الباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحدا
[تعريف التنازع - العامل في المتنازع فيه]
قال ابن مالك: (إذا تعلّق عاملان من الفعل وشبهه متّفقان لغير توكيد أو مختلفان بما تأخّر غير سببيّ مرفوع عمل فيه أحدهما لا كلاهما خلافا للفرّاء في نحو: قام وقعد زيد).
قال ناظر الجيش: قد يقال: أي موجب لإيراد باب التنازع في هذا الموضع، حتى فصل به بين أبواب المفاعيل، ولم لا أورد أبواب المفاعيل الخمسة مواليا بين بعضها، والبعض الآخر، كما فعل غيره، والذي يظهر أن المقتضي لذلك أنه لما ذكر المفعول به، وقد تقدمه ذكر الفاعل، ومعلوم أن الفاعل يلزم ذكره، وأن المفعول به من متعلقات الفعل، وكان كلام العرب الجمع بين عاملين وأكثر، ثم إنهم لا يذكرون بعد العاملين أو العوامل إلا شيئا واحدا، فاعلا كان أو مفعولا، وكل من العاملين، أو العوامل يطلب ذلك الشيء من جهة المعنى، فيسلطون عليه أحد العاملين أو العوامل، ويحتاجون حينئذ إلى إضمار في أحد العاملين، أو تقدير معه، وذلك يحتاج إلى عمل، فأفرد النحاة لذلك بابا سموه بالتنازع، وقد يسمونه بالإعمال، وناسب أن يورد الباب المذكور بعيد هذين البابين - أعني باب الفعل وباب المفعول به -؛ لأن الحال يرجع إما إلى إضمار فاعل، وإما إلى تقدير مفعول، ولو أخر الباب المذكور أو قدم قلت المناسبة المذكورة.
وإذ قد عرف هذا فاعلم أن [2/ 337] المصنف لم يصرح بحد التنازع، ولكن يعرف الحد من كلامه؛ فإنه كما قال الشيخ: أبرزه في صورة شرطية 1، قلت:
وهو نظير ما فعل في الاشتغال؛ فإنه لم يحد الاسم المشتغل عنه، وإنما أورد كلاما في صورة شرط وجواب يستفاد منه المقصود، وليعلم أن المقتضي لذكر معمول واحد مع معمولين هو قصد الاختصار.
فالحاصل: أنه إن أريد الإطناب والتعظيم تعدّد المعمول، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ 2 وإن أريد الإيجاز وحّد المعمول مع تعدد العامل، كقوله -
الجزء: 4 - الصفحة: 1771
................................ تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً 3، ثم أنا أورد كلام المصنف أولا فإذا انتهى أتبعته بما يتعين الإشارة إليه، والتنبيه عليه. قال رحمه الله تعالى 4: العاملان من الفعل، وشبهه يتناول المتنازعين بعطف، وغير عطف، فعلين كانا، نحو: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً 5، أو فعلا واسما، نحو: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ 6، أو اسمين، نحو: أنا مكرم ومفضل زيدا 7، والعاملان في هذه الأمثلة متفقان في العمل، ومثال اختلافهما: أكرمت ويكرمني زيد، ومثال اختلافهما اسمين: أنا مكرم ومحسن إلى زيد، ومثال اختلافها اسما وفعلا، هل أنت مكرم فيشكرك زيد؟ وهذا كله على إعمال الثاني، ولو أعملت الأول لقلت: أكرمت ويكرمني زيدا، وهل أنت مكرم فيشكرك زيدا؟ بإضمار فاعلي يكرم ويشكر، ولو أعملت الأول في مسألة أنا مكرم، لقلت: أنا مكرم ومحسن إليه زيدا 8، ومن إعمال الأول والعاملان اسمان قول الشاعر 9: 1348 - وإنّي وإن صدّت لمثن وصادق... عليها بما كانت إلينا أزلّت 10 فلو كان ثاني العاملين مؤكدا؛ لكان في حكم الساقط، كقول الشاعر: 1349 - أتاك أتاك اللّاحقون احبس احبس 11
الحديث: 1348 - الجزء: 4 - الصفحة: 1772
................................ فـ «أتاك» الثاني توكيد للأول؛ فلذلك لك أن تنسب العمل لهما لكونهما شيئا واحدا في اللفظ والمعنى، ولك أن تنسبه للأول وتلغي الثاني، لفظا أو معنى، لتنزله منزلة حرف زيد للتوكيد؛ فلا اعتداد به على التقديرين؛ ولولا عدم الاعتداد به، لقيل: أتاك أتوك أو أتوك أتاك 12، وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي: متفقان لغير توكيد؛ وفي قولي: بما تأخر؛ تنبيه على أن مطلوب المتنازعين لا يكون إلا متأخرا؛ لأنك إذا قلت: زيد أكرمته، ويكرمني، وزيد هل أنت مكرمه فيشرك، وزيد أنا مكرمه ومحسن إليه أخذ كل واحد من العاملين مطلوبه، ولم يتنازعا 13، ونبهت بقولي: غير سببي مرفوع؛ على أن نحو: زيد منطلق مسرع أخوه، لا يجوز فيه تنازع؛ لأنك لو قصدت فيه التنازع لأسندت أحد العاملين إلى السببي، وهو الأخ وأسندت [2/ 338] الآخر إلى ضميره، فيلزم عدم ارتباطه بالمبتدأ؛ لأنه لم يرفع ضميره ولا ما التبس بضميره ولا سبيل إلى إجازة ذلك؛ فإن سمع مثله حمل على أن المتأخر مبتدأ مخبر عنه بالعاملين المتقدمين عليه، وفي كل واحد منهما ضمير مرفوع، وهما وما بعدهما خبر عن الأول، ومنه قول كثير: 1350 - قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه... وعزّة ممطول معنّى غريمها 14
-
- وأوضح المسالك (1/ 163)، والأشباه والنظائر (4/ 150). والشاهد قوله: «أتاك أتاك اللاحقون»؛ حيث إن العامل الثاني هنا قد أتي به لتوكيد وتقوية العامل الأول، فليس ذلك من باب التنازع.
الحديث: 1350 - الجزء: 4 - الصفحة: 1773
................................ أراد: وعزة غريمها ممطول معنى، وفي تقييد السببي بمرفوع 15 تنبيه على أن السببي غير المرفوع لا يمتنع من التنازع كقولك: زيد أكرم وأفضل أخاه، وجعل الفراء الرفع في نحو: قام وقعد زيد بالفعلين معا 16، والذي ذهب إليه غير مستبعد 17؛ فإنه نظير قولك: زيد وعمرو منطلقان، على مذهب سيبويه؛ فإن خبر المبتدأ عنده مرفوع بما هو له 18؛ فلزمه أن يكون «منطلقان» مرفوعا بالمعطوف والمعطوف عليه؛ لأنهما يقتضيانه معا، ويمكن أن يكون على مذهبه قول الشاعر: 1351 - إنّ الرّغاث إذا تكون وديعة... يمسي ويصبح درهما ممحوقا 19 فلو كان العطف بأو أو نحوهما، ممّا لا يجمع بين الشيئين، لم يجز أن يشترك العاملان في العمل، كقول الشاعر: 1352 - وهل يرجع التّسليم أو يكشف العمى... ثلاث الأثافي والدّيار البلاقع 20
-
- و «وفّى» تنازعا غريمه وأعمل الثاني منهما.
الحديث: 1351 - الجزء: 4 - الصفحة: 1774
................................
وليس هذا من باب التنازع؛ إذ لو كان منه لكان أحد الفعلين بتاء؛ لأن فاعله على ذلك التقدير ضمير مؤنث؛ وإنما يحمل على أنه أراد: وهل يرجع التسليم ما أشاهد واستغنى بالإشارة، كما قالوا: إذا كان غدا فأتني، أي: إذا كان ما نحن عليه فأتني 21، ثم أبدل ثلاث الأثافي من الضمير المنوي.
انتهى كلام المصنف 22.
وأما ما يشار إليه وينبه عليه فأمور:
الأول: أن كلام المصنف في ترجمة الباب وما افتتح الباب به اشتمل على ضوابطه التي ذكرها غيره، فمنها: أن العوامل المتنازعة يجوز أن تزيد على اثنين، كما سيأتي شواهد ذلك؛ لكنهم ذكروا أنه لم يرد في كلام العرب أكثر من ثلاثة 23.
ومنها: أن المعمول المتنازع فيه يجب أن يكون واحدا، ومن الناس من لم يصرح بوجوب الوحدة؛ فكان كلامه محتملا، ومنهم من صرح؛ بأن المعمول يجوز أن يزيد على واحد؛ ولذا قال ابن عصفور لما ذكر التنازع، هو أن يجتمع عاملان فصاعدا 24، ويتأخر عنهما معمول فصاعدا، وقرر الشيخ بهاء الدين بن النحاس كلامه، ومثل له بنحو: ظننت وعلمت زيدا منطلقا، حتى جعل الشيخ أثير الدين المسألة خلافية، فقال:
إن المصنف ذكر المجمع عليه في قوله في الترجمة: معمولا واحدا، وذكر [2/ 339] المختلف فيه في آخر الباب 25، يعني به قوله: ولا يمنع التنازع تعدّ إلى أكثر من واحد، والذي يظهر أن المعمول إنما يكون واحدا، وهو في قولنا: متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا، واحد لا متعدد؛ لأن المراد بتوحد المعمول: أن يكون معمول أحد العاملين هو المذكور دون معمول العامل الآخر، سواء أكان ذلك المعمول في نفسه واحدا أو أكثر، وليس المراد توحده في نفسه؛ بأن يكون واحدا فقط، هكذا فهم من قوة كلامهم مع مساعدة المعنى.
ومنها: أن العوامل كما تكون أفعالا تكون غير أفعال كالأسماء العاملة عمل الفعل لا كالحروف؛ فإنهم نصوا على أن لا مدخل لها في هذا الباب 26، وقد - - بـ «أو» ولذلك لم يجعل ابن مالك مثل هذا من التنازع؛ لأنه لا يجوز أن يشترك العاملان هنا في العمل.
