الباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعل
................................ واعلم أنّ من لغته أن يقدم على الفاعل علامة تثنية وجمع، فيقول: مررت برجلين حسنا غلامهما، وبرجال حسنوا غلمانهم، فإنه يقول: مررت برجلين حسنين غلاماهما، وبرجال حسنين غلمانهم، وإلى هذا أشار بقوله: وتجمع جمع المذكر السالم على لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة» 1، وأشار بقوله: وقد تعامل غير الرافعة إلى آخره؛ إلى أنّ الصفة إذا كان معناها لسببيّ موصوفها ولم ترفعه كان معمولها مقرونا بـ «أل» وقد يعامل معاملتها إذا رفعته - في عدم المطابقة لما قبلها - فيقال: مررت برجل حسنة العين، كما يقال: حسنة عينه. قال المصنف 2: حكى ذلك الفراء في سورة ص وَالْقُرْآنِ 3. قال 4: والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة فيقولون: مررت برجل حسنة العين، قبيح الأنف، والمعنى: حسنة عينه، قبيح أنفه 5، قال المصنف: فعلى هذا يقال: مررت برجل حسان الغلمان، وبرجل كريمة الأم، وبامرأة كرام الآباء، وكريم الأب، كما يقال: مررت برجل حسان غلمانه، وبرجل كريمة أمه، وبامرأة كرام آباؤها، وكريم أبوها، ومنه قول الشاعر: 2253 - أيا ليلة خرس الدّجاج 6 شهدتها... ببغداد ما كادت عن الصّبح تنجلي 7
................................ فقال: خرس الدجاج، كما يقال: خرس دجاجها. ومثله قول الآخر: 2254 - فناجت به غرّ الثّنايا مفلجا... وسيما جلا عنه الظّلال موشّما 1 أراد: فما غرّ الثنية، فجمع مع الألف واللّام، كما يجمع مع الضمير إذا قيل: فناجت به فما غرّا ثناياه. ومثله قول الآخر في وصف عقاب يأوي إلى قبّة: 2255 - حجن المخالب لا يغتاله الشّبع 2 فقال: حجن المخالب كما كان يقول: حجن مخالبها، ثم بدأ، بعد هذا أراد المصنف أن يستدلّ على مجيء «أل» خلفا من الضمير في غير باب الصفة المشبهة فقال 3: ومن وقوع الألف واللام خلفا عن الضمير في غير هذا الباب قول الله تعالى: فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى 4، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى 5، ومنه قول الأعشى: 2256 - وأمّا إذا ركبوا فالوجو... هـ في الرّوع من صدأ البيض حمّ 6
................................
أي: فوجوههم 1، وقول الآخر:
2257 - ولكن نرى أقدامنا في نعالكم... وآنفنا بين اللّحى والحواجب 2
أي: بين لحاكم، وقول ذي الرمّة:
2258 - تخلّلن أبواب الخدور بأعين... غرابيب والألوان بيض نواصع 3
أي: وألوانهنّ.
قال: وقد سوّى سيبويه بين: ضرب زيد ظهره وبطنه، وضرب زيد الظهر والبطن، وبين: مطرنا سهلنا وجبلنا، ومطرنا السهل والجبل 4 فالظاهر من قوله أنه موافق لقول - - والشاهد فيه قوله: «فالوجوه»؛ حيث وقعت «أل» خلفا من الضمير، والتقدير: وجوههم، وهذا في غير باب الصفة المشبهة.
ينظر الشاهد في: شرح المصنف (3/ 102)، والتذييل والتكميل (4/ 902)، واللسان «حمم».
................................
الفراء 1، وليس هذا على تقدير «منه»؛ إذ لو كان كذلك لاستوى وجود الألف واللام وعدمها، كما استويا في مثل: البر الكر 2 بستين، فكان يجوز أن يقال: ضرب زيد ظهر وبطن، ومطرنا سهل وجبل، كما جاز أن يقال: البرّ كرّ بستّين، والسمن منوان بدرهم؛ لأنّ البعضية مفهومة مع عدم الألف واللام، كما هي مفهومة مع وجودهما.
ومن الاستغناء عن الضمير بالألف واللام قوله تعالى: مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ 3 أي: مفتحة لهم أبوابها 4. انتهى.
وقال الشيخ: وهذه نزعة كوفية 5.
