البيت في الكامل (2/ 338) والخصائص (3/ 44) وأمالي الشجري (1/ 243)، (2/ 325).

................................  والمعنى في البيت: بعد ما خصفن بآثار قوائم المطي آثار الحوافر» انتهى 1، وعلى هذا لا يكون «أولى» اسم فعل، قلت: وهو الظاهر.
ومنها «دهدرّين»: اسم لـ «بطل» 2، وفي الأمثال: «دهدرّين سعد القين» 3 و «سعد» مرفوع به أي بطل سعد القين، و «دهدرّين» تثنية لا تشفع الواحد وإنما هي توكيد، كأنه قيل: بطل بطل، وقيل: الدّهدر والدّهدن الباطل، وأصله أن القين مضروب به المثل في الكذب، ثم إن قينا ادعى أن اسمه سعد زمانا ثم تبين أن دعواه كاذبة فقيل له ذلك أي جمعت باطلين يا سعد.
فـ «دهدرّين» نصب بفعل مضمر وهو «جمعت» و «سعد» منادى مفرد، و «القين» صفة له، ذكر الشيخ ذلك في الارتشاف 4. ولا شك أن كون «دهدرّين» مفعولا بفعل مضمر أقرب وأولى بل هو المتعين إذ لا يتعقل فيه كونه اسم فعل.
ومنها «دع»: وهي لا يخاطب بها إلا العاثر فيقال له إذا عثر: دع أي قم وانتعش، فمن لم ينون جعله معرفة، ومن نون جعله نكرة، ومثلها: «دعدعا» و «لعا» إلا أنهما لم يستعملا إلا نكرة.
ومنها «النجاء»: وهو اسم لـ «انج» وتلحقها الكاف حرف خطاب فتقول: النّجاءك 5. ومنها «فداء» تقول: فداء لك فلان: تقول العرب: فداء لك أبي وأمي، الأصل: جعل الله أبي وأمي فداءك وجعل الله فلانا فداءك، ثم جعل أمرا لذلك المفادى فقيل: - - والشاهد فيه: أن «أولى» علم للوعيد وليس اسم فعل، والبيت في المفضليات للضبي (ص 306) والخصائص (2/ 306)، وشرح المفضليات للتبريزي (ص 1075)، واللسان (حفر)، و (خصف).

................................  ليفدك فلان، ثم جعل فداء لك موضعه فهو اسم لقوله: ليفدك، قال الشاعر: 3638 - مهلا فداء لك الأقوام كلّهم... وما أثمّر من مال ومن ولد 1 يروى على ثلاثة أوجه: فداء بالكسر اسم فعل مبني، وبالفتح على المصدر، والرفع على الابتداء والخبر أي: الأقوام فادون لك.
وإذا نون [5/ 37] كان نكرة لأنهم أرادوا: يفديك في ضرب من الضروب 2. وفي الإفصاح 3 أجاز أبو علي في «فدى» أن يكون بمنزلة قول العرب: فداء بالمد والكسر، وكسره دال على بنائه وبناؤه دال على أنه اسم فعل لأن الدعاء بمنزلة الأمر، والتنوين فيه للتنكير وكأنه قال: لتفدك نفسي على معنى الدّعاء 4. ويضعف عندي 5، لأني لم أجد اسم فعل في غير الخبر رفع الظاهر، فالمعنى: أن يكون اسم «يفدي» فيرفع الظاهر كما يرفع اسم الفعل بمعنى الخبر نحو «هيهات» و «شتان» و «سرعان» وأجاز ذلك أبو علي إلا أنه قال: «الأول أكثر وأقيس؛ وذلك لأن أسماء الأفعال بمعنى الأمر والنهي أكثر منها بمعنى الخبر، والدعاء بمنزلة الأمر» 6 وصدق إلا أن رفعها الظاهر غير موجود، وليس لأفعال الأمر من التصرف ما للأفعال أنفسها حتى يكون لفظها يأتي بمعنى الدعاء والأمر كما يكون ذلك في صيغ أفعال الأمر، ولو كان كذلك كانت بمعنى اللام؛ لأن -

................................  صيغة الأمر لا ترفع الظاهر وإنما يرفعه المضارع باللام، وهي كلها في ما علمت غير مقدرة باللام، ولو قدرت باللام جاز أن يؤمر بها الغائب ولم يجئ في كلامهم إلا «عليه رجلا ليسني» 1 و «عليه بالصّوم فإنّه له وجاء» 2 ولا يقاس على هاتين الكلمتين، وقد قالت العرب: فداء لك نفسي بالرفع على الخبر المقدم 3، فيحتمل المقصور الوجهين يعني: الرفع على الخبر وأن يكون اسم فعل.
انتهى 4. ومنها «همهام»: قال 5: «وقد ذكرناها فيما عنّ لنا ذكره في الشرح، وشرحها بعضهم بأنها اسم لقوله: لم يبق 6، وقال بعضهم: هي اسم لـ «فني» 7 وفيها لغات: همهام، وحمحام، ومحماح وبحباح، قال الشاعر: 3639 - أولمت يا خنّوت شرّ إيلام... في يوم نحس ذي عجاج مظلام ما كان إلّا كاصطفاق الأقدام... حتّى أتيناهم فقالوا: همهام 8 وذكر 9 كلمتين أخريين: وهما: «هاه» ذكر أنها اسم لـ «قاربت» 10، -

................................  و «أولاه» ولم يذكر لها المصنف معنى 1 ثم قال 2: فهذه تسع كلمات استدركناها على المصنف».
وأقول: لم يلتزم المصنف ذكر أسماء الأفعال كلها فيستدرك عليه ما لم يذكره وكيف وهو قد قال: «فمنها لخذ كذا، ومنها لكذا كذا، ومنها لكذا وكذا، ولم يقل: وهي كذا وكذا، وقد كان ينبغي أن يستدرك أيضا نحو: نزال ودراك مثلا فإنه لم يذكرهما، ثم إن الكلمات التي ذكرها تحتاج إلى إقامة دليل على تعين كونها أسماء أفعال، وقد عرفت أن بعضها لم يتعين فيه ذلك وهو: «أولى لك» و «دهدرّين»، وبعضها يمكن فيه المنازعة مع أنه قد قيل في «النجاء»: إنه مصدر 3. وأما «فداء» فإنه موقوف على ثبوت وروده عن العرب مبنيّا على الكسر.
وأما «دع» فالظاهر أنها فعل وهو: دع الذي معناه: اترك، وإذا ثبت استعمالها لمعنى آخر فقد يكون ذلك بطريق التضمين.
وأما «أولاه» فلم يتحقق معناه، وكذا «لبى».
وأما «همهام» فهو قد مثّل بها لما أراده المصنف بقوله: «وقد تضمّن معنى نفي» 4 فإن كان التمثيل صحيحا فالمصنف قد ذكرها لأنه أرادها حيث قال: إن اسم الفعل قد يضمن معنى النفي، وإن كان المصنف لم يردها فيكون تمثيل الشيخ بها غير صحيح.
وأما «هاه» فلم يذكر لها شاهدا من كلام العرب.
واعلم أن «هات» و «تعال» فعلان لا يتصرفان 5، وقد غلط من ادعى أنهما اسما فعلين 6، ويدل على الفعلية: اتصال ضمائر الرفع البارزة بهما وجوبا، نبّه -