الجزء: 4 - الصفحة: 1775
................................
استفيد عدم دخول الحرف من قوله: (عاملان من الفعل وشبهه) فإن الحروف العاملة ليست شبه الفعل؛ وإنما هي مشبهة بالفعل، وقيد ابن عصفور العوامل بكونها متصرفة تحرزا من «إنّ» وأخواتها، كما قال 27، وليس بجيد؛ لأن العامل في هذا الباب قد يكون اسم فعل؛ قال الله تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ 28، ولا شك أن أسماء الأفعال لا تتصرف.
ومنها: أن المعمول يكون مؤخرا عن العاملين، أو العوامل؛ فلا يجوز تقدمه ولا توسطه وهذا هو المشهور المعروف، وعليه إطباق النحاة، ولعله إجماع 29، وقد نقل عن الفارسي في قول الشاعر 30:
1353 - مهما تصب أفقا من بارق تشم 31
إنّ «من» زائدة و «بارق» في موضع نصب بـ «تشم»، ومفعول «تصب» -
الحديث: 1353 - الجزء: 4 - الصفحة: 1776
................................
محذوف وهو ضمير عائد على «بارق».
قال الشيخ بعد نقله ذلك: والإعمال مع المتوسط غريب، ويدل على أن التقدم في العاملين ليس بشرط.
انتهى 32.
ولا معول على هذا، ولا ينبغي التشاغل به، ويكفي أنه قول مخالف للإجماع وقد رأيت لبعض الفضلاء الشارحين لهذا الكتاب بحثا في هذا الموضع، وهو أنه قال:
الذي يظهر أن تأخير المعمول ليس بشرط في جواز التنازع؛ بل حيث يقدّم المعمول أو يوسط، وجاز عمل كل من العاملين مع تقدمه أو توسطه، جاز فيه التنازع، وحيث امتنع عملهما، أو عمل أحدهما فيه فليس من باب التنازع؛ فإذا قلت: زيد ضارب مكرم عمرا فـ «ضارب» و «مكرم» صالحان للعمل في «عمرو» إذا تقدم أو توسط فلا مانع من التنازع إذا تقدم أو توسط، نحو: زيد عمرا ضارب مكرم، وزيد ضارب عمرا مكرم، و «ضارب» و «مكرم» خبران؛ فإن امتنع عملهما، أو عمل أحدهما لمانع؛ لم يكن من باب التنازع، كقولك: زيد قام وقعد؛ لأن الفاعل لا يتقدم على رافعه، وكذلك قام زيد وقعد فـ «زيد» فاعل «قام» [2/ 340] ولا يجوز أن يرتفع بـ «قعد» لما ذكر، وكذلك لو قلت: زيدا ضربت وأكرمت، لم يجز التنازع؛ وإن كان المفعول يجوز تقديمه على عامله؛ بل يتعين نصب زيد بضرب؛ لأن أكرمت لا يعمل فيه لكونه تابعا، ومعمول التابع لا يتقدم على المتبوع على الصحيح، قال: وإذا علم هذا؛ فما أجازه الفارسي في البيت يعني:
1354 - مهما تصب أفقا.... 33
فيه نظر من جهة أن جواب الشرط لا يتقدم عليه معموله عند الجمهور 34.
ومنها: أن لا يكون أحد العاملين مؤكدا للآخر، وذلك إذا اتفقا لفظا ومعنى (4) كما تقدم.
ومنها: أن يكون المعمول غير سببي مرفوع، وقد عرفت العلة الموجبة لذلك 35، وعلم من تقييد السببي بمرفوع أن السببي المنصوب يجوز كونه متنازعا فيه؛ فإن قيل: كيف جاز التنازع في السببي المنصوب دون المرفوع، نحو قولك: زيد أكرم وأفضل أباه، فالجواب: أن المانع الذي منع التنازع في المرفوع هو خلو أحد العاملين -
الحديث: 1354 - الجزء: 4 - الصفحة: 1777
................................ الواقع خبرا من رابط يربطه بالمبتدأ، إذا قلت: 1355 - وعزّة ممطول معنّى غريمها 36 لأن الضمير المستكن؛ إنما يعود على المضاف، وهو غريم دون المضاف إليه، وهذا المانع مفقود، إذا كان السببي منصوبا، وذلك أنك إذا قلت: زيد أكرم، وأفضل أخاه وأعملت الثاني مثلا، أو الأول: كنت قد حذفت من الآخر، والمحذوف مقدر، وإذا كان مقدرا قدر المضاف، والمضاف إليه معا، فلا يذهب الربط بخلاف ما إذا كان مضمرا 37. ومنها: أن يكون كل من العاملين، أو العوامل طالبا لذلك المعمول من حيث المعنى، وهذا يستفاد من قول المصنف: (إذا تعلق عاملان بما تأخر)؛ لأن العامل إنما يتعلق بشيء إذا كان طالبا له، ومن ثم لم يكن قول امرئ القيس: 1356 - فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة... كفاني - ولم أطلب - قليل من المال 38 من هذا الباب قال سيبويه رحمه الله تعالى: فإنما رفع؛ لأنه لم يجعل القليل مطلوبا؛ وإنما المطلوب عنده الملك، ولو لم يرد ذلك ونصب فسد المعنى 39، يريد إن جعل «أطلب» عاملا في «قليل» يفسد المعنى، وتقرير ذلك أن «لو» تدل على امتناع -
الحديث: 1355 - الجزء: 4 - الصفحة: 1778
................................ الشيء لامتناع غيره، وإذا كان ما بعدها مثبت كان منفيّا في المعنى، وإذا كان منفيّا كان مثبتا؛ لأنها تدل على امتناعه، وامتناع النفي إثبات، وإذا ثبت ذلك فقوله: 1357 - فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة فيه نفي للسعي لأدنى المعيشة فلو وجه «ولم أطلب.. إلى قليل»، أوجب فيه أن يكون فيه إثبات لطلب القليل؛ لأنه في سياق [2/ 341] جواب «لو»، فيكون نافيا للسعي لأدنى معيشة مثبتا لطلب القليل من المال، وهو غير ما ثبت نفيه، فيؤدي إلى أن يكون نافيا مثبتا لشيء واحد في كلام واحد، وهو فاسد 40، وإذا كان كذلك سقط استدلال الكوفيين بهذا البيت على أن إعمال الأول هو الأفصح؛ لأنهم قالوا: الشاعر فصيح، وكان يمكنه إعمال الثاني، فلما أعمل الأول من غير ضرورة دل على أن إعمال الثاني ليس بالأفصح، وإذا لم يكن الأفصح ثبت أن الأول أفصح؛ إذ لا قائل بغير ذلك، ويقوى ذلك بأنه أعمل الأول مع ارتكاب ما يلزمه من حذف المفعول من الثاني، ولو أعمل الثاني لم يلزمه ارتكاب أمر محذور، قالوا: وذلك ظاهر في أن إعمال الأول أفصح، وأجاب البصريون: بأن هذا البيت ليس من باب الإعمال في شيء، كما تقدم تقريره 41، قال ابن عصفور: فإن قيل: لأي شيء جعلت، ولم أطلب جوابا لـ «لو» وعطفته على كفاني حتى لزم هذا، وهلا جعلت الجملة من قوله: «ولم أطلب» معطوفة على قوله: فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة... كفاني..... وكأنه قال: وأنا لم أطلب قليلا؛ فيتصور توجيهه عليه؛ فيكون من باب الإعمال بهذا الطريق؟ فالجواب: أن هذا لا يتصور، وقد كان الأستاذ أبو علي جعله من الإعمال بهذا الطريق ووجه بطلانه أن العاملين في هذا الباب، لابد أن يشتركا، وأدنى ذلك بحرف العطف حتى لا يكون الفصل معتبرا، أو يكون الفعل الثاني معمولا للأول، وذلك نحو قولك: جاءني يضحك زيد، فجعل في «جاءني» ضميرا، أو في «يضحك» حتى لا يكون هذا الفعل فاصلا، وأقل ذلك حرف العطف حتى تكون الجملتان قد اشتركتا أدنى اشتراك فيسهل الفصل، وأما إذا -
الحديث: 1357 - الجزء: 4 - الصفحة: 1779
................................
جعلت «ولم أطلب» معطوفا على «فلو أن ما أسعى»؛ فإنك تفصل بجملة أجنبية ليست محمولة على الفعل الأول، فتكون إذ ذاك بمنزلة: أكرمت أهنت زيدا، والعرب لا تتكلم بهذا أصلا 42. انتهى.
قال الشيخ: هذا الذي ذكره ابن عصفور من انحصار التشريك بين جملتي التنازع في العطف، وأن يكون الفعل معمولا للأول؛ وأنه لا يقع الإعمال إلا على هذين الوجهين، ليس كما ذكر ألا ترى؛ أنهم جعلوا من التنازع قوله:
1358 - لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا... حيّا الحطيم وجوههنّ وزمزم 43
فتنازع «حيّا» الأول، وهو خبر كان، و «حيّا» الثاني، وهو جواب «لو» ولا اشتراك بينهما بحرف عطف، ولا الثاني معمول للأول، وقول الآخر [2/ 342]:
1359 - بعكاظ يعشي النّاظري... ن إذا هم لمحوا شعاعه 44
تنازع «يعشي» و «لمحوا»، وليس ثم عطف، ولا عمل للفعل الأول في الثاني، وقول الآخر: -
الحديث: 1358 - الجزء: 4 - الصفحة: 1780
................................ 1360 - ولم أمدح لأرضيه بشعري... لئيما أن يكون أفاد مالا 45 وكذا قول الآخر: 1361 - علّموني كيف أبكيهم........ البيت 46 وقول الآخر: 1362 - ألا هل أتاها على نأيها......... البيت 47 وكذا قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً 48. انتهى 49. وأقول: إن ابن عصفور؛ إنما قال: لابد أن يشترك العاملان وأدنى ذلك بحرف العطف، أو يكون الفعل الثاني معمولا للأول؛ ولا شك أن هذه العبارة تعطي عدم الانحصار، والذي ادعاه ابن عصفور إنما هو أن يشترك العاملان، والاشتراك أعم من أن يكون بعطف وعمل وبغيرهما، وكيف يدعي ابن عصفور الانحصار في هذين الأمرين، وقد ذكر أكثر الأبيات التي رد بها الشيخ عليه شواهد على التنازع في هذا الباب؟! والذي استشهد به الشيخ على ابن عصفور قد حصل الاشتراك فيه كله بين العاملين؛ ففي البيت الأول: أحد المتنازعين في حيز الشرط، والآخر هو جواب الشرط، وفي البيت الثاني: الأول دليل جواب الشرط، والثاني هو الشرط، -
الحديث: 1360 - الجزء: 4 - الصفحة: 1781
................................