وتقدم الردّ على هذه المذاهب وقد تأول الفارسيّ قوله: «خرس الدجاج»؛ على أنّ الليلة لطولها كالجمع، فكأنّ كلّ جزء ليلة 6، كقولهم: [3/ 160] ثوب أخلاق 7، ويحكى عن الأصمعي أنّ العرب تقول: ليلة خرس 8؛ إذا لم يسمع فيها صوت، ثم خفّف بسكون العين، فهو مفرد وصف به مفرد 9. انتهى.
والأدلة التي أوردها المصنف دالة على صحّة هذا الاستعمال فوجب القبول، على أنّ الشيخ حكى في ذلك خلافا بين النحويين 10، ثمّ قال: وينبغي ألّا يمنع ذلك، لكن في القياس على ما سمع منه نظر.
[ردّ الصّفة المشبّهة إلى اسم الفاعل]
قال ابن مالك: (وإذا قصد استقبال المصوغة من ثلاثيّ على غير فاعل ردّت إليه ما لم يقدّر الوقوع، وإن قصد ثبوت معنى اسم الفاعل عومل معاملة الصّفة المشبّهة، ولو كان من متعدّ إن أمن اللبس، وفاقا للفارسيّ، والأصحّ أن يجعل اسم مفعول المتعدّي إلى واحد من هذا الباب مطلقا، وقد يفعل ذلك بجامد لتأوّله بمشتقّ، ولا تعمل الصّفة
المشبهّة في أجنبيّ محض، ولا تؤخّر عن منصوبها).
قال ناظر الجيش: هذا الكلام مشتمل على خمس مسائل:
الأولى:
أنه إذا كانت الصفة المشبهة مصوغة من فعل ثلاثيّ، وهي على غير زنة فاعل، كـ: شريف، وشجاع، وحسن، وفرح، وما أشبهها، وقصد استعمال معناها حولت إلى وزن فاعل، فتقول: شارف، وشاجع، وحاسن، وفارح، ومقتضى كلام المصنّف أنّه لا يجوز التحويل إلى صيغة فاعل إلّا إذا قصد الاستقبال، وقال - في الشرح -: قال الفراء 1: العرب تقول - لمن لم يمت -: إنك مائت عن قليل، ولا يقولون - لمن قد مات -: هذا مائت، وإنّما يقال في الاستقبال، وكذا يقال: هذا سيد قومه، فإذا أخبرت أنه سيسودهم قلت: هذا سائد قومه عن قليل، وكذا الشريف والمطمع وأشباههما إذا قصد بهما الاستقبال صيغت إلى «فاعل» 2. انتهى.
فوقف المصنف مع ظاهر قول الفراء في شرط الاستقبال، وقال الإمام بدر الدّين - في شرح الألفية - 3: إذا قصد بالصفة المشبهة معنى الحدوث حولت إلى بناء اسم الفاعل، واستعملت كلّ استعماله، كقولك: زيد فارح أمس، وجازع غدا، -
................................
وقال الشّاعر:
2259 - وما أنا من زرء وإن جلّ جازع... ولا بسرور بعد موتك فارح 1
فلم يقيد ذلك باستقبال ولا غيره، قال المصنف - بعد كلامه المتقدم -: «ومن هذا الردّ - يعني ردّ غير فاعل إلى فاعل - قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ 2، وعلى هذا المعنى قراءة بعض السلف:
(إنك مائت وإنهم مائتون) 3 والمعنى - على قراءة الجماعة - إنك وإياهم، وإن كنتم أحياء فأنتم في عداد الموتى؛ لأنّ ما هو كائن فكأنّه قد كان 4، وعلى هذا نبّهت بقولي: (ما لم يقدّر الوقوع) 5». انتهى.
يعني أنه إذا قصد الاستقبال ردّت إلى صيغة فاعل ما لم يقدر الوقوع فإن الصفة لا تردّ، كما في: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ 6، ثمّ قال 7: ومن الردّ إلى «فاعل» بقصد الاستقبال قول الحكم بن صخر: -
................................ 2260 - أرى النّاس مثل السّفر والموت منهل... له كلّ يوم وارد ثمّ وارد إلى حيث يشقي الله من كان شاقيا... ويسعد من في علمه هو ساعد 1 ومثله قول قيس بن العيزارة: 2261 - فقلت لهم شاء رغيب وجامل... فكلّكم من ذلك المال شابع 2 المسألة الثانية: أنه إذا قصد معنى اسم الفاعل عومل معاملة الصفة المشبهة، وهذه كأنها عكس المسألة الأولى؛ لأنه في الأولى إذا لم يقصد الثبوت تحول الصيغة إلى صيغة «فاعل»، وتعامل معاملته، إمّا مع قصد الاستقبال، أو مطلقا، على ما تقدّم من كلام المصنف وولده في الثانية، يقصد بالصيغة الدالة على الحدوث معنى الثبوت، فيترتب على ذلك أحكام الصفة المشبهة، فعلى هذا إذا قصد ثبوت معنى اسم الفاعل ساغت إضافته إلى ما هو فاعل في المعنى، ونصبه إياه على التمييز إن كان نكرة، وعلى التشبيه به إن كان معرفة، فتقول: زيد قائم الأب، وقائم الأب، وقائم أبا، قال ابن رواحة: 2262 - تباركت إنّي من عذابك خائف... وإنّي إليك تائب النّفس ضارع 3
................................
