تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 1971-2010

الباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيه

صفحات 1971-2010

................................  ما بعدهما جملة، فكيف يبطل مذهبه بهذا [2/ 442] الاستدلال، والمستدل قد قال: والصحيح مذهب الفارسي وابن السراج، فدل على أن مذهبهما أصح المذاهب في المسألة، وقد يتبين أن الأمر ليس كذلك، ثم قال الشيخ: وعلى هذا المذهب - يعني به مذهب الفارسي وابن السراج - الكلام جملتان، قال: فإذا قلنا: إنه جملتان، فاختلفوا في الجملة من «مذ» أو «منذ» وما بعدها من المرفوع، فذهب الجمهور إلى أنها لا موضع لها من الإعراب، وذلك لأنها خرجت مخرج الجواب، كأنه قيل له: ما أمد ذلك؟ فقال: أمد ذلك يومان، وذهب السيرافي إلى أن لها موضعا من الإعراب وهي في موضع الحال، كأنه قال: ما رأيته متقدما، ولا يخفى ضعف هذا القول، ثم مما يبطل كون الجملة حالا أن الجملة الحالية لا بد فيها من رابط يعود على ذي الحال أو واو الحال، والجملة المذكورة خالية من ذلك 1. وإما أن يقع بعد «مذ» و «منذ» اسم مجرور، فيحكم بحرفيتهما حينئذ، وتقديرهما إما «بمن» أو «بمن وإلى» أو «بفي».
وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى، وقد تقدم أن بعضهم لا يثبت حرفيتهما، بل يدعي بقاءهما على الاسمية مع انجرار ما بعدهما مستدلّا على ذلك بأنه قد ثبت اسميتهما، فلا تخرجهما عنهما ما أمكن بقاؤهما عليها، قال: وقد أمكن ذلك بأن يجعلا ظرفين في موضع نصب بالفعل قبلهما، ورد هذا القول بأن الظرف إذا نفي عنه الفعل لم يقع الفعل في جزء منه، تقول: ما رأيته يوم الجمعة، فالرؤية منتفية في جميع أجزاء اليوم، وإذا قلت: ما رأيته منذ يوم الجمعة أمكن أن يكون رأيته في بعضه ثم انقطعت الرؤية أو لم تره، وأيضا فالظرف إذا نفي عنه الفعل لم ينتف إلا عنه خاصة، فإذا قلت: ما رأيته يوم الجمعة انتفت الرؤية عن يوم الجمعة خاصة، وأمكن إن رأيته قبل إخبارك إلى آخر انقضاء يوم الجمعة، ومنذ ليست كذلك، فإذا قلت: ما رأيته منذ يوم الجمعة إلى زمن إخبارك، والذي يدل على حرفيتهما إيصالهما الفعل إلى كم، كما يوصل حرف الجرّ نحو قولك: منذ كم سرت كما تقول: بمن تمرّ، ولو كانا منصوبين على الظرف لجاز أن يستغني الفعل الواقع بعدهما عن العمل فيهما بإعماله في ضمير عائد عليهما، فكنت تقول: منذ كم سرت فيه أو سرته إن اتسعت في الضمير كما تقول: يوم الجمعة -

................................  قمت فيه أو قمته، وامتناع العرب من التكلم بذلك دليل على أنهما حرفا جر 1. البحث الرابع: قد تقدم من كلام المصنف أن المصدر المعين الزمان يعامل بعد «مذ ومنذ» معاملة الزمان في الرفع والجر، وتقدم تمثيل ذلك، وذكر أن الأصل في: مذ قدوم زيد، مذ زمن قدوم زيد، وتقدم أن «أنّ وصلتها» [2/ 443] تقع بعدهما، فيحكم لموضعهما بما حكم به للفظ المصدر؛ لأنها مؤولة بمصدر، واحترز المصنف بمعين الزمان من مبهمه نحو: ما رأيته مذ قدوم أو مذ قدوم رجل.
وعرف من هذا أن أنّ مع صلتها يجوز الحكم عليها بالجر وبالرفع، كما كان الأمر مع المصدر الصريح، وكذا يقدر المضاف معها أيضا كما قدر مع المصدر، واعلم أن الشيخ لما ذكر المصنف فيما إذا ولي «مذ» فيه اسم مرفوع أنه يقدر لذلك الاسم رافعا، لتكون «مذ» مضافة إلى جملة حذف أحد جزأيها إلى آخره، وذكر أن ذلك مذهب الكوفيين، قال: وقد رد هذا المذهب بأن العرب تقول: ما رأيته مذ أن الله خلقه بالفتح والكسر ولو كان كما زعموا لم يجز إلا فتح «أن»؛ لأن الموضع الذي ينفرد بالاسم أو بالفعل تفتح فيه «أنّ» ليس إلا، وهذا قد انفرد بالفعل، فكان يجب التزام فتحها، وهم قد كسروها فيه 2. انتهى.
والجواب عن هذا الذي ذكره أن يقال: لا شك أن فتح «أنّ» في هذا المثال هو المتفق عليه، وأما الكسر فالذي صرح بإجازته الأخفش، وغيره ساكت عن ذلك كسيبويه وابن السراج كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في باب «إنّ» 3 وهذا يدل على مرجوحية الكسر، ولا يلزم من إجازة الأخفش لذلك أن يكون مسموعا، فقد تكون إجازته له بطريق النظر، ثم إنّ المعروف من مذهب الأخفش أنه يقدر بعد مذ ومنذ اسم زمان مضافا إلى الجملة التي تذكر بعدهما وإذا كان يقدر مضافا فلا أعرف كيف يتوجه له القول بالكسر، ثم على تقدير تسليم صحة الكسر للمصنف -