وفي البيت الثالث: الفعل الثاني علة للأول، وفي البيت الرابع: ما قيل في البيت الثاني، وفي البيت الخامس الفعل الواحد صلة لسبب الفعل الآخر؛ فالاشتراك بين العاملين حاصل، وذلك هو مقصود ابن عصفور رحمه الله تعالى.
ثم قال الشيخ: وذهب بعضهم إلى أن البيت من الإعمال على تقدير أن يكون «لم أطلب» معطوفا على «كفاني»؛ وأنه يصح أن يكون جوابا لـ «لو» لو أفرد دون كفاني، ويكون التقدير: لو سعيت لأدنى معيشة، لم أطلب قليلا من المال؛ لأن قليل المال يمكنني دون طلب 50، قال: وهذا معنى حسن سائغ يصح معه الإعمال، ثم قال وعلى هذا المعنى يكون أيضا الإعمال جائزا على وجه آخر، وهو أن تكون الواو في «ولم أطلب» واو الحال، ويكون التقدير: لو كان سعيي، لأدنى معيشة كفاني قليل من المال غير طالب له لحصوله عندي 51. انتهى.
وأقول: أما التخريج الأول: فلم أتحققه، ولم أفهم قوله: إنّ لم أطلب يكون جوابا لـ «لو»، لو أفرد دون كفاني، ثم لازم قوله أن يكون ما سعى لأدنى معيشة؛ وأنه يطلب القليل لما عرفت أن المثبت بعد «لو» منفي، والمنفي مثبت.
وأما التخريج الثاني: فقد قال ابن خروف: إن الحال فاسدة، ووجه الشيخ جمال الدين بن عمرون فساد الحال؛ بأن قال: إنما كانت فاسدة؛ لأنها تكون مقيّدة للكفاية؛ لأن المعمول يقيد العامل، يعني أن «لم أطلب» حينئذ يكون حالا من فاعل كفاني أو من مفعوله، والعامل [2/ 343] في الحال، هو العامل في صاحب الحال؛ فيكون كفاني عاملا في لم أطلب مقيدا للكفاية، قال ابن عمرون: ولا يلزم من انتفاء المقيد انتفاء المطلق، فلا يعطي حينئذ مراد الشاعر من حيث يصير المعنى: أنه لو سعى لأدنى معيشة لكفاه القليل مقيدا بعدم الطلب، وليس مراده؛ بل مراده أنه لو سعى لأدنى معيشة لكفاه القليل، سواء أطلبه أم ترك طلبه، قال ابن عمرون:
وهذا يحتمل أن يكون سر قول سيبويه: لو نصب لفسد المعنى 52.
قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى 53: فإن قيل: فلم ذكر أبو علي -
الجزء: 4 - الصفحة: 1782
................................
والمبرد هذا البيت في باب التنازع؟ فالجواب: ما ذكره المازني رحمه الله تعالى وهو:
أنه لو لم يكن إعمال الأول جائزا، لما وضع هذا في هذا الموضع، بيان هذا الكلام يعني: أنك إذا أعملت الأول في باب التنازع، تكون قد فصلت بين الأول ومعموله بجملة كما فصلت هنا بين «كفاني» وبين «قليل» الذي هو معمول بـ «لم أطلب»، وهو جملة حملا على باب التنازع، وقال ابن عصفور: فإن قيل: فكيف جابه الفارسي على الإعمال؟ فالجواب: أنه أراد بقوله: من الإعمال؛ أنه يشبه الإعمال؛ لتداخل الجملتين بالعطف، ونظير هذا ما أنشده في التذكرة على أنه من شبه الإعمال:
1363 - وإنّي وإن صدّت لمثن وقائل... عليها بما كانت إلينا أزالّت
فما أنا بالدّاعي لعزّة بالرّدى... ولا شامت إن نعل عزّة زلّت 54
لأنه لما عطف فعل بين العامل ومعموله؛ وذلك أن معمول «مثن» إنما هو «عليها» وقد فصل بينهما بقوله: «وقائل» ومعمول «قائل» إنما هو:
فما أنا بالدّاعي لعزّة بالرّدى
وفصل بينهما بمعمول «مثن»؛ فإذا قد جعل هذا بشبه الإعمال لتداخل الجملتين بالعطف حتى يسوغ ذلك الفصل، فكذلك يكون مذهبه في بيت امرئ القيس.
هذا كلامه في شرح الجمل 55، إلا أنه قال بعد ذلك: فإن قيل: إذا لم يكن من الإعمال، فكيف أجزتم الفصل بجملة أجنبية؟ فالجواب: أنها غير أجنبية، لأنا إنما جعلنا معمول «لم أطلب» «الملك»، وإذا كان كذلك كانت مشتركة؛ لأنها في معنى «كفاني القليل»، ألا ترى أن «لم أطلب الملك» يكون جوابا لـ «لو» وما ذاك إلا لأن المعنى واحد 56. انتهى.
وظاهر قوله في الجواب: إن «لم أطلب الملك» يكون جوابا لـ «لو»، لأن «لم أطلب الملك» في معنى كفاني القليل،
يقتضي أن طلبه للملك منتف، كما أن كفاية القليل منتفية أيضا، وليس كذلك؛ لأن طلبه للملك ثابت لوقوعه منفيّا في -
الحديث: 1363 - الجزء: 4 - الصفحة: 1783
................................ جواب «لو» وإذا كان كذلك، فكيف يكون معنى الجملتين واحدا؟! 57. الثاني 58: أن المصنف وابن عصفور، وأكثر المصنفين، أطلقوا القول في المتنازع فيه، فلم يقيدوه بشيء، وقيد ابن الحاجب بأن يكون اسما ظاهرا 59؛ وعلل ذلك بأن العاملين إذا وجها لمضمر استويا في صحة الإضمار فيهما؛ لأنهما إن كانا لمتكلم قلت: ضربت وأكرمت ونحوه، وإن كانا لمخاطب قلت: ضربك وأكرمك ونحوه، وإن كانا لغائب قلت: زيد ضرب وأكرم؛ فلم يتنازعا شيئا؛ لأن كل واحد منهما يجب له مثل ما يجب للآخر، ثم قال: فإن قلت فما تصنع بمثل ما ضرب وأكرم إلا أنت أو إلا أنا أو إلا هو، ونحوه؛ فإنهما فعلان وجها إلى مضمر تنازعاه؛ لأنه يصلح أن يكون لكل واحد منهما كالظاهر، قلت: قد ذكر ذلك بعض المتأخرين وهو غلط؛ لأنه لو كان من هذا الباب لوجب أن يكون في أحدهما المضمر؛ لأنه فاعله، فيقال: ما ضربت وأكرم إلا أنا، وما ضرب وأكرمت إلا أنت، وعند ذلك يفسد المعنى؛ وإنما هذا كلام محمول على الحذف، وتقديره: ما ضرب إلا أنت، وما أكرم إلا أنت؛ فحذف ذلك من أحدهما تخفيفا 60. انتهى. والحق ما قاله ابن الحاجب، فليكن كون المتنازع فيه ظاهر شرطا منضمّا إلى الشروط التي ذكرها المصنف. الأمر الثالث: لا فرق في العاملين بين أن يكونا متعديين أو لازمين يتعديان بالحرف، أو أحدهما متعديا، والآخر لازما، وعليه قوله 61: 1364 - إذا هي لم تستك بعود أراكة... تنحّل فاستاكت به عود إسحل 62
الحديث: 1364 - الجزء: 4 - الصفحة: 1784
................................
فتنازع في البيت «تنحل»، وهو متعدّ و «استاكت» وهو لازم.
الأمر الرابع: لم أتحقق المقتضي لإخراج المصنف، نحو:
1365 - وهل يرجع التّسليم أو يكشف العمى... ثلاث الأثافي..... البيت 63
من باب التنازع؛ فإن كان من أجل أن العطف ليس بحرف جامع مشرك، كما يعطيه ظاهر قوله: فلو كان العطف بأو، أو نحوها، مما لا يجمع بين الشيئين، ولم يجز أن يشرك العاملان في العمل، فليس بظاهر؛ لأن مبنى الباب على أن كل عامل من العاملين يطلب معمولا، وليس معنا إلا واحد، ولا نظر إلى كون العاطف يجمع بين الشيئين، أو لا يجمع؛ وإن كان من أجل أنه لو كان من هذا الباب، لكان أحد العاملين بناء سهل الخطيب؛ لأننا ندعي أنه من هذا الباب، ونعتذر عن عدم التاء في أحد الفعلين بما سنذكره، وإذا تم هذا فلا معول حينئذ على قوله: فلو كان العطف بأو أو نحوها، مما لا يجمع بين الشيئين، لم يجز أن يشترك العاملان في العمل، إذ قد تبين أن ذلك لا أثر له، وقد أنشد ابن عصفور هذا البيت على إنه من الإعمال؛ وأنه قد يستدل به للكسائي في جواز حذف الفاعل، كما استدل له [2/ 344] بغير ذلك، وأنشد البيت الذي أوله:
1366 - لو كان حيّا قبلهنّ 64
والبيت الذي أوله:
1367 - تعفّق بالأرطى........ البيت 65
ثم أجاب عن الجميع؛ بأن الضمير يكون عائدا على الجمع، أو التثنية بلفظ المفرد، فاستتر كما استتر في حال الإفراد 66، ثم إن المصنف جعل ما ورد في -
الحديث: 1365 - الجزء: 4 - الصفحة: 1785
................................