................................  المصنف على ذلك في شرح الكافية 1، وقد قال الله تعالى: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ 2، وقال تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ 3 قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا 4، فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ 5، ومن شعر العرب قول القائل: 3640 - إذا قلت هاتي نوّليني تمايلت... عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخل 6 وقول الآخر: 3641 - تعالي فانظري بمن ابتلاني 7 ويقال: هاتيا وتعاليا 8، قال في شرح الكافية 9: «وحكى الجوهري أن بعض العرب يصرف هات فيقال: هاتى يهاتي مهاتاة» 10.

[أسماء الفعل المنقولة من ظرف وجار ومجرور]

قال ابن مالك: (ومنها ظروف [وشبهها جارة ضمير مخاطب كثيرا وضمير غائب قليلا] كـ «مكانك» بمعنى «اثبت» و «عندك» و «لديك» و «دونك» بمعنى «خذ» و «وراءك» بمعنى «تأخّر» و «أمامك» بمعنى تقدّم و «إليك» و «إليّ» [بمعنى] «تنحّ» و «أتنحّى» و «عليك» و «عليّ» و «عليه» بمعنى «الزم» و «أولني» و «ليلزم»).
قال ناظر الجيش: أسماء الأفعال الدالة على الأمر قسمان: أحدهما: ما وضع اسما للفعل في أول الأمر نحو: نزال، ودراك، وهلمّ، ثانيهما: ما كان في الأصل ظرفا أو جارّا ومجرورا فنقل وسمّي به الفعل، ولما أنهى المصنف الكلام على القسم الأول شرع في ذكر القسم الثاني، وهذا النوع لا يستعمل إلا متصلا بضمير مخاطب، وشذ قولهم: «عليه رجلا» بمعنى: ليلزم، وعليّ الشّيء بمعنى: أولنيه.
وإليّ بمعنى: أتنحّى 1، ذكر المصنف ذلك في شرح الكافية 2. وينبغي أن يعلم أن في «إليّ» بمعنى: أتنحّى شذوذا آخر وهو استعماله في الخبر دون الأمر، لكن لقائل أن يقول: إن معنى: إليّ: لأتنح؛ فيكون أمرا أمر المتكلم به نفسه، وعلى هذا إنما يكون فيه شذوذ واحد وهو اتصاله بضمير المتكلم، وقد يقال: إن قائل هذا إنما قاله جوابا لمن قال له: إليك أي تنحّ فقال: إليّ كأنه قال هذا منكرا على من قال له: إليك، فأعاد اللفظ الذي يقصد إنكاره على قائله له كأنه يقول: أإليّ؟ أي أتأمرني بالتّنحّي وتقول لي هذا اللفظ؟ وعلى هذا فلا يكون «إليّ» اسم فعل، وإنما هي كلمة قصد بها الإنكار على من أمره بمثلها فأعاد اللفظ مضافا إلى نفسه كأنه يقول: أتنحّيني عن مكاني؟ ثم قد عرف من قول المصنف: كمكانك بمعنى: اثبت، وعندك، ولديك، -

................................  ودونك، بمعنى: خذ، ووراءك بمعنى: تأخر، وأمامك بمعنى: تقدم، إلى آخر كلامه - أن من هذه الكلمات ما وضع موضع فعل متعدّ، ومنها ما وضع موضع فعل لازم، فيكون حكم اسم الفعل في التعدي واللزوم حكم الفعل الذي هو بمعناه.
وفي شرح الإيضاح 1 لابن [5/ 38] عصفور: «وهذه الظروف والمجرورات منها ما وضع موضع فعل متعد وهو: عليك ودونك، وكما أنت في قولهم: كما أنت زيدا، ولديك وكذاك في قول الشاعر: 3642 - يقلن وقد تلاحقت المطايا... كذاك القول إنّ عليك عينا 2 ومنها ما وضع موضع فعل غير متعد وهو: وراءك، وأمامك، وإليك، ومنها ما وضع تارة موضع فعل متعد وتارة موضع فعل غير متعد وهو: مكانك وعندك، ثم ذكر أن عليك وضعت موضع متعد إلى واحد تارة وموضع متعد إلى اثنين أخرى.
فمثال الأول: عليك زيدا، ومثال الثاني: قول العرب: عليّ زيدا: الأصل فيه: اعطف عليّ زيدا واردد عليّ زيدا، فحذف العامل وأنيب «على» منابه وضمّن الكلام معنى: ناولني زيدا» انتهى 3. ولقائل أن يقول: الذي تعدى إلى اثنين على قوله إنما هو «عليّ» لا «عليك»، ثم لم أتحقق قوله «إن الكلام ضمّن معنى: ناولني زيدا» وليس لـ «ناولني زيدا» معنى في هذا التركيب، والأقرب ما قاله المصنف من أن معناها: أولني و «أولى» يتعدى إلى مفعولين، ومن ثمّ قالوا: إن «عليّ» لها في اللفظ مفعول واحد وفي المعنى مفعولان، نابت الياء مناب أحدهما، ولو قيل: إن «على» مع مجرورها إذا نقلت وجعلت اسم فعل إنما تتعدى إلى واحد سواء أكان المتصل بها الكاف أو الياء لكان قولا، أما إذا اتصلت الكاف بها فظاهر، وأما إذا اتصلت بها الياء - مع قلة ذلك - فوجهه أن المتكلم بها آمر نفسه، فمعنى «عليّ زيدا» لألزم زيدا، يأمر الإنسان نفسه باسم الفعل كما يأمرها بالفعل.
-