وقال رجل من طيئ:
2263 - ومن يك منحلّ العزائم تابعا... هواه فإنّ الرّشد منه بعيد 1
هذا إذا كان متعديا فقد جوز المصنف فيه ذلك أيضا، بشرط السلامة من اللبس، قال: فيقال: زيد ظالم العبيد خاذلهم، وراحم الأبناء ناصرهم، إذا كان له عبيد ظالمون خاذلون، ثمّ قال: قال أبو عليّ في التذكرة: من قال: زيد الحسن عينين؛ فلا بأس أن يقول: زيد الضارب أبوين، والضارب الأبوين، والضارب الأبوان، والأبوان فاعل على قولك: الحسن الوجه، ومثله: الضارب الرجل، إذا أردت الضارب رجله 2.
قال المصنف: هكذا قال أبو عليّ، ولم يقيد بأمن اللّبس، والأصحّ 3 أن جواز ذلك متوقف على أمن اللبس، إلّا أنه قال: ويكثر أمن اللبس في اسم فاعل غير المتعدي.
انتهى.
فدلّ هذا الكلام منه على أن قوله - في المتن -: إن أمن اللبس، لا يرجع إلى المتعدي فقط، بل إلى اسم الفاعل مطلقا، ولا يتصور لي وجود اللبس في اللازم؛ لأنّ اللبس إنما جاز حصوله في المتعدّي لأن له منصوبا، فربما يظنّ أنّ المعمول المقرون به هو مفعوله الأصلي، إذا لم يكن قرينة تبين أنه غيره، وأما اللازم فلا يتأتّى فيه ذلك، وأنشد المصنف شاهدا على المصوغ من متعدّ: - - والشاهد فيه - هنا -: «تائب النفس ضارع»؛ حيث قصد ثبوت معنى اسم الفاعل، ولذلك يعامل معاملة الصفة المشبهة حيث أمن اللبس؛ لأن اسم الفاعل فيهما مصوغ من غير المتعدي، فيضاف اسم الفاعل - هنا - إلى ما هو فاعل في المعنى، أو ينصب على التشبيه به؛ لأنه معرفة، ولو كان نكرة نصب على التمييز.
................................
2264 - ما الرّاحم القلب ظلّاما وإن ظلما... ولا الكريم بمنّاع وإن حرما 1
فقال الشيخ 2: عبارة المصنف في المتعدّي مطلقة، والقول في ذلك: إنّه إن تعدّى بنفسه إلى أكثر من واحد فلا
خلاف أنّه لا يجوز تشبيهه، فإذا قلت: مررت برجل معطى أبوه درهما، أو معلم أبوه زيدا قائما؛ لا يجوز: معطى الأب درهما، ولا: معلم الأب زيدا قائما، وإن تعدّى [3/ 161] لواحد بحرف جر فجوزه الأخفش، وصححه ابن عصفور 3، فتقول: مررت برجل بارّ الأب بزيد، بنصب «الأب» أو بجرّه، ويستدل بقولهم: هو حديث عهد بالوجع 4، فـ «الوجع» متعلق بـ (حديث) وهو صفة مشبهة، ومنع ذلك الجمهور فقالوا:
«بالوجع» متعلق بـ (عهد) لا بالصفة 5.
وإن تعدّى إلى واحد بنفسه فمنعه الأكثرون 6، وأجازته طائفة، وفصل آخرون، فقالوا: إن حذف المفعول اقتصارا جاز، وإلّا لم يجز، وهو اختيار ابن عصفور، وابن أبي الربيع، قال: وهو تفضيل حسن؛ لأنه إن لم يحذف المفعول، أو حذف اختصارا فهو كالمثبت، فيكون الوصف - إذ ذاك - مختلف التعدّي والتشبيه، وهو واحد، وذلك لا يجوز 7. انتهى.
