تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 3463-3502

الباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسق

صفحات 3463-3502

................................  ومنها: أنك قد عرفت من كلام المصنف أنها أعني المنقطعة تقتضي إضرابا واستفهاما في الأكثر وأنها قد يجاء بها لمجرد الإضراب فهي للإضراب والاستفهام في قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ إلى أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ 1 وكذا في قوله تعالى: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ 2، ومنه قول العرب: إنها لإبل أم شاء.
التقدير بل أهي شاء لكن الاستفهام في الآيتين الشريفتين استفهام إنكار، وفي أهي شاء استفهام طلب.
وهي لمجرد الإضراب في قوله تعالى: أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ 3 وقوله تعالى: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 4، [و] أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ 5 وذلك لأن استفهاما لا يباشر استفهاما فامتنع تقديره لذلك.
وكذا هي لمجرد الإضراب في قوله تعالى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ 6؛ لأن المراد أن يخبر عنهم أنهم اعتقدوا الشركاء وأم هذه مع جواز مباشرتها أدوات الاستفهام لا تباشر همزة الاستفهام لا يقال: قام زيد أم أعمرو قائم.
نبه على ذلك الشيخ في ارتشاف الضرب 7. ومنها: أنك قد عرفت أن المصنف جعلها أعني المنقطعة إذا وليها مفرد عاطفة، والجماعة لا يثبتون لها العطف ومن ثم قال الشيخ: وأصحابنا يقولون إن أم المنقطعة ليست للعطف لا في مفرد ولا في جملة.
وقال ابن عصفور: وسميت أم هذه المنفصلة لأن ما بعدها كلام مستأنف منقطع مما قبلها وليست بعاطفة لأن ما بعدها ليس مع ما قبلها كلاما واحدا وحروف العطف ما بعدها مع ما قبلها كلام واحد 8. انتهى.
وقد عرفت أن المصنف استدل لدعواه بقول العرب أن هناك إبلا أم شاء.
فقال الشيخ: إن ثبت هذا عن العرب فلا حجة فيه لاحتمال أن تكون أم متصلة وحذفت الهمزة من أن هناك والتقدير أئن هناك.. ويحتمل إذا لم تقدم الهمزة أن ينتصب شاء على إضمار فعل تقديره أم ترى شاء 9. انتهى.
-

................................  ولا شك أن القول بأن أم هنا عاطفة مفيدة ما تفيده بل أسهل من هذا التخريج وهي إذا كانت عاطفة كبل كان ما بعدها مع ما قلبها كلاما واحدا فيندفع تعليل ابن عصفور.
ثم إن الشيخ ذكر في شرحه عن النحاة في معنى أم المنقطعة مذاهب.
قال رحمه الله تعالى: اختلف النحويون في أم المنقطعة 1: فذهب البصريون إلى أنها تقدر ببل والهمزة مطلقا وذهب الكسائي وهشام إلى أنها بمنزلة بل وما بعدها مثل ما قبلها.
فإذا قلت: قام زيد أم قام عمرو فالمعنى بل قام عمرو.
وإذا قلت: هل قام زيد أم قام عمرو، فالمعنى بل هل قام عمرو 2. وذهب الفراء إلى أن العرب [4/ 160] تجعل أم مكان بل إذا كان في أول الكلام استفهام مستدلا بقول الشاعر: 3295 - فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت... أم النّوم أم كلّ إليّ حبيب 3 قال: يريد بل كل إلى حبيب 4. وذهب بعض الكوفيين إلى أنها تكون بمعنى بل فقط بعد الاستفهام وبعد الخبر.
قال: وقد تكون بمعنى الهمزة إذا لم يتقدمها استفهام 5، وذهب أبو عبيدة إلى أن أم بمعنى ألف الاستفهام.
قال: ومنه قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ) 6 أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ 7. انتهى.
والحق من هذه المذاهب ما ذكره المصنف وهو أن أم المذكورة تقتضي الإضراب مع الاستفهام وهو الكثير فيها وأنها قد تقتضي الإضراب مجردا عن الاستفهام.
وأما غير هذين المذهبين فلا معول عليه.
ومنها: أنهم قالوا إنما كان الوجه الأحسن أن يتوسط ما وقعت المعادلة من أجله.
-

................................  فيجعل أحد الشيئين يلي الهمزة ويلي الآخر أم لأنهما الأداتان اللتان يستفهم بمجموعهما عما يطلب تعيينه وجعل الذي وقعت المعادلة من أجله يلي المتقدم منهما حتى يكون قد فرغ من ذكره وذكر ما وقعت المعادلة من أجله وحينئذ يعدل بالثاني.
وعبارة سيبويه في هذه المسألة أن قال: أزيد عندك أم عمرو، وأزيد لقيت أم بشرا بتقديم الاسم أحسن.
ولو قلت: ألقيت زيدا أم عمرا كان جائزا حسنا، أو قلت: أعندك زيد أم عمرو كان كذلك.
وقال أيضا: وإن شئت قلت: ما أدري أعندك زيد أم عمرا وكان جائز حسنا كما جاز أزيد عندك أم عمرو.
وتقديم الاسمين جميعا مثله وهو مؤخر وإن كان أضعف 1. أما ما يتعلق بأو فأقول: إن المصنف ذكر لها سبعة معان وهي الشك، والتفريق وهو الذي عبر عنه في بقية كتبه بالتقسيم 2، والإبهام، والتخيير، والإباحة، والإضراب، ومعنى الواو وذكر المغاربة معنى آخر وهو التفصيل 3. وما عدا الإضراب ومعنى الواو متفق عليه 4. وكونها للإضراب أو بمعنى الواو منسوب إلى الكوفيين كما سيذكر.
والحق أن المعاني المذكورة إنما تستفاد بقرائن الكلام الذي هي فيه، وأو إنما هي لأحد الشيئين أو الأشياء.
وقد قال ابن أبي الربيع شارحا لقول أبي علي: وأو لأحد الشيئين أو الأشياء في الخبر وغيره.
وهذا الذي ذكره هو المعنى الذي وضعت له.
وقد يصحبها الإبهام والشك والتنويع في الخبر وكذلك يصحبها التخيير والإباحة في الاقتضاء وعني بالتنويع التقسيم لأنه مثل له بقوله: هذه المسألة لا تخلو من كذا أو كذا.
وبعد: فأنا أشير إلى المعاني التي ذكرها المصنف معنى معنى منوطا به ما فيه من بحث وخلاف وأتبع ذلك بالمعنى الذي زاده الجماعة عليه: -

................................  أما الشك: فقد تقدم تمثيل المصنف له بقوله تعالى: قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ 1 قال ابن عصفور: وكذا إذا دخلت أداة الاستفهام على الفعل فقلت: أقام زيد أو عمرو لأنك إنما تسأل أوقع هذا القيام الذي ادعى أنه فعله أحد الشخصين وشك في فاعله أم لا 2. هذا كلامه ولم أتحققه، فإن هذا الكلام إنما يصدر من جاهل بحصول النسبة مستفهم هل حصل قيام من أحد المذكورين أولا بخلاف قولك: قام زيد أو عمرو فإنه جازم بحصول القيام ولكنه شاكّ في من نسب إليه.
وأما التفريق: فقد تقدم أن المراد به التقسيم وأنه يعبر عنه بالتنويع أيضا.
وقد عرفت أن المصنف يرى أن التعبير بالتفريق أولى من التعبير بالتقسيم معللا ذلك بأن استعمال الواو في ما هو تقسيم أجود من استعمال أو.
أقول: إن هذا لا يمنع إن يقال ان أو تكون للتقسيم على أن المصنف قد أنشد قول القائل: 3296 - فقالوا لنا ثنتان لا بدّ منهما... صدور رماح أشرعت أو سلاسل 3 وأو فيه للتقسيم بدليل قوله: ثنتان لا بد منهما، وقد قال هو في هذا البيت أنه من الجائي بأو كون الواو أولى وهذا منه اعتراف بأن أو للتقسيم.
وأما الإبهام: فقد مثل له المصنف بقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ 4 ومثل غيره بقوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى 5 فإنه تعالى يعلم أي ذلك كان.
وجعل ابن عصفور من ذلك قوله تعالى: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً 6 ولا يظهر في الآية الشريفة ما قاله، وإنما أو فيها للتقسيم أعني تقسيم الزمان الذي يأتي فيه ما يغير تلك البهجة التي اكتسبتها الأرض بمعنى أن الله تعالى إذا أتى أمره يتغير ذلك إما أن يأتي ليلا وإما أن يأتي نهارا وإذا كان كذلك فمن أين يجيء الإبهام.
وجعل ابن عصفور من الإبهام أيضا قول الشاعر وهو لبيد 7: -

................................  3297 - تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر 1 قال: فإنه من مضر وليس من ربيعة إلا أنه أبهم وكأنه قال: وهل أنا إلا من إحدى هاتين القبيلتين فسبيلي أن أفنى كما فنيا.
وكان الإبهام أبلغ في ما أراده من تعزية ابنتيه وتسليتهما لما فيه من تكثير المتأسي بهم بل لو زاد في الإبهام فقال: وهل أنا إلا من العرب أو من الناس لكان أبلغ في ما أراده.
وأما الإضراب فقد تقدمت الإشارة (إلى) 2 أن فيه خلافا، وتقدم استشهاد المصنف على مجيئها للإضراب بقراءة أبي السمال: (أو كلّما عاهدوا عهدا) وبقول الفراء في قوله تعالى: إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ 3 وبإثبات أبي عليّ لذلك كما نقله عنه ابن برهان في شرح اللمع [4/ 161]. وقال ابن عصفور في شرح الإيضاح: الإضراب ذكره سيبويه في النفي والنهي إذا أعدت العامل وذلك نحو قولك: لست بشرا أو لست عمرا وما أنت ببشر أو ما أنت بعمرو ولا تضرب زيدا أو لا تضرب عمرا أو في جميع ذلك للإضراب وكأنك قلت: لا بل لست عمرا بل ما أنت بعمرو ولا بل لا تضرب عمرا.
وإذا أردت لست واحدا منهما قلت: لست بشرا ولا عمرا أو لست بشرا أو عمرا وما أنت ببشر أو عمرو وكذلك إذا أردت لا تضرب واحدا منهما قلت: لا تضرب زيد ولا عمرا، ولا تضرب زيدا أو عمرا كما، قال تعالى جده: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً 4 أي لا تطع واحدا منهما.
قال سيبويه «ولو قلت: أو لا تطع كفورا لا نقلب المعنى 5. يعني إذا أعاد لا تطع يصير إضرابا كأنه ترك النهي عن اتباع الإثم وأضرب عنه ونهي عن طاعة الكفور فقط.
قال: وزعم بعض النحويين أنها تكون للإضراب على الإطلاق واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قالوا: -

