تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 3311-3350

الباب الرابع والأربعون باب النّعت

صفحات 3311-3350

[تعريفه - وأغراضه]

قال ابن مالك: (وهو التّابع المقصود بالاشتقاق وضعا، أو تأويلا مسوقا لتخصيص، أو تعميم، أو تفصيل، أو مدح، أو ذمّ، أو ترحّم، أو إيهام، أو توكيد).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: التابع يعم التوكيد والنعت والعطفين والبدل.
والمقصود بالاشتقاق مخرج لما سوى النعت وإن كان في الأصل مشتقّا كالأعلام الغالبة إذا عطفت عطف بيان نحو: أبي بكر الصديق وخويلد الصعق فإن الصديق والصعق صفتان أكثر استعمالهما مخصوصين بموصوفهما حتى صار التعيين بهما أكمل من التعيين بالعلم الموضوع وصار القصد بهما وبأمثالهما كالقصد بالأعلام العارية من الاشتقاق 2، وما كان كذلك فالاشتقاق في تابعيته غير مقصود بخلاف النعت فإنه مقصود بالاشتقاق بالوضع كرجل كريم، أو مقصود بالاشتقاق بالتأويل كرجل ذي مال ولو اقتصرت في الحد على وضعا أو تأويلا لكمل بهما ولكن الحاجة واعية إلى زيادة بيان بذكر المعاني المستفادة بالنعت فذكرتها متصلة بالحد.
فالمسوق لتخصيص نحو: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى 3 ومِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ 4 والمسوق للتعميم نحو: إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين، ويحشر الناس الأولين والآخرين، والمسوق للتفصيل نحو: مررت برجلين عربي وأعجمي، والمسوق -

................................  للمدح نحو: سبحان الله العظيم، والمسوق للذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والمسوق للترحم نحو: تلطف الله بعباده الضعفاء، والمسوق للإبهام نحو: تصدق بصدقة كثيرة أو قليلة، والمسوق للتوكيد نحو: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى 1. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقد عرف منه أن حد النعت تم بقوله وضعا أو تأويلا.
ولا شك أنه حد لطيف ولعله من مخترعاته وأما المذكور بعد ذلك فللتنبيه على المعاني المستفادة بالنعت كما قال.
وجملة المعاني التي ذكرها ثمانية أما التخصيص فالمراد به تمييز الكلمة الشائعة في جنسها بما يخرجها عن الشياع ويدخلها في حيز المفهومات المفيدة، ولا شك أن التعريف تخصيص لكن النحاة في استعمالاتهم يجعلون التعريف قسيما للتخصيص.
وقد قال المصنف في باب الإضافة: إن المضاف يتخصص بالثاني إن كان نكرة ويتعرف به إن كان معرفة.
وإذا كان كذلك وجب أن يوجه قوله هنا لتخصيص إلى النكرة خاصة وعلى هذا لا يكون في عبارته تعرض إلى ما يفيده نعت المعرفة ومن ثمّ قال ابن عصفور وغيره إن النعت يتبع ما قبله لتخصيص نكرة أو إزالة اشتراك عارض في معرفة 2، وهو حسن.
لكن قال الشيخ: واندرج في قول المصنف لتخصيص زوال الاشتراك العارض في المعرفة قال: ولذلك مثل ذلك بالمعرفة وهو قوله وَالصَّلاةِ الْوُسْطى 3 وما قاله الشيخ غير ظاهر لأمرين: أحدهما: ما قدمناه من أن النحاة يجعلون التعريف بقسيما لا قسما.
ثانيهما: أن التخصيص إنما حصل للمعرفة بالتعريف فهي مخصصة قبل ذكر نعتها والنعت لم يفد تخصيصا أصلا وإنما أزال الاشتراك العارض بعد التسمية في نحو قولنا: جاء زيد الخياط وعمرو الفقيه.
وأما قوله تعالى: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى فقد يقال: إنما جعل المصنف الصفة فيه للتخصيص لأن المراد بالصلاة الجنس والمعرف باللام الجنسية في حكم النكرة عند جماعة منهم المصنف وإذا كان كذلك صح أن يقال: إن نعتها إنما هو للتخصيص الذي هو قسيم التعريف.

................................  وأما التعميم فلم أتحققه.
وما مثل به المصنف من: أن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين ويحشر الناس الأولين والآخرين، فالتعميم فيه إنما فهم من المنعوت لأن عباده عام وكذا الناس أيضا والنعت تابع لمنعوته في عمومه وخصوصه فلم يكن للنعت مدخل إلى طائع وعاص وانقسام الناس إلى أولين وآخرين.
وأما التفصيل فلا يتحقق أيضا، لأن النعت في نحو: مررت برجلين عربي وعجمي إنما هو للبيان وكون أحد الرجلين متصفا بوصف غير ما اتصف به الآخر لزم منه [4/ 113] التفصيل فلم يسق النعت للتفصيل ولكن إنما فهم ذلك من التخالف بين الوصفين.
وأما الإبهام والتمثيل له بتصدقت بصدقة كثيرة أو قليلة فغير ظاهر، لأن الإبهام إنما فهم من حرف العطف الذي هو أو والصفتان المعطوف إحداهما على الأخرى إنما هما للبيان ولكن قصد بذكر أو بينهما إبهام الأمر على السامع.
وأما المدح والذم والترحم والتوكيد فلا شك أن النعت يساق لأحدهما وهذه المعاني الخمسة أعني البيان والمدح والذم والترحم والتوكيد هي التي ذكرها المصنفون في كتبهم.
وأما الثلاثة الأخر التي هي التعميم والتفصيل والإبهام فكأنها من خصائص المصنف وقد عرفت ما فيها.
وقد بقى التنبيه على أمرين: أحدهما: أننا نفهم من الحد الذي ذكره المصنف للنعت وهو أنه المقصود بالاشتقاق - أنه لا بد من دلالته على معنى يتضمنه المنعوت والمعاني المدلول عليها في المنعوت بالنعت على ما ذكره النحاة أربعة.
ما دلّ على حيلة والمراد بالحلي الصفات الظاهرة كأكحل وطويل وشبههما وما دلّ على وصف يرجع إلى الغرائز والطبائع كشجاع وجبان وعالم وجاهل وما أشبههما وما كان فعلا للمنعوت كقائم وراكب وماش وشبه ذلك، وما دل على نسب للمنعوت كقرشي وبغدادي وشبهها.
ثم هذه المعاني قد تكون للمنعوت فيكون النعت حقيقيّا، وقد تكون لمتعلق به فيكون النعت سببيا، وذلك أن تنعته بصفة قائمة بسببه لا به.
الأمر الثاني: أن المقصود بالاشتقاق تأويلا قد تقدم تمثيل المصنف له بالكلمة التي هي ذو وهو تمثيل صحيح، ويحسن المثال لذلك أيضا بالمصدر والاسم الجامد المؤول بالمشتق، واسم العدد إذا نعت بها.

[إتباع النعت منعوته وغيره]

قال ابن مالك: (ويوافق المتبوع في التّعريف والتّنكير، وأمره في الإفراد وضدّيه والتّذكير والتّأنيث على ما ذكر في إعمال الصّفة، وكونه مفوقا في الاختصاص أو مساويا أكثر من كونه فائقا، وربما تبع في الجرّ غير ما هو له دون رابط إن أمن اللّبس وقد يفعل ذلك بالتّوكيد).
قال ناظر الجيش: يشتمل هذا الكلام على ثلاث مسائل: الأولى: أن النعت بعد موافقته في الإعراب لمتبوعه لا بد من موافقته له في التعريف والتنكير، وأما الموافقة في الإفراد وضديه وفي التذكير والتأنيث فلا بد منها أيضا أن كان النعت رافعا لضمير المنعوت سواء كان معناه له أم لما هو من سببه ولهذا يقول المعربون النعت يتبع المنعوت في أربعة من عشرة وهي واحد من وجوه الإعراب الثلاثة وواحد من التعريف والتنكير وواحد من الافراد والتثنية والجمع وواحد من التذكير والتأنيث.
وإن كان يرفع النعت ضمير المنعوت بأن كان للسببي ورفع ذلك السببي جرى النعت في الأمور الخمسة التي هي الإفراد وضداه والتذكير والتأنيث - مجرى الفعل المسند إلى ذلك السببي وأما التبعية للمنعوت في اثنين من الخمسة الأول التي هي الرفع والنصب والجر والتعريف والتنكير فلا بد منها كما نفهمه من قول المصنف: ويوافق المتبوع في التعريف والتنكير بعد قوله: وهو التابع، وقد تقدم أن التابع هو الذي يشارك ما قبله في إعرابه فعرف من كلامه صريحا أن النعت لا بد من موافقته للمنعوت في اثنين من هذه الخمسة وأما الاثنان من الخمسة الأخر فقد حال الأمر في ذلك على ما ذكره في باب الصفة المشبهة، وأنت قد عرفت ذلك فيما تقدم 1. وبعد: فأنا أورد كلامه هنا ليدل على مقاصده.
قال رحمه الله تعالى 2: -

................................  متبوع النعت يعم ذا النعت الجاري عليه لفظا ومعنى كرأيت رجلا طويلا (ذا ثوب قصير، وذا النعت الجاري عليه لفظا ومعناه لما بعده كرأيت رجلا طويلا) ثوبه قصيرة قامته، فلذلك قلت: وافق المتبوع لأن المنعوت إنما يصدق حقيقة على متبع ما هو لفظا ومعنى لا على المتبع لفظا لا معنى وكلا النوعين مراد.
وأشرت بقولي: وأمره في الإفراد وضدّيه وفي التّذكير والتّأنيث على ما ذكر في إعمال الصّفة إلى أن موافقة النعت لمتبوعه تجب إن كان معناه لما قبله كرأيت رجلا طويلا وامرأة طويلة وكذا إن كان معناه لما بعده ولم يرفعه كمررت برجل كريم الأب حسن وجها وبامرأة كريمة الأب حسنة وجها وكذلك التوافق في التثنية والجميع.
فإن رفع ما بعده أفرد وأعطي من التذكير والتأنيث ما يعطي الواقع موقعه نحو مررت برجل كريم أبوه حسنة أمه جميل ولداه ظريف غلمانه.
وتكسير ما رفع جمعا أولى من إفراده نحو: مررت برجل حسان أبناؤه.
وبسط الكلام في هذا سبق في باب إعمال الصفة المشبهة.
والذي ذكرت هنا بعض ذلك استيفاؤه تكرار فأضربت عنه.
انتهى.
واعلم أن ابن عصفور أورد هذه المسألة بكلام تضمن تقسيما فيه توعير وتشويش على الأذهان 1 وتبعه الشيخ (فأورد ذلك في كتابه) 2. والمصنف استغنى عن ذلك التقسيم، لأن الصور التي قصد ابن عصفور إخراجها أو إدخالها قد عرفت في أبوابها فكان المصنف في غنية عن التعرض إلى ذكرها والمتأمل إذا وقف على كل من الكلامين عرف ما بينهما.
ثم إن الشيخ قال إن الموافقة في التعريف والتنكير إنما تلزم إذا [4/ 114] كانت الصفة تابعة للموصوف في الإعراب فإن قطعت لم يلزم ذلك قال ذو الرمة: -