................................  وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى ألفاظ الكتاب فنقول: قوله: كمكانك بمعنى: اثبت يفيد أن مكانك لا يتعدى، وقد تقدم من كلام ابن عصفور أن مكانك يوضع موضع ما هو متعد وما هو غير متعد، قال ابن عصفور 1: «ولم يحفظ البصريون إلا كون هذه الكلمة لازمة، وحفظ الكوفيون كونها متعدية بمعنى: انتظر، فيقولون: مكانك زيدا» انتهى. ولا شك أن إثبات كونها متعدية يحتاج إلى دليل. وقوله: وعندك ولديك ودونك بمعنى: خذ - يفيد أن ثلاث الكلمات متعدية. أما «عندك» فقد ذكر ابن عصفور أنها تستعمل لازمة كما تستعمل متعدية، ولم يستشهد على ذلك بشيء، وتبعه الشيخ في ذلك فقال 2: «وتكون لازمة فتستعمل بمعنى تخوّف وتقدّم» 3. وأقول: إن ذلك يحتاج إلى دليل، ثم كيف يكون معنى «عندك» تقدّم. ولا شك أن الأمر بالتقدم ينافي قوله: عندك؟ وأما «دونك» فأثبتها ابن عصفور متعدية؛ لكن قال الشيخ: 4: «وتستعمل لازمة بمعنى تأخّر، ولم يذكر على ذلك شاهدا، وأنشد لجرير: 3643 - أعيّاش قد ذاق القيون مرارتي... وأوقدت ناري فادن دونك فاصطلي 5

................................  أي: خذ النار فاصطلي».
وأما قوله: ووراءك بمعنى: تأخّر، وأمامك بمعنى: تقدّم - فواضح.
وأما قوله: وإليك وإليّ... إلى آخره - فـ «تنحّ» راجع إلى «إليك» و «أتنحّى» راجع إلى «إليّ» 1 قال الشيخ 2: «هذا الذي ذكره هو مذهب البصريين أي في كونها لازمة 3 وزعم الكوفيون 4 أنها تتعدى فتقول: إليك زيدا أي: أمسك زيدا، ولذلك اختلفوا في قوله: 3644 - إذا التّيّاز ذو العضلات قلنا... إليك إليك ضاق به ذراعا 5 فقدره البصريون: تأخّر تأخّر، وقدره الكوفيون: أمسك أمسك، قال 6: والصحيح ما ذهب إليه البصريون إذ لا يحفظ من لسان العرب متعديا، لكنه - - والشاهد في البيت: قوله: «دونك» فإنه اسم فعل بمعنى: خذ، والبيت في نوادر أبي زيد (ص 360) والإيضاح للفارسي (ص 165) وشرح ألفية ابن معط (ص 1164) وذكر الشارح أن «دونك» في البيت بمعنى: ادن واقرب فهي على هذا المعنى لازمة، ومعناه: أنه رجل داه.

................................  قال 1 - تبعا لابن عصفور - وساغ أن يتعدى فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل في اللفظ لأنه في التقدير على حذف مضاف أي إلى جهتك». انتهى. وهو كلام عجيب فإنه يقتضي أن اسم الفعل هو «إليّ» (2) وحدها، وأنها ناصبة للكاف، وليس الأمر كذلك بل «إليك» (3) بجملته هو اسم الفعل نقل وسمي به، وبعد النقل لا نظر إلى أجزاء الكلمة، وليس ثمّ إلا ضمير واحد مرفوع بجملة «إليك» 2 الذي هو اسم الفعل وهذا أمر لا يرتاب فيه ولا يجوز أن يظن خلافه. وأما قوله: وعليك وعليّ وعليه بمعنى: الزم وأولني وليلزم - فالأول للأول والثاني للثاني والثالث للثالث، فمعنى عليك زيدا: الزم زيدا، ونقل ابن عصفور 3 عن المازني أن الأصل فيه: خذ زيدا من عليك أي من فوقك، فحذف حرف الجر ووصل فعل الأمر بنفسه، ثم حذف فعل الأمر وأقيم الظرف الذي هو عليك مقامه، قال: حكى ذلك عنه السيرافي، قال 4: وكأن الذي حمله على إضمار حرف جر أنه رأى العرب لا تقول: خذ زيدا عليك، وتقول: خذ زيدا من عليك أي من فوقك 5 بإدخال من على «على» كما دخلت عليها في قول الشاعر 6: 3645 - غدت من عليه.......... البيت 7

................................  قال ابن عصفور: «ما ذهب إليه باطل عندي لما فيه من تكلف إضمار حرف جر من غير داعية إليه إذ يمكن أن يكون التقدير: أمسك عليك زيدا كما قال تعالى: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ 1، وكذلك قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ 2 تقديره: أمسكوا عليكم أنفسكم أي امنعوها من أن تقع في ضلال 3، ولا يكون الفعل المضمر العامل في «عليك» أمسك في كل موضع بل يقدر على حسب ما يساعد المعنى عليه؛ ألا ترى أنك لو قلت: عليك الصوم لكان التقدير: أوجبت عليك الصوم، لأن تقدير: أمسك لا يساعد عليه المعنى» انتهى.
وما ذكره غير ظاهر: أما أولا: فلأنه بنى الأمر على أن أسماء الأفعال معمولة لعوامل مقدرة، وأنها في موضع نصب، وسيأتي الكلام على هذه المسألة وبيان أنها لا موضع لها من الإعراب.
وأما [5/ 39] ثانيا: فلأنه إذا جعل التقدير في: عليك زيدا: أمسك عليك زيدا - خرج «عليك» عن أن يكون اسم فعل ويكون انتصاب الاسم الواقع بعد «عليك» بذلك الفعل المقدر، و «عليك» متعلقة به؛ لأنا إذا قدرنا «أمسك» مثلا خرج «عليك» عن أن يكون بمعنى: الزم قطعا، وبخروجها عن ذلك تخرج عن أن تكون في هذا التركيب اسم فعل، وكذا ما نسب إلى المازني من أن أصل الكلام: خذ زيدا من عليك أي من فوقك - لا معول عليه.
والحق أن «عليك» من: عليك زيدا بمعنى الزم وهي الناصبة لـ «زيد» وذلك أن هذا الجار والمجرور الذي هو «عليك» وما أشبهه قد كان معمولا لشيء ثم نقل وسمي به الفعل ووجب قطع النظر عن الحالة التي كان عليها أولا 4. وبعد، فالذي ذكره ابن عصفور لم يتجه لي تقريره، وكذا ما ذكره عن المازني - - والشاهد فيه: دخول من على «على» لأنها اسم في تأويل فوق كأنه قال: غدت من فوقه، والبيت في الكتاب (4/ 231)، والمقتضب (3/ 53) والكامل (2/ 82) والخزانة (4/ 253)، والمغني (ص 146)، والعيني (3/ 301) والتصريح (2/ 19)، والهمع (2/ 36) والأشموني (2/ 266).