................................  معناه بل يزيدون واحتجوا بما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال كانوا مائة ألف وبضعة وأربعين ألفا 1 وبقوله تعالى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً 2، وبقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ 3 قالوا المعنى بل هو أقرب واستدلوا أيضا بقول الشاعر: 3298 - بدت مثل قرن الشّمس في رونق الضّحى... وصورتها أو أنت في العين أملح 4 قالوا المعنى بل أنت في العين أملح.
قال: وهذا الذي ذهبوا إليه فاسد بدليل أنها لو وقعت في هذه المواضع موقع بل لجاز أن تقع ذلك الموقع في غيرها فكنت تقول: ضربت زيدا أو عمرا، وما ضربت زيدا أو عمرا على معنى بل، وذلك مردود عند جميع النحويين.
قال: وأيضا فإن أو في الآي التي استدلوا بها لا يمكن أن تكون بمعنى بل، لأن بل إذا أريد بالإضراب بها إبطال ما قبلها وإثبات ما بعدها لا تجيء إلا بعد غلط أو نسيان وذلك منفي عن الله تعالى، وإن جاء الإضراب بها في كتاب الله تعالى على جهة الإبطال لما قبلها والإثبات لما بعدها فإنما يجيء بعد كلام سيق من غيره والخطأ إذ ذاك إنما الحق كلام الأول.
قال: فأما أَوْ يَزِيدُونَ فأو فيه إما للإبهام على المخاطبين أو للشك وهو مصروف للمخاطبين أيضا.
وأما أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فأو فيه للشك أي إن من شاهدهم فرأى قله تأثير الزواجر فيهم تردد في تشبيه قلوبهم بالحجارة أو بما هو أشد صلابة منها كالحديد أو للتفصيل فصّل القلوب بعد أن ذكرها مجملة إلى ما يشبه الحجارة وإلى ما يشبه ما هو أشد صلابة منها كالحديد.
وأما أَوْ هُوَ أَقْرَبُ فأو فيه للإباحة وكأنه قيل: إن شبه أمر الساعة بلمح البصر أو أخبر عنه بأنه أقرب من ذلك أو جمع بين التشبيه بلمح البصر والإخبار بأنه أقرب من لمح البصر فذلك كله سائغ.
ثم قال: ووجه تشبيه الساعة بلمح البصر -

................................  وإن كان ما بيننا وبين الساعة هو أن كل ما يفنى يشبه بما لم يكن لأنه إذا فني بطل حكم وجوده ولذلك يقال: كأنك بالدنيا لم تكن، وما قبل الساعة من قبيل ما يفنى فصار أمر الساعة لذلك مشبها في القرب بلمح البصر ووجه الإخبار عنه بأنه أقرب من لمح البصر هو أن ما يأتي يشبه بما لم يزل؛ لأنه إذا أتى بطل حكم عدمه؛ ولذلك يقال: كأنك بالآخرة لم تزل، وأمر الساعة من قبيل ما يأتي فجعل كأنه موجود، وساغ لذلك أن يقال إنه أقرب من لمح البصر. قال: وأما قول الشاعر: 3299 - بدت مثل قرن الشّمس........... البيت فأو فيه للشك؛ لأن العرب قد تخرج التشبيه مخرج الشك إشعارا بإفراط الشبه، ومن ذلك قوله: 3300 - فيا ظبية الوعساء بين جلاجل... وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم 1 فعلى هذا يكون قد شكك نفسه هل هي مثل قرن الشمس أو أملح منه في العين ليمكن بذلك شبهها بالشمس 2. هذا آخر كلام ابن عصفور. وأقول: إن المصنف لم يدع أن أو للإضراب على الإطلاق. وإنما قال: إنها تكون للإضراب ونقل ذلك عن الفراء وابن برهان وأبي علي وأنشد في شرح الكافية قول جرير يخاطب هشام بن عبد الملك 3: 3301 - ماذا ترى في عيال قد برمت بهم... لم أحص عدّتهم إلّا بعدّاد كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية... لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي 4

................................  وابن عصفور قد اعترف بأنها تأتي للإضراب ونقل عن سيبويه ذلك أيضا 1. وحاصل الأمر أن أو إذا لم يكن لها معنى سوى الإضراب ولا مانع يمنع منه حمل الكلام عليه.
وأما التخيير: فقد مثل له المصنف بقوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ 2 ومن ذلك أيضا قوله تعالى: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ 3. وأما الإباحة: فنحو قولنا: جالس الحسن أو ابن سيرين أو صاحب الفقهاء أو النحاة.
وقد مثل لها المصنف كما عرفت بقوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ 4 الآية الشريفة، ومثله قوله تعالى: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ 5 إلى آخر الآية الشريفة.
قال ابن عصفور: لأن الأكل من بيوت كل صنف من هذه الأصناف على انفرادها أو مع غيرها جائز.
والذي يظهر: أن أو في هاتين الآيتين الشريفتين للتنويع أي التقسيم، والإباحة فيهما إنما هي مستفادة من الشرع الشريف.
والمقصود إنما هو ذكر الإباحة اللغوية أي التي تستفاد من الكلام [4/ 162] ثم قال ابن عصفور: ومثله قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ 6؛ لأن الحكم بالتحريم واقع على كل واحد مما سمي وحده ومع غيره.
قال: وسئل المزني صاحب الشافعي - رضي الله تعالى عنهما - عن رجل حلف فقال: «والله لا كلمت لا كوفيّا أو بصريّا» فكلم كوفيّا وبصريّا فقال: ما أراه إلا حانثا.
فانتهى إلى بعض أصحاب أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه -» فقال: أخطأ المزني وحالف الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ 7. وكل -

................................  ذلك مباح خارج بالاستثناء من التحريم.
وأما السنة فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لقد هممت ألّا أقبل هديّة إلّا من قرشيّ أو من ثقفيّ» 1 والمفهوم من ذلك أن القرشي أو الثقفي كانا جميعا مستثنين.
انتهى.
وتمثيله بهذه الآية الشريفة هنا وهي قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً إلى أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ 2 وذكره الاستدلال بقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ إلى أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ 3 يدل على أنه جعل معيار كون أو للإباحة أن ما ذكر قبلها وبعدها يجوز أن ينفرد كل عن الآخر إتيانا وتركا ويجوز أن يجتمع إتيانا وتركا أيضا.
لا يظهر كون أو للإباحة في هاتين الآيتين الشريفتين.
أما قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية، فلأن الإباحة المراد بها طلب الفعل لا طلب الترك.
وأما الآية الثانية فلأن الإباحة فيها إنما هي الإباحة الشرعية والكلام هنا إنما هو في الإباحة اللغوية.
والظاهر أن أو في الآيتين الشريفتين إنما هي للتنويع.
ففي الآية الأولى لتنويع ما حرم، وفي الآية الثانية لتنويع ما أبيح لهم أعني للذين هادوا.
ثم إن المصنف قال في شرح الكافية: وأكثر ورود الإباحة في تشبيه نحو: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً 4، وكَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ 5 أو تقدير نحو: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى 6، وإِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ 7 فلو جيء بالواو في مثل هذا لم يختلف المعنى 8. وبعد: فقد بقي الكلام على أمرين: أحدهما: الفرق بين التخيير بأو والإباحة بها.
أنه لا يجوز الجمع بين الشيئين في التخيير فلا يجوز أخذ الدرهم والدينار معا لمن قيل له: خذ درهما أو دينارا، وفي الإباحة يجوز الجمع فيجوز مجالسة الرجلين معا لمن قيل له جالس الحسن أو ابن سيرين.
ومن ثم يقال: التخيير إنما يكون فيما أصله المنع والإباحة إنما تكون فيما ليس -

................................  أصله المنع.
وأما قول المصنف في المتن مشيرا إلى أو: وتعاقب الواو في الإباحة كثيرا، وقوله في الشرح: ومن علامات التي للإباحة استحسان وقوع الواو موقعها.
ألا ترى أنه لو قيل: (ولا يبدين زينتهنّ إلّا لبعولتهنّ وآبائهنّ وآباء بعولتهنّ) لم يختلف المعنى، ومنه جالس الحسن وابن سيرين أي جالس الصنف المبارك الذي منهم الحسن أو ابن سيرين فلو جالسهما معا لم يخالف ما أبيح له، فغير ظاهر ولا دليل على ما ذكره.
وأما الآية الشريفة: فقد تقدم أن أو فيها للتنويع أي التقسيم.
ولا شك أن التقسيم يورد تارة بأو وتارة بالواو.
تقول: الكلمة اسم أو فعل أو حرف ولك أن تقول: الكلمة اسم وفعل وحرف.
ثم إن الإباحة في الآية الشريفة لم تستفد من الواو وإنما استفيدت من الشريعة المطهرة كما تقدم.
وأما جالس الحسن وابن سيرين فلا يلزم من جواز مجالستهما معا صحة وقوع الواو موقع أو، لأن مجالستهما إنما جازت لأنها لا مانع منها في الأصل بل مجالسة أهل العلم والدين مطلوبة ومراد القائل دلالة المأمور على الخير بأنه يجالس من هو متصف بصفات حميدة فكأنه قال: جالس هذا الصنف من الناس، وإنما أتى بأو كي لا يضيق عليه ويلزمه بمجالسة كليهما فقصد تخفيف الحال على المأمور وتيسيره، فإذا أتى المأمور بما فوق ذلك من النوع المقصود فقد أحسن حيث أتى بالمأمور به وزاد عليه.
أما لو قيل: جالس الحسن وابن سيرين وعطف بالواو لكان أمرا بمجالستهما معا.
وقد قال ابن عصفور: فإن قيل: فما الفرق بين أو التي للإباحة وبين الواو إذ يجوز الجمع بين الشيئين كما يجوز مع الواو، فالجواب أن الفرق بين أو التي للإباحة وبين الواو أنه لو قيل: جالس الحسن وابن سيرين لم يجز له مجالسة أحدهما دون الآخر، وإذا أتى بأو جاز له أن يجالس أحدهما وأن يجالسهما 1 معا (أو أن يجالسهما وغيرهما ممن هو مثلهما في الفضل).
الأمر الثاني: قال ابن عصفور: إذا نهيت عن المباح فإن النهي يستوجب جميع ما كان مباحا باتفاق من النحويين.
فإذا قلت لا تذكر إذا افتخرت عمرا أو زيدا أو خالدا فقد نهيت عن أن يذكروا واحد منهم وحده ومع غيره.
وكأنك قلت: -