................................  3126 - لقد حملت قيس بن عيلان حربها... على مستقلّ للنّوائب والحرب 3127 - أخاها إذا كانت عضاضا سمالها... على كلّ حال من ذلول ومن صعب 1 قال: فمستقل نكرة وصفته المقطوعة عنه وهي أخاها معرفة 2. هذا كلام الشيخ.
وكأنه يستدرك على المصنف قوله ويوافق المتبوع في التعريف والتنكير وهذا غير مرضي منه رحمه الله تعالى فإن كان كلام المصنف الآن إنما هو في النعت التابع لا في النعت المقطوع لأن الضمير الذي هو فاعل يوافق راجع إلى التابع من قوله في الحد: وهو التابع.. فكيف يدخل النعت المقطوع في كلامه ليستدرك به عليه.
وفي شرح الشيخ أن بعض الكوفيين ذهبوا إلى جواز مخالفة النعت للمنعوت في تنكيره إذا كان لمدح أو ذم وأن الأخفش أجاز وصف النكرة بالمعرفة إذا كانت قد خصصت قبل ذلك بالوصف وأن بعض النحويين أجاز وصف المعرفة بالنكرة 3. وأقول: إن مثل هذه الأقول الواهية لا ينبغي التشاغل بها ولا التطويل بذكرها وكيف تشاغل بما لا يقوم عليه دليل مع كونه مخالفا لأقوال الجماهير.
أما لزوم موافقة النعت للمنعوت في التعريف والتنكير فقد ذكروا له عللا وأطالوا في ذلك.
والحق أن التابع لما قبله إن كان هو الأول في المعنى وجبت الموافقة بينهما وعدم التخالف كما هو في التوكيد وعطف البيان لأن التخالف ينافي الاتحاد وإنما جاز التخالف في البدل لأنه على نية تكرار العامل فكأنه منفصل عن الأول ولأن المبدل منه منوي به الطرح فصار البدل كأنه هو المقصود بالذكر.
المسألة الثانية: أن النعت هل يجوز أن يكون أخص من المنعوت.
أجاز المصنف ذلك لكنه جعل كونه مفوقا أو مساويا أكثر من كونه فائقا.
قال في الشرح 4: الأكثر أن يكون النعت دون المنعوت في الاختصاص أو مساويا له.
فالأول: نحو -

................................  رأيت زيدا الفاضل، والثاني: نحو رأيت الرجل الصالح ولا يمتنع كونه أخص من المنعوت كرجل فصيح ولحان ومهذار وضحاك وأفاك، وغلام يافع ومراهق، وجارية عروب وشموع وخود وضناك، وماء فرات وأجاج، وتمر برني 1 وشهرير، وعنب ملاحي، ورمان أمليسي وملح داراني، وكلب ربيبي، وأمثال ذلك كثيرة.
قال أبو علي الشلوبين: الفراء ينعت الأعم بالأخص 2 وهو الصحيح وحكى عنه مررت بالرجل أحيك على النعت.
انتهى.
ولا يظهر كون النعت في الأمثلة التي ذكرها أخص من المنعوت؛ لأن شياع فصيح ولحان في الصفات كشياع ورجل وغلام في الأسماء والكلمة الشائعة في جنس نكرة بلا شك فكما أن رجلا نكرة هكذا فصيح نكرة وإذا كان كذلك فكيف تثبت الأخصية لنكرة دون نكرة.
فإن قيل رجل فصيح أخص من رجل وإنما صار أخص بانضمام فصيح إليه فمن ثم نسبت الأخصية إلى النعت في المثال المذكور وشبهه.
فالجواب أن الأخصية إنما هي للرجل للفصيح لا للفصيح فإذا لا فرق بين نعت ونعت بل كل نعت لنكرة هو أخص منها ولازم هذا أن يكون النعت فائقا أبدا.
لكن قد قال هو - أعني المصنف - أن الأكثر كون النعت مفوقا أو مساويا فكيف يجمع بين أمرين متضادين ثم إن المصنف لم يمثل هذا الحكم الذي أشار إليه إلا بالنكرة.
لكن قوله بعد ذلك أن الشلوبين قال عن الفراء إنه ينعت الأعم بالأخص وأنه الصحيح أنه حكى عنه مررت بالرجل أخيل على النعت وتقريره لما ذكره الشلوبين عن الفراء - دليل على أن حكم المعرفة عنده حكم النكرة في جواز أن يكون نعتها أخص منها كما كان ذلك في النكرة.
ولا شك أن الذي عليه الجماعة خلاف ذلك فإنهم صرحوا بأن النعت لا يكون إلا مساويا للمنعوت في التعريف أو أقل منه تعريفا 3 وهذا هو الحق، والاستقراء يدل عليه.
وأما مررت بالرجل أخيك فالتابع فيه بدل لا نعت وكيف ينعت بما هو غير مشتق.
وكان -

................................  الشيخ يفرق بين المعرفة والنكرة في ذلك فإنه بعد أن ذكر كلام المصنف الذي قدّمناه قال: وهذا الذي ذكره من أن النعت لا يمتنع أن يكون أخص من المنعوت غير مسلم له على الإطلاق.
أما في النكرات فصحيح وأما في المعارف فنصوص أئمتنا على أن النعت يكون في درجة المنعوت تعريفا أو دونه في التعريف أما أن يكون أعرف من المنعوت فلا.
هذا مذهب البصريين.
قيل: وسبب ذلك أن الاختصار مؤثر على التطويل وإذا كان كل واحد منهما موصلا إلى الغرض المقصود وجب لذلك أن يبدأ بالأخص ليقع الاكتفاء به فإن منع من الاكتفاء به عروض اشتراك أتى من النعوت بما يرفع به ذلك الاشتراك ولم نجد من الأسماء ما يرفع به ذلك الاشتراك إلا المساوي أو الأعم 1 انتهى.
وكان من الموجب للشيخ أن يفرق بين النكرة والمعرفة أن الجماعة - أعني المغاربة - تعرضوا لذكر المعرفة دون النكرة فتبعهم في ذلك ثم سلم للمصنف قوله أن النعت يكون أخص من المنعوت [4/ 115] فمن ثم فرق بين البابين.
وأنت قد عرفت ما في كلام المصنف من البحث الذي قدمناه.
وإذ قد عرف أن العمل إنما هو على أن النعت يجب أن يكون مساويا للمنعوت أو أقل منه تعريفا فلنذكر ما ذكره الجماعة مبنيا على هذا التقرير.
وهو أنهم قالوا: المعارف خمسة وهي المضمرات وأسماء الإشارة والأعلام وما عرف باللام وما أضيف إلى معرفة ولم يذكروا الموصولات لأنها عندهم من قبيل ما عرف باللام، ثم أعرف هذه المعارف المضمرات ثم الأعلام ثم أسماء الإشارة ثم ما عرف باللام والموصول في رتبته وما أضيف إلى معرفة من هذه المعارف فهو بمنزلة ما أضيف إليه إلا المضاف إلى المضمر فإنه في رتبة العلم.
ثم إنهم أجروا على هذا الذي قرروه حكم النعت.
وقد أخرنا الكلام على ذلك لنورده عند الكلام على الفصل الثالث من هذا الباب فإنه أمس بذلك.
المسألة الثالثة: أن النعت قد يتبع في الجر غير ما هو له.
والعلم على هذه المسألة قول العرب: -

................................  هذا جحر ضب خرب 1 قال المصنف: وأشرت بقولي: وربّما تبع في الجرّ غير ما هو له دون رابط إن أمن اللبس إلى قولهم: هذا جحر ضب خرب وأمثاله.
قال: فحق خرب أن يرتفع لأنه نعت جحر مرفوع لكنه جعل تابعا لضب لمجاورته إياه مع أمن اللبس ومثله قراءة الأعمش 2 ويحيى بن وثاب 3 (إنّ الله هو الرّزّاق ذو القوّة المتين) بخفض المتين 4. ومن الشواهد الشعرية في ذلك قول الشاعر: 3128 - كأنّما ضربت قدّام أعينها... قطنا بمستحصد الأوتار محلوج 5 ومثله: 3129 - يريك سنة وجه غير مقرفة... ملساء ليس بها خال ولا ندب 6 ومثله: 3130 - فإيّاكم وحيّة بطن واد... هموز الناب ليس لكم بسيّ 7 ومثله: 3131 - جرى الله عنيّ الأعورين ملامة... وفروة ثغر الثّورة المتضاجم 8 ومثله: -

................................  3132 - كأنّ ثبيرا في عرانين وبله... كبير أناس في بجاد مزمّل 1 ومثله: 3133 - كأنّ نسيج العنكبوت المزمّل... على ذرى قلّامة المهدّل سبوب كتّان بأيدي الغزّل 2 قال: ونبهت بقولي وقد يفعل ذلك بالتوكيد على ما أنشده الفراء من قول الشاعر: 3134 - يا صاح بلّغ ذوي الزّوجات كلّهم... أن ليس وصل إذا انحلّت عرى الذّنب 3 بجر كلّهم 4. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.
وفي شرح الشيخ بيتان آخران فيستشهد بكل منهما على خفض النعت على الجوار.
أحدهما قوله: 3135 - موكّل بشدوف الصوم ينطرها... من المعارف مخطوف الحشارزم 5 والثاني قول الآخر: 3136 - فدافعت عنه الحبل حتّى تبدّدت... وحتّى علاني حالك اللّون أسود 6 ثم إن المصنف لم يتعرض في الشرح لبيان ما احترز عنه بقوله في المتن دون رابط.
والظاهر أنه يريد بذلك أن النعت قد يتبع في الجر غير ما هو دون رابط يربطه بما هو له فإن الرابط المذكور إذا وجد جازت المسألة دون إشكال.
وذلك بأن يقال: هذا جحر ضب خرب جحره فإن الخرب إنما هو للجحر والحجر سببي للضب وقد رفعه النعت الجاري على الضب فهو نظير قولك: مررت برجل قائم غلامه ولا ريب في جواز ذلك.