................................  أيضا وعلى الناظر أن يتأمل ويعمل بما يتضح عنده في هذه المسألة، ثم ليس المعنى في نحو: عليك الصّوم: أوجبت عليك الصوم، لأن «عليك الصوم» قد يقال لمن لا وجب عليه الصوم إذ الأمر بملازمة الشيء لا يلزم عنه الوجوب، فإنه يقال: عليك نوافل الطاعات، وعليك إيثار المحتاجين، وعليك إسداء المعروف، ولا شك أن المعنى في نحو هذه الأمثلة: الزم كذا الزم كذا.
وقد مشى الشيخ وراء ابن عصفور فقال بعد ذكره رأي المازني والإشارة إلى بطلانه كما ذكر ابن عصفور: «التقدير عندنا: أمسك عليك زيدا» انتهى 1. قالوا 2: وقد جاءت «عليك» متعدية بالباء، ومنه الحديث الشريف: «فعليك بذات الدّين» 3، وقال الأخطل: 3646 - فعليك بالحجّاج لا تعدل به... أحدا إذا نزلت عليك أمور 4 والذي يظهر لي أن «عليك» الذي هو بمعنى الزم ضمن معنى: استمسك فعدّي تعديته.
وأما «عليّ» فقد فسره المصنف بأن معنى «عليّ» أولني، وقد تقدم الكلام عليها، وتفسير ابن عصفور لها بـ «ناولني» والبحث معه.
وأما «عليه» فقد فسره المصنف بأن معناه: ليلزم، وقد عرفت أن إيلاء هذه الكلمات غير ضمير المخاطب قليل 5، ومن كلام العرب: «عليه رجلا ليسني» ذكره سيبويه 6. -

[القياس على بعض هذه الأسماء]

قال ابن مالك: (ويقيس على هذه الكسائيّ وعلى قرقار الأخفش ووافق سيبويه في القياس على فعال).
وفي الحديث الشريف: «ومن لّم يستطع فعليه بالصّوم» 1. قال الشيخ 2: «الباء زائدة ويكون الصوم مبتدأ، كما زيدت في قولهم: بحسبك درهم» انتهى.
وأقول: إن ذلك إنما هو على التضمين أيضا كما قلنا في «فعليك بذات الدّين»، وما قاله الشيخ يلزم منه أن الصوم يكون واجبا على من لم يستطع الباءة 3 ولا قائل بذلك، وإنما معنى الحديث الشريف: أنه يلزم الصوم وذلك لأنه يكسر شهوته فيأمن على نفسه من العنت.
قال ناظر الجيش: يشير إلى مسألتين: الأولى: أن الظروف والمجرورات التي نقلت وصيرت أسماء أفعال يقتصر فيها على ما سمع، قال في شرح الكافية 4 بعد الإشارة إليها: «ولا يقاس على هذه الظروف غيرها إلا عند الكسائي فإنه لا يقتصر فيها على السماع بل يقيس على ما سمع ما لم يسمع».
وقال ابن عصفور 5: «اعلم أن عليك ودونك وأمثالهما من الظروف والمجرورات المسمى بها فعل الأمر على جهة الإغراء فيها خلاف، فذهب الكسائي إلى أن ذلك جائز في كل ظرف وجار إلا أن يكون على حرف واحد فإن ذلك لا -

................................  يجوز فيه نحو: اللام والباء والكاف 1، وذهب البصريون إلى أن ذلك موقوف على السماع يحفظ ولا يقاس عليه 2، قال: والذي سمع من ذلك البصريون: عليك ودونك وعندك، ومكانك وإليك، وحكى الجوهري 3 الإغراء بلديك وأنشد: 3647 - فدع عنك الصّبا ولديك همّا... توقّش في فؤادك واختبالا 4 وحكى بعض أهل اللغة الإغراء بـ «كذاك» 5 وأنشد: 3648 - يقلن وقد تلاحقت المطايا... كذاك القول إنّ عليك عينا 6 وزعم الفراء أن الكسائي سمع: «كما أنت زيدا» وحكى الكسائي الإغراء بـ «بين» وذكر أنه سمع من كلامهم: «بينكما البعير فخذاه» 7، وليس عندي في ذلك دليل على الإغراء بـ «بين» لاحتمال أن يكون «البعير» منصوبا بفعل مضمر يفسره ما بعده؛ فتكون المسألة إذ ذاك من الاشتغال بمنزلة قولك: يوم الجمعة زيدا فاضربه، ووجه إجازة الكوفيين ذلك في كل ظرف ومجرور ما عدا ما استثني كون الظروف والمجرورات في باب «الإغراء» معمولات لأفعال مضمرة حذفت للدلالة عليها، قالوا: وإضمار أفعال الأمر لدلالة الأحوال عليها جائز بقياس، ووجه -

................................  قصر البصريين ذلك على السماع كون الأفعال لما حذفت عوضت منها الظروف والمجرورات وأعطيت حكمها فعملت في ما كان الفعل المضمر عاملا فيه، وتحملت ضمائر الفاعلين كما كان يتحمله الفعل المضمر، وتعويض لفظ من لفظ وإعطاؤه حكمه لا يجوز بقياس» انتهى 1. والتعليل الذي ذكره عن الفريقين مبني على أن أسماء الأفعال لها موضع من الإعراب، وسيتبين أن الحق خلاف ذلك.
المسألة الثانية: أن أسماء الأفعال المشاركة للفعل في الاشتقاق إنما تكون من الأفعال الثلاثية، وأن الوارد مما فعله زائد على الثلاثة موقوف على السماع، كقولهم: فمنه من مزيد الثلاثي: دراك بمعنى: أدرك، وبدار بمعنى: بادر 2 قال الشاعر: 3649 - بدارها من إبل بدارها... قد نزل الموت على صغارها 3 ومنه من الرباعي المجرد: «قرقار» و «عرعار» و «جرجار» 4، لكن الأخفش قاس على «قرقار» فأجاز أن يقال: قرطاس، وسرهاف، ودحراج، قياسا على ما سمع 5، قال المصنف في شرح الكافية 6: «من أسماء الأفعال: قرقار بمعنى: قرقر، وهو نادر، ومع ندوره عند [5/ 40] سعيد بن مسعدة الأخفش مقيس عليه، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه 7 من كون صوغ اسم الفعل مطردا من الثلاثي -