الحديث الشريف: «إنّ الله لعن، أو غضب على سبط من بني إسرائيل» 67 من المتنازع كما سيأتي مع أن العطف فيه بأو.
الأمر الخامس: تقدم إنشاد المصنف 68 قول الشاعر:
1368 - وإنّي وإن صدّت لمثن وصادق... عليها بما كانت إلينا أزلّت 69
وأنه جعله من الإعمال حيث قال: ومن إعمال الأول، والعاملان اسمان قول الشاعر، وأنشد البيت المذكور، والكلام معه في هذا البيت من وجهين:
أحدهما: أن العامل الأول الذي هو «مثن» طالب للضمير المجرور بـ «على» متسلط عليه، ولم يكن العامل الآخر الذي هو «صادق» متسلطا عليه؛ لأنه لا يطلبه؛ لأن مطلوبه شيء آخر، التقدير: وصادق فيما أذكره، وإذا كان كذلك؛ فلا تنازع في البيت حينئذ.
الثاني 70: أن ابن عصفور أنشد البيت المذكور «لمثن وقائل»، وجعل معمول «قائل»: «فما أنا بالداعي لعزة بالردى».
ولكن الرواية لا تدفع برواية، والمصنف معتمد على قوله ونقله وروايته؛ لأنه الإمام الذي لا يدافع، والمتبوع الذي
لا يمانع، والذي يظهر أن رواية «وصادق» مرجحة من حيث المعنى على رواية «وقائل»؛ لأن مراد الشاعر أن يخبر عن صدقه فيما يورد من الثناء على هذه المرأة، ثم أخبر عن نفسه بعد ذلك، بأنه غير داع عليها بالردى، ولا شامت بها إن زلت فعلها يعني بذلك أن هذا وظيفته أبدا وشأنه، وليس يريد أن يخبر أنه يقول ذلك؛ لأنه لا يلزم من قوله ذلك أن يكون متصفا به، ولكن ليس هذا البيت من التنازع في شيء.
الأمر السادس: قد تقدم ذكر مذهب الفراء في نحو: قام وقعد زيد، وقول المصنف فيه: إنه غير مستبعد، وقوله: إنه نظير زيد وعمرو منطلقا، على مذهب سيبويه؛ فإن المبتدأ عنده هو العامل في الخبر، وقوله: فيلزمه أن يكون «منطلقا» -
الحديث: 1368 - الجزء: 4 - الصفحة: 1786
[خلاف البصريين والكوفيين في العامل]
قال ابن مالك: (والأحقّ [2/ 345] بالعمل الأقرب لا الأسبق خلافا للكوفيّين).
مرفوعا بالمعطوف والمعطوف عليه 71، وهذا الكلام من المصنف غير مرض؛ فإن المبتدأ الطالب وقوع «منطلقان» خبرا عنه؛ إنما هو «زيد وعمرو» معا، ولا استقلال لأحد الاسمين بالابتدائية دون الآخر، وإذا كان كذلك فلم يتعدد العامل في الخبر؛ إنما العامل واحد، ويكفي دليلا على ما قلناه مع وضوحه، قول المصنف:
لأنهما يقتضيانه معا؛ لأنه أبان أن أحدهما بمفرده لا يقتضي الخبر المذكور 72.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 73: مذهب البصريين ترجيح إعمال الثاني على إعمال الأول، ومذهب الكوفيين العكس، وما ذهب إليه البصريون هو الصحيح؛ لأن إعمال الثاني أكثر في الكلام من إعمال الأول، وموافقة الأكثر أولى من موافقة الأقل، ومما يبين لك أن إعمال الأول قليل، قول سيبويه: ولو لم تجعل الكلام على الآخر لقلت: ضربت وضربوني قومك؛ وإنما كلامهم ضربت وضربني قومك 74.
وهذا حكاية عن العرب بالحصر بإنما، وظاهره أنهم يلتزمون ذلك دون إجازة غيره، لكنه قال في الباب بعد هذه
العبارة بأسطار: وقد يجوز ضربت وضربني زيدا؛ لأن بعضهم قد يقول: متى رأيت أو قلت: زيدا منطلقا، والوجه: متى رأيت أو قلت: زيد منطلق 75؛ فدل نقل سيبويه مجردا عن الرأي على أن إعمال الثاني هو الكثير في كلام العرب، وأن إعمال الأول قليل، ومع قلته لا يكاد يوجد في غير الشعر، بخلاف إعمال الثاني؛ فإنه كثير الاستعمال في النثر والنظم، وقد تضمنه القرآن المجيد في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ 76، وقوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً 77، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا 78، وقوله تعالى: تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ -
الجزء: 4 - الصفحة: 1787
................................ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ 79، وقوله تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ 80، وقوله تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً 81، فهذا كله من إعمال الثاني، ولو كان من إعمال الأول؛ لقيل: قل الله يفتيكم فيها في الكلالة، وآتوني أفرغه عليه قطرا، والذين كفروا وكذبوا بها بآياتنا، وتعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله، وهاؤم اقرؤوه كتابيه؛ وأنهم ظنوه كما ظننتموه أن لن يبعث الله أحدا؛ لأن المعمول مقدر الاتصال بعامله؛ فيلزم من ذلك تقدير تقديمه على العامل الثاني، ولو كان في اللفظ كذلك، لاتصل به ضمير المعمول على الأجود، نحو: آتوني أفرغه عليه، فإذا نوي ذلك كان إبراز الضمير أولى؛ لأن الحاجة إليه أدعى، وفي الحديث: «إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم» 82، وهذا من أفصح الكلام، وقد أعمل فيه الثاني، ولو عمل فيه الأول لقيل: إن الله لعن أو غضب عليهم سبطا، ومما يدل على ترجيح إعمال الأقرب إذا كان ثانيا التزام إعماله، إذا كان ثالثا، أو فوق ذلك بالاستقراء، ولا يوجد إعمال غيره، ومن أجازه فمستنده الرأي، ومنه اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على آل إبراهيم 83، ولو أعمل الأول لقيل: كما صليت ورحمتهم وباركت عليهم على آل إبراهيم، ومثله قول الشاعر: 1369 - جئ ثمّ حالف وثق بالقوم إنّهم... لمن أجاروا ذرى عزّ بلا هون 84
الحديث: 1369 - الجزء: 4 - الصفحة: 1788
................................
وفي لزوم إعمال الأقرب إذا كان ثالثا دلالة بالغة على رجحان إعماله إذا كان ثانيا، ومما يدل [2/ 346] على رجحان إعمال الثاني أنه مخلص من ثلاثة أشياء منفرة يستلزمها إعمال الأول:
أحدها: كثرة الضمائر كما رأيت في مسألة «كما صليت، ورحمتهم، وباركت عليهم».
الثاني: توالي حروف الجر، نحو: تنبّئت كما تنبّئت عنه به عن زيد بخير.
الثالث: الفصل بين العامل، والمعمول، والعطف على العامل قبل ذكر معموله، ومما يدل على رجحان إعمال الثاني؛ أنه موافق لما تؤثره العرب من التعليق بالأقرب والحمل عليه؛ وإن لزم من ذلك تفضيل زائد على غير زائد،
نحو: خشنت بصدره وصدر زيد، ففضلوا إجراء المعطوف حملا على الباء لقربها؛ وإن كانت زائدة على نصبه حملا على عمل «خشنت» لبعده؛ وإن لم يكن زائدا، ومما يدل على رجحان إعمال الثاني؛ أن فيه تخلصا من الإعلال بحق ذي حق؛ وذلك أن لكل واحد من العاملين قسطا من عناية المتكلم، فإذا قدم أحدهما، وأعمل الآخر عدل بينهما؛ لأن التقديم اعتناء، والإعمال اعتناء، وإذا أعمل المتقدم لم يبق للمؤخر قسط من العناية، فكان المخلص من ذلك راجحا 85، ورجح بعض الناس إعمال السابق بثلاثة أشياء 86:
أحدها: أن ترجيحه موافق لما أجمعت العرب عليه من مراعاة السابق في قولهم:
ثلاث من البط ذكور، وثلاثة ذكور من البط، فآثروا مقتضى البط لسبقه، فأسقطوا التاء، وأثروا مقتضى الذكور لسبقه فأثبتوا التاء 87.
الثاني: أن إعمال السابق مخلص من تقديم ضمير على مفسر مؤخر لفظا ونية في، نحو: ضربوني، وضربت قومك.
الثالث: أن إعمال السابق موافق لما أجمع عليه في اجتماع القسم والشرط، فإن جواب السابق منهما مغن عن جواب الثاني، فليكن عمل السابق من المتنازعين مغنيا عن عمل الثاني 88. -
الجزء: 4 - الصفحة: 1789
................................
والجواب عن الأول: أن يقال: لم يعتبر في ترجيح ثاني المتنازعين كونه ثانيا؛ بل كونه قريبا من محل التأثير، ومسألة العدد المذكورة معتبر فيها أيضا القرب، واتفق مع القرب سبق فلا أثر له، ولا يلزم من مراعاة سابق قريب، مراعاة سابق بعيد.