................................  وليعلم أن التبعية على الجواز إنما هي خلاف الأصل وقد سمعت في النعت.
روى سيبويه وغيره عن العرب هذا جحر ضب خرب بالرفع، والجرّ 1 وروى الفراء في التوكيد البيت 2 الذي أنشده المصنف ولم يسمع ذلك في البدل.
وأما عطف النسق فمن النحاة من أثبت ذلك فيه والجمهور على خلافةّ ثم إن التبعية على الجواز إنما وردت في المجرور كما مثل، ومنهم من ادعى ثبوت ذلك في المرفوع أيضا.
وبعد: فأنا أشير إلى تفصيل ما ذكرته مجملا متبعا ذلك بالإشارة إلى علل ذكرت وإلى أبحاث تتعلق بالمسألة ولوازمها.
فمن ذلك أن الشيخ علل عدم ورود التبعية ورود التبعية على الجواز في البدل بأنه معمول لعامل آخر لا للعامل الأول 3. قال: على أصح المذهبين 4: وفي ما ذكره أمران: أحدهما: أن مذهب سيبويه أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه 5 كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى وإذا كان كذلك بطل التعليل الذي ذكره.
ثانيهما: أن التبعية على الجوار أمر خارج عما تقتضيه القواعد فإن ورد منه شيء احتيج فيه إلى توجيه وأما إذا لم يرد فلا حاجة إلى الاعتذار عنه؛ لأنه لم يرد شيء مخالف للأصل فيحتاج إلى ذلك ثم القائلون بجواز التبعية على الجوار في عطف النسق استدلوا بما سيذكر.
وقد ذكر الشيخ فرقا بين المعطوف نسقا والنعت وهو أن الاسم في باب النعت تابع لما قبله من غير وساطة فكان أشد مجاورة وفي العطف حصل الفصل بحرف العطف 6. وفي ما ذكره الشيخ من الفرق نظر، فإن حرف العطف لا يعد فاصلا لأن التبعية للأول إنما تحصل به وما لا يتصور التبعية في محل إلا به كيف يعد فاصلا مع وجوب ذكره وإنما يعد فاصلا ما يستغنى عنه أو يكون قد ذكر في غير محله وإذا كان البابان لا فرق بينهما بالنسبة إلى التبعية فلم يبق إلا أن يجاب عما استدل به الخصم ليندفع الحكم.
والقائلون بذلك استدلوا عليه بقوله تعالى: وَامْسَحُوا -

................................  بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ 1 قال أبو البقاء: وَأَرْجُلَكُمْ يقرأ بالنصب وفيه وجهان.
أحدهما: هو معطوف على الوجوه والأيدي وذلك جائز في العربية بلا خلاف والثاني: أنه معطوف على موضع بِرُؤُسِكُمْ والأول أقوى؛ لأن العطف على اللفظ أقوى من العطف على الموضع 2. ويقرأ بالجر 3 وهو مشهور أيضا كشهرة النصب وفيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف [4/ 116] على الرؤوس في الإعراب والحكم مختلف فالرؤوس ممسوحة والأرجل مغسولة وهذا الإعراب الذي يقال هو على الجوار وليس يمتنع أن يقع في القرآن لكثرته فقد جاء في القرآن العزيز وفي الشعر.
فمن القرآن قوله تعالى: وَحُورٌ عِينٌ 4 على قراءة من جر 5، وهو معطوف على قوله تعالى: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ 6 والمعنى مختلف إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بحور عين - وقال الشاعر: 3137 - لم يبق إلّا أسير غير منفلت... وموثق في حبال القدّ مسلوب 7 والقوافي مجرورة والجوار مشهور عندهم في الإعراب والصفات وقلب الحروف بعضها إلى بعض والتأنيث وغير ذلك.
فمن الإعراب ما ذكرنا في العطف ومن الصفات قوله تعالى: عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ 8 واليوم ليس بمحيط وإنما المحيط العذاب وكذلك قوله تعالى: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ 9 واليوم ليس بعاصف وإنما العاصف الريح، ومن قلب الحروف قوله عليه الصلاة والسّلام «ارجعن مأزورات غير مأجورات» 10، والأصل موزورات ولكن أريد التآخي ومنه قولهم: إنه يأتينا -

................................  بالغدايا والعشايا 1 ومن التأنيث قوله تعالى: فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها 2 فحذف التاء من عشر وهي مضافة إلى الأمثال وهي مذكرة ولكن لما جاورت الأمثال الضمير المؤنث أجري عليها حكمه - وكذلك قول الشاعر: 3138 - لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت... سور المدينة والجبال الخشّع 3 وقولهم ذهبت بعض أصابعه، ومما راعت العرب فيه الجوار قولهم قامت هند ولم يجيزوا حذف التاء إذا لم يفصل بينهما فإن فصل أجازوا الحذف ولا فرق بينهما إلا المجاورة وعدم المجاورة.
ومن ذلك قام زيد وعمرا كلمته استحسنوا النصب بفعل محذوف لمجاورة الجملة اسما قد عمل فيه الفعل ومن ذلك قلبهم الواو المجاورة للطرف همزة في أوائل كما لو وقعت طرفا ولذلك إذا بعدت عن الطرف لا تقلب نحو طواويس 4. قال: وهذا موضع يحتمل أن يكتب فيه أوراق من الشواهد قد جعل النحويين له بابا ورتبوا عليه مسائل وأصلوه بقولهم جحر ضب خرب حتى اختلفوا في جواز جر التثنية والجمع فأجاز الاتباع فيهما جماعة من حذاقهم قياسا على المفرد المسموع ولو كان لا وجه له في القياس بحال لاقتصروا فيه على السماع فقط.
ويتأيد ما ذكرناه بأن الجر في الآية الشريفة قد أجيز غيره وهو النصب وكذا الرفع فإنه قراءة شاذة 5 على أن وَأَرْجُلَكُمْ 6 مبتدأ والخبر محذوف التقدير وأرجلكم مغسولة أو وأرجلكم كذلك والرفع والنصب غير قاطعين ولا ظاهرين على أن حكم الرجلين المسح فكذلك الجر يجب أن يكون كالنصب فالرفع في الحكم دون الإعراب.
والوجه الثاني: أن يكون الجر في الأرجل بجار محذوف تقديره وافعلوا بأرجلكم غسلا وحذف الجار وإبقاء الجر جائز قال الشاعر:

................................  3139 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... ولا ناعب إلّا ببين غرابها 1 وقال زهير: 3140 - بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا 2 فجر بتقدير الباء وليس بموضع ضرورة.
قال: وقد أفردت لهذه المسألة كتابا» 3. انتهى كلام أبي البقاء رحمه الله تعالى.
وهو يدل على رفعة شأنه في علم العربية وقوة نظره وتمكنه وحسن تصرفه.
ولا شك في أنه كذلك، وعلم منه أنه يثبت التبعية في عطف النسق على الجوار.
والظاهر أن الأمر كما قال إذ لا فرق بين عطف النسق والنعت في مطلق التبعية فكما تثبت التبعية على الجوار في النعت - وإن كان الأمر فيها على خلاف الأصل؛ لورود ذلك في كلام العرب - هكذا تثبت في عطف النسق لوروده في كلامهم أيضا، ولا شك أن ظاهر الآية الشريفة فيه دليل على ما ذكرناه.
نعم قد ينازع أبو البقاء في بعض ما استدل به على ذلك لاحتمال تخريجه على وجه غير الوجه الذي ذكره ومع الاجتماع يندفع الاستدلال.
أما البيت الذي أنشده وهو: لم يبق إلّا أسير فالمحفوظ فيه لم يبق غير طريد غير منفلت هكذا أنشده ابن عصفور في المقرب 4 وعلى هذا فتبعية المعطوف ليست تبعية مجاورة بل هو معطوف على المجرور بغير لفظا ومعنى وإن ثبتت رواية (إلا أسير) فقد يقال فيه إن العطف بالجر لصلاحية وقوع غير موقع إلا وقد أجاز ذلك بعضهم وإن كان الأصح خلافه وأما الحديث الشريف «ارجعن مأزورات غير مأجورات» ففيه تشاكل لا مجاورة.
وأما قوله تعالى: فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها 5 فقد ذكروا أنه مما حذف فيه الموصوف وأقيمت صفته مقامه التقدير: فله عشر حسنات أمثالها ولكن التأنيث في تهدمت سور المدينة وذهبت بعض أصابعه للمجاورة بلا ريب.
وأما استدلاله بقولهم قامت هند لزوما وجواز حذف التاء مع الفصل فلطيف.
وأما الاستدلال بقولهم قام -

................................  زيد وعمرا كلمته فغير ظاهر، إذ لا مجاورة فيه.
وإنما المراعى في أرجحية النصب طلب مشاكلة الجملتين في الفعلية.
وأما مسألة أوائل وطواويس فليس النظر فيها إلى المجاورة إنما النظر إلى القرب مما هو محل تغيير أو البعد عنه مع شيء آخر وهو توالي ثلاث لينات فليس الأمر موقوفا على القرب [4/ 117] خاصة حتى يجعله العلة لقلب حرف العلة همزة بل العلة المجموع المركب.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ 1 ويَوْمٍ عاصِفٍ 2 فقد خرّجوه على ما خرّج عليه قولهم: نهارك صائم، وليلك قائم، ووجهه أن اليوم ظرف لإحاطة العذاب فهو ظرف له فتوسع في الظرف بأن جعل فاعلا للإحاطة وكذا عصف الريح واقع في اليوم فهو ظرف له فتوسع فيه بأن جعل فاعلا للعصف كما أن النهار والليل ظرفان للصوم والقيام الواقعين فيهما فتوسع فيهما بأن جعلا فاعلين للصوم والقيام، وإذا كان كذلك فلم يقصد بمحيط وصف العذاب ولا بعاصف وصف الريح حتى يقال إنهما أجريا على اليوم لمجاورة المقصود بالوصف وهو العذاب والريح.
ثم إن الذي ذكره أبو البقاء إن تمشى له في عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ لا يتمشّى له في: عاصِفٍ إذ المقصود بالوصف على تقريره هو الريح، وهي لم تذكر، وإذا لم تكن مذكورة فأين المجاورة، وإذا تعين في: عاصِفٍ أنه صفة لليوم في المعنى مما هو في اللفظ تعين أن يكون مُحِيطٍ من عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ كذلك.
ومما استدل به القائلون بالتبعية على الجوار في عطف النسق قوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ 3 في قراءة من خفض «ونحاس» 4، وكذا بقول جرير: 3141 - فهل أنت إن ماتت أباؤك راحل... إلى آل بسطام بن قيس فحاطب 5 فأما الآية الشريفة: فالأمر فيها يتوقف على تفسير النحاس ما المراد به.
فإن كان -

................................  معناه يرجع إلى معنى الشواظ فالتبعية في «ونحاس» بالجر على الجوار حينئذ، وأما بيت جرير فلم يظهر لي أن التبعية فيه على غير الجوار وإذا كان كذلك تم الاستشهاد به على المسألة.
فأما قول امرئ القيس: 3142 - وظلّ طهاة اللّحم ما بين منضج... صفيف شواء أو قدير معجّل 1 فقد استشهد به أيضا، ولكن قد تقدم الكلام في آخر باب الأفعال الرافعة المبتدأ الناصبة الخبر بما يعلم منه أنه ليس من هذا القبيل 2. والذي يظهر أن التبعية في العطف على الجوار لا مانع منها من حيث الصناعة.
وأقوى الأدلة عليها الآية الشريفة أعني آية الوضوء لأن قراءة وأرجلكم 3 بالجر ثابتة بالتواتر وغسل الأرجل واجب بالأدلة القاطعة فوجب أن يكون وَأَرْجُلَكُمْ في قراءة من جر معطوفة على ما تقدم من منصوب فَاغْسِلُوا فيكون مستحقّا للنصب مع أنه قد جر ولا وجه لجره إلا أن يكون على الجوار، والوجه الآخر الذي ذكره أبو البقاء وهو أن يكون الجر بجار محذوف التقدير: وافعلوا بأرجلكم غسلا لا يخفى ضعفه وأن ما قدره في غاية البعد عن فصاحة كلام العرب فضلا عن فصاحة الكتاب العزيز.
فإن قيل شرط التبعية على الجوار أمن اللبس وجر الأرجل يوهم عطفها على الرؤوس فوجب العدول عن القول بذلك.
فالجواب: أنا نقول لا لبس؛ وذلك أن غسل الأرجل في قراءة من نصب واجب قطعا لثبوتها بالتواتر فوجب أن يكون الحكم في قراءة من جر كالحكم في قراءة من نصب وهو وجوب الغسل كيلا تتصادم القراءتان، ولا يعكس هذا فيقال: قراءة الجر ثابتة بالتواتر أيضا.
ولا شكّ أن الأرجل معطوفة على الرؤوس وحكمها المسح -