................................  لا تذكر إذا افتخرت واحدا من هؤلاء، ومن هذا القبيل قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً 1 أي لا تطع واحدا منهما.
وإذا نهيت عما خيرت فيه فإن أبا الحسن ابن كيسان جوّز أن يكون النهي عن واحد، وأن يكون عن الجميع، فإذا قلت: لا تأخذ دينارا أو ثوبا جاز عنده أن يكون قد نهاه عن أحدهما، وأن يكون قد نهاه عن أخذ أحدهما على مقابلة الأمر؛ لأن الأمر كان بأخذ أحدهما، وكذلك إذا أدخلت النفي على كلام تكون أو فيه للشك نحو قولك: ما جاءني زيد أو عمرو.
ويجوز عنده أن يكون المنفيّ مجيء أحدهما وأن يكون المنفي مجيئهما 2. وذهب السيرافي إلى أن النهي والنفي يستوعبان الجميع 3 وهو الصحيح.
والدليل على ذلك أنك إذا خيرته فقلت: خذ دينارا أو ثوبا فقد أمرته بأخذ أحدهما وحظرت [4/ 173] الآخر عليه فإذا نهيته فقلت: لا تأخذ دينارا أو ثوبا فقد حظرت عليه الذي كنت أمرته بأخذه فصار الجميع محظورا، وأيضا فإن قولك: خذ دينارا أو ثوبا بمنزلة قولك: خذ أحدهما، فيلزم أن يكون النهي بمنزلة قولك: لا تأخذ واحدا منهما وأنت لو قلت: لا تأخذ واحدا منهما لكنت قد نهيته عن أخذهما معا؛ لأنه إذا أخذهما معا فقد أخذ أحدهما، وكذلك إذا قيل: جاء زيد أو عمرو، والقائل شاك، فمعناه جاء واحد منهما، فيلزم أن يكون النفي بمنزلة قولك: ما جاء أحدهما.
وإذا قال: ما جاء واحد منهما، فقد نفاهما جميعا، بدليل أنهما لو جاءا معا لكان قولك: ما جاء واحد منهما كاذبا 4. ثم أشار المصنف بقوله: وفي عطف المصاحب والمؤكد قليلا إلى أن أو تعاقب الواو في عطفها المصاحب والمؤكد كما عاقبتها في الإباحة، لكن المعاقبة في الإباحة كثير وفي عطف المذكورين قليل، وقد تقدم الاستشهاد على ذلك في كلام المصنف.
غير أني لم أفهم مقصوده بإيراده الآية الشريفة في عطف المؤكد، وهي قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً 5 وكذا البيت الذي أنشده وهو: -

................................  3302 - حواسر ممّا قد رأت فعيونها... تفيض بماء لا قليل ولا نزر 1 وأما كون أو بمعنى الواو في غير ما ذكره فلم يصرح به المصنف في هذا الكتاب ولكنه صرح به في بقية كتبه ففي الكافية والألفية: وربّما عاقبت الواو إذا... لم يلف ذو النّطق للبس منفذا 2 وقال في شرح الكافية: نبهت بقولي: وربما عاقبت الواو على أن أو قد تقع موضع الواو وذلك إذا أمن اللبس كقول الشاعر: 3303 - جاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر 3 وكقول الآخر: 3304 - قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم... ما بين ملجم مهره أو سافع 4 ومثله قول امرئ القيس: 3305 - فظلّ طهاة اللّحم من بين منضج... صفيف شواء أو قدير معجّل 5 ثم قال: ومن المواضع التي يتعاقب فيها أو والواو الإباحة نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين أي جالس الصنف الدين منهم الحسن وابن سيرين 6. فجعل معاقبتها الواو في الإباحة من صور معاقبتها إياها على الإطلاق، وكلامه في هذا الكتاب يعطي أن المعاقبة إنما تكون في الإباحة، وأنها قد تعاقب في عطف المصاحب والمؤكد.
وقال ابن عصفور: استدل القائلون بأن أو تستعمل بمعنى الواو بأشياء منها قوله تعالى: عُذْراً أَوْ نُذْراً 7، ولَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى 8 [و]-

................................  لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً 1، [و] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ 2، ومنها قول الشاعر: 3306 - [قالت ألا ليتما هذا الحمام] لنا... إلى حمامتنا أو نصفه فقد 3 ومنها قول الآخر: 3307 - فلو كان البكاء يردّ شيئا... بكيت على بجير أو عقاق على المرءين إذ هلكا جميعا... لشأنهما بشجو واشتياق 4 ثم أجاب عن ذلك بأن قال: فأما عُذْراً أَوْ نُذْراً 5 فأو فيه للتفصيل؛ لأنها فصلت الذكر إلى ما هو عذر أي حجة وإلى ما هو نذر أي تخويف.
وأما لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى 6، ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً فأو فيهما للإباحة؛ لأن المترجي طالب وقوع أحد الأمرين التذكر وهو التوبة أو الخشية والاتقاء لما في كل واحد منهما من الانكفاف عن الكفر أو مجموعهما؛ لأن ذلك أبلغ في الانكفاف، والترجي في الآيتين مصروف إلى البشر، وأما أَوْ كَصَيِّبٍ 7 فأو فيه للإباحة أيضا وكأنه قيل: شبّه مثل المنافقين بأحد هذين المثلين المضروبين لهما تكن مصيبا، وأما: أو نصفه فقد: فأو فيه للشك والتقدير: أو هذا الحمام ونصفه فحذف المعطوف عليه وحرف العطف وهو الواو.
وأما أو عقاق فأو فيه لإثبات أحد الشيئين في وقت دون وقت وكأنه قال: بكيت على بجير تارة وعلى عقاق أخرى 8. انتهى.
ولا يخفى ما في بعض هذا التخريج الذي ذكره ويمكن المنازعة فيه ولكن قد طال الكلام في مسألة أو، وهذا يؤدي إلى الملل.
وأما قوله: يوافق ولا بعد النهي والنفي فكلام لطيف يؤدي إلى المقصود بسهولة وبانضمامه إلى كلام ابن عصفور وتعليله المتقدم الذكر تصير المسألة في غاية الوضوح.
-

................................  ثم لك أن تقول: كلام ابن عصفور إنما هو في أو المفيدة للإباحة أو التخيير.
وكلام المصنف في الشرح يقتضي الإطلاق لقوله: وإذا وقع نهي أو نفي قبل أو كانت بمعنى الواو مردفة بلا فأطلق ولم يقيد.
أما كلامه في المتن فيمكن حمله على التي للإباحة والتخيير.
وذلك بأن تجعل الضمير الذي هو فاعل يوافق عائد على أقرب مذكور وهو أو التي للتخيير أو الإباحة.
على أن المصنف لم يصرح بالإباحة كما بالتخيير لكنه لما قال: وتعاقب الواو في الإباحة كثيرا علم منه أنها تكون للإباحة وكان الواجب أن يصرح بذكرها.
وأما المعنى الذي ذكره الجماعة ولم يذكره المصنف فهو التفصيل.
قال ابن عصفور: وهو أن تأتي بها عقب إجمال لتفصله بها ودلت نحو قولك: اجتمع القوم، فقالوا: حاربوا أو صالحوا أي قال بعضهم حاربوا وبعضهم صالحوا ومن ذلك قوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا 1 ألا ترى أن اليهود والنصارى جمعوا في أمر واحد حين أخبر عنهم بأنهم قالوا، ثم فصل بأو ما قالت اليهود [وما] قالت النصارى.
وقوله: قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ 2 فجمع القائلون في شيء واحد حين أخبر عنهم بأنهم قالوا ثم فصل بأو قول بعضهم من قول بعض فكأنه قيل: قال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم مجنون، ومن ذلك قول الشاعر: 3308 - كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة... إلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي 3 ألا ترى أن قوله: كلانا لفظ شامل له [4/ 164] ولإلفه وأن أو فصلت خبره من خبر إلفه وكأنه قال: بكى أحدنا وكاد يبكي الآخر، والباكي منهما هو إلفه بدليل قوله واستعجلت عبرة قبلي، وقول الآخر: 3309 - وتلاف قبل الفوت ثأري إنّه... علق بثوبي داهن أو ناعب 4 ألا ترى أن أو فصلت الثوبين وجعلت أحدهما لداهن والآخر لناعب وكأنه قال -

................................  فِيهِمْ حُسْناً 1، ومجيئها للإبهام كقولك وأنت عالم بمن لقيت: لقيت إما زيدا وإما عمرا، ومجيئها للتفريق المجرد كقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً 2 ومنه قول الراجز: 3312 - البس لكلّ حالة لبوسها... إمّا نعيمها وإمّا بوسها 3 وبنو تميم يقولون: قام أما زيد وأما عمرو بفتح الهمزة وبعضهم يفتح الهمزة ويبدل الميم التي تليها ياء، ومنه قول الشاعر: 3313 - يا ليتما أمّنا شالت نعامتها... أيما إلى جنّة أيما إلى نار 4 وقد يستغنى عن إما الأولى بإما الثانية كقول ذي الرمة: 3314 - وكيف بنفس كلّما قلت أشرفت... على البرء من حوصاء هيض اندمالها تهاض بدار قد تقادم عهدها... وإمّا بأموات ألمّ خيالها 5 وقد يستغنى عن الثانية بأو كقراءة أبيّ: (وإنّا أو إيّاكم إمّا على هدى أو في ضلال مبين) وكقول الأخطل: 3315 - وقد شفّني أن لا يزال يروعني... خيالك إمّا طارقا أو معاديا 6 وأنشد الفراء: 3316 - فقلت لهنّ امشين إمّا تلاقه... كما قال أو تشف النّفوس فتعذرا 7 وقد يستغنى عن وإما بـ «وإلا» كقول الشاعر: 3317 - فإمّا أن تكون أخي بحقّ... فأعرف منك غثّي من سميني