وتمثيل المصنف، والمثال الذي ذكره عن أبي عليّ والبيت الذي أنشده يشعر بأنه لا يجوز إلا فيما تعدّى إلى واحد بنفسه، وقد حذف اقتصارا، ونقل الشيخ عن الصّفار أنه أنشد: -
................................
2265 - الحزن بابا والعقور كلبا 1
وقال: هو من: عقر الرجل غيره، وعقر كلبه غيره فتكون الصفة متعدية، وحذف مفعولها رأسا، ولم يرد، ثم شبهت، ولا خلاف في تشبيه هذا، وإنّما الخلاف فيما يتعدّى عند ذكر مفعوله 2.
المسألة الثالثة:
أنّ اسم مفعول الفعل المتعدّي إلى واحد يصحّ أن يجعل من هذا الباب، وعنى بقوله: مطلقا أنه يرفع السببيّ، وينصبه، ويجرّه، بشروطه المعتبرة على ما تقرر في غير اسم المفعول، فيجيء فيه ما هو قويّ وما هو ضعيف.
قال المصنف 3: وأقل مسائل الصفة استعمالا نحو: حسن وجهه، وحسن وجهه، وحسن وجه، ولها مع ذلك تطابق في مسائل اسم المفعول ونظير حسن وجهه قول الشاعر:
2266 - تمنى لقاي الجون مغرور نفسه...... البيت المتقدم الإنشاد
ونظير «حسن وجهه» قول الآخر:
2267 - لو صنت طرفك لم ترع بصفاتها... لمّا بدت مجلوّة وجناتها 4
ونظير «حسن وجه» قول الآخر:
2268 - بثوب ودينار وشاة ودرهم... فهل أنت مرفوع بما ههنا رأس 5
قال الشيخ: قول المصنّف: (والأصح) يدلّ على خلاف في المسألة، ولا نعلم أحدا منعها 6. -
................................
المسألة الرابعة:
أنه قد يؤول الجامد بمشتقّ، فيعامل معاملة الصفة المشبهة، فيقال: وردنا منهلا عسلا ماؤه، أو عسل الماء، ونزلنا بقوم أسد أنصارهم، وأسد الأنصار، ومررنا بحيّ أقمار نساؤهم، وأقمار النساء، على تأويل «عسل» بـ «حلو»، و «أسد» بـ «شجعان»، و «أقمار» بـ «حسان» 1 ومنه قول الشاعر:
2269 - فراشة الحلم فرعون العذاب... وإن تطلب نداه فكلب دونه كلب 2
فعامل «فراشة» و «فرعون» معاملة «طائش» و «مهلك» ومثله قول الآخر:
2270 - فلولا الله والمهر المفدّى... لأبت وأنت غربال الإهاب 3
فعامل «غربال» معاملة «مثقب».
قال المصنف: وأكثر ما يجيء هذا الاستعمال في أسماء النسب، كقولك:
مررت برجل هاشميّ أبوه، تميمة أمّه، وإن أضفت قلت: هاشميّ الأب، تميميّ -
................................
الأمّ، وكذلك ما أشبهه 1.
المسألة الخامسة:
أنّ معمول الصفة لا يكون أجنبيّا محضا، وأنّ منصوبها لا يتقدم عليها، وقد تقدم الكلام على هذين الحكمين في أوائل الباب، على أنّ المصنف لم يتعرض إلى شرح ذلك، ولا الشيخ أيضا، إما لوضوحه، وإما لأنه غير ثابت في الأصل.
وختم الشيخ الباب بمسألة: وهي: أنهم اختلفوا في تشبيه الفعل اللازم بالفعل المتعدّي كما شبّه وصفه بوصفه، فأجاز ذلك بعض المتأخرين، فتقول: زيد تفقأ الشحم، أصله: تفقأ شحمه 2؛ فأضمرت في «تفقأ»، ونصبت «الشحم»؛ تشبيها بالمفعول به، واستدل بما روي في الحديث: «كانت امرأة تهراق الدماء» 3 ومنع من ذلك الأستاذ أبو علي، وقال: لا يكون ذلك إلا في الصفات، وأسماء الفاعلين والمفعولين 4. وقد تأولوا الأثر على أنه على إسقاط حرف الجرّ، أو على إضمار فعل، أي: بالدماء، أو: يهريق الله الدماء منها، قال: وهذا هو الصحيح 5.