وعن الثاني: بأن تقديم الضمير، إذا كان على شريطة التفسير مجمع على جوازه في باب «نعم»، كقول الشاعر 89:
1370 - نعم امرأ هرم لم تعر نائبة... إلّا وكان لمرتاع بها وزرا 90
وفي باب «ربّ»، كقول الآخر:
1371 - واه رأيت وشيكا صدع أعظمه... وربّه عطبا انقذت من عطبه 91
وفي باب البدل، كقول بعض العرب: اللهم صلّ عليه الرؤوف الرحيم، وفي باب الابتداء، وأبواب نواسخه، نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ 92، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ 93؛ فلجوازه في باب التنازع أسوة بتلك المواضع قياسا، لو لم يثبت به سماع، فكيف وقد سمع في الكلام الفصيح، كقول الشاعر: -
الحديث: 1370 - الجزء: 4 - الصفحة: 1790
................................ 1372 - جفوني ولم أجف الأخلّاء إنّني... لغير جميل من خليليّ مهمل 94 [2/ 347] وكقوله: 1373 - هوينني وهويت الخرّد العربا... أزمان كنت منوطا بي هوى وصبا 95 ومثله: 1374 - خالفاني ولم أخالف خليليّ... فلا خير في خلاف الخليل 96 والجواب عن الثالث: أن يقال: كان مقتضى الدليل أن يستغنى بجواب المتأخر منهما لقربه من محل الجواب، إلا أن المتأخر منهما إذا كان هو القسم كان مؤكدا للشرط غير مقصود لنفسه، بدلالة عدم نقصان الفائدة بتقدير حذفه، وإذا كان مؤكدا غير مقصود لنفسه؛ فلا اعتداد به ولا صلاحية فيه لجعله ذا جواب منطوق به، بخلاف المؤكد؛ فإنه مقصود لنفسه؛ ولذلك لا تتم الفائدة بتقدير حذفه، فأغنى عن ما هو من تمام معناه، فلما وجب هذا الاعتبار - أعني جعل الجواب للأول فيما إذا تأخر القسم - أجري هذا المجرى ما أخر فيه الشرط، ليسلك في اجتماعهما سبيل واحدة، لكن الشرط لعدم صلاحيته للسقوط أبدا فضل على القسم بأمرين: -
الحديث: 1372 - الجزء: 4 - الصفحة: 1791
................................
أحدهما: أنهما إذا اجتمعا بعد مبتدأ استغني بجوابه؛ تقدم على القسم، أو تقدم القسم عليه.
والثاني: أن الشرط قد يغني جوابه بعد قسم، لا مبتدأ قبله، كقول الشاعر 97:
1375 - لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا... أصم في نهار القيظ للشّمس باديا 98
ولا يستغنى بجواب قسم متأخر أصلا، فقد علم بهذا الفرق بين اجتماع الشرط والقسم، وبين تنازع العاملين،
وصح ما اخترناه والحمد لله، هذا آخر كلامه رحمه الله تعالى 99، وهو كلام لطيف مفيد مع سلاسته، وإيجازه؛ ولكنه وعر في الجواب الثالث، ومكلف، ولم يتحصل به المقصود، ومع ذلك والذي يظهر في الجواب التفرقة بين البابين بشيء وهو أن النظر في باب التنازع، إنما هو إلى العمل، ولا شك أن الأصل أن بنى المعمول عامله ولا يفصل بينهما، فمن ثم رجح عمل المتأخر على المتقدم.
وأما اجتماع الشرط والقسم، فبالنظر فيه إلى الحذف والمحذوف، لابد له من دليل يدل عليه، والجواب الذي يذكر بعد الشرط والقسم، دليل على ما لم يذكر، والأولى في الدال أن يكون متقدما على المدلول؛ فمن ثم تعين أن يكون الجواب المذكور لما تقدم من شرط أو قسم ويكون المحذوف جوابا للمتأخر.
وقد ذكر ابن عصفور الاستدلال على مذهب الكوفيين فقال: الاختيار عند أهل الكوفة إعمال الأول؛ محتجين لصحة مذهبهم بأن المتقدم أولى بالإعمال، ثم قال:
ومما يقوي مذهبهم أن يقولوا: قد وجدنا من كلام العرب أنه متى اجتمع طالبان، وتأخر عنهما مطلوب، وكل واحد منهما يطلبه من جهة المعنى؛ كان التأثير للمتقدم منهما دليل ذلك القسم والشرط إذا [2/ 348] اجتمعا؛ فإن العرب تبني الجواب على الأول منهما وتحذف جواب الثاني؛ لدلالة جواب الأول عليه، تقول: -
الحديث: 1375 - الجزء: 4 - الصفحة: 1792
................................ إن قام زيد والله يقم عمرو، وو الله إن قام زيد ليقومن عمرو، فكذلك ينبغي أن يكون الاختيار إعمال الأول، ثم أجاب عن ذلك، بأن قولهم: إذا اجتمع طالبان، وتأخر عنهما مطلوب؛ فإن العرب تجعل المطلوب للمتقدم منهما، غير مسلم على الإطلاق؛ بل لا يخلو أن يكونا عاملين، أو غير عاملين؛ فإن كانا غير عاملين، أو كان أحدهما عاملا دون الآخر؛ فربما كان الأمر على ما ذكروا، وأما إذا اجتمع عاملان؛ فإن المعمول للمتأخر منهما، نحو: إن لم يقم زيد قام عمرو، فـ «يقوم» قد تقدمه عاملان، وهما «إن ولم»، والذي يعمل فيه منهما هو المتأخر، وهو «لم» بدليل أن أداة الشرط، إذا جزمت فعل الشرط؛ فإنه يقبح استعمال الجواب غير مجزوم في اللفظ؛ بل لا يوجد ذلك إلا في ضرورة شعر، كقوله: 1376 - من يكدني بسيّئ كنت منه......... البيت 100 انتهى 101. ولا يخفى على من له أدنى نظر أن العاملين في: إن لم يقم زيد، لم يجتمعا؛ لأن المراد باجتماع العاملين اجتماعهما على معمول واحد، لا اجتماع مجاورة ولا شك أن الطالب للفعل الذي هو يقوم إنما هو لم خاصة، وأما «إن» فمطلوبها «لم يقم» (خاصة) 102، ولم تكن طالبة لـ «يقم»؛ لأنها لو كانت طالبة له فسد المعنى المراد؛ لأن قيام عمرو إنما رتب على نفي قيام زيد لا على قيامه، وأين هذا الجواب من جواب المصنف؟ ومما استدل به ابن عصفور لمذهب البصريين، أن قال: إذا كانت العرب قد لحظت المجاورة مع فساد المعنى في مثل قولهم: هذا جحر ضب خرب، فبالأحرى أن يلحظوا المجاورة مع صلاح المعنى، قال: وأما ما يؤدي إليه إعمال الثاني في بعض المسائل من -
الحديث: 1376 - الجزء: 4 - الصفحة: 1793
[حكم ضمير المتنازع فيه من الإظهار أو الحذف]
قال ابن مالك: (ويعمل الملغى في ضمير المتنازع مطابقا له غالبا فإن أدّت مطابقته [2/ 349] إلى تخالف خبر ومخبر عنه فالإظهار، ويجوز حذف الضّمير غير المرفوع ما لم يمنع مانع ولا يلزم حذفه أو تأخيره معمولا للأوّل
خلافا لأكثرهم بل حذفه إن لم يمنع مانع أولى من إبقائه متقدّما ولا يحتاج غالبا إلى تأخيره إلّا في باب ظنّ وإن ألغي الأوّل رافعا صحّ دون اشتراط تأخير الضّمير خلافا للفرّاء ولا حذفه خلافا للكسائي).
الإضمار قبل الذكر، ففي مقابلته ما يؤدي إليه إعمال الأول من الفصل بين العامل والمعمول بجملة أجنبية في جميع المسائل، وذلك لا يجوز في باب من الأبواب، إلا في هذا الباب؛ لتداخل الجملتين واشتراكهما، فما يؤدي في بعض المسائل إلى تجوز في قليل من كلام العرب، أولى مما يؤدي في جميع المسائل، إلى ما لا يجوز في باب من الأبواب إلا في هذا الباب خاصة، ثم أنشد على إعمال الأول:
1377 - ولم أمدح لأرضيه بشعري... لئيما أن يكون أفاد مالا 103
وقول الآخر:
1378 - قطوف فما يلقاه إلّا كأنّما... زوى وجهه أن لاكه فوه حنظل 104
فأعمل «زوى» في «حنظل» وأضمر المفعول في «لاكه» 105.
قال ناظر الجيش: هذا شروع في بيان كيفية الإعمال على تقدير إعمال الأسبق، أو الأقرب، وقد ذكر المصنف ذلك في متن الكتاب على وجه فيه قلق، والجماعة غيره ذكروه على وجه سهل يقرب ضبطه للمحصل؛ فأنا أذكر أولا ما ذكره الجماعة، ثم أشير إلى ما ذكره المصنف ففي كلّ خير.
والذي ذكره الجماعة أن قالوا: لا يخلو أن تعمل الأول أو الثاني؛ فإن أعملت الأول أضمرت في الثاني جميع ما يحتاج إليه من مرفوع، أو منصوب، أو مخفوض، -
الحديث: 1377 - الجزء: 4 - الصفحة: 1794
................................
وقد يجوز حذف المعمول إذا لم يكن مرفوعا في ضرورة كقوله:
1379 - بعكاظ يعشي النّاظري... ن إذا هم لمحوا شعاعه 106
فـ «شعاعه» فاعل «يعشي»، ومفعول «لمحوا» محذوف، تقديره: إذا هم لمحوه، ولو أعملت الثاني؛ فلا يخلو الأول
من أن يحتاج إلى مرفوع، أو منصوب، أو مخفوض.
فإن احتاج إلى غير مرفوع، فلا يخلو أن يكون مما يجوز حذفه اقتصارا، أو لا يكون؛ فإن كان مما يجوز حذفه حذفته؛ وذلك نحو: ضربت وضربني زيد، ولا يجوز إضماره قبل الذكر، فنقول: ضربته وضربني زيد إلا في ضرورة شعر؛ وذلك نحو قول الشاعر:
1380 - علّموني كيف أبكيهم إذا خفّ القطين (2)
فأعمل في «القطين» «خف» وأضمر لـ «أبكي» مفعوله قبل الذكر، وقد كان يجوز له حذفه، وكذلك قول الآخر:
1381 - ألا هل أتاها على نأيها... بما فضحت قومها غامد (3)
فأضمر لـ «أتى» مفعولا قبل الذكر؛ وإن كان المنصوب لا يجوز حذفه اقتصارا؛ وذلك كأحد مفعولي ظننت وبابه؛ ففيه للنحويين ثلاثة مذاهب:
منهم؛ من قال: أضمره قبل الذكر.
ومنهم؛ من قال: أؤخره وأفرق بينه، وبين الفاعل في ذلك؛ فإن الفاعل إذا أضمر كان مع الفعل كالشيء الواحد؛ ولذلك يسكن له آخر الفعل، فلم يجز تأخيره لذلك؛ لئلا يفصل بينه وبين ما يعمل فيه بجملة أجنبية، وهو العامل الثاني، وأما المفعول فجاز تأخيره؛ لأنه مع الفعل ليس كالشيء الواحد.