................................  وإلّا فاطّرحنى واتّخذني... عدوّا أتّقيك وتتقيني 1 وقد تحذف الواو التي قبل إما في الشعر كقول الراجز: 3318 - لا تفسدوا أبا لكم... إيما لنا إيما لكم (2) أراد إمّا لنا وإمّا لكم ففتح الهمزة وأبدل الميم التي تليها ياء وحذف الواو كما قال الشاعر: 3319 - يا ليتما أمّنا شالت نعامتها... إيما إلى جنّة إيما إلى نار 2 وأصل إما إن فزيدت عليها ما.
وقد يستغنى في الشعر بإن كقول الشاعر: 3320 - وقد كذبتك نفسك فاكذبنها... فإن جزعا وإن إجمال صبر 3 أراد فإما جزعا وإما إجمال صبر، ومثله في رأي سيبويه قول النمر: 3321 - سقته الرّواعد من صيف... وإن من خريف فلن يعدما 4 قال سيبويه: أراد إما من صيف وإما من خريف فحذف إما الأولى واقتصر على الثانية بعد حذف ما 5. وقال الأصمعي: إن شرطية والتقدير أو إن سقته من خريف فلن يعدم ريا.
وقال غيره: إن زائدة والتقدير سقته الرواعد من صيف ومن خريف 6. انتهى كلامه رحمه الله تعالى 7. والمعاني التي ذكرها لإما أربعة شك وتخيير وإبهام وتفريق.
ونقصه معنى خامس وهو الإباحة ولا شك أن الإباحة من معاني إما، وقد نص هو على ذلك في -

................................  الكافية 1 والألفية 2. وعلى هذا فالمعاني التي تفيدها إما خمسة.
وبالحقيقة إنما يستفاد أحد المعاني المذكورة من قرائن الكلام المستعمل فيه إما كما تقدم القول في أو، وإما إنما هي لأحد الشيئين أو الأشياء كما أن أو كذلك.
وذكر ابن عصفور من معانيها التفصيل وجعل منه قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً 3 قال: فصل بإما جنس الإنسان الذي هداه السبيل إلى شاكر وكفور.
وقد عرفت أن المصنف جعل إما في هذه الآية الشريفة للتفريق أي التقسيم وهو أظهر مما قال ابن عصفور.
ولكن ابن عصفور ذكر أن من ذلك أيضا قول الشاعر: 3322 - ولست بهاج في القرى أهل منزل... على زادهم أبكى وأبكي البواكيا فإمّا كرام موسرون أتيتهم... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا وإمّا كرام معسرون عذرتهم... وإمّا لئام فادّكرت حيائيا 4 قال: فصل بإما أهل المنزل الذي يأتيهم [4/ 165] إلى كرام موسرين يستغنى عما عندهم بما كفاه وكرام معسرين عذرهم ولئام ترك هجوهم؛ لأنه ادّكر حياء ما في السباب والهجو.
انتهى.
وأقول: لا يتعين في هذا الشعر كون أما للتفصيل، بل يجوز كونها للتفريق أي التقسيم.
ثم ليعلم أن أما مع موافقتها لأو قد فارقتها في شيء ذكره أبو علي الفارسي وهو أن إما تؤذن أن مبنى الكلام على الشك وأو قد يجوز فيها أن يكون المبنى قد -

................................  وقع على اليقين ثم أدرك الشك بعده 1. قال ابن عصفور: لولا هذا الفرق بين هاتين الكلمتين لكان القياس أن يستغنى بأو عنها؛ لأنها تعطي من المعاني كل ما تعطيه إما مع أنها أخصر منها من جهة أنها لا تكرر وإما لا تستعمل في فصيح الكلام إلا مكررة.
إلا أنه قال: كان الأحسن - يعني لأبي علي - أن يقول: إنها تؤذن أن مبنى الكلام على المعنى الذي جيء بها من أجله شكا كان أو غيره، وأو ليست كذلك إلا أنه اكتفى بذلك؛ لأنه قد علم أن ما يلزم فيه يلزم في سائر معانيها من جهة أن السبب في إفادتها أن مبني الكلام معها على الشك إنما هو تقدمها على المعطوف عليه وتقدمها عليه لازم بأي معنى كانت فلزم لذلك أن تكون مؤذنة بأن مبني الكلام على المعنى الذي جيء بها من أجله شكّا كان أو غيره.
انتهى.
وكما فارقت إما أو في ما ذكر فارقتها في ثلاثة أمور أخر: أحدها: أن أو عاطفة وإما ليست عاطفة.
الثاني: أن أو لا يلزم أن يكون مبنى الكلام فيها على أحد الشيئين وإما مبنى الكلام فيها على أحد الشيئين.
فإذا قلت: قام زيد أو عمرو احتمل أنك أردت الإخبار عن زيد وحده، ثم لما ذكر زيد عرض لك شكّ أو قصد إبهام فقلت: أو عمرو.
الثالث: أن إما يلزمها التكرير وأو لا يلزم فيها ذلك.
ثم قد تقدم في أول الباب ذكر الخلاف في كونها حرف عطف وأن المصنف لم يثبت لها العطف موافقة ليونس، وابن كيسان، وأبي علي، وتقدم ذكر استدلال المصنف على ذلك.
والحق أنها ليست عاطفة والخلاف بينهم إنما هو في إما الثانية.
أما إما الأولى في مثل قام إما زيد وإما عمرو فليست عاطفة إجماعا لأن حرف العطف لا يلي العامل، وقد استدل ابن عصفور على أنها ليست حرف عطف، وأطال 2. وفي ما تقدم من كلام المصنف في ذلك كفاية.

[من حروف العطف: بل، لكن، لا]

قال ابن مالك: (والمعطوف ببل مقرّر بعد تقرير نهي أو نفي صريح أو مؤوّل أو بعد إيجاب لمذكور موطّأ به، أو مردود أو مرجوع عنه وقد تكرّر «بل» رجوعا عن ما ولي المتقدمة أو تنبيها على رجحان ما ولي المتأخّرة وتزاد «لا» قبل «بل» لتأكيد التّقرير وغيره «ولكن» قبل المفرد بعد نهي أو نفي كـ «بل»، ويعطف بـ «لا» بعد أمر أو خبر مثبت أو نداء).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: معنى المقرر الممكن في ما يراد به من ثبوت نحو: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا 2، أو نفي نحو: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ 3 فما بعد بل مقرر على كل حال فإن كان قبلها نهي أو نفي فهي بين حكمين مقررين كقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ 4 وكقولك: لا تضرب خالدا بل بشرا، وما قام زيد بل عمرو.
فخالد قد قرر النهي عن ضربه وبشر قد قرر الأمر بضربه وزيد قد قرر نفي القيام عنه وعمرو قد قرر إثبات القيام له.
هذا هو الصحيح ولذلك لم يجز في ما بعد بل من نحو ما زيد قائما بل قاعد إلا الرفع لأن ما لا تعمل إلا في منفي.
ووافق المبرد في هذا الحكم وأجاز مع ذلك أن تكون بل ناقلة حكم النهي والنفي لما بعدها 5 وهو خلاف الواقع في كلام العرب كقول الشاعر: 3323 - لو اعتصمت بنا لم تعتصم بعدى... بل أولياء كفاة غير أوكال 6 وكقول الآخر: 3324 - وما أتيت إلى خور ولا كشف... ولا لئام غداة الرّوع أوزاع 3325 - بل ضاربين حبيك البيض إن لحقوا... شمّ العرانين عند الموت لذّاع 7

................................  وكقول الآخر: 3326 - لا تلق ضيفا وإن أملقت معتذرا... بعسرة بل غنيّ النّفس جذلانا 1 وحكم النفي المؤول حكم النفي الصريح نحو: زيد غير قائم.
بل قاعد ومنه قوله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ 39 بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً 2 ومثله أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 40 بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ 3 وإن كان ما قبل بل موجبا فما بعدها إما مقرر بعد مقرر على سبيل التوطئة كقوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا 4 وكقول عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه -: [ربّ إنّا كنّا على عمل النّار كالأنعام بل أضلّ سبيلا] 5، وإما مقرر بعد مردود كقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ 6 وكقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ 7 وإما مقرر بعد مرجوع عنه لكونه غلطا في اللفظ نحو: أنت عبدي بل سيدي، أو لكونه غلطا في الإدراك نحو: سمعت رغاء بل صهيلا، ولاح برق بل ضوء نار، أو لعروض نسيان نحو: له عليّ درهمان بل ثلاثة، أو لتبدل رأي نحو: ادع لي زيدا بل عمرا، وائتني بفرس بل بعير، واشتر لي زيتا بل سمنا.
وقد تكرر بل فيكون ما بعد المتقدمة مقصود الانتفاء كقوله تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ 8 فما بعد الأولى من الإخبار بالأضعاث مقصود الانتفاء لأنه مرجوع عنه، وكذا ما بعد الثانية.
وقد تكرر تنبيها على أولوية المتأخر بالقصد إليه والاعتماد [4/ 166] عليه مع ثبوت معنى ما قبله كقوله تعالى: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ 65 بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ 9. وتزاد «لا» قبل «بل» لتأكيد الإضراب عن الأول نحو: قام زيد لا بل عمرو، -

................................  وخذ هذا لا بل ذاك فلا في هذين المثالين زائدة لتأكيد الإضراب عن جعل الحكم الأول.
وكذا كل ما لا نهي فيه ولا نفي فلو وجد أحدهما قبل لا أفادت تأكيد تقريره ولم تقتض إضرابا نحو: ما قام زيد لا بل عمرو ولا تضرب خالدا لا بل بشرا.
فلا في هذين المثالين زائدة لتأكيد بقاء النهي والنفي.
ومن زيادة لا مع عدم النفي والنهي قول الشاعر: 3327 - وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أفول 1 ومثله: 3328 - وكأنّما اشتمل الضّجيع بريطة... لا بل تزيد وثارة وليانا 2 ومن زيادتها بعد النفي قول الشاعر: 3329 - وما سلوتك لا بل زادني شغفا... هجر وبعد تمادي لا إلى أجل 3 ومن زيادتها بعد النهي قول الشاعر: 3330 - لا تملّنّ طاعة الله لا بل... طاعة الله ما حييت استديما 4 والمعطوف بلكن مثبت مسبوق بنفي أو نهي نحو: ما وجدتني عادلا لكن عادرا فلا تكن لي خاذلا لكن ناصرا، ولو جعلت بل بدل لكن لم يختلف المعنى إلا أن بل لا يلزم أن يتقدم عليها نفي أو نهي ولا بد من أحدهما قبل لكن، فإن خلت منهما لزم أن يكون بعدها جملة مخالفة لما قبلها لفظا ومعنى أو معنى لا لفظا نحو: قام زيد لكن عمرو لم يقم وقام بشر لكن خالد قعد.
والمعطوف بلا منفي بعد أمر أو خبر مثبت أو نداء نحو: اضرب زيدا لا عمرا، وهذا محمد لا عمرو، ويا سالم لا سلمان.
وزعم ابن سعدان أن العطف بلا على منادى ليس في كلام العرب شاهد على استعماله 5 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 6.