................................  أن نجيب عنه بأن نقول: القاعدة المقررة أن كل موضع يصح تقدير المصدر فيه وتقدير الجملة، وتقع فيه «إنّ» فإنه يجوز فيها الفتح والكسر، ولا شك أن المثال المذكور وهو مذ أن الله خلقه يجوز أن يكون التقدير فيه: مذ خلق الله إياه، وأن يكون: مذ هو مخلوق، وإذا كان الكسر إنما يجوز بهذا الاعتبار فكيف يلزم من القول بجوازه إبطال أن يكون الاسم المرفوع الواقع بعد «مذ أو منذ» مرفوعا بعامل مقدر، فإن المصنف يقول: إذا فتحت «أن» فتقدير العامل أعني الواقع لا شك فيه، وإذا كسرت كانت الجملة بتمامها واقعة بعد «مذ» واستحقت «إنّ» الكسر لذلك، فما وجه فتح «أن» على هذا التقدير؟.
ثم اعلم أن ابن عصفور ذكر أحكاما تتعلق بهاتين الكلمتين أعني «مذ ومنذ»، فمنها: أن الفعل الواقع قبلهما إن كان منفيّا فلا تفصيل فيه، بل كل نفي جائز أن يقع قبلهما، وقد مرت أمثلة ذلك، وإن كان الفعل الواقع قبلهما موجبا فلا بد أن يكون ذلك الفعل متطاولا ممتدّا، وإلا لم يجز فتقول: مررت مذ يوم الجمعة، ولا تقول: قتلت عمرا منذ يوم الجمعة؛ لأن السير يمتد والقتل لا [2/ 444] يمتد، وكذا الحكم فيما هو للحال، لا يجوز قتلت زيدا منذ يومنا؛ لأن معناه: في يومنا، والقتل لا يمتد في اليوم أجمع، وإنما يكون في جزء منه، ولا شك أنهما يقدران مع زمن الحال بفي، قال: فتقول: ما رأيته في يومنا، فهو لم يره في جزء من اليوم، وإذا قلت: سرت مذ يومنا، فالسير في جملة اليوم بخلاف قولك: سرت في اليوم، فهي مع المنفي توافق سائر الظروف في أن الفعل لم يقع في جزء من اليوم، ومع الموجب تخالف، لأنك إذا قلت: سرت اليوم أمكن أن يكون السير في بعض اليوم بخلاف «مذ»؛ لأنه لا يكون السير الموجب إلا في جميع اليوم 1. ومنها: أن الواقع بعدهما إذا كان معدودا فإن العرب تختلف فيه، فمنهم من لا يعتد بالناقص أصلا، وإنما يعتد بالكامل، فإذا قال: ما رأيته مذ ثلاثة أيام فلا بد أن تكون الثلاثة بجملتها لم يره فيها، ومنهم من يعتد بالناقص الأول، فإذا رأى شخصا ظهر يوم الجمعة ثم انقطعت الرؤية إلى ظهر يوم الاثنين قال: ما رأيته مذ ثلاثة أيام، ولا يعتد بالناقص الثاني.
-

................................  ومنهم من يعتد في هذه المسألة بالناقص الثاني ولا يعتد بالأول، فيكون اللفظ واحدا.
ومنهم من يعتد بالناقص الأول والثاني فيقول في هذه المسألة: ما رأيته مذ أربعة أيام.
والأقيس الأول؛ لأن تسمية الناقص يوما مجاز، ومن يعتد بالناقص لا يفعل ذلك إلا إذا كان ثم يوم كامل؛ فإن لم يكن ثم يوم كامل لم يجز، لأن الكلام كله مجاز، فلو رأيت شخصا ظهر يوم الجمعة ثم انقطعت الرؤية إلى ظهر السبت لم يجز في هذا أن يقال: ما رأيته منذ يومان ولا مذ يوم، لأنه ليس معك يوم كامل، فإنما يكون المجاز إذا اختلط بالحقيقة 1. ومنها: أنك إذا عطفت على مدخولهما، فإما أن تعطف حالا على حال أو ماضيا على ماض، أو حالا على ماض، أو ماضيا على حال، فعطف الحال على الحال جائز نحو: ما رأيته مذ يومنا وليلتنا ومذ شهرنا وعامنا، ويكون في بعض هذه المسائل ما في قوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ 2، وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ 3 من تكرار ما يدخل تحت عموم ما قبله.
وإن عطفت ماضيا على ماض لم يجز، قدمت المتقدم في الزمان أو أخرته فلا يجوز ما رأيته مذ يوم الخميس ويوم الجمعة؛ لأن قولك: مذ يوم الخميس يقتضي أنك لم تره في يوم الجمعة، وقولك: ويوم الجمعة يقتضي أنك رأيته في أوله؛ لأن «مذ» إذا دخلت على الماضي المعرفة كانت لابتداء الغاية، فالفعل واقع في أول ذلك الزمان، ثم يتصل انقطاعه، فكان عطف الماضي على الماضي مؤديا إلى التناقض فلم يجز.
وكذلك لو قدمت يوم الجمعة فقلت: ما رأيته مذ يوم الجمعة ويوم الخميس لم يجز؛ لأن يوم الخميس يقتضي أنك رأيته في أوله، ثم انقطعت الرؤية فيما بعد، وقولك: يوم الجمعة تقتضي أنك رأيته في أوله، وذلك تناقض، فإن قيل: هل يجوز النصب على إضمار فعل، فالجواب أن تقول [2/ 445]: إن بدأت بالمتأخر جاز فقلت: ما رأيته مذ يوم الخميس ويوم الأربعاء، لأن الرؤية انقطعت عما بعد يوم الخميس، ثم أخبرت أنك لم تره يوم الأربعاء، ولو عكست فبدأت بالمتقدم لم يجز وكان عيّا، لأنك إذا قلت: -