................................  خاصة بشرط كونه على فعال» انتهى.
وأنكر المبرد كون «قرقار» اسم فعل وقال: «لم يأت في الرباعي عدل أصلا وإنما «قرقار» حكاية صوت الرعد، و «عرعار» حكاية صوت الصبيان» 1. لكن سيبويه حكم بأنهما معدولان 2. وذكر الشيخ في شرحه 3 «أن بعضهم يقصر اسم الفعل من الثلاثي على السماع أيضا فلا يجيز أن يقال: قوام ولا قعاد، يراد بذلك: قم واقعد، لأن في ذلك ابتداع اسم لم يتكلم به العرب، وإليه ذهب المبرد 4، قال: والصحيح ما ذهب إليه سيبويه لأن ذلك قد كثر كثرة تسوغ القياس، فيجوز عنده أن يقال: قوام بمعنى: قم، وضراب بمعنى: اضرب» 5 انتهى.
والحاصل: أن بناء «فعال» سائغ من كل فعل ثلاثي، وقد استثنى الشيخ الفعل الجامد كـ «يذر»، و «يدع» و «هب» والفعل الناقص نحو: «كان» و «بات» فإن «فعال» لا يبنى منهما 6، وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى التنبيه عليه ولا سيما الفعل الجامد.
ثم إن من المعلوم أن «فعال» الذي هو اسم الفعل مبني على الكسر 7، وحكى الكسائي عن بني أسد بناءه على الفتح إتباعا للفتحة والألف طلبا للتخفيف، وذهب بعضهم إلى أن نحو «نزال» علم حملا على أخواتها في الوزن 8، ولا معول على ذلك.

[خلاف العلماء في موضع الضمير المتصل بها]

قال ابن مالك: (وسمع الأخفش من العرب الفصحاء: عليّ عبد الله زيدا، فموضع الضّمير البارز المتّصل بها وبأخواتها مجرور لا مرفوع خلافا للفرّاء، ولا منصوب خلافا للكسائيّ).
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 1: «اختلف في الضمير المتصل بهذه الكلمات يعني بها: عليك وإليك وعندك ولديك وأخواتها؛ فموضعه رفع عند الفراء، ونصب عند الكسائي وجر عند البصريين 2 وهو الصحيح؛ لأن الأخفش روى عن عرب فصحاء: عليّ عبد الله - بجر عبد الله - فبينّ بذلك أن الضمير مجرور الموضع لا مرفوعه ولا منصوبه، ثم قال: ومع ذلك فمع كل واحد من هذه الأسماء ضمير مستتر مرفوع الموضع بمقتضى الفاعلية، فلك أن تقول في التوكيد: عليكم كلّكم زيدا - بالجر - توكيدا للموجود المجرور، وبالرفع توكيدا للمستكن المرفوع» انتهى.
وليعلم أنه لا وجه لقول الفراء في هذه المسألة؛ إذ ليس ثمّ عامل رفع فيدعى أن الكاف في موضع رفع به، ثم إن الكاف ليست من ضمائر الرفع، وكذا لا وجه لقول الكسائي فيها أيضا إذ ليس ثمّ عامل نصب لأن «على» عامل جر، وبتقدير أن تكون ناصبة فهي في «عليك» جزء كلمة، والكاف هي الجزء الآخر، وجزء كلمة لا يعمل في جزأيها، وإن كان الكسائي يذهب إلى أن أسماء الأفعال في موضع نصب بعامل مقدر فالذي هو في موضع نصب إنما هو «عليك» بتمامها لا الكاف وحدها.
والحق أنها في موضع جر كما هو مذهب البصريين لأن نحو: «عند» و «لدى» لا يستعمل إلا مضافا وكذا «على» و «إلى» لا يستعمل شيء منهما مفردا بل مع ما هو مجرور به، وقد شذّ وأبعد من قال: إن الكاف مع هذه الكلمات حرف -

................................  خطاب 1، قال بعضهم 2: وهو موضع قد أشكل، لأنها إن كانت حرف خطاب فحرف الخطاب لا يؤكد وأنت تقول: عليك نفسك زيدا، قال 3: ويظهر من سيبويه أن تأكيدها قياس عنده فيها 4، وإن كانت مضافة والتسمية بالمجموع فجزء الاسم لا يؤكد لو سميت بعبد الله، لا تقول: مررت بعبد الله الرحمن، أو بالظرف أو الجار فقط لزم أن يضاف اسم الفعل، وللسيرافي ما هو كالجواب عن هذا الذي ذكر فإنه قال: التزم سيبويه الثاني، يعني أن الكاف ليست حرف خطاب وأن الأول مضاف إلى الثاني أو جار له، وانفصل عن ذلك بأنه روعي الأصل كما يسمى بـ «حارث» وهو يتوهم الصفة ولذلك دخلت عليه «أل» واعلم أن الشيخ قال 5: «في جر عبد الله من قولنا: عليّ عبد الله زيدا - إشكال لأنه على ما زعم - يعني المصنف - تابع للضمير المجرور بـ «على» وهو الياء، وليس بنعت لأنه علم، ولا توكيد لأنه ليس من الألفاظ الموضوعة للتأكيد، ولا عطف نسق لعدم الحرف، ولا عطف بيان لأنه إنما يجاء به للتوضيح، وضمير المتكلم لا يلتبس فيوضح بغيره، ولا بدل لأن بدل المظهر من المضمر المتكلم أو المخاطب لا يجوز إذا كان بدل شيء من شيء - عند غير الأخفش - إلا إن كان البدل يفيد معنى الإحاطة».
انتهى.
ولا يظهر (لي) 6 امتناع كونه عطف بيان؛ لأن عطف البيان هنا لم يوضح المتكلم؛ إذ المتكلم لا يلتبس بغيره كما قال، إنما أوضح اسم مدلول الياء، فبين أن هذا المتكلم هو عبد الله، وعبد الله في هذا التركيب لو لم يذكر لم يعلم اسم المتكلم ما هو.
ويجوز كونه بدلا على رأي الأخفش فإنه قد استدل على ذلك بما يقتضي ظاهره الجواز 7، وربما يشعر كلام المصنف في باب البدل 8 بالجنوح إلى مذهبه.
-

[أحكام أخرى لهذه الأسماء]