................................  وأنا أذكر الآن ما يتعلق بكل من الأحرف الثلاثة حرفا حرفا.
أما بل: فلم يتعرض عند ذكرها إلى تفصيل الواقع بعدها بين أن يكون جملة أو مفردا.
والإشارة إلى ذلك متعينة فان الواقع بعدها جملة ليست بعاطفة وإنما هي لمجرد الإضراب وظاهر كلامه يقتضي بنسبة العطف إليها على الإطلاق.
ونصوص النحاة على أن بل إنما يعطف بها المفرد وكلامه في شرح الكافية يقتضي الإطلاق أيضا.
فإنه قال: وأما بل فإنها للإضراب وحالها فيه مختلف فإن كان الواقع بعدها جملة فهي للتنبيه على انتهاء غرض واستئناف غيره ولا تكون في القرآن العزيز إلا على هذا الوجه.
وإن وقع بعدها مفرد وليس قبله نفي ولا نهي فهي لإزالة حكم ما قبلها وجعله لما بعدها نحو: جاء زيد بل عمرو، وخذ هذا بل ذاك.
وإن كان قبل المفرد نفي أو نهي آذنت بتقرير حكمه وبجعل ضده لما بعده فزيد من قولك ما قام زيد بل عمرو قد قرر نفي قيامه وعمرو قد أثبت قيامه وخالد من قولك: لا تضرب خالدا بل بشرا قد قرر النهي عن ضربه وبشر قد أمر بضربه 1. انتهى.
وقوله: في ما وليت نفيا أو نهيا أنها آذت بتقرير حكمه وبجعل ضده لما بعده أصرح في المقصود من قوله - أنا أعني في متن الكتاب - أنه مقرر بعد تقرير نهي أو نفي لأنه وإن كان مقررا فلا يدري أهو مقرر الثبوت أم النفي.
ولهذا الذي قلته ذكر في الشرح الثبوت والنفي فقال: معنى المقرر الممكن في ما يراد به من ثبوت أو نفي.
على أن هذا الكلام غير واف بالمقصود لأنه وكّل أمر الثبوت والنفي إلى إرادة المتكلم.
والغرض أن بل إذا وليت نهيا أو نفيا أفادت إثبات ضد ذلك لما بعدها بالوضع فليس الأمر في ذلك موكولا إلى الإرادة.
ثم إن قوله في شرح الكافية أن بل إذا لم يكن قبلها نفي ولا نهي كانت لإزالة حكم ما قبلها وجعله لما بعدها لا يطابق قوله هنا: أو بعد إيجاب لمذكور موطأ به بل ربما يدافعه؛ لأنه إذا كان موطأ به كان حكمه ثابتا غير مزال.
وقد قال الإمام بدر الدين في شرح قول والده في الألفية: -

................................  وانقل بها للتّان حكم الأول... في الخبر المثبت والأمر الجلي أن بل بعد غير النفي والنهي لإزالة الحكم عما قبلها حتى كأنه مسكوت عنه وجعله لما بعدها 1 وقد أشكل عليّ هذا الموضع وتعذر عليّ الجمع بين ما قاله في التسهيل وما قاله في شرح الكافية وكذا ما قاله في الألفية.
والذي يظهر لي أن الذي ذكره في التسهيل من أنها تكون بعد إيجاب موطأ به ليس راجعا إلى بل العاطفة بل إلى بل التي لمجرد الإضراب، ويدل على ذلك أن المثال الذي مثل به لهذا الحكم وهو قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا 2 ليست بل فيه عاطفة لمجيء الجملة بعدها.
وكان المصنف ذكر أحكام ما يذكر قبل بل وبعدها على الإطلاق من غير تعرض إلى تفصيل الواقع بعدها ما هو.
وبعد... فأنا أورد كلام ابن عصفور على هذا الحرف فإنه أوضح من كلام المصنف.
قال رحمه الله تعالى ما ملخصه 3: بل إن وقع بعدها جملة كانت للإضراب عن الكلام الذي قبلها وإثبات الكلام الذي بعدها.
والإضراب قسمان: إضراب انتقال: وعبر هو عن الانتقال بالترك.
مثال إضراب الإبطال قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ 4، ومثال إضراب الانتقال قوله تعالى: وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ 62 بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا 5 قال: ولا تكون إذ ذاك عاطفة؛ لأن المتكلم أضرب عما قبلها واستأنف ما بعدها فصار ما قبلها [4/ 167] بالنظر إلى المعنى كأنه لم يذكر وكأنها هي أول الكلام الذي قصد إثباته.
وإن وقع بعدها مفر كانت عاطفة وتستعمل بعد الإيجاب والنفي والنهي فإن كانت بعد الإيجاب فإنما يؤتى بها لتدارك نسيان أو غلط.
فقائل: ضربت زيدا بل عمرا إنما أراد أن يقول: ضربت عمرا فغلط أو نسي فتدارك ببل.
وأما بعد النفي والنهي فإنما -

................................  يؤتى بها لإثبات ما نفي أو نهي عنه للثاني.
وخلاف المبرد في ذلك معروف 1 قال: ومستنده أن بل لا يتكلم بها إلا غالط.
قال: فإذا قلت: رأيت زيدا بل عمرا إنما أردت أن تقول: رأيت عمرا فغلطت فتداركت ببل وكذلك في النفي فإذا قلت: ما رأيت زيدا بل عمرا إنما أردت أن تقول: ما رأيت عمرا فغلطت فأضربت عن الجحد الأول واعتمدت في الجحد على الثاني.
ومع قول المبرد بهذا القول أجاز ما أوجبه الجماعة فقال: وقد تكون بمعنى لكن فيكون المعنى: بل رأيت عمرا.
ثم إن ابن عصفور أبطل ما أجازه المبرد بأن قال: بل حرف عطف وحرف العطف إنما ينوب من جهة المعنى مناب العامل فإذا قلت: ما قام زيد بل عمرو فينبغي أن يكون المعنى بل قام عمرو فتنوب بل مناب قام لأنه هو العامل في المعطوف عليه ولا يسوغ أن يكون المعنى بل ما قام عمرو لأن ما غير عاملة فلا يجوز أن تنوب بل منابها من جهة المعنى.
ثم أورد على هذا التعليل نحو: ما يقوم زيد وعمرو فإن معناه ما يقوم زيد وما يقوم عمرو فقد ناب حرف العطف مناب حرف النفي من جهة المعنى.
وأجاب عن ذلك بأن حرف العطف إنما ناب مناب الفعل وكأنك قلت: ما يقوم زيد ويقوم عمرو لكن يلزم أن يكون ذلك الفعل الذي ناب حرف العطف منابه منفيّا كما يلزم ذلك فيه إذا لفظت به بعد حرف العطف من جهة أنه إذ ذاك يكون معطوفا على الفعل المنفي الذي قبله بالواو وهي من الحروف المشتركة في اللفظ والمعنى ولا يلزم ذلك في العطف ببل؛ لأنها إنما تشرك في اللفظ لا في المعنى.
ثم ذكر ابن عصفور مسألة كأنه يعضد بتقريرها ما كره ردّا على المبرد.
وهي أن بل لا يعطف بها بعد الاستفهام فلا يقال: هل يقوم زيد بل عمرو لأنك إما أن تريد بل يقوم عمرو أو بل هل يقوم عمرو.
فلا يجوز أن يراد بل يقوم عمرو لأن إنما يستدرك بها للثاني ما أثبت للأول غلطا أو نسيانا أو ما نفي عنه.
والمستفهم لم يثبت لزيد قياما ولا نفاه عنه فيستدركه لعمرو، ولا يجوز أن يراد به: بل هل يقوم عمرو، لما ذكرناه من أن بل إنما تنوب من جهة المعنى مناب العامل في المعطوف عليه وأداة الاستفهام ليست بعاملة فيه فتنوب بل منابها.
قال: وكون العرب لم تعطف بها بعد الاستفهام دليل على بطلان ما ذهب إليه -