ومنهم؛ من ذهب إلى أنه يحذف؛ إذ الحذف في هذا الباب، إنما هو حذف اختصار لا حذف اقتصار [2/ 350]؛ لأنه حذف لفهم المعنى، وحذف الاختصار في باب ظننت جائز 107، قال ابن عصفور: وهذا أصح المذاهب؛ إذ الإضمار قبل الذكر، والفصل بين العامل والمعمول لم تدع إليهما ضرورة، وذلك نحو: ظنني وظننت زيدا قائما، وتقول -
الحديث: 1379 - الجزء: 4 - الصفحة: 1795
................................
على المذهب الأول: ظننته وظننت زيدا قائما، وعلى المذهب الثاني: ظنني وظننت زيدا قائما إياه؛ فإن احتاج الأول إلى مرفوع، ففي المسألة أيضا، ثلاثة مذاهب:
مذهب سيبويه: الإضمار قبل الذكر، ومذهب الكسائي: حذفه فاعلا كان أو مشبها بالفاعل، ومذهب الفراء: أن كل مسألة يؤدي فيها إعمال الثاني إلى الإضمار قبل الذكر على مذهب البصريين، أو إلى حذف الفاعل على مذهب الكسائي؛ أنها لا تجوز بأن ذلك لا يوجد في كلام العرب، فأما ما وجد من كلامهم من مثل: قام وقعد زيد، فإن زيدا
يرتفع بالفعلين معا، فلا يجوز عنده إعمال الثاني مع احتياج الأول إلى مرفوع، إلا أن يتساوى العاملان في عمل الرفع، فيكون الاسم مرفوعا بهما.
قال ابن عصفور: وهذا فاسد؛ لأنه تقرر أن كل عامل يحدث إعرابا، وعلى مذهبه يكون العاملان لا يحدثان إلّا إعرابا واحدا، وأيضا فالسماع يرد عليه، قال الشاعر:
1382 - وكمتا مدمّاة كأنّ متونها... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب 108
فإنه روي بنصب «لون»، فأعمل الثاني وهو «استشعرت» مع احتياج الأول وهو «جرى» إلى مرفوع، وليس العاملان متفقين في العمل، فتعملهما في «لون»، فلم يبق إلا مذهب سيبويه، أو مذهب الكسائي 109. انتهى.
ثم ذكروا مذهب الكسائي في حذف الفاعل، واستدلاله بما هو معروف مشهور، وذكروا الجواب عنه 110، كما سنذكر ذلك بعد إن شاء الله تعالى.
-
الحديث: 1382 - الجزء: 4 - الصفحة: 1796
................................ وأما المصنف فإنه قال 111: تناول قولي: ويعمل الملغى في ضمير المتنازع؛ أن يكون أولا؛ وأن يكون ثانيا؛ وأن يكون الضمير مرفوعا، ومنصوبا، ومجرورا، فمثال ذلك في إلغاء الأول والضمير مرفوع: قول الشاعر: 1383 - جفوني ولم أجف الأخلّاء إنّني... لغير جميل من خليليّ مهمل 112 ومثال ذلك والضمير منصوب: قول الشاعر: 1384 - إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب... جهارا فكن في الغيب أحفظ للعهد وألغ أحاديث الوشاة فقلّما... يحاول واش غير تغيير ذي ودّ 113 ومثال ذلك والضمير مجرور: قول الشاعر: 1385 - وثقت بها وأخلفت أمّ جندب... فزاد غرام القلب إخلافها الوعدا 114 [2/ 351] ومثال ذلك في إلغاء الثاني والضمير مرفوع: قول الشاعر: 1386 - أساء ولم يجزه عامر... فعاد بحلمي له محسنا 115 ومثال ذلك والضمير مجرور: قول الشاعر: 1387 - إذا هي لم تستك بعود أراكة... تنحّل فاستاكت به عود إسحل 116
الحديث: 1383 - الجزء: 4 - الصفحة: 1797
................................
ومن المحتمل لإعمال الأول والثاني: قول الشاعر 117:
1388 - على مثل أهبان تشقّ جيوبها... وتعلن بالنّوح النّساء الفواقد 118
وأكثر النحويين لا يجيزون: ضربته وضربني زيد، ومررت به ولقيني عمرو؛ لاشتماله على تقديم ضمير، هو
فضلة على مفسر متأخر لفظا ورتبة؛ وإنما يغتفر ذلك في ضمير مرفوع؛ لكونه عمدة غير صالح للاستغناء عنه.
هذا تعليل المبرد، ومن وافقه من البصريين 119، وأما الكوفيون فلا فرق عندهم بين الفضلة والعمدة في المنع؛ فلا يجيزون: ضربوني وضربت الزيدين، ولا:
ضربته وضربني زيد 120، والصحيح جوازهما لثبوت السماع بذلك في الشواهد المتقدمة الذكر، إلا أن تقديم المرفوع أسوغ لكونه غير صالح للحذف، وقل تقديم غيره، وقد تقدم في كتابي هذا بيان ما يدل على صحة ما ذهبت إليه في هذه المسألة؛ فلا حاجة إلى إعادته، وبعض من لا يجيز تقديم الضمير يلتزم تأخيره أو إظهاره إن لم يستغن عنه، نحو: ظنني وظننت زيد فاضلا إياه، أو ظنني فاضلا وظننت زيد إياه، أو ظنني فاضلا وظننت زيدا إياه، ومثال ما يؤدي فيه مطابقة الضمير مفسره إلى تخالف 121 خبر ومخبر عنه، قولك: ظناني منطلقا، وظننت الزيدين منطلقين؛ فإذا قلت كذا بإظهار ثاني (مفعولي) 122 «ظناني» خلصت من أمرين ممتنعين؛ وذلك إذا أضمرت، فإما أن تراعي جانب المفسر فتثنّي، فتكون قد أخبرت بمثنى عن مفرد، وإما أن تراعي جانب المخبر عنه، وهو ياء «ظناني» فتفرد فتكون قد أعدت ضمير واحد إلى مثنى، وكلاهما ممتنع فتعين الإظهار -
الحديث: 1388 - الجزء: 4 - الصفحة: 1798
................................ لتخلصه من ممتنع، ووافق الكوفيون على جواز الإظهار، وأجازوا أيضا الإضمار مراعى به جانب المخبر عنه، كقولك: ظننت وظناني الزيدين قائمين إياه؛ لأن المثنى لما فيه من الجمع يتضمن الواحد؛ فعود ضميره إلى ما تضمنه جائز، وأجازوا أيضا الحذف، كقولك: ظننت وظناني الزيدين قائمين تريد: ظننت وظناني قائما الزيدين قائمين، فحذفت ثاني مفعولي ظناني، لدلالة ثاني مفعولي ظننت عليه، كما جاز مثل ذلك في باب الابتداء 123. وأشرت بقولي: ويجوز حذف الضمير غير المرفوع 124، إلى جواز حذف الهاء ونحوها، من نحو قولك: ضربني وضربته زيد، ومرّ بي ومررت به زيد، فيقال: ضربني وضربت زيد [2/ 352] ومرّ بي ومررت به زيد، كما قال: 1389 - يرنو إليّ وأرنو من أصادقه... في النّائبات فأرضيه ويرضيني 125 وأشرت بقولي: ما لم يمنع مانع؛ إلى مثل: مال عني وملت إليه زيد؛ فإن حذف الضمير منه غير جائز؛ لإيهامه أن يكون المراد: مال عني وملت عنه زيد، ومثل ذلك قول الشاعر: 1390 - مال عنّي تيها وملت إليه... مستعينا عمرو فكان معينا 126 وحذف الضمير غير المرفوع؛ إن تقدم أحسن من بقائه، ما لم يكن عامله من باب ظن، فيظهر أو يؤخر، وكذا إن كان من غير باب ظن، وكان الحذف موقعا في لبس 127، ومثال ذلك والفعل من باب ظن: حسبتني وحسبت عمرا كريما إياه، ومثله والفعل من غير باب ظن استعنت واستعان عليّ به زيد، وإلى هذين وأمثالهما، -
الحديث: 1389 - الجزء: 4 - الصفحة: 1799
................................
أشرت بقولي: ولا يحتاج غالبا إلى تأخيره إلا في باب ظن، وإلغاء العامل الأول، وهو مقتض للرفع، كقولك: ضربوني وضربت قومك، فهذا الاستعمال جائز في مذهب البصريين ممتنع في مذهب الكوفيين وتصحيحه عند
الفراء بتأخر الضمير منفصلا، كقولك: ضربني وضربت قومك هم 128، وتصحيحه عند الكسائي بالحذف، كقولك: ضربني وضربت قومك، وربما استدل بقول الشاعر:
1391 - تعفّق بالأرطى لها وأرادها... رجال فبذّت نبلهم وكليب 129
ولا دلالة فيه لإمكان جعله من باب إفراد ضمير الجماعة مؤوّلة بمفرد اللفظ مجموع المعنى 130، قال سيبويه: فإن قلت: ضربني وضربت قومك، فجائز وهو قبيح أن تجعل اللفظ كالواحد، كما تقول هو أجمل الفتيان، وأحسنه وأكرم بنيه وأنبله ثم قال: كأنك قلت: ضربني من ثمّ، وضربت قومك 131، هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى، وفيه من المخالفة لكلام الجماعة، والزيادة على ما ذكروه ما أشير إليه.
فالأول: أنك إذا أعملت الثاني، وكان العامل الأول من غير باب ظن، وطلب المعمول منصوبا، أو مجرورا؛ فإن الجماعة يوجبون الحذف، ولا يثبتون الضمير إلا في الضرورة، والمصنف يجيز ذكره من غير تقييد بضرورة؛ لكنه يعترف بقلة ذلك.