................................  ما رأيته مذ يوم الخميس، ويوم الجمعة اقتضى أنك لم تره في يوم الجمعة، فلا فائدة في قولك بعد ويوم الجمعة، وإن عطفت ماضيا على حال لم يجز، فلا تقول: ما رأيته مذ يومنا ويوم الجمعة ولا عكسه؛ لأن «مذ» إذا دخلت على الحال كانت بمعنى «في»، وإذا دخلت على الماضي كانت بمعنى «من» فهما مختلفان، وإذا اختلفا امتنع العطف، فإن قيل: فهل يجوز النصب على إضمار فعل؟ فالجواب أن يقول: إن تقدم الحال جاز، وإن تقدم الماضي لم يجز، ألا ترى أنه سائغ أن تقول: ما رأيته مذ يومنا ويوم الجمعة على تقدير: وما رأيته يوم الجمعة، ولا يسوغ أن تقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة ويومنا؛ لأن قولك: يوم الجمعة يقتضي أنك رأيته في أوله وانقطعت الرؤية إلى زمن الإخبار، فلا فائدة في قولك: ويومنا إلا أن يكون من باب قوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ 1. ومنها: أنهما لا يدخلان إلا على الزمان كما تقدم ذكر ذلك، فإن دخلا على غيره فمؤول، ولا يدخلان منه إلا على المعدود أو معرفة، فلا يجوز: ما رأيته مذ حين، ولا مذ زمان، ولا مذ وقت، بخلاف مذ الليلة ومذ اليوم، ولا يجوز مذ الليل ولا مذ النهار؛ لأنّ النهار عبارة عن الضياء والليل عبارة عن الظلام، وذلك لا يحصل شيئا، فإن قيل: ألم يجز سيبويه: سرت الليل تريد ليل ليلك، والنهار تريد نهار نهارك؟ 2 فهلا أجزتم مذ الليل ومذ النهار على هذا المعنى؟ فالجواب: أن ذلك لا يتصرف و «مذ» توجب التصرف لما تدخل عليه، لأنها ترفعه أو تجره 3. ومنها: أنهما لا يجران الصباح والمساء إلا قليلا؛ لأن الصباح والمساء اسما مصدر، والأصل الإصباح والإمساء، وهاتان الكلمتان إنما يدخلان على الزمان، والصباح والمساء وإن استعملا في الزمان ليس ذلك لهما بطريق الأصالة فلذلك لا تدخل عليهما مذ ومنذ في الغالب، نعم إذا استعملا مرادا بهما الزمان جاز دخول «مذ ومنذ» حينئذ، هذا معنى كلامه 4، ومن هنا نشأ بحث وهو أنك إذا قلت: ما رأيته مذ أن الله خلقني، فإن الفارسي يقدر زمانا محذوفا؛ لأن (أن) ليست -

................................  زمانا 1، ومن الناس من لم يقدر ذلك، وجعل «أن» مع صلتها مصدرا يراد به الزمان بمنزلة خفوق النجم ومقدم الحاج، فقال ابن عصفور: القول الأول أحب إليّ؛ لأنهم لا يقولون: مذ الصباح إلا قليلا، فالأولى أن لا يجروا بها «أنّ» التي تتقدر بالمصدر 2، ثم يكون ذلك المصدر زمانا.
انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا الذي ذكره؛ لأن نيابة المصادر عن ظروف الزمان قد ثبتت كثيرا في كلام العرب، ولا فرق بين المصدر المؤول [2/ 446] والمصدر الصريح في ذلك.
ومنها: أنهما إذا وقع بعدهما الزمان ووقع بعد الزمان فعل، وجب أن يكون ذلك الفعل ماضيا، فلا يقال: ما رأيته مذ زمن يقوم أمس، ولا ما رأيته مذ زمن يقول غدا، أما الأول فلتنافر ما بين يقوم وأمس، وأما الثاني فلأن معنى الكلام على المضي، ولا يقع المضارع موقع الماضي إلا في مواضع محفوظة، فإن جئت بالمضارع غير معمل في شيء جاز، ويكون على حكاية الحال نحو: ما رأيته مذ زمن يقوم، تريد مذ زمن كان فيه يقوم، أما إذا دخلتا على الفعل مباشرة، فلا بد أن تكون الصيغة ماضية فتقول: ما رأيته مذ قام، ولا يجوز مذ يقوم، قال: وعلة ذلك أن الفعل إذا وقع بعدهما فلا بد من تقدير زمن محذوف، فهو مجاز، فكرهوا أن يكون ثم مجازان حذف الزمان وحكاية الحال 3. ومنها: أنك إذا أوقعت بعدهما الليالي فإن الأيام داخلة معها؛ فإذا قلت: ما رأيته مذ ليلتان كنت فاقدا له ليلتين ويومين، وهو قد انقطعت رؤيته مثلا في عشية يوم الجمعة ثم اتصل ذلك إلى عشية يوم الأحد؛ لأن العرب كنّت بالليالي عن الأيام ولم تفعل ذلك بالأيام، فإذا قلت: ما رأيته مذ ثلاثة أيام، أمكن أن يكون انقطاع الرؤية في ليلتين، لأنها لم تكنّ عن الأيام إلا بالبياض 4. انتهى.
وقد تعرض الشيخ في شرحه إلى ذكر شيء آخر غير ما ذكره ابن عصفور، فتركت إيراده خشية الإطالة مع أنه لا يتعلق به كثير فائدة 5، وكذا تركت من -

[أحكام الآن وبناؤه وإعرابه]