قال ابن مالك: (ولا يتقدّم عند غيره معمول شيء منها، وما نوّن منها نكرة، وما لم ينوّن معرفة، وكلّها مبنيّ لشبه الحرف بلزوم النّيابة عن الأفعال، وعدم مصاحبة العوامل، وما أمكنت مصدريّته أو فعليّته لم يعدّ منها).
ثم قد مر أن في مثل: عليكم كلكم لك أن تجر التوكيد على أنه تابع للمجرور، ولك أن ترفعه على أنه تابع للضمير المرفوع المستكن، وكذا إذا كان التوكيد بالنفس يجوز الأمران، لكن إذا أكدت المرفوع فلا بد من التأكيد بالضمير المنفصل على القاعدة المعروفة 1 فيقال: عليكم أنتم أنفسكم، قالوا 2: ولك أن تجمع بين التوكيدين فتقول: عليك نفسك أنت نفسك زيدا، وكذا إذا قلت: هلم لك، تقول: نفسك إن أكدت الكاف؛ فإن جمعت بين التوكيدين قلت: هلم أنت نفسك (لك نفسك، ولا تقول: هلم لك نفسك أنت نفسك ولا عليك أنت نفسك) 3 نفسك، بل يجب [5/ 41] الترتيب إذا جمع بين التوكيدين لأن المؤكّد من تمام المؤكّد، قال الشيخ 4: «والمغرى به إن كان ضمير متكلم أو غائب جاز اتصاله وانفصاله، تقول: زيد عليكه وعليك إياه وعليكني وعليك إياي، وإن كان ضمير مخاطب فالانفصال فقط، أو يؤتى بالنفس فيقال: عليك إياك، وعليك نفسك».
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على مسائل أربع: الأولى: أن معمول اسم الفعل لا يجوز تقدمه عليه عند غير الكسائي، قال المصنف في -

................................  شرح الكافية 1: «ومما عزي إليه - يعني إلى الكسائي - دون غيره 2 جواز إعمال هذه الأسماء في ما تقدم عليها كقول الراجز: 3650 - يا أيّها المائح دلوي دونكا... إنّي رأيت القوم يحمدونكا 3 ولا حجة فيه لصحة تقدير «دلوي» مبتدأ أو مفعولا بـ «دونك» مضمرا 4، فإن إضمار اسم الفعل متقدما لدلالة متأخر عليه جائز عند سيبويه» 5 انتهى.
واعتلّ البصريون 6 لمنع تقديم المعمول في هذا الباب على عامله بأن عمل اسم الفعل ليس بحق الأصالة بل بالحمل على الفعل الذي وضع ذلك الاسم موضعه وهو لا يتصرف تصرفه لأنه لا يتصل به ضمير رفع على حد اتصاله بالفعل ولا تلحقه علامة تأنيث، قالوا: وقياس العامل بحق الأصالة إذا لم يكن متصرفا في نفسه أن -

................................  لا يكون متصرفا في معموله فكيف إذا انضاف إلى عدم التصرف كونه لم يعمل بحق الأصالة؟ ومما استدل به المجيز 1 قوله تعالى: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ 2. وأجيب 3 عن ذلك بأن «كتاب الله» منصوب على المصدر أي: كتب الله ذلك عليكم كتابا كما قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ 4، قال ابن عصفور: «أو على أن يكون مفعولا بفعل مضمر أي: الزموا كتاب الله» 5. وعلى القول بأنه منصوب على المصدر يكون الدال به على العامل الناصب له ما تقدم، وذلك أن قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ 6 فيه دلالة أن ذلك مكتوب عليهم فانتصب «كتاب الله» بهذا الفعل الذي دل عليه الكلام المتقدم، التقدير: كتب الله تعالى ذلك عليكم كتابة؛ فلما حذف الفعل والفاعل لم يبق للضمير ما يعود عليه فأتى بالظاهر بدله 7. وأما قول القائل: 3651 - دلوي دونكا...... فقد خرجه المصنف على وجهين كما عرفت، لكن في كون اسم الفعل يعمل مقدرا كلام، قال الشيخ 8: «ودلوي إما مبتدأ أو منصوب بفعل محذوف، ولم يجعل -

................................  المقدر اسم فعل، قال: لأنه لا يجوز حذف اسم الفعل وإبقاء معموله، قال: وأجازه بعضهم، وفي كلام سيبويه ما يدل ظاهره على الجواز لكن تأوله الشيوخ».
انتهى.
وقد عرفت أن المصنف أخذ في المسألة بظاهر قول سيبويه، ولا شك أنه لا مانع من عمل اسم الفعل مقدرا من جهة الصناعة النحوية 1. المسألة الثانية: أن ما نوّن من هذه الأسماء كان نكرة وما لم ينوّن فهو معرفة، قال المصنف في شرح الكافية 2: «ولما كانت هذه الكلمات من قبل المعنى أفعالا، ومن قبل اللفظ أسماء جعل لها تعريف وتنكير، فعلامة تعريف المعرفة منها تجرده عن التنوين، وعلامة تنكير النكرة منها استعماله منونا، ولما كان من الأسماء المحضة ما يلازم التعريف كالمضمرات وأسماء الإشارة، وما يلازم التنكير كـ «أحد» 3 و «عريب» 4 وما يعرّف وقتا وينكّر وقتا كـ «رجل» و «فرس» جعلوا هذه الأسماء كذلك فألزموا بعضها التعريف كـ «نزال» و «بله» و «آمين»، وألزموا بعضها التنكير كـ «واها» و «ويها»، واستعملوا بعضها بوجهين فنوّن مقصودا تنكيره، وجرّد مقصودا تعريفه كـ «صه» و «صه» و «أفّ» و «أفّ» انتهى.
وفي شرح الشيخ: قال قوم: هي معارف تعريف علم الجنس، قال: وهو ظاهر -