................................  المبرد 1. ثم قد علمت من كلام المصنف أن لا تزاد قبل بل لتأكيد الإضراب عن الأول إذا لم يكن قبلها نفي ولا نهي، وأنه إن وجد أحدهما قبل لا أفادت تأكيد تقريره ولم تقتض إضرابا نحو: ما قام زيد لا بل عمرو، وعلم منه أن لا تزاد قبل بل بعد النفي كما تزاد بعد الإيجاب.
وهذا هو المعمول به.
لكن نقل ابن عصفور عن ابن درستويه: أن لا تزاد قبل بل بعد الإيجاب وأنها لا تزاد بعد النفي 2. قال: لأنها حرف نفي فأغنى عنها تقدم النفي فتقول: ما جاءني زيد بل عمرو ليس إلا.
ولا شك أن الجماعة يجيبون عن هذا بأن لا في مثل هذا أتى بها توكيدا.
وأما لكن: فقد كان الواجب أن لا يذكرها المصنف لأن مختاره أنها ليست عاطفة فكيف يذكرها مع العواطف.
والعجب قوله في الشرح: والمعطوف بلكن.
أما عبارته في المتن فليس فيها تعرض إلى العطف وإنما تعرض إلى معناها فقال: ولكن قبل المفرد بعد نهي أو نفي كبل.
ومراده بذلك أن لكن إذا تقدمها نفي أو نهي وذكر بعدها مفرد كان الحكم المسلوب عما قبلها ثابتا لما هو بعدها ولكن حينئذ حرف استدراك فقط.
وقد تقدم من كلامه ما يعضد ذلك وهو قوله في أول الباب: فإن وليها مفرد معطوف فعطفه بواو قبلها لا يستغنى عنها إلا قبل جملة مصرح بجزئيها ولا بد قبل المفرد من الواو «ولو كانت لا يستغنى بها عن الواو كما استغنى ببل.
وغيرها» وإذا علم أن لكن عنده ليست عاطفة علم أنه إنما ذكرها هنا تبعا لذكر بل وذلك لموافقتها لها في ما تقدم ذكره.
وبعد: فأنا أورد ما ذكره الجماعة في لكن ليتبين ما وقعت فيه الموافقة والمخالفة لكلام المصنف، قال ابن عصفور في شرح الإيضاح: لا تكون لا عاطفة إلا إذا وقع بعدها مفرد ولا بد أن يتقدمها نفي أو نهي؛ لأنه نفي في المعنى ويكون المراد بها استدراك ذلك الفعل المنفي أو المنهي عنه لما بعدها.
فإذا قلت: ما ضربت زيدا ولكن عمرا فالمعنى ولكن ضربت عمرا وإذا قلت: -

................................  لا تضرب زيدا ولكن عمرا فالمعنى ولكن اضرب عمرا.
وإنما امتنع وقوعها بعد الإيجاب لأن ما بعدها لا بد أن يخالف ما قبلها لأن وضعها لذلك فيلزم أن يكون ما بعدها منفيّا إذا كان ما قبلها موجبا، والنفي في كلام العرب لا يكون إلا بأداة نفي.
وكما امتنع وقوعها بعد الإيجاب امتنع وقوعها بعد الاستفهام لأنها لاستدراك المنفي قبلها أو المنهي عنه لما بعدها والمستفهم لم ينف شيئا ولا أثبته [4/ 168] ولا نهى عن شيء ولا أمر به.
ولا تكون لكن عاطفة عند أكثر النحويين إلا إذا لم تدخل عليها الواو، فإذا دخلت عليها الواو كانت هي العاطفة عندهم وتخلصت لكن لمعنى الاستدراك.
واستعمال لكن إذا وقع بعدها المفرد لفظا وتقديرا بغير واو لم يسمع من كلام العرب، وإنما قاله النحويون بالقياس.
وذكر أبو علي عن يونس أنه كان ينكر أن يقال: ما ضربت زيدا لكن عمرا 1. قال: وموضع الإنكار أن نقول: إن هذا حرف كان يدخل قبل التخفيف على المبتدأ والخبر فينبغي أن يكون بعد التخفيف كذلك 2. ألا ترى أن سائر أخواتها كذلك.
وأطال ابن عصفور الكلام في ذلك ثم قال: والصحيح عندي ما ذكره يونس من أنها لا تستعمل إلا بالواو.
وأنشد أبياتا إلا أنه بعد ذلك قال: ولكن مع ذلك هي العاطفة والواو زائدة كما زيدت، ثم لما دخلت عليها الفاء في قول زهير: 3331 -........ فثمّ إذا أصبحت.... قال: وذلك لأن الواو تشرك لفظا ومعنى وما بعد لكن مخالف لما قبلها في المعنى فدل ذلك على أن لكن هي العاطفة وأن الواو زائدة مثلها في قول الشاعر: 3332 - ولمّا رأى الرّحمن أن ليس فيهم... رشيد ولا ناه أخاه عن الغدر وصبّ عليهم تغلب ابنه وائل... وكانوا عليهم مثل راعية البكر 3 يريد صب عليهم.
قال: وعلى ما ذكرته ينبغي أن يحمل مذهب سيبويه والأخفش لأنهما قالا إن لكن من حروف العطف فلما مثلا العطف بها مثّلاه بالواو -

................................  فدل ذلك على أن لكن هي العاطفة عندهما لا الواو.
انتهى.
وأما دعواه زيادة الواو مستدلا بأن الواو تشرك لفظا ومعنى وما بعد لكن مخالف لما قبلها فقد عرفت أن المصنف أشار إلى هذه المسألة وقال: الواجب أن يجعل ذلك من عطف الجمل ويضمر له عامل لأن الجملة المعطوفة بالواو يجوز كونها موافقة ومخالفة.
وقال في شرح الكافية: «وأما المعطوف بلكن فمحكوم له بالثبوت بعد نفي نحو: ما قام زيد لكن عمرو، أو بعد نهي نحو: لا تضرب زيدا لكن عمرا، فإن دخلت عليها الواو كقوله تعالى: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ 1 عريت لكن من العطف وقدر ما بعدها جملة معطوفة على ما قبلها بالواو؛ لأن بقاء لكن بعد الواو عاطفة ممتنع لامتناع دخول عاطف على عاطف وجعل الواو عاطفة وحدها مع كون ما بعد لكن مفردا ممنوع لمخالفته في الحكم للمعطوف عليه.
وحق المعطوف بالواو إن كان مفردا أن يستوي هو والمعطوف عليه في الحكم.
فإن كانا جملتين اغتفر تحالفهما في الحكم كقولك: قام زيد ولم يقم عمرو، واطع الله ولا تتبع الهوى» 2. انتهى.
ولا شك أن ما ذكره أولى مما ذكره ابن عصفور من زيادة الواو.
وأما جملة كلام سيبويه وتمثيله على هذا الذي اختاره فهو موقوف على أن سيبويه يجيز زيادة الواو 3 وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
ثم قد عرفت من كلام المصنف أن لكن لا يليها إلا جملة فإن صرح بجزأيها فلا كلام وقد تذكر الواو حينئذ وقد لا تذكر وإن كان الذي وليها مفرد قدر مفردا آخر ليصير ما بعدها جملة واقتضى كلامه أنه لا بد مع المفرد من ذكر الواو، أما من لكن عنده عاطفة وقد وليها مفرد فلا يقدر شيئا لأنها إنما يعطف بها المفرد كما أن بل كذلك إلا أن ابن أبي الربيع قال: الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنها عاطفة في المفردات والجمل وأنشد قول زهير: -

................................  3333 - إنّ ابن ورقاء لا تخشى بوادره... لكن وقائعه في الحرب تنتظر 1 ولم يقتصر على لكن بل عدّى الكلام إلى بل فقال: إنها تعطف المفردات والجمل.
وما قاله فيه نظر وهو مخالف لنصوص الجماعة.
ولما أنهى الشيخ الكلام على الخلافة في لكن قال: فتخلص فيها أقوال: أحدها: أنها ليست عاطفة وأن العطف للواو عطف مفرد على مفرد.
الثاني: كذلك إلّا أن العطف هو من باب عطف الجمل.
الثالث: أن العطف بها ولا يأتي بالواو.
الرابع: كذلك ولا بد من الواو وهي زائدة.
الخامس: التخيير بين أن يأتي بالواو وأن لا يأتي بها 2. انتهى.
والذي يقتضيه النظر أن لا مدخل لها في عطف الجمل وأنها إذا وليها مفرد والواو مذكورة فالعطف للواو وهي تفيد الاستدراك لا غير وإن لم تذكر الواو فلكن نفسها هي العاطفة بهذا إن كان مسموعا وإلا فالقياس لا يدفعه، وهذا الذي ذكرته ماش على القواعد وليس فيه مصادمة لشيء تقتضيه الصناعة النحوية.
بقي التنبيه على أمرين: أحدهما: أن اشتراط تقدم النفي أو النهي على لكن إنما يكون إذا وليها مفرد أما إذا وقع بعد لكن جملة فإنه يجوز أن يتقدمها إيجاب وغير إيجاب وإنما الشرط أن يكون بين ما قبلها وما بعدها منافاة.
وقد تقدم قول المصنف: ولا بد من النفي أو النهي قبل لكن فإن خلت منهما لزم أن يكون بعدها جملة مخالفة لما قبلها لفظا ومعنى أو معنى لا لفظا نحو قام زيد لكن عمرو لم يقم، وقام بشر لكن خالد قعد.
ثانيهما: قال ابن أبي الربيع: لا أعلم خلافا بين المتقدمين في أن معنى لكن الاستدراك إلا أني رأيت لابن الطراوة كلاما يقتضي أن لكن توجب للثاني ما نفي عن الأول، والاستدراك فيها باطل؛ لأن حقيقته أن تستدرك شيئا فاتك أولا وأنت إذا قلت: ما قام زيد لكن عمرو لم يفتك أولا شيء؛ لأن إخبارك بنفي القيام عن زيد صحيح ولم ينقص منه شيء فيستدرك بالثاني، وإنما جئت بعد لكن بخبر آخر -