قال ابن مالك: (ومنها الآن لوقت حضر جميعه أو بعضه، وظرفيته غالبة لا لازمة، وبني لتضمن معنى الإشارة، أو لشبه الحرف في ملازمة لفظ واحد، وقد يعرب على رأي، وليس منقولا من فعل خلافا للفرّاء).
كلام ابن عصفور بقية لهذا المعنى.
قال ناظر الجيش: مسمى الآن الوقت الحاضر 1 جميعه كوقت فعل الإنشاء حال النطق به أو الحاضر بعضه؛ كقوله تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً 2 وكقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ 3 وكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «تصدّقوا فيوشك الرّجل أن يمشى بصدقته فيقول الّذي أعطيها: لو جئتني بالأمس لأخذتها، وأمّا الآن فلا حاجة لي بها» 4، ومثله قول علي رضي الله تعالى عنه: كان ذلك والإسلام قلّ، وأمّا الآن فقد اتّسع نطاق الإسلام فامرأ وما اختار 5. ومثل قول الشاعر 6: 1556 - فلو أنّها إحدى يديّ وزئتها... ولكن يدي بانت على إثرها يدي فآليت لا آس على إثر هالك... قدي الآن من وجد على هالك قدي 7 ومثله قول عنترة: - -

................................  1557 - فإني لست خاذلكم ولكن... سأسعى الآن إذ بلغت أناها 1 وليست ظرفيته لازمة، بل وقوعه ظرفا أكثر من وقوعه غير ظرف، ومن وقوعه غير ظرف قول النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد سمع [2/ 447] وجبة: «هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النّار الآن حين انتهى إلى قعرها» 2، فإن الآن هنا في موضع رفع بالابتداء، وحين انتهى خبره، وهو مبني لإضافته إلى جملة مصدرة بفعل ماض.
ومن وقوع «الآن» غير ظرف قول الشاعر: - 1558 - أإلى الآن لا يبين ارعواؤك... بعد المشيب عن ذا التّصابي 3 وبني لتضمنه معنى الإشارة، فإن معنى قولك: افعل الآن، افعل في هذا الوقت 4، وجائز أن يقال: بني لشبهه بالحروف في ملازمة لفظ واحد، فإنه لا يثنى ولا يجمع ولا يصغر، بخلاف حين ووقت وزمان ومدة، وقيل: بني لتضمن معنى حرف التعريف، والحرف الموجود غير معتد به 5 وضعف هذا القول بيّن؛ لأن -

................................  تضمن اسم معنى حرف اختصار ينافي زيادة ما لا يعتد به، هذا مع كون المزيد غير المتضمن معناه، فكيف إذا كان إياه.
وجعل الزمخشرى سبب بنائه وقوعه أول أحواله بالألف واللام 1؛ لأن حق الاسم في أول أحواله التجرد منها، ثم يعرض تعريفه فيلحقانه كقولك: مررت برجل فأكرمني الرجل، فلما وقع الآن في أول أحواله بالألف واللام خالف الأسماء وأشبه الحروف، ولو كان هذا سبب بنائه لبني الجماء الغفير واللات ونحوهما مما وقع في أول أحواله بالألف واللام، ولو كانت مخالفة الاسم لسائر الأسماء موجبة لشبه الحرف واستحقاق البناء لوجب بناء كل اسم خالف الأسماء بوزن أو غيره، وعدم اعتبار ذلك مجمع عليه، فوجب اطراح ما أفضى إليه، وزعم بعض النحويين أن بعض العرب يعرب الآن، واحتج على ذلك بقول الشاعر: - 1559 - كأنّهما ملآن لم يتغيّرا... وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر 2 أراد: من الآن، فحذف نون من لالتقاء الساكنين، كقول الشاعر: - 1560 - ليس بين الحي والميت نشب... إنّما للحي ملميت النّصب 3 وكسر نون «الآن» لدخول «من» عليها، فعلم أن «الآن» عند هذا الشاعر معرب، قلت: وفي الاستدلال بهذا ضعف لاحتمال أن تكون الكسرة كسرة بناء ويكون في بناء «الآن» لغتان الفتح والكسر كما في «شتّان» إلا أن الفتح أكثر وأشهر، وزعم الفراء أن «الآن» منقول من آن بمعنى «حان» ثم استصحب فيه الفتحة التي كانت فيه إذا كان فعلا 4، وجعله نظير قولهم: من شبّ إلى دبّ، -

[أحكام قط وعوض]

قال ابن مالك: (ومنها قطّ للوقت الماضي عموما، ويقابله عوض، ويختصّان بالنّفي، وربّما استعمل «قطّ» دونه لفظا ومعنى أو لفظا لا معنى، وقد ترد «عوض» للمضيّ، وقد يضاف إلى العائضين أو يضاف إليه فيعرب، ويقال: قطّ وقطّ وقط وقط وعوض وعوض).
ونظير قوله - عليه الصلاة والسّلام -: «أنهاكم عن قيل وقال» 1 ولو كان الآن مثل هذه لم يدخل عليه الألف واللام كما لا يدخلان عليها ولاشتهر فيه الإعراب والبناء كما اشتهرا فيها، فإنه يقال فيه: من شبّ إلى دبّ وعن قيل وقال كما قال: من شبّ إلى دبّ، وعن قيل وقال.
هذا كلام المصنف 2. وذكروا أن ألفه منقلبة عن واو لقولهم في معناه: الأوان، وقيل: هي عن ياء؛ لأن الكلمة من أن يئين إذا قرب 3، وفي ذلك نظر لأنّ هذه الكلمة مبنية، فلا مدخل للتصرف فيها.
وقد علم من قواعد التصريف أن الألف في [2/ 448] الحروف والكلمات المبنية محكوم لها بالأصالة.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: إذا قصد عموم وقت الفعل الماضي المنفي جيء مع نفي الفعل بعوض أو عوض أو عوض، قال الشاعر: - 1561 - يرضى الخليط ويرضى الجار منزله... ولا يرى عوض صلدا يرصد العللا 5 وقد يضاف أو يضاف إليه فيعرب بإضافته كقولهم: لا أفعل ذلك عوض العائضين أي دهر الداهرين، والإضافة إليه كقول الشاعر 6: - -