................................  فوجب أن يكون الحكم في قراءة من نصب كالحكم في قراءة من جر للعلة التي ذكرتموها لأن أحدا لم يقل بمسح الأرجل إلا من لا يعبأ به ولا يلتفت إليه.
وقد عرف من الذي قررناه أن وَأَرْجُلَكُمْ 1 في قراءة من جر معطوف على منصوب فَاغْسِلُوا وأن الجر فيه إنما هو بمجاورة المجرور، والذين لا يثبتون التبعية في العطف على الجوار يقولون إن وَأَرْجُلَكُمْ معطوف على بِرُؤُسِكُمْ مع حكمهم بوجوب غسل الأرجل بتأويل أنا ذاكره، وقد أشار إلى شيء من ذلك أبو علي في الحجة 2، وكان الزمخشري نحا إليه فاقتصرت على كلامه لأنه أمتن من كلام أبي علي، قال رحمه الله تعالى: «قرأ جماعة وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب فدل على أن الأرجل مغسولة، فإن قلت ما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة مغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها وقيل إِلَى الْكَعْبَيْنِ فجيء بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة؛ لأن المسح لم يضرب له غاية في الشريعة» 3 ثم قال: «وذهب بعض الناس إلى ظاهر العطف فأوجب المسح، وعن الحسن أنه جمع بين الأمرين، وعن الشعبي 4: نزل القرآن العزيز بالمسح والغسل سنة» 5 انتهى.
وإذ قد ذكر هذا فلنذكر ما انتظم من كلام المعربين في الآية الشريفة فنقول: قرئ وَأَرْجُلَكُمْ رفعا ونصبا وجرّا.
فأما توجيه الرفع فقد تقدم.
وأما النصب فقد ذكر أبو البقاء فيه توجيهين كما عرفت: أحدهما: أنه معطوف على الوجوه والأيدي، والثاني: أنه معطوف على موضع برؤوسكم 6.

................................  أما الوجه الأول: فهو الظاهر بل الحق وكذا قال: وذلك جائز في العربية بلا خلاف.
وقال غيره إن فيه الفصل بجملة أجنبية والحق أن هذه الجملة لا تعد أجنبية لأن الوضوء عمل واحد.
وإذا قيل إن الترتيب مقصود تأكد القول بعدم الأجنبية.
وأما الوجه الثاني: فقد قال إن الوجه الأول أقوى منه قال: لأن العطف على اللفظ أقوى من العطف [4/ 118] على الموضع.
ومقتضى كلامه صحة عطف وَأَرْجُلَكُمْ على موضع بِرُؤُسِكُمْ وهو غير ظاهر فإن ذلك يلزم منه أن يكون المأمور به مسح الأرجل والحق أن التوجيه الأول هو المتعين ولا يجوز غيره.
وأما الجر فقد ذكر أبو البقاء فيه وجهين أيضا: أحدهما: أنه على الجوار فتكون الأرجل معطوفة على ما تقدم من المنصوب وهو الوجوه والأيدي كما تقدم تقرير ذلك.
وقد قدمنا أن هذا هو الظاهر بل ربما يتعين.
والثاني: أن يكون الجر بجار محذوف تقديره وافعلوا برؤوسكم غسلا.
ولا شك في ضعف هذا الوجه.
وأما البيتان اللذان استدل بهما فلا دليل فيهما؛ لأن الجر في: ولا ناعب، وفي ولا سابق إنما هو على توهم وجود الباء داخلة على مصلحين وعلى مدرك.
وقد فهمت من تقرير الزمخشري وجها ثالثا وهو أن العطف على بِرُؤُسِكُمْ لقوله فعطفت على الرابع الممسوح وهو لم يثبت القول بالعطف على الجوار مع أنه قائل بوجوب الغسل فلازم قوله أن يكون «وأرجلكم معطوفا على برؤوسكم» والمقصود غسل الأرجل وإنما عطفت على يمسح وهو الرؤوس للمعنى الذي ذكره وهذا الوجه غير الوجه الصائر إلى العطف على الجوار؛ لأن القائل بذلك عنده أن وَأَرْجُلَكُمْ معطوف على الوجوه والأيدي كما تقدم.
وبعد: فلم يبق إلا الإشارة إلى بقية المسائل والأبحاث التي تقدم الوعد بذكرها.
فمنها: أنه هل يجوز التبعية على الجوار في التثنية والجمع.
وقد تقدم قول أبي البقاء وأصلوه بقولهم: هذا جحر ضّبّ خرب، حتى اختلفوا في جواز جر التثنية والجمع -

................................  فأجاز الاتباع فيهما جماعة من حذاقهم قياسا على المفرد المسموع ولو كان لا وجه له في القياس بحال لاقتصروا فيه على المسموع فقط.
انتهى.
والمراد بالتثنية أن يثنى المضاف والمضاف إليه أعني الجحر والضب فيقال: هذان جحرا ضبين خربين.
وبالجمع أن يجمعا أيضا فيقال: هذه جحرة ضباب 1 خربة.
هذا مراد الشيخ أبي البقاء فإن ثني الجحر دون الضب بأن يقال هذا جحرا ضب خربان فقالوا: ليس في الصفة إلا الرفع وأجاز سيبويه الخفض على الجوار اتكالا على فهم المعنى وأنشد شاهدا على ذلك: 3143 - كأنّ نسج العنكبوت المرمّل 2 ووجه الاستدلال أن العنكبوت مؤنث والمزمل مذكر فلم يشترك التابع والمتبوع في التأنيث كما لم يشتركا في التثنية 3. قال الشيخ: وقياس قول سيبويه في التثنية أن يجيز ذلك في الجمع 4. ثم قال: وينبغي أن ذلك لا يجوز يعني في التثنية والجمع 5 قال: لأن ما ورد من ذلك إنما هو خارج عن القياس فلا يتعدى فيه السماع 6. وقد قال الفراء وغيره 7: لا يخفض بالجوار إلا ما استعملته العرب كذلك.
قال الشيخ «وتقول: إذا كانوا لا ينعتون المفرد بالتثنية ولا بالجمع في ما يكون معنى النعت مسندا للمنعوت فكيف يجوز ذلك في ما لا يكون معناه مسندا لغير المنعوت ألا تراهم لا يوجد في كلامهم مررت برجل قائمين ولا برجل قائمين ولا قيام 8. ومنها: أن بعض النحاة المتأخرين لم يخص التبعية على الجوار بالمجرور بل أجاز ذلك في المرفوع مستدلا بقول الشاعر:

................................  3144 - السّالك الثّغرة اليقظان سالكها... مشي الهلوك عليها الخيعل الفضل 1 قال: رفعوا الفضل إتباعا لما قبله لقربه وما قاله غير معمول به.
وقد تقدم الكلام على هذا البيت في باب إعمال المصدر وأن الفضل نعت للهلوك على الموضع، كما كان ذلك في قول الآخر: 3145 - (حتّى تهجّر في الرّواح وهاجها)... طلب المعقّب حقّه المظلوم 2 برفع المظلوم.
ومنها: أن التبعية على الجوار قال بها جمهور النحويين من البصريين والكوفيين.
وقد خالف في ذلك السيرافي وابن جني وخرجا قول العرب: هذا جحر ضب خرب على غير ذلك.
فأما السيرافي فقال: الأصل هذا جحر ضب خرب الجحر، كما تقول: حسن الوجه.
وحذف الضمير للعلم به أي حسن الوجه منه ثم أضمر الجحر فصار «خرب» ولم يبرز الضمير كما لم يبرز في قولهم: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين فـ «لا قاعدين» جار في الإعراب على رجل، ولم يبرز الضمير؛ لأنه لو برز لقيل لا قاعدهما 3 وأما ابن جني فقال: الأصل هذا جحر ضب خرب جحره نحو مررت برجل حسن وجهه ثم نقل الضمير فصار خرب الجحر ثم حذف 4 قال: فهذا جر صحيح وهو نعت للضب ثم إنه تمثل مستحسنا للتخريج المذكور بقول القائل: 3146 - [يقول من تطرق أسماعه]... كم ترك الأول للآخر 5 ثم إن الشيخ رد ذلك وقال: إن ما قالاه خطأ من غير وجه 6. وذكر في تقرير -

[ذكر ما ينعت به، وأحكام الجملة الواقعة نعتا]

قال ابن مالك: (فصل: المنعوت به مفرد أو جملة كالموصول بها، منعوتها نكرة أو معرّف «بأل الجنسية» وقد ترد الطّلبيّة محكيّة بقول محذوف واقع نعتا أو شبهه.
وحكم عائد المنعوت بها حكم عائد الواقعة صلة أو خبرا، لكن الحذف من الخبر قليل، ومن الصّفة كثير، ومن الصّلة أكثر.
وتختصّ المنعوت بها اسم زمان بجواز حذف عائدها المجرور بفي دون وصف، ويجوز أيضا حذف المجرور ب «من» عائدا على ظرف أو غيره إن تعيّن معناه).
ذلك ما يوقف عليه في كتابه وعلى الناظر أن يميز بين الحق والباطل.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: المفرد هو الأصل في الخبر والحال والنعت.
والجملة الواقعة خبرا أو حالا أو نعتا نائبة عن المفرد ومؤولة به.
وتنفرد المخبر بها بجواز كونها طلبية، وتنفرد الحالية بجواز اقترانها بالواو؛ فلهذا لم أحل المنعوت بها عليها بل أحلتها على الموصول بها؛ لأنها لا تكون طلبية ولا تقرن بالواو.
وأجاز الزمخشري اقتران الواقعة نعتا بالواو زاعما توكيد الارتباط بالمنعوت 2، وهذا من أرائه الواهية وزعماته [4/ 119] المتلاشية؛ لأن النعت مكمل للمنعوت ومجعول معه كشيء واحد فدخول الواو عليه يوهم كونه ثانيا ذا مغايرة لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه وهذا مناف لما زعم من توكيد الارتباط.
وفي قولي: كالموصول بها تنبيه على لزوم كونها خبرية ومشتملة على ضمير لائق بالمنعوت.
وقد يغني عنه الألف واللام كقول الشاعر: 3147 - كأنّ حفيف النّبل من فوق عجسها... عوازب نحل أخطأ الغار مطنف 3 أي أخطأ غارها فحذف الضمير وجعل الألف واللام عوضا منه.
والمنعوت بالجملة - - الوجه ولا حسن وجهه، ولأنه من حيث أجرى الخرب صفة على الضب لزم إبراز الضمير لئلا يلبس.
انتهى ملخصا.