................................  كلام ابن خروف 1 إذ المعاني توضع لها الأعلام كـ «سبحان» كما توضع لغير المعاني كـ «أسامة» و «ثعالة» 2. المسألة الثالثة: كون أسماء الأفعال كلها مبنية، أما بناؤها فلا خلاف فيه، وإنما الخلاف في علة البناء ما هي؟ فعند المصنف أن العلة ما أشار إليه وهي: شبه الحرف بلزوم النيابة عن الأفعال، وعدم مصاحبة العوامل، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الإعراب.
والمراد أن أسماء الأفعال عاملة غير معمولة فشبهها للحرف من هذه الجهة، وقد قال: «إن هذا هو مذهب المحققين» 3، ولا شك أن هذا بناء منه على أن أسماء الأفعال لا موضع لها من الإعراب، وقد تقدمت الإشارة إلى أن هذا هو الصحيح، ولكن المغاربة يخالفون في ذلك ويجعلونها معمولة لعوامل مقدرة، قال ابن عصفور 4: «أسماء الأفعال فيها خلاف بين النحويين: فمنهم من ذهب إلى أنها منصوبة بأفعال مضمرة وهو مذهب سيبويه 5، ومنهم من ذهب إلى أنها لا موضع لها من الإعراب وهو مذهب الأخفش 6، ولأبي علي الفارسي القولان: فإنه في حلبياته لم يجعل لها موضعا من الإعراب، وفي تذكرته 7 جعلها في موضع نصب بأفعال مضمرة فقال: عليك زيدا، أصله: اعطف عليك زيدا أو نحو ذلك، ثم استغني بالمجرور عن الفعل فحذف وصار الضمير الذي كان في الفعل في الجار والمجرور، ثم قال - أعني ابن عصفور -: والصحيح عندي أنها منصوبة بأفعال مضمرة 8، وسواء أكانت من لفظ الفعل كـ «نزال» و «تراك» أم من غير لفظه -

................................  كـ «صه» و «مه» وهو [5/ 42] مذهب سيبويه، وقد نص على ذلك في كتابه 1، وذلك أنه جعل «نعاء» من قول الشاعر: 3652 - نعاء جذاما غير موت ولا قتل... ولكن فراقا للدّعائم والأصل 2 في موضع نصب بإضمار فعل، وكذلك قد نص أبو علي الدينوري 3 في مهذبه 4 على ذلك، ثم قال 5: ويبتنى على هذا الخلاف خلاف آخر في «دونك» و «مكانك»، و «حذرك» وأشباهها من أسماء الأفعال، فمن زعم أن أسماء الأفعال لا موضع لها من الإعراب اعتقد في هذه الأسماء أنها مبنية؛ إذ لا يتصور أن تكون معربة لأن الإعراب لا يكون إلا بعامل، وهذه الأسماء عنده غير معمولة، ومن اعتقد في الأسماء المذكورة أنها معمولة لعوامل مضمرة اعتقد فيها أنها معربة، وإنما كانت معربة لأنها في الأصل ظرف كـ «مكانك» و «دونك» أو مصدر كـ «حذرك» وقد كانت معمولة لأفعال فلما حذفت تلك الأفعال وأنيبت هي منابها بقيت على ما كانت عليه من الإعراب، قال 6: ومما يبين لك أن المصادر والظروف وما أشبهها من الأسماء التي -

................................  أنيبت مناب الفعل ولم تجعل في أول أحوالها اسما له لم يعامل معاملة «نزال» وأشباهها فيلزم بناؤها، وكونها مضافة إلى ما بعدها يدل على افتراقها من «نزال» وشبهه؛ لأن أسماء الأفعال لا تضاف» انتهى كلام ابن عصفور - رحمه الله تعالى - ولم يذكر العامل المقدر في اسم الفعل ما هو؟ بل اقتصر على ما نقله عن أبي علي أن الأصل: اعطف عليك زيدا، واقتصاره عليه دليل أنه رضيه مع أنه قد تقدم له نظير ذلك وهو أنه جعل التقدير في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ 1: أمسكوا عليكم أنفسكم.
لكن لقائل أن يقول: يلزم مما ذكره أن يكون «زيدا» من: عليك زيدا - منصوبا بـ «اعطف» المقدر ويكون «عليك» متعلقا به، وعلى هذا لا يكون عليك اسم فعل حينئذ، وإن قال: إن اسم الفعل ضمّن معنى: «اعطف» بعد حذفه كان معنى عليك زيدا: اعطف زيدا، وليس ذلك معنى هذه الكلمة، إنما معناها: «الزم».
والذي يظهر أن نحو: عليك وإليك بعد أن نقل وسمّي به الفعل يمتنع أن يقدر له عامل من حيث اللفظ والمعنى: أما اللفظ: فلأن «عليك زيدا» ليس معناه: اعطف عليك زيدا كما عرفت، وأما المعنى: فلأن الذي يستفاد من اسم الفعل إنما هو الذي يستفاد من الفعل، والذي يستفاد من الفعل إما طلب فعل أو إخبار عن فعل، وشيء من هذين الأمرين لا يقبل المفعولية.
وأما قوله - أعني ابن عصفور - في «دونك» و «مكانك» و «حذرك» أن من اعتقد في أسماء الأفعال أنها معمولة لعوامل مضمرة فإنه يعتقد في هذه يعني: دونك ومكانك وحذرك أنها معربة؛ وتعليله ذلك بأنها في الأصل ظرف كـ «مكانك» و «دونك» أو مصدر كـ «حذرك»، وقد كانت معمولة لأفعال، فلما حذفت تلك الأفعال وأنيبت هي منابها بقيت على ما كانت عليه من الإعراب - فغير ظاهر؛ لأنها إن كانت باقية (على ما كانت عليه من الإعراب) 2 فالعامل فيها الآن - أعني بعد النقل - إن كان العامل فيها قبل النقل؛ فهي باقية على ما كانت -

................................  عليه من الظرفية؛ وإذا كانت كذلك فكيف يتصور فيها أن تكون اسم فعل؟ وإن كان العامل فيها بعد النقل غير العامل فيها قبل النقل فقد عرفت أن ذلك ممتنع كما أشرنا إليه آنفا 1. والحق أن أسماء الأفعال لا موضع لها من الإعراب سواء أكانت موضوعة اسم فعل في الأصل أم منقولة من ظرف مضاف أو جار ومجرور 2، وإذا كان كذلك فالحركات التي في «دونك» و «مكانك» - أعني حركة النون فيهما - وفي «حذرك» أعني حركة الراء - ليست بحركات إعراب ولا بناء، وإنما هي حكاية لحركاتها الإعرابية لا غير.
المسألة الرابعة: أن ما أمكن أن يكون مصدرا أو فعلا لا يعدّ من أسماء الأفعال.
أما ما أمكنت فعليته فالظاهر أن المراد به: «هات» و «تعال» فإن المصنف قد تقدم نقلنا عنه أنه قال في شرح الكافية: إنهما فعلان لا يتصرفان 3. فهاتان الكلمتان أمكنت فعليتهما لاتصال ضمائر الرفع البارزة بهما، وإذا كان كذلك كان الحكم بأنهما أسماء فعل خطأ 4. وأما ما أمكنت مصدريته فيمكن أن يمثل له بـ «حذرك» الذي مثل به ابن عصفور على أنه اسم فعل منقول من المصدر؛ فإنه لا داعية تدعو إلى القول بأنه اسم فعل فيدعى أنه باق على المصدرية، وقد مثل الشيخ لذلك بقولهم: «سقيا ورعيا» قال 5: «فلا تقول: إنهما اسمان للفعل بجامع ما اشتركا فيه من دلالتهما على معنى الفعل، ألا ترى أن المعنى: سقاك الله ورعاك»؟.
وما ذكرته من التمثيل بـ «حذرك» أولى فإن أحدا لا يرتاب في أن سقيا ورعيا مصدران.