................................  وهو إيجاب القيام لعمرو 1. وكان الأستاذ أبو علي ينفصل عن هذا بأن يقول: الكلام بلكن إنما يأتي جوابا لمن يقول [4/ 169] قام زيد فتقول له: ما قام زيد لكن عمرو فقصدك أن تخبر بنفي القيام عن زيد وتثبت أن هناك قياما فكأنك تقول له: أما القيام فحق وأما نسبته لزيد فباطلة إنما هو لعمرو.
فتقول: ما قام زيد فإذا قلته تحصل أن القيام منفي عن زيد وبقي عليك الإيجاب لعمرو.
فقولك بعد ذلك: لكن عمرو استدراك لما بقي عليك مما قصدت الإخبار به 2. وهذا الذي قاله الأستاذ أبو علي صحيح.
ومن نظر كلام العرب بأن له ذلك: قال: وكذلك الكلام في لا بد الاستدراك ببل فقد تأتي بل جوابا بمنزلة لكن يقول القائل: قام عمرو فتقول ما قام عمرو بل زيد على معنى لكن زيد.
انتهى.
وقوله: فقد تأتي بل جوابا بمنزلة لكن يوافقه قول المصنف المتقدم ولو جعلت بل بدل لكن لم يختلف المعنى إلا أن بل لا يلزم أن يتقدم عليها نفي أو نهي ولا بد من أحدهما قبل لكن.
وأما لا: فقد عرفت أن المصنف ذكر أنها يعطف بها بعد التحضيض والدعاء.
قال: لأنهما في معنى الأمر فيقال هل لا تضرب زيدا لا عمرا وغفر الله لزيد لا بكر.
ولما كانت لا تنفي عن التاني ما وجب للأول وجب لذلك أن لا يعطف بها إلا بعد الإيجاب فهي لكن، لأن لكن لا يعطف بها إلّا بعد النفي؛ لأنها توجب للثاني ما نفي عن الأول كما أن لا تنفي عن الثاني ما وجب للأول، وقد ذكروا لكون لا عاطفة شرطين: أن يكون المعطوف بها مفردا وأن يكون ما بعدها غير صالح لإطلاق ما قبلها.
والمراد بذلك ألا يصح إطلاق ما قبلها على ما بعدها ولا ما بعدها على ما قبلها.
وليس في عبارة المصنف تعرض لذكر هذين الشرطين، ولكن تمثيله بما مثل يشعر باشتراطهما.
وقال ابن عصفور 3: إلّا من حروف العطف إلا أنها لا يعطف بها الجمل التي لا موضع لها من الإعراب.
ولم يتحقق لي ذلك.
ومن الأمثلة التي ذكرها -

[ما لا يشترط وما يشترط في صحة العطف]

قال ابن مالك: (لا يشترط في صحّة العطف وقوع المعطوف موقع المعطوف عليه، ولا تقدير العامل بعد العاطف، بل يشترط صلاحيّة المعطوف، أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل).
ابن عصفور: زيد يقوم لا يقعد، وهذا رزق الله لا كدك، والصدق ينبئ عنك لا الوعيد، فكدك معطوف على الخبر، والوعيد معطوف على المبتدأ.
ولم يظهر لي أن المعطوف في هذين المثالين جملة.
وأما لا يقعد من قولك زيد يقوم لا يقعد فهو من عطف المفردات لا عطف الجمل.
ثم قال ابن عصفور: وزعم بعضهم 1 أن العطف بها بعد الماضي غير جائز.
ثم رد هذا القول 2. ولا شك أن الجمهور على خلافه، لأن الماضي ورد في الكتاب العزيز منفيّا بلا قال تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى 3، وقال: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ 4 ومن العطف بها بعد الماضي قول الشاعر: 3334 - كأنّ دثارا حلّقت بلبونه... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل 5 قال ناظر الجيش: قال المصنف 6: يجوز قام زيد وأنا وإن لم يصلح مباشرة قام لأنا لأنه بمعنى التاء المضمومة في قمت وزيد وكذا رأيت زيدا وإياك وإن لم تصلح مباشرة رأيت لإياك لأنه بمعنى الكاف في رأيتك وزيدا.
ويجوز رب رجل وأبيه وإن لم تصلح مباشرة رب لأبيه لأنه بمعنى رب أي رجل ورجل.
ويجوز الواهب المائة الهجان وعبدها وإن لم يصلح مباشرة الواهب لعبدها لأنه بمعنى الواهب عبد المائة والمائة.
ويجوز أن زيدا وأباه قائمان وإن لم يصلح أن يباشر إن أباه لأنه بمعنى أن أبا زيد وزيدا قائمان، ويجوز مررت برجل قائم أبواه -

................................  لا قاعدين وإن لم يصلح وقوع قاعدين موقع قائم؛ لأنه بمعنى لا قاعد أبواه أو لا قاعدهما، أو لأنه بمعنى لم يقعدا ويجوز أن زيدا قائم لا عمرا وإن لم يصلح تقديران بعد لا؛ لأن تقدير العامل بعد العاطف ليس شرطا بل هو ممتنع مع مواضع نحو: اختصم زيد وعمرو، ومن يأتني ويسلني أعطه، وعرقت ابني زيد عمرو.
فلو كان ما بعد العاطف لا يصلح لمباشرة العامل ولا هو بمعنى ما يصلح لمباشرته أضمر له عامل مدلول عليه بما قبل العاطف وجعل من عطف الجمل نحو قوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ 1 وفَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ 2، فـ «زوجك» و «ربك» مرفوعان «بليسكن» «وبليذهب» مضمرين مدلول عليهما ما باسكن واذهب.
والمحوج إلى هذا التقدير أن فعل الأمر لا يرفع إلا ضمير المأمور المخاطب.
لكنه وإن لم يكن صالحا لرفع غيره فهو صالح للدلالة على ما يرفعه.
ولو كان ما قبل العاطف فعلا مضارعا مفتتحا بالهمزة أو النون لفعل بعده من التقدير والإضمار ما فعل بعد الأمر نحو: لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ 3 فأنت مرفوع بفعل مضمر مدلول عليه بنخلفه، والتقدير ولا تخلفه أنت لأن نفعل وأفعل لا يرفعان إلا ضميري المتكلم.
وكذا لو كان الفعل مفتتحا بتاء الخطاب لعومل ما بعد العاطف الذي بعده بهذه المعاملة نحو: تقوم أنت وزيد.
وكذا لو كان مفتتحا بتاء المضارعة الدالة على التأنيث كقوله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ 4 أي ولا يضار مولود.
ولا بد من هذا [4/ 170] التقدير لأن الفعل المفتتح بتاء التأنيث لا يرفع إلا مؤنثا.
وكل ما استحقه المعطوف من التقدير المذكور مستحق في البدل نحو: ادخلوا أولكم وآخركم فيقدر قبلهما ليدخل؛ لأن ادخل لا يرفع إلّا ضمير المأمور المخاطب نص على هذا المعنى سيبويه 5 رحمه الله تعالى.
فإن جعل أولكم وآخركم بدلا فهو عامله من إبدال الجمل بعضها من بعض كما يقال في العطف.

................................  ومن المستحق لهذه المعاملة قول الشاعر: 3335 - نطوّف ما نطوّف ثمّ نأوي... ذوو الأموال منا والعديم إلى حفر أسافلهنّ جوف... وأعلاهنّ صفاح مّقيم 1 فذوو الأموال مرفوع بنأوي مضمرا مدلولا عليه بنأوي، لأن المضارع ذا النون لا يرفع إلا ضمير المتكلم وإن جعل ذوو الأموال والعديم توكيدا كما جعل على أحد الوجهين الظهر والبطن من قولهم: ضرب زيد الظهر والبطن جاز وكان العامل فيه نأوي كما يكون عاملا في كلنا إذا قيل: نأوي كلنا لأن التوكيد بمنزلة تكرير المؤكد.
هذا كلامه رحمه الله تعالى.
ونقله الشيخ عنه ولم يدفعه بشيء غير أنه قال: وما ذهب إليه من أنه إذا لم يصلح يعني المعطوف لمباشرة العامل ولا هو بمعنى ما يصلح لمباشرته أضمر له عامل مدلول عليه بما قبل العطف ويجعل من عطف الجمل - مخالف لما تظافرت عليه نصوص النحويين والمعربين من أن وَزَوْجُكَ (2) معطوف على الضمير المستكن في اسْكُنْ 2 وكذلك فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ 3. انتهى.
فلم ينازع المصنف في اشتراط صلاحية المعطوف أو ما بمعناه لمباشرة العامل وكأنه سلم له ذلك.
وإذا كان هذا الاشتراط مسلما وجب الاعتراف بتقدير عامل للمعطوف في الآيات الشريفة والأمثلة التي ذكرها.
وبعد: فللباحث في هذه المسألة أحد مسلكين: إما أن يقول: هذا الشرط الذي ذكر غير مسلم، ويقول: كما لا يشترط صحة وقوع المعطوف موقع المعطوف عليه لا يشترط صلاحية المعطوف لمباشرة العامل.
وإما أن يقول: كما اكتفى في صحة العطف بصلاحية ما هو بمعنى المعطوف للمباشرة هكذا يكتفي فيه بصلاحية المعطوف لمباشرة عامل يعطي معنى ذلك العامل ويؤكد هذا أن عدم صلاحية الاسم الظاهر لمباشرة أمر المخاطب مثلا ليس لأمر يرجع إلى المعنى إنما هو لأمر يرجع إلى الاستعمال فزيد في مثل قولنا: ادخل أنت وزيد إن -

[العطف على الضمير المتصل، والعطف على عاملين]

قال ابن مالك: (ويضعف العطف على ضمير الرّفع المتّصل ما لم يفصل بتوكيد أو غيره أو يفصل العاطف بـ «لا». وضمير النّصب المتّصل في العطف عليه كالظّاهر، ومثله في الحالين الضّميران المنفصلان. وإن عطف على ضمير جرّ اختير إعادة الجارّ، ولم تلزم وفاقا ليونس والأخفش والكوفيّين، وأجاز الأخفش العطف على عاملين إن كان أحدهما جارّا واتّصل المعطوف بالعاطف، أو انفصل بـ «لا» والأصحّ المنع مطلقا، وما أوهم الجواز فجرّه بحرف مدلول عليه بما قبل العاطف).  لم يصلح لمباشرة ادخل فإنه صالح لمباشرة ليدخل الذي هو بمعنى ادخل. فكانت صلاحية المعطوف في مثل ذلك لمباشرة عامل بمعنى العامل المذكور مسوغة لعطفه. وبهذا الذي قررته في العطف يتقرر الحال في البدل أيضا فلا يحتاج فيه إلى تقدير عامل. وكان الشيخ سلم ذلك في البدل فإنه قال: الفرق بين البدل والعطف أن البدل على نية تكرار العامل فهو من جملة أخرى ولا يمكن أن يقدر ادخل، لأن ادخل لا يرفع الظاهر فاضطر إلى تقدير ليدخل، وأما العطف فليس على تقدير العامل بدليل، اختصم زيد وعمرو 1. انتهى. وهذا الذي ذكره إنما يفيد عند القائل بأن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه، والمصنف لا يرى ذلك. وقد تقدم في باب البدل أن العامل في البدل والمبدل منه هو العامل المذكور، وأنه الصحيح، وأن ذلك مذهب سيبويه رحمه الله تعالى. قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: إن كان المعطوف عليه ضميرا متصلا مرفوعا فالجيد الكثير أن يؤكد قبل العطف بضمير منفصل كقوله تعالى: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ 3 أو بتوكيد إحاطي كقول الشاعر: 3336 - دعرتم أجمعون ومن يليكم... برؤيتنا وكنّا الظّافرينا 4