................................  نكرة نحو: حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ 1، أو مقرون بأل الجنسية نحو: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ 2 فنعت الليل بجملة؛ لأنه معرفة في اللفظ نكرة في المعنى إذا لم يقصد ليل معين. ومثال الطلبية المحكية بقول محذوف واقع نعتا ما أنشد ثعلب من قول الراجز: 3148 - فإنما أنت أخ لا نعدمه... قابلنا منك بلا تعلمه 3 فلا نعدمه دعاء محكي بقول مقدر كأنه قال: إنما أنت أخ مقول له لا نعدمه، ومثله قول الآخر: 3149 - [حتّى إذا جنّ الظّلام واختلط]... جاءوا بمذق هل رأيت الذّئب قط 4 أي مقول عند حضوره هل رأيت الذئب قط. والمذق اللبن المشوب بالماء، ومراد الراجز أنه تغير بياضه بمخالطة الماء حتى صار شبيها بلون الذئب. ومثال ذلك فيما يشبه النعت قول أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - «وجدت الناس أخبر تقله» 5 أي مقولا عند رؤيتهم: أخبر تقله. فأخبر نقله محكي بقول واقع موقع مفعول ثان لوجدت إن كان من أخوت ظننت وفي موضع الحال إن لم يكن منها، وكلاهما محتمل وفي كليهما شبه النعت فلذلك قلت نعتا أو شبهه. وكان في قولي كالموصول بها تنبيه على ما تبين بقولي: وحكم عائد المنعوت بها حكم عائد الواقعة صلة أو خبرا إلى آخر الكلام إلا أن في التصريح زيادة بيان. ومثال الحذف من المخبر بها قراءة ابن عامر وكل وعد الله الحسنى 6 ومثال الحذف من المنعوت بها قول الشاعر: 3150 - (أبحت حمى تهامة بعد نجد)... وما شيء حميت بمستباح 7

................................  ومثال الحذف من الموصول بها قوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ 1 وحذف المجرور العائد على اسم زمان نحو قوله تعالى (وَاتَّقُوا) 2 يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً 3 وكقراءة عكرمة 4 «حينا تمسون وحينا تصبحون» 5، ومثله: 3151 - فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نساء ويوم نسر 6 فهذا عند سيبويه على حذف «فيه» اعتباطا 7 لأن الظرف يجوز معه ما لا يجوز مع غيره، وعند الأخفش على حذف في وتعدي الفعل وحذف الضمير 8 وإن كان المجرور مجرورا بمن وكان عند الحذف لا يحتمل إلا وجها واحدا جاز حذفه عائدا على ظرف وعلى غير ظرف نحو: شهر صمت يوما مبارك وعندي برّ (كرّ) بدرهم فحذف من والعائد المجرور بها لتعيين معناه إذ لا يحتمل إلا وجها واحدا 9. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وبعد: فنحن نشير إلى أمور: منها: أن المصنف لم يبين ما احترز عنه بقوله دون وصف.
وقال الشيخ: احترز به من أن يكون المجرور بفي وصفا فإنه لا يجوز حذفه ومثاله: لا تكره يوما يسؤوك فيه راحتك قال: فهنا يجوز حذف فيه لأنه وقع وصفا لقوله يوما 10. ولم يظهر لي ما قاله؛ أما أولا: فلأنّه جعل المحترز عنه أن يكون المجرور بفي وصفا ولفظ الكتاب يعطي أن الوصف يكون أمرا آخر غير ما هو مجرور بفي ولو كان المراد ما أشار إليه لكان يقال غير وصف ومكان دون وصف.

................................  وأما ثانيا: فلأنّ «فيه» في المثال الذي ذكره وهو لا تكره يوما يسوؤك فيه راحتك ليس هو الوصف إنما الوصف الجملة بتمامها.
فإن تم ما قاله الشيخ فلا كلام، وإن لم يتم فيمكن أن يقال: إن المصنف احترز بقوله: دون وصف من أن يذكر لاسم الزمان وصف آخر مع الجملة الحالية من العائد المجرور بفي الواقعة وصفا لاسم الزمان المذكور نحو أن يقال: احذروا يوما عظيما أو يوما مخوفا لا يغني أحد عن أحد شيئا فيقال: إن حذف العائد في نحو هذا المثال غير جائز ويكون السبب فيه أن اسم الزمان إذا لم يوصف بغير الجملة التي قد حذف العائد منها تعين - أو ترجح - أن الجملة المذكورة بعده صفة له فيكون في ذلك دلالة على أن العائد محذوف؛ لأن الجملة الواقعة نعتا لا بد لها من رابط بالمنعوت، أما إذا وصف اسم الزمان بوصف آخر فقد يتوهم استغناؤه عن النعت بالجملة وحينئذ لا يبقى دليل على أن ثم عائدا قد حذف؛ لأننا لم نجزم بأن الجملة نعت إذ ذاك.
ومنها: أن المصنف احترز بقوله أن تعين معناه من نحو سرني شهر صمت منه، فإن الحذف غير جائز في ذلك؛ لأن المحذوف لم يتعين أن يكون من ومجرورها؛ إذ يحتمل أن يكون التقدير [صمته؛ هذا في الظرف ومثاله في غير الظرف: لا أحب راجلا أخاف منه فلا يجوز الحذف لاحتمال أن يكون التقدير] أخافه.
وأنشد الشيخ بيتا حذف فيه المجرور بمن لتعين معناها وهو قول الشاعر: 3152 - يقعن بالسّفح ممّا قد رأين به... وقعا يكاد حصا المغراء يلتهب 1 أي يلتهب منه.
ومنها: أن الشيخ ناقش المصنف في أمرين: أحدهما قوله إن الضمير العائد من الجملة المنعوت بها قد يغني عنه الألف واللام.
وقال: هذا مذهب كوفي والبصريون يحكمون بأن العائد ضمير محذوف 2. ثانيهما: قوله: إن منعوت الجملة قد يكون معرفا بأل الجنسية فقال الشيخ: هذا ليس ب شيء إذ لو كان كما [4/ 120] قال لم يوصف بالمعرفة.
وأما الآية الشريفة فتخرج على أن «نسلخ» جملة حالية، أو تفسيرية 3. انتهى.

................................  وأقول: أما الأمر الأول فقد تقدم الكلام فيه في باب الصفة المشبهة 1، ثم كون ذلك مذهبا كوفيّا لا يمتنع القول به فكم من مسألة تبع المصنف فيها الكوفيين، ومثل هذا لا مناقشة فيه.
وأما قوله في الأمر الثاني وإن كان كما قال يعني المصنف لم يوصف بالمعرفة - فالجواب عنه أن المصنف قد قال أنه معرفة في اللفظ نكرة في المعنى فمن وصفه بالمعرفة راعى لفظه وكما أن المراد بالمنعوت الجنس هكذا يكون المراد بنعته أيضا ومن وصفه بالنكرة راعي معناه وإذا كان كذلك فلا منافاة.
فلا يتوجه على المصنف مناقشة في هذا الأمر أيضا.
ومنها: أن ابن عصفور قال في شرح الجمل أن حكم العائد على المنعوت من الجملة التي هي نعت له في الإثبات والحذف حكم العائد على الموصول إلا أن يكون مرفوعا فإنه لا يجوز حذفه أصلا مبتدأ كان أو غير مبتدأ فيفرق بين البابين من هذا الوجه 2، لكن كلامه في المقرب يقتضي خلاف ذلك، فإنه لما ذكر أن حكم العائد من جملة الصفة في الإثبات والحذف كحكم العائد من الصلة قال: إلا أن يكون الضمير مرفوعا بالابتداء فإنه يجوز حذفه كان في الجملة الواقعة صفة طول أو لم يكن نحو قوله: 3153 - إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن... عارا عليك وربّ قتل عار 3 أي هو عار.
والظاهر أن ما ذكره في المقرب من جواز الحذف هو المعمول به.
وقد يقال إن كلام المصنف يقتضي أن الطول يشترط في الصفة لجواز الحذف كما يشترط في الصلة؛ لأنه جعل حكم العائد مع الصلة إلا أن يقال ليس مراده أن حكم هذا حكم -

[بعض أحكام النعت المفرد]

قال ابن مالك: (والمفرد مشتقّ لفاعل أو مفعول، أو جار مجراه أبدا، أو في حال دون حال.
فالجاري أبدا كلوذعيّ وجرشع وصمحمح وشمردل و «ذي» بمعنى صاحب وفروعه وأولي وأولات وأسماء النّسب المقصود.
والجاري في حال دون حال مطّرد وغير مطّرد.
فالمطّرد أسماء الإشارة غير المكانيّة و «ذو» الموصولة وفروعها وأخواتها المبدوءة بهمزة وصل، ورجل بمعنى كامل أو مضاف إلى صدق أو سوء.
وأيّ مضافا إلى نكرة يماثل المنعوت معنى، وكلّ وجدّ وحقّ مضافات إلى اسم جنس مكمّل معناه للمنعوت.
وغير المطّرد النّعت بالمصدر والعدد والقائم بمسمّاه معنى لازم ينزّله منزلة المشتقّ وينصب أيّ المنعوت به حالا بعد معرفة، و «ما» في نحو رجل ما شئت من رجل، شرطيّة محذوفة الجواب، لا مصدرية منعوت بها خلافا للفارسيّ) 1.