والثاني: أنك إذا أعملت الأول، وكان العامل الثاني من غير باب ظن أيضا؛ فإن الجماعة يوجبون ذكر الضمير، ولا يجيزون الحذف إلا في الضرورة، والمصنف يجيز الحذف من غير تقييد بضرورة أيضا، كما في المسألة الأولى؛ ولكنه يعترف بقلة ذلك أيضا 132، وإنما أوجب المصنف الذكر، ومنع الحذف في صورة خاصة، وهي: نحو مال عني وملت إليه زيد؛ لأنه لو حذف هاهنا لم يعلم المراد، فكان -
الحديث: 1391 - الجزء: 4 - الصفحة: 1800
................................
الذكر واجبا [2/ 353] من أجل أنه لو حذف لم يفهم المقصود 133.
والثالث: أنهم ذكروا في نحو: ظنني وظننت زيدا قائما؛ ثلاثة أعمال:
إضماره متقدما، وإضماره متأخرا، والحذف 134، وزاد المصنف رابعا وهو الإظهار 135؛ ولكن لما ذكر المصنف الحذف في هذه المسألة جعل ذلك مذهب الكوفيين، والذي يعطيه كلام الجماعة أنه مذهب للبصريين، وهو الظاهر؛ فإن حذف مفعولي باب ظن اختصارا جائز؛ وكذلك حذف أحدهما، والمصنف قد قال في ذلك الباب: ولا يحذفان معا أو أحدهما إلا بدليل، ولا شك في وجود الدال في هذا المثال الذي ذكرناه؛ فكيف يقصر ذلك على مذهب الكوفيين؟.
والرابع: أن المصنف ذكر نحو: استعنت واستعان على به زيد، ونبه على أن ذكر الضمير فيها واجب 136 فهذه المسألة أعملت فيها الثاني، وطلب العامل الأول المعمول غير مرفوع ولم يكن من باب ظن ولم يمتنع حذفه؛ بل وجب ذكره 137، وعلى هذا تكون هذه المسألة مستدركة على الجماعة.
والخامس: أن الجماعة ذكروا أن الفراء، لا يجيز نحو: ضربني وضربت زيدا، ويقول: إنه ليس من كلام العرب كما تقدم ذكر ذلك، ومنهم من نقل أن الفراء يجيز هذا التركيب؛ ولكنه يوجب إعمال الأول ليتخلص من حذف الفاعل، ومن إضماره قبل الذكر، والمصنف ذكر أن الفراء يصحح المسألة، ويأتي بالضمير المرفوع -
الجزء: 4 - الصفحة: 1801
................................
منفصلا مؤخرا، لكن قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى: لم يرو أحد من العلماء المتقدمين فيما
علمت في مثل هذه المسألة عن الفراء، إلا إيجاب إعمال الأول، وروى جمال الدين بن مالك صاحبنا رحمه الله تعالى أن الفراء في مثل هذه المسألة، يجيز إعمال الثاني في الظاهر، ويضمر في الأول، كما يقول سيبويه وأصحابه: إنه إذا أضمر في الأول وجب أن يكون الضمير بارزا بعد الثاني ومعموله؛ فتقول مثلا: ضربني وضربت زيدا هو، وضربني وضربت الزيدين هما، ولم أقف على هذا النقل عن الفراء من غير كلام ابن مالك، وهو الثقة فيما ينقل 138. انتهى.
والقول بأن الفراء يوجب إعمال الأول مشكل؛ لأن القول بوجوب عمل أحد العاملين يخرج المسألة من باب التنازع، إلا أن يقول الفراء: شرط التنازع إنما هو صحة عمل كل من العاملين من حيث المعنى، وقد يمنع من عمل أحدهما بعد ذلك مانع لفظي، (فمن أجل ذلك المانع يلتزم عمل أحدهما دون الآخر؛ ولا شك أن للنظر في ذلك مجالا) 139.
ثم نشير هاهنا إلى أمرين:
أحدهما: أنه لا يجوز في هذا الباب أن يفصل بين الثاني، ومعموله بمعمول الأول، فعلى هذا لا يقال: ضربت وضربني إياه زيد؛ لأن ذلك يؤدي إلى فصلين، وذلك مستكره عندهم لا يجوز.
الثاني: ذكر بعض الفضلاء في مسألة: أظن ويظناني أخا [2/ 354] الزيدين أخوين؛ بحثا فقال: الذي يظهر لي فساد دعوى التنازع في «أخوين»؛ لأن يظناني لا يطلبه؛ لكونه مثنى، والمفعول الأول مفرد 140. انتهى.
-
الجزء: 4 - الصفحة: 1802
مسائل أربع في باب التنازع ختم بها الباب
قال ابن مالك: (ونحو: ما قام وقعد إلّا زيد؛ محمول على الحذف لا على التّنازع خلافا لبعضهم ويحكم في تنازع أكثر من عاملين بما تقدّم من ترجيح بالقرب أو السّبق وبإعمال الملغى في الضّمير وغير ذلك ولا يمنع التّنازع
تعدّ إلى أكثر من واحد ولا كون المتنازعين فعلي تعجّب خلافا لمن منع).
ولك أن تمنع أن «يظناني» لا يطلب «أخوين» وتقول: بل يطلبه؛ ولكن لكونه مثنى لا يصح وقوعه مفعولا ثانيا في هذا التركيب؛ لأن المثنى لا يخبر به عن المفرد، والحاصل: أن «يظناني» يطلبه من حيث نه واقع موقع المفعول الثاني الذي يطلبه كل من المفعولين فـ «يظناني» طالب لما وقع هذا الموقع، أما كون ذلك الذي في هذا الموضع مثنى، أو غير مثنى فذاك شيء آخر يجب اعتباره، فيعطي التركيب ما يستحقه.
قال ناظر الجيش: هذه مسائل أربع:
الأولى:
نحو: ما قام وقعد إلا زيد، قال المصنف: وما جاء من نحو: ما قام وقعد إلا زيد؛ فليس من باب التنازع؛ وإنما هو من باب حذف المنفي العام لدلالة القرائن اللفظية عليه، كقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ 141، وكقوله تعالى:
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ 142، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها 143، وكقول الشاعر:
1392 - نجا سالم والنّفس منه بشدقة... ولم ينج إلّا جفن سيف ومئزرا 144
-
- «وأخوين» مفعولا ثانيا؛ لأنه أخذ مفعوله الأول وهو تاء المتكلم المتصلة به، فأعملنا الأول فنصبنا الاسمين وهما «الزيدين أخوين» على أنهما مفعولان لأظن، وأضمرنا في الثاني وهو «يظنني» ضمير «الزيدين» وهو الألف في «يظناني»، فاستوفى فاعله ومفعوله الأول بعد دخول «يظن»، والياء مخالفة لـ «أخوين» الذي هو مفسر للضمير الذي يأتي به؛ فإن الياء مفرد، والأخوين تثنية فدار الأمر بين إضماره مفردا؛ ليوافق المخبر عنه وهو الياء، وبين إضماره مثنى؛ ليوافق المفسر وهو «الأخوين»، وفي كل منهما محذور لا محيص عنه؛ فوجب العدول إلى الإظهار، فقلنا: «أخا» فوافق المخبر عنه، وهو الياء في الإفراد، ولم يضره مخالفته لـ «أخوين»؛ لأنه - أي أخا - اسم ظاهر لا يحتاج إلى ما يفسره).
اه.
- «وأخوين» مفعولا ثانيا؛ لأنه أخذ مفعوله الأول وهو تاء المتكلم المتصلة به، فأعملنا الأول فنصبنا الاسمين وهما «الزيدين أخوين» على أنهما مفعولان لأظن، وأضمرنا في الثاني وهو «يظنني» ضمير «الزيدين» وهو الألف في «يظناني»، فاستوفى فاعله ومفعوله الأول بعد دخول «يظن»، والياء مخالفة لـ «أخوين» الذي هو مفسر للضمير الذي يأتي به؛ فإن الياء مفرد، والأخوين تثنية فدار الأمر بين إضماره مفردا؛ ليوافق المخبر عنه وهو الياء، وبين إضماره مثنى؛ ليوافق المفسر وهو «الأخوين»، وفي كل منهما محذور لا محيص عنه؛ فوجب العدول إلى الإظهار، فقلنا: «أخا» فوافق المخبر عنه، وهو الياء في الإفراد، ولم يضره مخالفته لـ «أخوين»؛ لأنه - أي أخا - اسم ظاهر لا يحتاج إلى ما يفسره).
الحديث: 1392 - الجزء: 4 - الصفحة: 1803
................................ فإن ظاهره أنه أراد: ولم ينج شيء؛ فحذف لدلالة النفي والاستثناء بعده على منفي عام للمستثنى وغيره، ومن هذا القبيل، نحو: ما قام وقعد إلا زيد، على تأويل: ما قام أحد ولا قعد إلا زيد، فحذف «أحد» لفظا، واكتفى بقصده ودلالة النفي والاستثناء عليه، كما كان ذلك في الآيات الشريفة المذكورة، وفاعل «قعد» ضمير «أحد» المقدر؛ ولذلك لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث؛ إن كان ما بعد «إلا» مثنى، أو مجموعا، أو مؤنثا، ولو كان من باب التنازع لزمت مطابقة الضمير في أحد الفعلين 145، وأيضا لو كان من باب التنازع، لزم في نحو: ما قام وقعد إلا أنا؛ إعادة ضمير غائب على حاضر، ولزم أن يقال على إعمال الثاني: ما قاموا وقعد إلا نحن، وعلى إعمال الأول: ما قام وقعد إلا نحن، وكان يلزم من ذلك إخلاء الفعل من الإيجاب؛ لأن الفعل المنفي؛ إنما يصير موجبا بمقارنة «إلّا» لمعموله لفظا أو معنى، وعلى تقدير التنازع لم تقارن «إلا» معمول الملغي لفظا ولا معنى؛ فيلزم بقاؤه على النفي، والمقصود خلاف ذلك، فلا يصح الحكم بما أفضى إليه، ويتعين الاعتراف بصحة الوجه الآخر لموافقته نظائر لا يشك في صحتها؛ ومن أظهر الشواهد على صحة الاستعمال المشار إليه، قول الشاعر: 1393 - ما جاد رأيا ولا أجدى محاولة... إلّا امرؤ لم يضع دنيا ولا دينا 146 [2/ 355] ومثله: 1394 - ما صاد قلبي وأضناه وتيّمه... إلّا كواعب من ذهل بن شيبانا 147
-
- والتذييل (3/ 154)، وديوان «الهذليين» (3/ 22) واللسان «جفن - نجا».