................................  1562 - ولولا نبل عوض في... حظبّاي وأوصالي 1 وقد تقع عوض موقع قط كقول الشاعر: - 1563 - فلم أر عاما عوض أكثر هالكا... ووجه غلام يشترى وغلامه 2 وقد تقع «قط» موقع فعل غير منفي لفظا ولا معنى كقول بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: «قصرنا الصّلاة في السّفر مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم أكثر ما كنّا قطّ وآمنة» 3. وقد يخلو من النفي لفظا لا معنى وذلك كما في الحديث أن أبيّا 4 قال: كائن تقرأ سورة الأحزاب، فقال عبد الله: ثلاثا وسبعين، فقال: قطّ 5، أي ما كانت كذا قط، وبني قط لتضمن معنى «في» و «من» الاستغراقية على سبيل اللزوم أو لشبه الحرف في الافتقار إلى جملة وعدم الصلاحية لأن يضاف أو يضاف إليه أو يسند أو يسند إليه، وبني في التضعيف على حركة لئلا يلتقي ساكنان، وكانت ضمة حملا على «قبل» المنوي الإضافة، أو لأنه لو فتح لتوهم النصب بمقتضى الظرفية، ولو كسر لتوهم الجر «بمن» المضمن معناها 6، وكان يعتذر عن زوال التنوين -

[أحكام أمس من بنائه وإعرابه]

قال ابن مالك: (ومنها أمس مبنيّا على الكسر بلا استثناء عند الحجازيّين وباستثناء المرفوع ممنوع الصّرف عند التّميميين، ومنهم من يجعل كالمرفوع غيره، وليس بناؤه على الفتح لغة خلافا للزّجاجيّ، فإن نكّر أو أضيف أو قارن الألف واللّام أعرب باتفاق، وربما بني المقارن لهما).
بكثرة الاستعمال، ومن بناه على الكسر راعى أصل التقاء الساكنين ولم يلتفت إلى توهم الجر؛ لأن الكسرة لا تكون علامة جر إلا مع تنوين أو إضافة أو ألف ولام، ولا واحد منها في «قط» فلا إيهام، ومن قال «قط» بالضم والتخفيف فمخفف ناو للتضعيف، فلذلك استصحب ما كان معه من الحركة، ومن قال: قط بالتسكين خفف ولم ينو التضعيف فعامله معاملة «منذ» إذ قيل فيه «مذ» 1. وبني «عوض» لأنه مثل قط فيما نسب إليه مما سوى الصلاحية لأن يضاف ويضاف إليه، وبني على حركة لئلا يلتقي ساكنان، ومن ضمّ فحملا على «بعد» أو لتحرك آخره بحركة تجانس ما قبله، ومن فتح كره اجتماع مستثقلين الضمة والواو، ومن كسر راعى أصل التقاء الساكنين، وأعرب حين يضاف أو يضاف إليه؛ لأنه عومل بما لم يعامل [2/ 449] مقابله مما هو خاص بالأسماء 2 فاستحق مزية عليه 3. قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: إذا قصد «بأمس» اليوم الذي وليه اليوم الذي أنت فيه بناه الحجازيون في موضع الرفع والنصب والجر على الكسر لتضمنه معنى الألف واللام، ولشبهه بضمير الغائب في التعريف بغير أداة ظاهرة، وكون حضور مسماه مانعا من إطلاق لفظه عليه، ولشبهه «بغاق وحوب» في الانفراد بمادة مع التوافق في الوزن، ووافق فيه الحجازيون أكثر التميميين في موضعي النصب والجر، وأعربوه في موضع الرفع غير منصرف للتعريف والعدل عن الألف واللام -

................................  فيقولون: مضى أمس بما فيه، وكان ذلك أمس وأول من أمس، فيتفقون في موضعي النصب والجر ويختلفون في موضع الرفع 1. ومن لغة الحجازيين قول الشاعر 2: - 1564 - اليوم أعلم ما يجيء به... ومضى بفصل قضائه أمس 3 ومن لغة تميم قول الآخر: - 1565 - اعتصم بالرّجاء إن عزّ بأس... وتناس الّذي تضمّن أمس 4 ومن بني تميم من يسوي المجرور والمنصوب بالمرفوع في الإعراب ومنع الصرف، وعليه قول الراجز: - 1566 - لقد رأيت عجبا مذ أمسا... عجائزا مثل السّعالي خمسا 5

................................  وزعم أبو القاسم الزجاجي أن من العرب من يبني أمس على الفتح واستشهد بهذا الرجز 1، ومدعاه غير صحيح، لامتناع الفتح في موضع الرفع، ولأن سيبويه استشهد بالرجز على أن الفتحة في «مذ أمسا» فتحة إعراب 2 وأبو القاسم لم يأخذ البيت من غير كتاب سيبويه، فقد غلط فيما ذهب إليه واستحق أن لا يعول عليه.
وإذا نكر «أمس» أو أضيف أو قارن الألف واللام أعرب بلا خلاف لزوال سبب البناء، أعني تضمن معنى حرف التعريف، وشبه الضمير من الوجه المذكور 3، ومن العرب من يستصحب البناء مع مقارنة الألف واللام كقول الشاعر: - 1567 - وإني وقفت اليوم والأمس قبله... ببابك حتّى كادت الشّمس تغرب 4 فكسر السين وهو في موضع نصب، والوجه فيه أن يكون زاد الألف واللام لغير تعريف واستصحب تضمين معنى المعرفة واستدام البناء، أو تكون هي المعرفة وقد زال البناء لزوال التضمين ومشابهة ضمير الغائب، فتكون الكسرة كسرة إعراب على تقدير ياء حذفت، وبقي عملها كما حذفت «من» وبقي عملها في رواية من روى: - 1568 - ألا رجل جزاه الله خيرا 5 وكما حذفت «إلى» وبقي عملها في قول الآخر: - -