  • هذا إلا في جواز الحذف فقط لا في اشتراط ما اشترط في الصلة بدليل أنه لم يقتصر على الصلة بل قال أنّ حكم عائد الصفة حكم عائد الواقعة صلة أو خبرا والحذف مع الخبر لا يشترط فيه طول الخبر.
    قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: المشتق المنعوت به هو كل وصف تضمن معنى فعل وحروفه واحترز بكونه اشتقاقه لفاعل أو مفعول من المشتق لزمان أو مكان أو آلة والمشتق للفاعل يعم أسماء الفاعلين وأمثلة المبالغة والصفة المشبهة باسم الفاعل وأفعل المفضل به الفاعل كأنا أعلم منك والمشتق للمفعول يعم أسماء المفاعيل وأفعل المفضل به المفعول كأنت أنجب من غيره والجاري مجرى المشتق أبدا يعم الأوصاف التي وضعت موافقة للمشتقات في تضمن معاني الأفعال دون حروفها فجرت مجرى المتضمنة معانيها وحروفها في استدامة النعت بها دون شرط فلوذعي يجري مجرى فطن وذكي، وجرشع يجري مجرى غليظ وسمين، وصمحمح يجري مجرى شديد.
    وأمثلة هذا النوع كثيرة؛ ولذلك أدخلت كاف التشبيه على أول -

................................  ما ذكرت منها وفروع ذي بمعنى صاحب ذوا ودوو وفاواتا ودوات، وأوليت فروع ذي أولى وأولات لأنهما بمعنى ذوي وذوات.
وقيدت النسب بالمقصود احترازا من نحو قمري (ودبسي) 1 من الأسماء التي هي منسوبة في الأصل وغلب استعمالها ودالة على أجناس دلالة ما لا تعرض فيه للنسب وجعلت أسماء الإشارة جارية مجرى المشتق في حال دون حال؛ لأن استعمالها غير منعوت بها أكثر من استعمالها منعوتا بها وكذا الموصولات التي ينعت بها وقوعها مسندة ومسندا إليها ومفعولة ومضافا إليها أكثر من وقوعها منعوتا بها.
وقيدت أسماء الإشارة بغير المكانية احترازا من هنا وأخواتها.
وقيدت الموصولات بالمنعوت بها احترازا من الموصولات التي لا ينعت بها كمن وما.
ومن المنعوت به في حال دون حال: رجل، فإنه ينعت به في حالين: إحداهما: إذا قصد به كمال الرجولية كقولك مررت بزيد الرجل أي الذي كملت رجوليته ووقوعه بهذا المعنى خبرا أكثر من وقوعه نعتا.
والحال الثاني: إذا أضيف بمعنى صالح إلى صدق وبمعنى قاصد [إلى سوء] 2 كقولك: هو رجل رجل صدق أو رجل رجل سوء.
ومن المنعوت به في حال دون حال أي فإنه ينعت به تبيينا لكمال المنعوت ولا يكون إلا نكرة ولا بد حينئذ من إضافته إلى نكرة تماثل المنعوت لفظا ومعنى نحو: هذا الرجل أي رجل أو معنى دون لفظ نحو هذا رجل أي فتى فالتماثل في اللفظ لا يلزم [4/ 121] وإنما يلزم التماثل في المعنى؛ فلذلك اقتصرت عليه في المتن حين قلت وأي مضافا إلى نكرة تماثل المنعوت (معنى.
ومن) المنعوت به في حال دون حال كل وجد وحق فإنها ينعت بها المعنى الذي نسب لأي كقولك: زيد الرجل كل الرجل وجد الرجل وحق الرجل.
وفي التنكير هو رجل كل رجل وجد رجل وحق رجل.
فالنعت بهذه كلها مطرد لا يتوقف على سماع بخلاف النعت بالمصدر وما ذكره بعده فإن السماع فيه متبوع واطراده ممنوع.
وللمصدر مزية على غيره يقارب فيها الإطراد.
ومن المصادر المنعوت بها رضى وعدل وزور وصوم وفطر.
ومن النعت بالعدد قول بعض العرب -

................................  أخذ بنو فلان من بني فلان إبلا مائة على النعت حكاه سيبويه 1 وأنشد: 3154 - لئن كنت في جبّ ثمانين قامة... ورقّيت أسباب السّماء بسلّم 2 وفي الحديث: «النّاس كإبل مائة» 3. والنعت بالقائم بمسماه مغنى (ينزله) منزلة المشتق كمررت برجل أسد أبوه ولبست ثوبا حريرا ملمسه وشربت ماء عسلا طعمه تريد ماء شديد الحلاوة وثوبا شديد الليونة.
فلو أردت أن الماء مشوب بعسل وأن الثوب مجعول في نسجه حرير لم يجز النعت.
ومن هذا النوع قول الشاعر: 3155 - وليل يقول الناس من ظلماته... سواء صحيحات العيون وعورها كأنّ لنا منه بيوتا حصينة... مسوحا أعاليها وساجا كسورها 4 فأجرى مسوحا وساجا مجرى سود.
ومثال نصب أي حالا بعد معرفة قول الشاعر: 3156 - فأومأت إيماء خفيّا لحبتر... فلله عينا حبتر أيّما فتى 5 وزعم أبو علي الفارسي أن ما في نحو: مررت برجل ما شئت من رجل مصدرية نعت بها وبصلتها كما ينعت بالمصدر الصريح 6 وليس قوله بصحيح؛ لأن المصدر لكونه أصل الفعل 7 مؤكد به ويقع نعتا وحالا والحرف المصدري لا يؤكد به فعل ولا يقع نعتا ولا حالا فلو جعل نعتا في المثال المذكور لزمن مخالة النظائر ولو جاز أن ينعت بالحرف المصدري وصلته لجاز أن يقع موقع المصدر الصريح إذا أنعت به فكان يقال في موضع مررت برجل رضى: مررت برجل أن يرضى.
وأيضا فإن المصدر المقدر في موضع ما المذكورة معرفة؛ لأن فاعل صلتها معرفة والمصدر المنعوت به نكرة لا يكون إلا نكرة كرجل عدل ورضى فبطل تقديرا -

................................  ما شئت بمصدر.
والصحيح أن ما في المثال المذكور شرطية محذوفة الجواب، والجملة نعت للنكرة التي قبلها رجلا كان أو غيره والتقدير مررت برجل ما شئت من رجل فهو ذلك.
ولكون ما شرطية حسن وقوع من بعدها لبيان الجنس كقوله تعالى وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ 1 ولو كانت مصدرية لم يحسن وقوع من بعدها 2. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وهو كما قيل من السحر الحلال لمحتبيه، ولم أر قبله سحرا حلالا.
وملخص ما تضمنه هذا الفصل: أن المنعوت به إما جملة وقد فصل القول فيها وإما مفرد.
ثم المفرد إما مشتق وقد عرفته وإما غير مشتق لكن غير المشتق لا بد أن يكون جاريا مجرى المشتق ثم هذا الجاري أقسامه عشرة.
جار مجرى المشتق أبدا بمعنى أنه لا يستعمل إلا نعتا وهو ثلاثة أقسام.
الوصف الذي وضع موافقا للمشتقات في تضمن معاني الأفعال دون حروفها كلوذعي وأخواته وذو بمعنى صاحب وفروعه ومن فروعه أيضا أولو وأولات والمنصوب.
وجار مجرى المشتق في حال دون حال بمعنى أنه يستعمل نعتا وغير نعت ثم هو مقيس وغير مقيس.
فالمقيس أربعة أقسام: أسماء الإشارة غير المكانية وذو الموصولة وفروعها والموصولات المبدوءة بهمزة الوصل والكلمات المنثورة التي ذكرها مقيدة بما أشار إليه رجل وأي وكل وجد وحق.
وغير المقيس ثلاثة أقسام: المصدر والعدد والقائم بمسماه معنى لازم ينزله منزلة المشتق.
ويختص المنسوب من المقيس دون بقية أقسامه بتحمل الضمير ورفعه الظاهر.
قال المصنف في شرح الكافية: وللاسم المنسوب إليه مزية على غيره من الجاري مجرى المشتق لكثرة الحاجة إليه في المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث فذلك رفع به الظاهر دون شذوذ فيقال مررت برجل عربي أبوه عجمية أمه.
انتهى 3. -

................................  وكذلك أيضا يختص القائم بمسماه معنى من غير المقيس بتحمله الضمير ورفعه الظاهر فيقال: مررت برجل أسد أبوه أي شجاع أبوه.
وهذه المسألة معروفة في باب المبتدأ 1. وكلام ابن عصفور مخالف لكلام المصنف في المسألة وهو أنه جعل النعت بالعدد مطردا، قال في المقرب: ولا يجوز الوصف بما هو في حكم المشتق قياسا إلا أن يكون الاسم منسوبا، أو اسم عدد أو اسم كيل كذراع، أو اسما مشارا إليه نحو قولك: مررت بهذا الرجل 2. انتهى.
فإن قلت: ليس في كلام المصنف في الأقسام التي ذكرها تعرض إلى ذكر نعت اسم الإشارة في نحو المثال الذي ذكرنه ابن عصفور وهو: بهذا الرجل - فالجواب أن هذا ليس بنعت عند المصنف ولا عند الجماعة وإنما هو عندهم عطف بيان كما سيأتي أن كونه عطف بيان هو القول الأصح، ثم إن المصنف لم يتعرض إلى وقوع الظرف والمجرور نعتا؛ لأنهما مؤولان حينئذ بمفرد فكأن المصنف استغنى عن الإشارة إليهما بذكر المفرد لتأولهما به.
ومن ثم كانا يتحملان ضمير المنعوت ويرفعان الظاهر [4/ 122] وهذا حكم مستقر معروف كما ذكر في باب المبتدأ.
وبعد: فقد بقيت الإشارة إلى أمور: منها: أن كون ذو بمعنى صاحب وضعت ليتوصل بها إلى وصف الأشخاص بالأجناس كما أن الذي وضعت ليتوصل بها إلى وصف المعارف بالجمل أمر معروف عند النحاة.
ومن ثم لم يوصف بها إلا النكرات لإضافتها إلى ما هو نكرة وهو الجنس حتى عد من الشاذ قول القائل: 3157 - إنما يعرف (ذا) الفض... لـ من النّاس ذووه 3 لكن زعم ابن بري 4 أنها تضاف إلى ما يضاف إليه صاحب لأنها بمعناه.
قال: -

................................  وإنما أنكر النحويون إضافتها إلى المضمر والعلم لكونهم جعلوه وصلة للوصف بالأجناس والمضمر والعلم لا يوصف بهما فأما إذا خرجت عن أن تكون وصلة إلى ذلك فلا مانع من إضافتها إليه فتقول: رأيت الأمير وذويه، وعلى هذا جاء البيت الذي ذكر آنفا 1. ومنها: أن اسم الإشارة للمكان إنما امتنع الوصف به من حيث ينعت به وهو اسم إشارة غير مقصود به الظرف أما إذا قصد به الظرفية فلا مانع من وقوعه نعتا كان يذكر مكان فتقول: رأيت إنسانا هناك ثم إن النعت بأسماء الإشارة غير المكانية هو مذهب البصريين، وحجتهم أن فيها معنى التحلية لأن معنى مررت بزيد (هذا مررت بزيد) المشار إليه.
قال الشيخ: وذهب الكوفيون وتبعهم السهيلي إلى أن النعت بأسماء الإشارة لا يجوز معتلين لذلك بأنها جامدة ولا تتحمل ضميرا بدليل أنها لا ترفع الظاهر إذ لو تحملته لرفعت 2. انتهى.
والجواب: أنه إذا جاز النعت نحو أسد لتأوله بشجاع فالنعت باسم الإشارة أقرب لأن تأول أسد بالقصد وتأول اسم الإشارة بالوضع.
ومنها: أنك قد عرفت أن رجلا ينعت به في حالين: أحدهما: أن يكون بمعنى كامل أي كامل الرجولية كقولك مررت بزيد الرجل أي الذي كملت رجوليته وقد ذكروا أنه لتضمنه معنى كامل يرفع الظاهر في قولك: أرجل عبد الله لأن المتكلم لم يستفهم أرجل عبد الله أم امرأة إذ معلوم أنه رجل.
ومنها: أن النعت بالمصدر من قبيل النعت بما هو في حكم المشتق والنعت به عند البصريين على تقدير حذف مضاف فتقدير مررت برجل عدل برجل ذي عدل.
وأما الكوفيون فيزعمون أن المصدر مؤول بالصفة فيجعلون عدلا واقعا موقع عادل.
ورد ابن عصفور ذلك بأنه إخراج للمصدر عن أصله والبقاء على الأصل أولى 3. -