................................  أو يفصل بينه وبين العاطف بمفعول أو غيره كقوله تعالى: يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ 1 ويتناول غير المفعول التمييز كقول الشاعر: 3337 - ملئت رعبا وقوم كنت راجيهم... لمّا دهمتك من قومي بآساد 2 والنداء كقوله: 3338 - لقد نلت عبد الله وابنك غاية... من المجد من يظفر بها فاق سؤددا 3 ويقوم مقام فصل الضمير من العاطف الفصل بلا بين العاطف والمعطوف كقوله تعالى: ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا 4 ولا يمتنع العطف دون فصل كقول بعض العرب: مررت برجل سواء والعدم فعطف العدم دون فصل ودون ضرورة على ضمير الرفع المستتر في سواء، ومنه قول جرير: 3339 - ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه... ما لم يكن وأب له لينالا 5 وهذا فعل مختار غير مضطر لتمكن قائله من نصب أب على أن يكون مفعولا معه، ومثله قول ابن أبي ربيعة: 3340 - قلت إذ أقبلت وزهر تهادى... كنعاج الفلا تعسّفن رملا 6 فرفع زهرا عطفا على الضمير المستكن في أقبلت مع التمكن من جعله مفعولا [4/ 171] معه.
وأحسن ما يستشهد على هذا بقول عمر - رضي الله تعالى عنه - «وكنت وجار لي من الأنصار»، وقول علي - رضي الله تعالى عنه -: «كنت أسمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: قمت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر» أخرجهما البخاري في صحيحه 7. ونبهت بقولي: -

................................  وضمير النصب المتصل في العطف عليه كالظاهر على أن ضمير النصب المتصل يعطف عليه الظاهر وضمير النصب المنفصل كما يعطفان على الاسم الظاهر، فيقال: رأيته وإياك ورأيته وعمرا كما يقال: رأيت زيدا وإياك ورأيت زيدا وعمرا، وسكت عن عطفه تنبيها على أن حرف العطف لا يليه ضمير النصب بلفظ الاتصال بل بلفظ الانفصال.
وفي هذا رد على من زعم أن حرف العطف عامل في المعطوف إذ لو كان عاملا للزم كون ما وليه من ضمائر النصب بلفظ الاتصال كما يلزم ذلك مع أن وأخواتها.
والهاء من قولي: ومثله في الحالين عائدة على الظاهر.
والمراد بالحالين حالا عطفه والعطف عليه فنبهت بذلك على أن الضمير المنفصل منصوبا كان أو مرفوعا في عطفه والعطف عليه بمنزلة الظاهر فيقال: رأيت زيدا وإياك، وإياك وزيدا رأيت، وصاحباك زيد وأنا، وأنا وزيد صاحباك، كما يقال: رأيت زيدا وعمرا، وزيدا وعمرا رأيت، وصاحباك زيد وعمرو، وزيد وعمرو صاحباك.
وإذا كان المعطوف عليه ضمير جر أعيد الجار كقوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ 1 [و] وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ 2 ويُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ 3 وإعادته مختارة لا واجبة وفاقا ليونس والأخفش والكوفيين 4. وأجاز الفراء في «ما» من قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ 5 الرفع عطفا على اللَّهُ والجرّ عطفا على فِيهِنَّ 6 وأجاز عطف وَمَنْ لَسْتُمْ 7 على لَكُمْ فِيها مَعايِشَ 8. وللموجبين إعادة الجر حجتان: إحداهما: أن ضمير الجر شبيه بالتنوين ومعاقب له فلا يعطف عليه كما لا يعطف - - والتصريح (2/ 151) وشواهد التوضيح (ص 112) والهمع (2/ 138، 139).

................................  على التنوين.
الثانية: أن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يصلحا لحلول كل واحد منهما محل الآخر، وضمير الجر غير صالح لحلوله محل ما يعطف عليه فامتنع العطف عليه إلّا مع إعادة الجار.
وفي الحجتين من الضعف ما لا يخفى؛ لأن شبه ضمير الجر بالتنوين لو منع من العطف عليه بلا إعادة الجار لمنع منه مع الإعادة لأن التنوين لا يعطف عليه بوجه، ولأنه لو منع من العطف عليه لمنع من توكيده والإبدال منه، لأن التنوين لا يؤكد ولا يبدل منه وضمير الجر يؤكد ويبدل منه بإجماع.
فللعطف أسوة بهما.
فقد تبين ضعف الحجة الأولى.
وأما الثانية: فيدل على ضعفها أنه لو كان حلول كلّ واحد من المعطوف والمعطوف عليه شرط في صحة العطف لم يجز: ربّ رجل وأخيه، ولا أي فتى هيجا أنت وجارها، ولا كل شاة وسلحتها بدرهم، ولا الواهب المائة الهجان وعبدها... وأمثال ذلك كثيرة.
فكما لم يمتنع فيها العطف لا يمتنع في نحو: مررت بك وزيد، وإذا بطل كون ما تعلقوا به مانعا وجب الاعتراف بصحة الجواز.
ومن مؤيدات الجواز قوله تعالى: وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ 1 فجر المسجد بالعطف على الهاء لا بالعطف على سَبِيلِ 2 لاستلزامه العطف على المصدر قبل تمام صلته لأن المعطوف على (جزء) الصلة داخل في الصلة.
وتوقي هذا المحذور حمل أبا علي الشلوبين على موافقة يونس، والأخفش، والكوفيين في هذه المسألة 3. ومن مؤيدات الجواز قراءة حمزة تسائلون به والأرحام 4، وهي أيضا قراءة ابن عباس، والحسن، وأبي رزين 5، ومجاهد، -

................................  وقتادة 1، والنخعي 2 والأعمش، ويحيى بن ثابت 3. ومثل هذه القراءة ما روى البخاري في باب الإجارة إلى العصر من قوله عليه الصلاة والسّلام: «إنّما مثلكم واليهود والنّصارى» بالجر 4، وقول بعض العرب ما فيها غيره وفرسه.
ومن الشواهد الشعرية ما أنشده سيبويه من قول الشاعر: 3341 - فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا... فاذهب فما بك والأيّام من عجب 5 وأنشد أيضا: 3342 - آبك أيّه بي أو مصدّر... من حمر الجلّة جأب حشور 6 وأنشد الفراء: 3343 - نعلّق في مثل السّواري سيوفنا... وما بينها والكعب غوط نفانف 7 وأنشد الفراء أيضا: 3344 - هلّا سألت بذي الجماجم عنهم... وأبي نعيم ذي اللواء المحرق 8 ومن الشواهد الشعرية قول العباس بن مرداس 9 رحمه الله تعالى: -

................................  3345 - أكرّ على الكتيبة لا أبالي... أحتفي كان فيها أم سواها 1 ومنها قول رجل من طيّئ: 3346 - إذا بنا بل بنينا أتّقت فئة... صلّت مؤمّنة ممّن يعاديها 2 وله أيضا: 3347 - بنا أبدا لا غيرنا يدرك المنى... وتكشف غمّاء الخطوب الفوادح 3 ومنها قول الآخر: 3348 - إذا أوقدوا نارا لحرب عدوّهم... فقد حاب من يصلى بها وسعيرها 4 ومنها قول الآخر: 3349 - لو كان لي وزهير ثالث وردت... من الحمام عدانا شرّ مورود 5 وأجمعوا على منع العطف على عاملين إن لم يكن أحدهما جارّا وكذا إن كان أحدهما جارّا وفصل المعطوف من العاطف عليهما نحو: في الدار زيد والحجرة عمرو والخيل لخالد وسعيد الإبل، ووهبت لأبيك دينارا وأخيك درهما، ومررت بعمرو راكبا وعمار ماشيا، والفصل بلا مغتفر نحو: ما في الدار (زيد) ولا الحجرة عمرو 6. والصور الموافقة لما أجاز الأخفش كثيرة.
وفي قوله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ [4/ 172] مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 4 وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 7 كفاية.
وقد ذكرت منها في باب حروف الجر جملة، وبينت أن الوجه في استعمالها أن -

................................  يجعل الجر بعد العاطف بحرف محذوف مماثل لما تقدم. وحذف ما دل عليه دليل من حروف الجر وغيرها مجمع على جوازه فالجمل عليه أولى من العطف على عاملين فانه مختلف فيه، والأكثر على منعه وموافقة الأكثر أولى. وأيضا فإن العطف على عاملين بمنزلة تعديتين بمعد واحد فلا يجوز كما لا يجوز ما هو بمنزلته 1. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ولنتبعه بذكر أمور: منها: أن المغاربة لا يرون العطف على الضمير المرفوع المتصل دون تأكيد ولا فصل ضعيفا كما قال المصنف بل قبيحا. حتى قال ابن عصفور أنه لا يكون إلا في الضرورة 2. وفي شرح الشيخ: وقد نص على قبحه سيبويه والخليل 3. لكن في الشرح المذكور أيضا، وفي كتاب سيبويه ما يشعر بالجواز. قال سيبويه حين ذكر انفصال بعض الضمائر: وكذلك: كنا وأنتم ذاهبين 4. قال: إلا أن الشرّاح تأولوا ذلك 5. انتهى. وأنت قد عرفت ما استدل به المصنف ويكفي حديث البخاري. ولا شك أن كلام من حفظ حجة على كلام من لم يحفظ على أن الأمر في ذلك قريب. وقد أنشد الشيخ في شرحه شاهدا على ذلك أيضا قول الشاعر: 3350 - فلمّا لحقنا والجياد عشيّة... دعوا يا لبكر وانتمينا لعامر 6 وقول الآخر: 3351 - ولمّا توافقنا وقيس بن عاصم... مررن إلى العلياء وأودين بالنّهب 7

جارٍ التحميل