................................  1569 - إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة... أشارت كليب بالأكفّ الأصابع 1 أراد: إلى كليب فحذف [2/ 450] وأبقى العمل.
انتهى كلام المصنف 2، وعرف منه أنه لا فرق في «أمس» بين أن تستعمل ظرفا أو غير ظرف بالنسبة إلى ما حكاه من لغتي الحجازيين والتميميين، لكن كلام ابن عصفور يقتضي التفرقة بين الاستعمالين، فإن كان ظرفا كان مبنيّا على الكسر، وإن كان غير ظرف كان فيه اللغتان 3، وتبع الشيخ ابن عصفور في ذلك فلم يذكر فيه اللغتين إلا حال استعماله غير ظرف 4، ثم إن المصنف ذكر في شرح الكافية أن «أمس» إذا صغر أعرب باتفاق كما الحال فيه إذا نكر أو أضيف أو قارنته الألف واللام 5 فاعترض الشيخ عليه بأن قال: قد خالف سيبويه فإنه نص على أن «أمس» لا يصغر 6، وأقول: كما اعترض الشيخ على المصنف في ذلك كان الواجب أن يعترض على ابن عصفور أيضا؛ فإنه حين استثنى المنكر والمضاف والمقارن للألف واللام استثنى المصغر أيضا، والمجموع كأموس، وآمس 7، والعذر للمصنف في ذكر المصغر أن جماعة من النحويين أجازوا تصغيره، وقد نقل الشيخ أنه مذهب المبرد 8 فكان المصنف مشى في شرح الكافية على قول المجيز للتصغير، وأما في التسهيل فعول على مذهب سيبويه، فلهذا لم يتعرض إلى ذلك، وقد أطال الشيخ الكلام في سبب بناء «أمس» 9 والتعرض إلى إيراد ذلك لا يجدي طائلا فتركته.

[الصالح للظرفية المكانية من أسماء الأمكنة]

قال ابن مالك: (الصّالح للظّرفيّة القياسيّة من أسماء الأمكنة ما دلّ على مقدّر أو مسمّى إضافي محض أو جار باطّراد مجرى ما هو كذلك، فإن جيء بغير ذلك لظرفيّة لازمة غالبا لفظ «في» أو ما في معناها، ما لم يكن كمقعد في الاشتقاق من اسم الواقع فيه، فيلحق بالظروف، قياسا إن عمل فيه أصله أو مشارك في الفرعيّة، وسماعا إن دلّ على قرب أو بعد نحو: هو منّي منزلة الشّغاف ومناط الثّريّا). قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: قد تقدم الإعلام بأن المسمى ظرفا في النحو هو ما استغنى فيه بمعنى «في» عن لفظها استغناء مطردا من اسم زمان أو مكان، وأن ذلك واقع في أسماء الزمان كلها مختصها ومبهمها، فلما استوفيت الكلام على أسماء الأزمنة أخذت في أسماء الأمكنة، وبيان ما يصلح فيها للظرفية القياسية وما لا يصلح، فبيّنت أن الصالح لها أربعة أنواع: - أحدها: ما دل على مقدار كميل وفرسخ وبريد 2. والثاني: ما دل على مسمى إضافي محض أي على مسمى لا يعرف حقيقة بنفسه بل بما يضاف إليه كمكان وناحية وأمام ووراء ووجهة وجهة وكجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها، يعنون: خطين اكتنفا أنف الظبية 3، وكجنبي في قول الشاعر: - 1570 - نحن الفوارس يوم الحنو ضاحية... جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل 4

................................  وكأقطار في قولهم: قومك أقطار البلاد، وكمساليه في قول الشاعر 1 [2/ 451]: 1571 - إذا ما نعشناه على الرّحل ينثني... مساليه عنه من وراء ومقدم 2 قال سيبويه: مسالاه عطفاه فصار كجنبي فطيمة 3. والثالث: ما جرى باطراد مجرى ما هو كذلك، وذلك صفة المكان الغالبة نحو: قريبا منك وشرقيّ المسجد، قال الشاعر: - 1572 - هبّت جنوبا فذكرى ما ذكرتكم... عند الصّفاة التي شرقيّ حورانا 4 ومن الجاري مجرى ما هو كذلك مصادر قامت مقام مكان مضاف إليها تقديرا نحو قولهم: قرب الدار ووزن الجبل أي زنته أي مكان مسامته، والمراد هنا بالاطراد أن لا تختص ظرفيته بعامل ما كاختصاص ظرفية المشتق من اسم الواقع فيه 5. الرابع: ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه كمقعد ومرقد ومصلّى ومعتكف، ولا يعمل في هذا النوع إلا أصله كقولك: قعودي مقعد زيد، أو مشارك له في الفرعية كقولك: قعدت مقعد زيد، فلو قلت: اعتكفت مقعدك أو قعدت معتكفك لم يجز، لأن العامل ليس أصلا للمذكور كقعود بالنسبة إلى مقعد، ولا مشاركا له في الفرعية كاعتكفت بالنسبة إلى معتكف، ولذلك عد من - - أميل، وهو من يميل عن السرج، ومن لا ترس معه ولا سيف.
العزل: جمع: أعزل وهو من لا رمح معه.
والشاهد في قوله: (جنبي فطيمة) حيث نصب «جنبي» على الظرفية.