................................  ومما يدل على أنه باق على مصدريته أنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث كما كان قبل أن يوصف به إلا ما حكي شاذّرؤا من قولهم قوس طوعة القياد بتأنيث طوع وحكى أيضا أضياف وضيوف وضيفان في ضيف وهو في الأصل مصدر ضافه يضيفه وأنشدوا: 3158 - والحيّة الحتفة الرقشاء أخرجها... من جحرها آمنات الله والكلم 1 قال: ومثل هذا موقوف على السماع 2. ثم إنه يحتاج إلى أحد هذين الأمرين إذا لم يرد المبالغة أما إذا أريدت المبالغة فلا حذف ولا تأويل بل إنما يكون ذلك على جعل الموصوف هو المصدر مجازا لكثرة وقوعه منه كما تقدم الإشارة إلى شيء من ذلك في باب المبتدأ.
ومنها: أن الشيخ نقل عن السهيلي أنه قال: المصدر بالميم نحو مزار ومسير لا يجوز الوصف به ولا الإخبار لا باطراد ولا غيره فتقول: رجل زور، ولا تقول: رجل مزار وما أنت الأسير ولا تقول مسير 3. قال السهيلي: وقول النحاة المصدر يكون بالميم كقولك قتلت مقتلا وذهبت مذهبا تسامح، لأن الميم دخلت لمعنى زائد على معنى الحدث ولذلك تقول ضربه وقتله ولا تقول مضربه ومقتله إلا في المكان ولو كان المقتل بمعنى القتل على الإطلاق لم يمتنع هذا ولم يمتنع رجل مزار أي زور 4 قال الشيخ بعد نقل هذا الكلام: ويدل على أن ما فيه الميم مصدر حقيقة إعماله في المفعول به الصريح كالمصدر العاري عن الميم وأما كونه لا يوصف به ولا يخبر فللعرب أن تخص بعض المترادفين بحكم لا يكون للآخر 5 انتهى.
وكأن الشيخ سلم السهيلي ما ادعاه من امتناع الوصف والخبر بما فيه الميم وهذا إن صح فإنما (يؤخذ) تقليدا.

[تفريق النعت وجمعه وإتباعه وقطعه]

قال ابن مالك: فصل (يفرّق نعت غير الواحد بالعطف إذا اختلف ويجمع إذا اتّفق، ويغلّب التّذكير والعقل عند الشّمول وجوبا، وعند التّفصيل اختيارا، وإن تعدّد العامل واتّحد عمله ومعناه ولفظه أو جنسه جاز الإتباع مطلقا، خلافا لمن خصّص ذلك بنعت فاعلي فعلين وخبري مبتدأين، فإن عدم الاتّحاد وجب القطع بالرّفع على إضمار مبتدأ، أو بالنّصب على إضمار فعل لائق ممنوع الإظهار في غير تخصيص بوجهيه في نعت غير مؤكّد ولا ملتزم ولا جار على مشار به، وإن كان لنكرة فيشترط تأخّره عن آخر وإن كثرت نعوت معلوم أو منزل منزلته أتبعت أو قطعت أو أتبع بعض دون بعض وقدّم المتبع).
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على أمرين: أحدهما: الإشارة إلى حكم النعوت بالنسبة إلى التفريق والجمع إذا كانت لغير واحد.
ثانيهما: الإشارة إلى ما يجوز فيه القطع من النعوت وما يجب فيه ذلك وما يمتنع.
أما الأمر الأول: فإن التفريق يجب عند الاختلاف، والجمع يجب عند الاتفاق فالتفريق نحو: مررت برجلين كريم وبخيل، ورغبت في الزيدين القريشي والتميمي، وأنشد المصنف: 3159 - فأفنيناهم منّا بجمع... كأسد الغاب مردان وشيب 1 والجمع نحو: أويت [4/ 123] إلى رجلين كريمين واستعنت بالزيدين القرشيين.
ويغلب التذكير والعقل وجوبا عند الشمول فيقال في تغليب التذكير: مررت بزيد وهند الصالحين وبزيد والهندين الصالحين، ويقال في تغليب العقل: اشتريت عبدين وفرسين مختارين ويغلبان اختيارا أي في الاختيار عند التفصيل فتقول في تغليب التذكير: قاصد رجل وامرأة مررت باثنين صالح وصالح، وباثنين صالح وصالحة، -

................................  وصالحة وصالح وكذا مررت باثنين ذي عذرة وذي عذار وذات عذرة، وتقول في تغليب العقل: انتفعت بعبيد وأفراس سابقين وسابقين، ويجوز سابقين وسابقات.
ثم إن الشيخ ناقش المصنف في البيت الذي أنشده فقال أنه ليس من الذي ذكره 1، قال: لأنه قال غير الواحد قال: والمنعوت هنا ليس بمثنى ولا مجموع بل هو اسم مفرد.
وهو قوله: بجمع فلا يطلق عليه أنه غير الواحد، بل هو مفرد وإن كان مدلوله كثيرا؛ ولذلك صحت تثنيته في قوله تعالى: يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ 2 قال: فليس البيت نظير تمثيله وهو: مررت برجلين كريم وبخيل 3. انتهى.
والجواب: أن غير الواحد يصدق على ما هو غير واحد في اللفظ كالمثنى والمجموع وعلى ما هو غير واحد في المعنى وإن كان واحدا في اللفظ كاسم الجمع مثلا ولا يرتاب في ذلك.
ومن ثمّ مثل المصنف برجلين والزيدين للقسم الأول ومثل بالبيت للقسم الآخر.
وأما الأمر الثاني: وهو الإشارة إلى قطع المنعوت وجوبا ومنعا وجوازا.
فقد تضمنه قول المصنف وإن تعدد العامل إلى قوله: وقدم المتبع.
وبعد: فأنا أورد كلام المصنف ثم أردفه بما سيوقف عليه إن شاء الله تعالى.
قال في شرح هذا الموضع 4: مثال تعدد العامل واتحاد عمله ومعناه ولفظه: ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان، وهذا بكر وهذا بشر الفاضلان، ورأيت محمدا ورأيت خالدا الشجاعين، وعجبت من أبيك وعجبت من أخيك المحسنين.
ومثال اتحاد الجنس: هذا زيد وذاك عمرو الحسنيان، وذهب بكر وانطلق بشر الحارثيان، ورأيت عليّا وأبصرت سعيدا الماجدين، وسيق المال إلى عامر ولسالم المفضلين، فهذه الأمثلة وأشباهها جائز فيها الإتباع، وإن لم يكن العامل في اللفظ عاملا واحدا لأن ثاني العاملين فيها صالح لأن يعد توكيدا وأولهما صالح للاستغناء به ولانفراده بالعمل في النعت فيؤمن بذلك إعمال عاملين في معمول واحد.
وفي كلام سيبويه ما يوهم منع جواز الإتباع عند تعدد العامل في غير مبتدأين وفاعلين، -

................................  فإنه قال في باب ما ينتصب فيه الاسم: لأنه لا سبيل إلى أن يكون صفة بعد أن مثل بهذا فرس أخوي ابنيك العقلاء 1، ثم قال: ولا يجوز أن يجري وصفا لما انجر من وجهين كما لم يجز في ما اختلف إعرابه 2. ثم قال: وتقول: هذا عبد الله وذاك أبوك الصالحان لأنهما ارتفعا من وجه واحد وهما اسمان بنيا على مبتدأين، وانطلق عبد الله ومضى أخوك الصالحان؛ لأنهما ارتفعا بفعلين 3، فمن النحويين من أخذ من هذا الكلام أن مذهبه تخصيص نعت فاعلي الفعلين وخبري المبتدأين بجواز الإتباع.
والأولى أن يجعل مذهبه على وفق ما قررته قبل؛ لأنه منع الاشتراك في إعراب ما انجر من وجهين كما هو في: هذا فرس أخوي ابنيك.
وسكت عن المجرورين من وجه واحد وعن المنصوبين من وجه واحد، فعلم أنهما عنده غير ممتنعين، ويعضد هذا التأويل قوله في: هذا عبد الله، وذاك أبوك الصالحان «لأنهما ارتفعا من وجه واحد» فإن عدم اتحاد العمل وجب القطع بالرفع على إضمار مبتدأ وبالنصب على إضمار فعل نحو: مررت بزيد ولقيت عمرا الكريمان والكريمين، وكذلك إن اتحد العمل واختلف المعنى أو الجنس نحو: مررت بزيد واستعنت بعمرو، ومررت بزيد إمام عمرو، فقطع النعت الواقع بعد هذه المجرورات المختلفة وأشباهها متعين.
وقولي: بفعل لائق: نبهت به على أن بعض المواضع يليق به أمدح نحو: شكرت لزيد، ورضيت عن عمرو المحسنين، وبعضها يليق أذم نحو: أعرضت عن زيد وغضبت على عمرو الخبيثين، وبعضها يليق به أرحم نحو: رثيت لزيد وأسيت على عمرو المسكينين، وبعضها يليق به أعني وذلك إذا كان المذكور غير متعين نحو أن تقول: لذي أخوين اثنين مررت بأخيك والتفت إلى ابنك الكبيرين.
وإذا كان المضمر أمدح أو أذم أو أرحم لم يجز الإظهار.
وإذا كان المضمر أعني جاز الإظهار والإضمار وموضع تقدير، أعني هو موضع التخصيص المنبه عليه بقولي: ممنوع الإظهار في غير تخصيص.
ويجوز القطع بوجهيه، أي بالرفع والنصب في نعت غير مؤكد نحو لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ 4 ولا يلتزم نحو: الشعرى العبور ولا: جار على مشاربه نحو: -

................................  مررت بذلك الرجل، وما سوى نعوت هذه الثلاثة فالقطع فيها جائز على الوجهين المذكورين وإن كان المنعوت نكرة اشترط في قطع نعته مقاربته المعرفة بتقدم نعت غير مقطوع كقول الشاعر: 3160 - ويأوي إلى نسوة عطّل... وشعثا مراضيع مثل السّعالي 1 ومنه قول أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: «نزلنا على خال لنا ذو مال وذو هيئة» 2 وإذا كثرت النعوت والمنعوت لا يتعين إلا بجميعها لزم اتباعها كقولك: ائتني برجل مسلم عربي النسب فقيه كاتب نحوي حاسب واكسه من الثياب الجيدة الجديدة السابغة المخيطة أحسنها.
فهذه النعوت المتوالية على هذا الوجه وأشباهها بمنزلة نعت واحد لا يستغنى عنه فلا تقطع كما لا يقطع.
فلو حصل التعيين بدونها جاز للمتكلم أن يتبعها وأن يقطعها وأن يتبع بعضها ويقطع بعضها بشرط تقديم المتبع وتأخير المقطوع والإتباع [4/ 124] أجود وكذلك يجوز الإتباع والقطع في ما لا يحصل التعيين بدونه إذا قصد المتكلم تنزيله منزلة ما يحصل التعيين بدونه لتعظيم أو غيره ومنه قول الخرنق 3: 3161 - لا يبعدن قومي الّذين هم... سمّ العداة وآفة الجزر النّازلين بكلّ معترك... والطيّبين معاقد الأزر 4 ويروى الطيبون، ويروى النازلون والطيبين [والنازلين] 5 أربعة أوجه.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقوله في المتن: بوجهيه في نعت غير مؤكّد لم يكن متعلقا بما قبله ولم يذكر بعده ما يتعلق به.
والنسخ كلها متطابقة على قوله: بوجهيه دون تقدم شيء.
-