[أسماء الأصوات: أنواعها - أمثلة لها - أحكامها]

قال ابن مالك: (فصل: وضع الأصوات إمّا لزجر كـ «هلا» للخيل و «عدس» للبغل و «هيد» و «هاد» و «ده» و «عه» و «عاه» و «عيه» و «حوب» و «حاي» و «عاي» و «هاب» للإبل و «هيج» و «عاج» و «حل وحلا وحل» للنّاقة 1، و «حاب» و «حب» و «جاه» للبعير، و «إسّ» و «هسّ» و «هج» و «قاع» للغنم و «هج» و «هجا» للكلب، و «سع» و «حج» للضّأن، و «وح» و «حو» للبقر 2، و «عز» و «عيز» و «حيز» للعنز، و «حرّ» للحمار، و «جاه» للسّبع، وإمّا لدعاء كـ «أو» [وهبي] 3 للفرس، و «دوه» للرّبع، و «عوه» للجحش، و «بس» للغنم، و «جوت» و «جيء» للإبل الموردة، و «تؤ» و «تأ» للتّيس المنزي، و «نخ» مشدّدا ومخفّفا 4، للبعير المناخ، و «هدع» لصغار الإبل المسكّنة، و «ساء» و «تشوء» للحمار المورد، و «دج» للدّجاج، و «قوس» للكلب، وإمّا للحكاية كـ «غاق» للغراب، و «ماء» للظّبية، و «شيب» لشرب الإبل، و «عيط» للمتلاعبين، و «طيخ» للضّاحك، و «طاق» للضّرب، و «طق» لوقع الحجارة، و «قب» لوقع السّيف، و «خاز باز» للذّباب، و «خاق باق» للنّكاح، و «قاش ماش» و «حاث باث» للقماش كأنّه سمّي بصوته، وحكم جميعها البناء، وقد يعرب بعضها لوقوعه موقع متمكّن، وربّما سمّي بعضها باسم فبني لسدّه مسدّ [5/ 43] الحكاية، كـ «مضّ» المعبّر به عن صوت مغن عن لا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 5: «أسماء الأصوات [ما]-

................................  وضع لخطاب ما لا يعقل أو ما هو في حكم ما لا يعقل من صغار الآدميين، أو لحكاية الأصوات، وقد قال هنا: إن الأصوات إما لزجر وإما لدعاء، وذكر ما هو للحكاية بعد ذلك، فعلم أن الزجر والدعاء داخلان في ما هو موضوع للخطاب.
وعلى هذا يقال: أسماء الأصوات إما للخطاب أو للحكاية، والخطاب إما لزجر أو دعاء، والحكاية إما لأصوات حيوان أو لاصطكاك أجرام، قال الشيخ 1: «وقد ذكر المصنف ذلك مستوفى، قال: وهو شيء من علم اللغة لا حظّ للنحوي فيه إلا ما كان من الكلام على الأسماء المذكورة أهي معربة أم مبنية؟» انتهى.
وأما علة بنائها: فقد قال المصنف في شرح الكافية 2: «أما بناء أسماء الأفعال فلأنها أشبهت الحروف العاملة في أنها عاملة غير معمولة مع الجمود ولزوم طريقة واحدة فاستغنت عن الإعراب لأن فائدته الدلالة على ما يحدث من المعاني بالعوامل وذلك غير موجود في أسماء الأفعال، وأما أسماء الأصوات فهي أحق بالبناء لأنها غير عاملة ولا معمولة فأشبهت الحروف المهملة، ولأن فائدة الإعراب إبانة مقتضيات العامل وذلك غير موجود فيها فلم يكن لها في الإعراب نصيب».
وأما قوله: وقد يعرب بعضها لوقوعه موقع متمكن - فقد أنشد الشيخ في شرحه 3: 3653 - إذ لمّتي مثل جناح غاق 4 يعني هذا القائل الغراب؛ فـ «غاق» اسم لصوت الغراب، قال الشيخ: لا نعلم -

................................  خلافا في ذلك فأطلقه الشاعر على الغراب لأنه لا يمكن أن يكون المعنى: إذ لمتي كجناح اسم صوت الغراب. وأقول: إن الأمر إذا كان كذلك فاسم الصوت لم يعرب، والذي جرى عليه الإعراب إنما هو اسم الغراب، وعبارة المصنف تعطي ذلك لأنه علل الإعراب بوقوعه موقع اسم متمكن، فالكلمة المذكورة لم تعرب وهي اسم صوت؛ بل لما أريد بها ما يراد بالاسم المتمكن - وإن كانت الإرادة مجازا - وركبت الكلمة مع غيرها مسها الإعراب؛ إذ إعرابها يصير متعينا حينئذ، وعلى هذا فالمصنف لم يكن محتاجا إلى أن يقول: وقد يعرب بعضها، بل كان الواجب أن يقول: وقد ينقل بعضها فيسمّى به ما يتوقّف فهم معناه على الإعراب. وأما قوله: وربّما سمّي بعضها باسم فبني لسده مسدّ الحكاية كـ «مضّ» المعبّر به عن صوت مغن عن لا - فمعناه أن «مضّ» اسم عبر به عن صوت وذلك الصوت مغن عن «لا» ومقتضاه أن «مضّ» اسم مستحق للإعراب؛ فلما عبر به عن الصوت لقصد الحكاية بني، وذلك الصوت مغن عن «لا»، لكن لم يعرف ذلك الصوت الذي أغنت عنه لا ما هو؟ 1. ولم أتحقق كلام الشيخ في هذا الموضع فإنه قال 2: «وأما مضّ فهو صوت بضم الشفتين بمعنى لا وفيه إطماع لأنه ليس برد صحيح، قال: وزعم بعض شراح المفصل أنه اسم لاعذر والمراد به الرد مع إطماع 3، قال: فعلى هذا يكون اسم فعل لا اسم صوت وأنشد: 3654 - سألت هل وصل فقالت: مضّ... وحرّكت لي رأسها بالنّغض 4

جارٍ التحميل