................................  الشواذ: هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار، ومناط الثريا ونحو ذلك؛ لأن العامل ليس أصلا للفعل ولا شريكا له في الرجوع إلى أصل واحد 1، وأما الأول والثاني والثالث فظرفيتها غير مقيدة بعامل دون عامل، فيقال: سرت ميلا وعدوت فرسخا وسرت بريدا وجلست يمين الكعبة وأمام زيد وعند خالد ومع محمد وتلقاء بشر ونحو ذلك، ومن العلماء من حكم باطراد ما دل على بعد أو قرب من نحو: هو مني بمنزلة الشغاف 2، ونحو قول الشاعر 3: - 1573 - وإنّ بني حرب كما قد علمتم... مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها 4 على تقدير مكان موصوف مثل مضاف إلى شغاف ومناط، ثم فعل ما فعل بضربته ضرب الأمير اللص من حذف الموصوف وصفته وإقامة الثالث مقامها، وهذا تقدير لائق ولكن القياس على نوعه لا يتجه لقلة نظائره ومغايرة لفظ باقية للفظ محذوفة بخلاف ضربته ضرب الأمير اللص؛ فإن نظائره كثيرة ولفظ باقية مماثل للفظ محذوفة، ولكون هذا النوع مقصورا على السماع، قال سيبويه: وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو مني مجلسك ومتّكأ زيد ومربط الفرس لم يجز 5 -

................................  وإلى المسموع من هذا النوع أشرت بقولي: (وسماعا إن دل على قرب أو بعد نحو: هو مني بمنزلة الشغاف ومناط الثريا)، وقيدت الإضافي بمحض احترازا من الإضافي الذي يدل بنفسه على معنى لا يصلح لكل مكان نحو جوف وباطن وظاهر وداخل وخارج [2/ 452] فإن هذه وما أشبهها من أسماء المكان المختصة إذا قصد بشيء منها معنى الظرفية لازمة لفظ «في» أو ما في معناها 1 إلا أن يرد شيء بخلاف ذلك فيحفظ كقوله تعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ 2، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ 3 وكقول العرب: رجع فلان أدراجه أي في الطريق الذي جاء فيه، وهم درج السيول أي في مجاريها 4، قال الشاعر في المعنى الأول: - 1574 - لماّ دعا الدّعوة الأولى فأسمعني... أخذت برديّ واستمررت أدراجي 5 وقال 6 في المعنى الثاني: - 1575 - أنصب للمنيّة تعتريهم... رجالي أم هم درج السّيول 7 فهذا مما حفظ في الاختبار ولا يقاس عليه، وأما قوله: 1576 - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه... فيه كما عسل الطريق الثّعلب 8

................................  وقوله: - 1577 - فلأبغينّكم قنا وعوارضا... ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد 1 وقوله: - 1578 - قلن عسفان ثمّ رحن سراعا 2 فمن الضروريات، وقنا وعوارض وعسفان أمكنة مختصة، وزعم قوم أن الطريق من الظروف القياسية؛ لأن لفظه صادق على كل مكان، فإن كل مكان صالح أن يجعل طريقا، ولذلك عبر عن القفر الذي يعسل فيه الثعلب بطريق، وهذا الاعتبار فاسد؛ لأن الطريق اسم لمكان مرور به وذهاب، ولا يطلق على المكان طريق لمجرد - - (ص 167)، والخصائص (3/ 319)، وأمالي الشجري (1/ 42)، (2/ 248)، وابن القواس (ص 344)، والبحر المحيط: (7/ 344)، والتذييل (3/ 388) والارتشاف (ص 578)، والخزانة (1/ 474)، وديوان الهذليين (1/ 190)، والمغني (1/ 11)، (2/ 525، 576)، وشرح شواهده (1/ 17)، (2/ 885)، والعيني (2/ 544)، والتصريح (1/ 312)، والهمع (1/ 200)، (2/ 81)، والدرر (1/ 169)، (2/ 105)، والأشموني (2/ 91)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 330) طبعة العراق.
اللغة: اللدن: اللّين.
يعسل: يعدو، وهو يريد بالمتن ظهر الرمح.
والشاهد فيه: نصب الطريق وهو مكان مختص على حذف «في».

................................  صلاحيته أن يكون طريقا، لا يطلق عليه بيت لمجرد صلاحيته أن يكون بيتا؛ فالطريق إذا مكان مختص كما أن البيت مكان مختص، ومن قال: إن الطريق حقيق الظرفية القياسية ابن الطراوة، وزعم أنه يقال: ذهبت طريقي ومروا طرقاتكم 1، قال أبو علي الشلوبين: والرد عليه تكذيبه، قلت: ويناسب قول ابن الطراوة في الطريق حكاية السيرافي عن بعض النحويين أنه قال: إنما قالت العرب: ذهبت الشأم، لأن الشأم بمعنى اليسار، فإنه يقال: شامه إذا قابل يساره، وأجاز هذا القائل أن يقال: ذهبت اليمن، لأن اليمن بمعنى اليمين، ولم يجز أن يقال: ذلك في عمان ومكة؛ لأنه ليس فيهما ذلك المعنى، ويلزم هذا أن يجيز ذلك في العالية؛ لأن فيها معنى فوق 2. هذا معنى قول السيرافي، قلت: ولو كان قولهم: ذهبت الشام لكونه بمعنى يسار لكان غير ذهب أولى بذلك من ذهب، فكان يقال: أقمت الشام كما يقال: أقمت يسار الكعبة، ففي عدم معاملة غير «ذهب» بهذه المعاملة دلالة على أن باعثهم على ذلك إنما هو كثرة الاستعمال، ولذلك شبهه سيبويه بدخلت البيت 3، وقال الفراء: العرب تعدي ذهب وانطلق إلى جميع البلدان، فيقال: ذهبت الكوفة وانطلقت الغور 4، فعلى قول الفراء لا تختص ذهب بنصيب الشام بل ينتصب به كل بلد، وكذلك انطلق، ولا علة لذلك إلا كثرة الاستعمال كما فعل بدخل [2/ 453] مع جميع الأمكنة المختصة، وفي فعل هذا بانطلق دلالة واضحة على أن الأصل في هذه الأفعال الثلاثة التعدي بحرف جر، إذ لا يوجد الفعل متعد بنفسه 5. هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولنتبعه بأمور ننبه عليها: منها: أن النحاة مطبقون على أن اسم المكان لا ينصب منه على الظرف إلا ما كان مبهما 6، معتلين لذلك بأن أصل العوامل الفعل، ودلالته على الزمان أقوى -