................................  قد أوقع الله تعالى في خاطري أن كلمة سقطت قبل قوله: بوجهيه وهي «ويجوز» أي ويجوز القطع بوجهيه أي بالرفع والنصب في غير كذا وكذا، وجزمت بذلك إلى أن وقفت على كلام المصنف في الشرح فرأيته قد صرح بهذه الكلمة التي ذكرتها كما تقدم ذكر ذلك عنه.
فالحمد لله الهادي إلى الصواب بمنه وكرمه.
وبعد: فقد تلخص من كلام المصنف أن قطع النعت له ثلاث أحوال تقدم الإشارة منا إليها وهي حالة وجوب، وحالة امتناع، وحالة جواز.
أما حالة الوجوب ففي ثلاث صور وهي: إذا كان العامل في المنعوت غير واحد ولم يتحدا في العمل نحو: «مررت بزيد ولقيت عمرا، أو اتحدا في العمل ولم يتحدا في المعنى نحو: «مررت بزيد واستعنت بعمرو» أو اتحدا في المعنى والعمل ولم يتحدا في اللفظ أو الجنس نحو: «قام زيد وذهب عمرو» والقطع في هذه الصور واجب سواء أكان النعت للبيان أم لغيره كالمدح والذم مثلا.
ولا يفترق الأمر بينهما إلا في أن إضمار أحد (الجزئين) واجب إذا كان النعت لغير البيان وجائز الإظهار والإضمار إذا كان للبيان.
وأما حال الامتناع ففي أربع صور وهي: أن يكون النعت للتوكيد، أو يكون ملتزم الذكر مع المنعوت، أو يكون جاريا على مشار به، وقد تقدمت أمثلة ذلك، أو يكون نعتا لنكرة ولم يتقدمه نعت آخر لها، وسبب الامتناع في هذه الصور ظاهر لأن التوكيد لو قطع لخرج عن أن يكون توكيدا والملتزم تبعيته لا يجوز أن يكون غير تابع والنكرة محتاجة إلى البيان.
وأما المشار به فسيأتي تعليله.
وأما حال الجواز ففي ثلاث صور وهي: إذا لم يكن أحد الثلاثة المذكورة أعني النعت التوكيدي والنعت الملتزم ذكره مع ذلك المتبوع ونعت المشار به سواء أكان النعت للبيان أم لغير البيان من مدح أو ذم أو ترحم وكان نعتا لمعرفة أو نعتا لنكرة وقد تقدم عليه نعت آخر أو كان النعت أكثر من واحد والمنعوت معلوم أو منزل منزلة المعلوم.
والصورة الأولى من صور الجواز استفيدت من قوله بوجهيه في نعت غير مؤكد إلى آخره لأن التقدير: ويجوز القطع -

................................  بوجهيه في غير كذا وكذا.
وعرف أنه قصد بهذا المعرفة لقوله بعد: وإن كان لنكرة فيشترط تأخره عن آخر؛ وإذ قد قرر هذا فلا شك أن شرط قطع النعت أن يكون المنعوت معلوما بدون النعت والمصنف لم يتعرض إلى ذكر هذا الشرط إلا عند ذكر تعدد النعت حيث قال: «وإن كثرت نعوت معلوم أو منزل منزلته، وكان الواجب حين قال بوجهيه في كذا أن يقول في نعت معلوم أو منزل منزلته، وقد يقال إن المصنف إنما لم يذكر ذلك؛ لأنه استغنى عنه باشتراطه مع تعدد النعوت.
ووجهه أن يقال: إذا كان القطع مع تعدد النعوت إنما يجوز بشرط كون المنعوت معلوما كان كون ذلك شرطا مع كون النعت لم يتعدد أحق وأولى.
وقد استوفى المصنف الكلام على مسائل القطع وأورد ذلك بأخصر عبارة وألطف إشارة ما في كلامه من القلق.
وكلام ابن عصفور على هذه المسألة أبسط وأبين وربما اشتمل على زيادة وذكر خلاف لم يتضمنه كلام المصنف.
فأنا أورده لقصد الإيضاح والبيان: قال رحمه الله تعالى 1: «اعلم أن الصفة لا تخلو من أن تتكرر أو لا تتكرر.
فإن لم تتكرر فالمنعوت إما معلوم أو مجهول فإن كان مجهولا فالإتباع ليس إلا، نحو: مررت برجل عاقب وبزيد الكريم، إذا لم يكن زيد معلوما عند المخاطب إلا أن يقدره وإن كان مجهولا تقدير المعلوم فإنه إذ ذاك يجوز فيه الإتباع والقطع وكان المخاطب يبنى على أن الصفة تتبين بهذا الموصوف وإن لم تورد تابعة فإنها لا تليق إلا به وذلك نحو: مررت برجل كريم وكريما.
وإن كان المنعوت معلوما عند المخاطب فإما أن تكون الصفة صفة مدح أو ذم أو ترحم أو غير ذلك فإن كانت غير ذلك فالإتباع ليس إلا نحو: مررت بزيد الطويل، وإن كانت الصفة أحد الثلاثة وكان الموصوف معلوما عند المخاطب جاز الإتباع والقطع وإذا قطعت فإلى الرفع على خبر ابتداء مضمر وإلى النصب بإضمار فعل تقديره أمدح أو أذم أو أرحم.
ومن الناس من لم يجز القطع إلا بشرط تكرار الصفة وذلك فاسد؛ لأنه قد حكي من كلامهم الحمد لله أهل الحمد والحمد لله -

................................  الحميد بنصب الحميد وأهل الحمد حكى ذلك سيبويه 1، فإن تكررت النعوت فلا يخلو أن يكون المنعوت معلوما أو مجهولا فإن كان مجهولا فالإتباع ليس إلا في موضعين فإنه يجوز الإتباع والقطع.
أحدهما: أن تقدره وإن كان مجهولا تقدير المعلوم تعظيما له وكان المخاطب يبني على أن الصفة وإن لم تورد تابعة يتبين بها الموصوف لأنها لا تليق إلا به نحو قولك: مررت برجل كبير الأقدام شريف الآباء.
والآخر: أن تكون الصفة المقطوعة قد تقدمها صفة متبعة تقاربها في المعنى وذلك نحو قولك: مررت برجل [4/ 125] شجاع فارس؛ لأن الشجاعة يفهم منها الفروسية ومن ذلك قوله: 3162 - ويأوي إلى نسوة عطّل... وشعثا مراضيع مثل السّعالي 2 فنصب (شعثا) على القطع؛ لأنه لما وصفهن بالعطل فهم من ذلك أنهن شعث.
فإن كان المنعوت معلوما فالصفة إما للمدح أو للذم أو للترحم، فإن لم تكن لشيء من ذلك فالإتباع ليس إلا نحو: مررت بزيد الطويل الأبيض الأشم، وإن كانت الصفة أحد الثلاثة - أعني المدح والذم والترحم - جاز لك ثلاثة أوجه: إتباع الجميع، وقطع الجميع، واتباع بعض وقطع بعض.
وتبدأ بالإتباع قبل القطع ولا يجوز القطع ثم الإتباع؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفصل بين النعت والمنعوت بجملة أجنبية.
وإذا اجتمع نعوت ومنعوتون فإما أن [تفرقهما] 3 أو تجمعهما أو تفرق المنعوتين وتجمع النعوت أو تفرق النعوت وتجمع المنعوتين فإن جمعتهما نحو: قام الزيدون العقلاء أو فرقتهما نحو: زيد العاقل وعمرو الكريم وعبد الله الظريف أو جمعت المنعوتين وفرقت النعوت نحو قام الزيدون العاقل والكريم والشجاع كان حكم ذلك كله حكم المنعوت المفرد في الإتباع والقطع في أماكن القطع؛ لأنه يجوز جمع المنعوتين وتفريق النعوت في جميع الأسماء نحو قوله: -

................................  3163 - بكيت وما بكا رجل حزين... على ربعين مسلوب وبال 1 إلا في أسماء الإشارة فإنه لا يجوز ذلك فيها.
فلا يقال: مررت بهذين الطويل والقصير؛ وسبب ذلك أن كل نعت لا بد فيه من ضمير يعود على المنعوت ليربطه به إلا أسماء الإشارة فإنها لا توصف إلا بالجوامد نحو: مررت بهذا الرجل، وإن وصفت بالمشتق فعلى أن يكون قائما مقام الجامد نحو: مررت بهذا العاقل - تريد بهذا الرجل العاقل - فحذفت الموصوف وأقمت الصفة مقامه؛ ولهذا يقل مجيء المشتق نعتا لأسماء الإشارة.
فإذا تقرر أنها توصف بالجوامد والجوامد لا تتحمل الضمير جعلوا نائبا عن الضمير في الربط كونه موافقا لموصوفه في الإفراد والتثنية والجمع.
فإن فرقت المنعوتين وجمعت النعوت فإما أن يتفق الإعراب أو يختلف.
فإن اختلف فالقطع ليس إلّا نحو: ضرب زيد عمرا العاقلان بالرفع على خبر ابتداء مضمر أو بالنصب على إضمار فعل، هذا مذهب البصريين.
وأما الكوفيون فإنما يوجبون القطع في المختلف الإعراب المختلف المعنى نحو المثال المتقدم.
وأما المختلف الإعراب المتفق المعنى فإنهم يجيزون فيه الإتباع بالنظر إلى المعنى والقطع في أماكن القطع وذلك نحو: ضارب زيد عمرا، فإن كل واحد من الاسمين ضارب ومضروب في المعنى فأجازوا العاقلان بالرفع نعتا لزيد وعمرو على معنى عمرو فيغلب المرفوع خاصة لأنه عمدة.
وهو مذهب الفراء 2. ومنهم من أجاز الرفع والنصب على الإتباع فيغلب تارة المرفوع وتارة المنصوب؛ لأن كل واحد من الاسمين معناه معنى المرفوع من حيث هو ضارب، ومعنى المنصوب من حيث هو مضروب (وهو مذهب ابن سعدان) 3. والصحيح أنه لا يجوز إلّا القطع بدليل أنه لا يجوز: ضارب زيد هندا العاقلة برفع العاقلة نعتا لهند على المعنى باتفاق من البصريين والكوفيين.
فإن اتفق الإعراب -

جارٍ التحميل