ويروى «والروح منه بشدقه» مكان «والنفس منه بشدقه».
وقد استشهد المصنف بالبيت على أن المحذوف في قوله: «ولم ينج إلا جفن سيف» من باب حذف المنفي العام؛ لوجود قرينة لفظية عليه، والتقدير: ولم ينج شيء.
- والتذييل (3/ 154)، وديوان «الهذليين» (3/ 22) واللسان «جفن - نجا».
الحديث: 1393 - الجزء: 4 - الصفحة: 1804
................................
انتهى 148.
وهذه المسألة تقدم الكلام عليها كما عرفت 149، وقد تطابق فيها كلام المصنف وكلام ابن الحاجب على أن مثل هذا التركيب ليس فيه تنازع؛ وأن ذلك محمول الحذف 150؛ لكن اختلف كلامهما في تقدير المحذوف كما رأيت، والتقدير الذي يصح معه المعنى ويسلم من الخدش؛ هو الذي قدره ابن الحاجب بلا شك، وهو الذي عول عليه الشيخ، وقد بحث مع المصنف هاهنا بحثا جيدا، فقال بعد ذكر كلامه، وتنظيره بالآيات الشريفة والبيت الذي هو:
1395 - نجا سالم..... البيت 151
وليست المسألة من باب الآيات الشريفة والبيت؛ لأن المحذوف في الآيتين مبتدأ، والمبتدأ يجوز حذفه، إذا دلّ عليه دليل فالتقدير: وما منا أحد إلّا له مقام معلوم، وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به، وأما: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها 152، فليست كالآيتين؛ لأن ما بعد «إلا» هو المبتدأ، وهو وارِدُها لكن من حيث المعنى اشتركت الثلاثة في حذف أحد، وأما: ما قام وقعد إلا زيد فمن حذف الفاعل، والفاعل لا يحذف فقد تباين البابان في المحذوف، وأما:
نجا سالم..... البيت
فلم يحذف فيه الفاعل؛ وإنما المحذوف فضلة، والتقدير: ولم ينج بشيء 153، ثم ذكر التخريج المعروف في البيت إلى آخره، كما هو مذكور في باب الاستثناء.
قال: وإذا سلم أنه حذف الفاعل، وهو «أحد» فإعرب ما بعد «إلّا» يكون على طريق البدل، فإن جعلته بدلا من «أحد» المحذوف؛ فلا تنصب الفعل الثاني على البدل، وإن جعلته بدلا من الضمير العائد على «أحد» المحذوف على ما زعم المصنف؛ فلا تنصب الفعل الأول على البدل، والذي يدل عليه المعنى أن الفعلين ينصبان على البدل، قال: والذي أختاره على تقدير حذف الفاعل أن المحذوف هو -
الحديث: 1395 - الجزء: 4 - الصفحة: 1805
................................ من الفعل؛ وأن التقدير: ما قام إلا زيد ولا قعد إلا زيد فحذف «إلا زيد» لدلالة «إلا زيد» الثاني عليه، وبذلك يصح المعنى 154. المسألة الثانية: أن التنازع قد يقع مع أكثر من عاملين، قال المصنف: وقد تقدمت الإشارة إلى تنازع أكثر من عاملين في ترجمة الباب، وفي الشرح لا في المتن؛ فنبه الآن عليه في هذا المكان، وما ورد منه؛ فإنما ورد بإعمال الآخر، وإلغاء ما قبله، كقول الشاعر 155: 1396 - سئلت فلم تبخل ولم تعط نائلا... فسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد 156 وكقول الآخر: 1397 - جئ ثمّ حالف وثق بالقوم إنّهم... لمن أجاروا ذرى عزّ بلا هون 157 وكقول الآخر: 1398 - أرجو وأخشى وأدعو الله مبتغيا... عفوا وعافية في الرّوح والجسد 158 فهذه الأبيات قد تنازع في كل واحد منها ثلاثة عوامل أعمل آخرها وألغي أولها وثانيها، وعلى هذا استقر الاستعمال، ومن أجاز إعمال غير الثالث فمستنده الرأي؛ إذ لا سماع [2/ 356] في ذلك، وقد أشار إلى هذا أبو الحسن بن خروف في شرح -
الحديث: 1396 - الجزء: 4 - الصفحة: 1806
................................
كتاب سيبويه 159، واستقرأت الكلام فوجدت الأمر كما أشار إليه 160. انتهى.
قال الشيخ: وقد سمع إعمال الأول، قال أبو الأسود 161:
1399 - كساك ولم تستكه فاشكرن له... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر 162
فأعمل الأول، وأضمر في الثاني (والثالث) 163.
المسألة الثالثة:
قال المصنف 164: منع بعض النحويين التنازع في متعدّ إلى اثنين أو ثلاثة بناء على أن العرب لم تستعمله، وما زعمه غير صحيح؛ فإن سيبويه حكى عن العرب: متى رأيت أو قلت: زيدا منطلقا؛ على إعمال «رأيت»، ومتى رأيت وقلت: زيد منطلق 165؛ على إعمال «قلت»، أعني بإعمالها: حكاية الجملة بها.
انتهى.
وقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: وأما الأفعال المتعدية إلى ثلاثة فمنع الجرمي، وجماعة معه جواز التنازع فيها، وقالوا: إن باب التنازع خارج عن القياس، فيقتصر فيه على السموع، ولم يسمع عن العرب التنازع في ذوات الثلاثة في نظم، ولا نثر فلا يجوز البتة 166، وذهب المازني وجماعة معه إلى جواز ذلك في ذوات الثلاثة، قياسا لما لم يسمع على ما سمع من المتعدي إلى واحد وإلى اثنين 167 قال: وليس لسيبويه رحمه الله تعالى في ذوات الثلاثة نص، ولا إشارة إلى شيء فمثال ذلك -
الحديث: 1399 - الجزء: 4 - الصفحة: 1807
................................ على قول من أجاز إذا أعملت الأول: أعلمني وأعلمته إيّاه إيّاه زيد عمرا قائما، وإذا أعملت الثاني: أعلمني وأعلمت زيدا عمرا قائما إيّاه إياه، هذا على قول من لم يجز الاقتصار على المفعول الأول، وأما من أجاز فيقول إذا أعمل الأول: أعلمني وأعلمته زيد عمرا قائما، وإذا أعمل الثاني: أعلمني وأعلمت زيدا عمرا قائما؛ وكذلك إن قدمت «أعلمت» على «أعلمني» يجوز فيه التفريع على المذهبين، فتقول إذا أعملت الأول على رأي من لا يقتصر: أعلمت وأعلموا إيّاه إيّاه زيدا عمرا قائما، وإذا أعملت الثاني على هذا الرأي قلت: أعلمني وأعلمت زيد عمرا قائما إيّاه إيّاه إيّاه، وتقول في إعمال الأول على رأي من يقتصر: أعلمت وأعلمني زيدا عمرا قائما، وفي إعمال الثاني: أعلمت وأعلمني زيد عمرا قائما إياه 168. المسألة الرابعة: هل يقع التنازع في أفعال التعجب؟!، قال المصنف 169: ومنع أيضا بعض النحويين تنازع فعلي تعجب 170، والصحيح عندي جوازه؛ لكن بشرط إعمال الثاني، كقولك: ما أحسن وأعقل زيدا؛ تنصب «زيدا» بـ «أعقل» لا بـ «أحسن»؛ لأنك لو نصبته بـ «أحسن» فصلت ما لا يجوز فصله، وكذلك تقول: أحسن به وأعقل بزيد، بإعمال الثاني، ولا تعمل الأول، فتقول: أحسن وأعقل به بزيد، فيلزمك فصل ما لا يجوز فصله، ويجوز على أصل مذهب الفراء أن يقال [2/ 357]: أحسن وأعقل بزيد؛ فتكون الباء متعلقة بـ «أحسن وأعقل» معا 171، كما يكون -
الجزء: 4 - الصفحة: 1808
................................
عنده فاعل قام وقعد زيد مرفوع بالفعلين معا؛ ولا يمتنع على مذهب البصريين أن يقال: أحسن وأعقل بزيد، على أن يكون الأصل: أحسن به وأعقل بزيد، ثم حذفت الباء لدلالة الثانية عليها، ثم اتصل الضمير واستتر، كما استتر في الثاني من قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ 172؛ فإن الثاني يستدل به على الأول، كما يستدل بالأول على الثاني، إلا أن الاستدلال بالأول على الثاني أكثر من العكس 173.
انتهى 174.
قال الشيخ: مذهب سيبويه منع التنازع بين فعلي التعجب 175، ومذهب المبرد 176، الجواز 177، ثم إنه ناقش المصنف في كونه أجاز التنازع مع إيجابه، إعمال الثاني، فقال: هذا - يعني إيجاب العمل للثاني - ليس من باب الإعمال؛ لأن شرط الإعمال جواز إعمال أيهما شئت 178. انتهى.
واعلم أن البحث الذي تقدم عند ذكر مذهب الفراء في نحو: قام وقعد زيد يعاد هنا، فيقال: المراد من تنازع العاملين صحة تسلط كل منهما من حيث المعنى على ذلك المعمول، ثم إنه قد يعرض مانع لفظي يمنع من عمل أحدهما، فيتعين إعمال الآخر، كما في مسألة: ما أحسن وأعقل زيدا؛ فإن كلّا منهما طالب لـ «زيد» من حيث المعنى؛ ولكن يمنع من إعمال الأول ما يلزم من الفصل بين فعل التعجب ومعموله، وعلى هذا يستقيم كلام المصنف، وقد ختم الشيخ هذا الباب بذكر أشياء تركت إيرادها خشية الإطالة 179، على أن من استحضر القواعد النحوية، لا يكاد تخفى عليه الأحكام فيما أشار إليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1809