................................  من دلالته على المكان؛ لأنه يدل على الزمان بصيغة وبالتزام، ويدل على المكان بالتزام فقط.
فلما كانت دلالة الفعل على الزمان قوية تعدى إلى المبهم من أسمائه والمختص، ولما كانت دلالته على المكان ضعيفة لم يتعد إلا إلى المبهم منها؛ لأن في الفعل دلالة عليه في الجملة، وذكروا أيضا تعليلا ألطف من هذا وهو أن الأفعال لها دلالة على الزمان المعين فتعدت إلى المعين وإلى غير المعين؛ لأن ما تعدى إلى الأخص تعدى إلى الأعم، وليس للأفعال دلالة على الأمكنة المعينة، وإنما تقتضي مكانا غير معين وهو المبهم، فتعدت إلى ما اقتضته خاصة 1. وإذا كان النحاة قد ذكروا أن الذي يتعدى إليه العوامل من ظروف المكان شيء واحد، فيقال: إن المصنف قد ذكر أن الصالح للظرفية القياسية من أسماء الأمكنة أربعة أنواع، وهذا بظاهره يوهم أن كلامه لم يطابق كلام الجماعة، والجواب أن الذي ذكره إنما هي أنواع داخلة تحت جنس المبهم، وذلك أن الجنس لما تنوع قصد أن يميز نوعا عن نوع وما للإيضاح والبيان، فذكر أولا ما دل على مقدر كميل وفرسخ وبريد، ولا شك أن هذا مبهم كما سيأتي بيانه، وذكر ثانيا ما دل على مسمى إضافي محض، وفسر ذلك بأنه الذي لا يعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه كمكان وناحية وما شابههما مما ذكره، وإبهام هذا القسم أوضح من إبهام القسم الأول، وذكر رابعا ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه كمقعد ومرقد بشرط أن يكون العامل فيه أصله أو مشارك له في الفرعية، وأما الذي ذكره ثالث الأقسام وهو ما جرى باطراد مجرى ما ذكره قبله كما قال، وذلك كصفة المكان الغالبة نحو: هم قريبا منك وشرقي المسجد وقرب الدار فليس قسما مستقلّا إنما هو في الأصل صفة لمكان مبهم منصوب على الظرفية نصبا قياسيّا؛ فلما حذف الموصوف أقيم هو مقام موصوفه، فنصبه على الظرف ليس بحق الأصالة إنما هو بطريق النيابة عما يستحق ذلك، وإذا كان كذلك فالأقسام بالحقيقة ثلاثة لا أربعة، واعلم أن ابن عصفور جعل نحو قعد مني مقعد القابلة ونحوه مما هو مشتق من لفظ الفعل العامل فيه من الظروف المختصة، وقال: إن الفعل تعدى إليها لشبهها بالمصدر في أن الفعل يدل على أن كل واحد [2/ 454] منهما بلفظه، والإمام بدر الدين -

................................  ولد المصنف جعل ذلك من قبيل الظروف المختصة أيضا واعتذر عن تعدي العامل إليه في قولك: قعدت مقعد زيد دون بقية الأمكنة المختصة بقوة دلالة العامل عليه حينئذ 1، فوافق كلامه كلام ابن عصفور في الحكم والتعليل.
والذي يظهر لي أن الأمر بخلاف ما قالاه، لأن نحو: مقعد زيد ومرقد عمرو ومعتكف خالد ومصلى فلان لا يعلم حقيقته بنفسه، بل بما يضاف إليه، وهذا شأن المبهم كما عرفت قبل من كلام المصنف، ويدل على ذلك قوله في الألفية: وما صيغ من الفعل كمرمى من رمى بعد قوله: نحو الجهات والمقادير 2 فإن ما صيغ معطوف على المجرور بقوله نحو، فالمعنى: ولا تقبل المكان إلا مبهما نحو الجهات والمقادير ونحو ما صيغ من الفعل؛ فكل هذا تفسير للمبهم، فإن قيل: إذا كان هذا القسم داخلا في المبهم فلأي شيء ذكره؟ فالجواب: أن ذكره له كذكره لغيره، ولأنه لما كان شرط صحة نصبه على الظرفية أن يعمل فيه ما شاركه في الحروف والمعنى احتاج أن ينص عليه ليذكر شرطه، وكلام ابن أبي الربيع يدل على ما قلته؛ فإنه قال: وأما المشتقات فلا يتعدى إليها إلا ما اشتقت منه؛ لأنها تدل عليها وتتنزل من أفعالها منزلة المبهم من جميع الأفعال، ألا ترى أنك إذا قلت: جلست فإنه يقتضي مجلسا يقع فيه كما يقتضي المبهم، فيتعدى إليه كما يتعدى إلى المبهم.
ومنها: أن العادات اختلفت في تفسير المبهم من الأمكنة، فمن النحاة من لم يفسره بشيء، وإنما قال: المبهم الجهات الست 3، واحتاج القائل ذلك أن يقول: وحمل عليها - يعني على الجهات الست - عند ولدى وشبههما، لإبهامها 4. ومنهم من فسره بأن قال: المبهم ما ليس له نهاية معروفة ولا حدود محصورة -

................................  سواء أكان مضافا نحو: أمامك وخلفك ووراءك وفوقك وتحتك، أو نكرة غير معدود نحو يمين وشمال وناحية من الدار 1، ومنهم من قال: المبهم ما له اسم 2 باعتبار ما ليس داخلا في مسماه، والمؤقت منه ما له اسمية باعتبار ما هو داخل في مسماه، فالدار مؤقتة لأن لها اسمها من جهة ما هو داخل في مسماها من البنيان والسقف وغيره، والفرسخ مبهم؛ لأن له اسما باعتبار قياس غير داخل في مسماه 3 وهو حسن، ويظهر لي أن قول المصنف في القسم الثاني أنه ما دل على مسمى إضافي محض يكون كافيا في تفسير المبهم؛ لأنه فسر ذلك بما لا يعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه، وهذا هو معنى قول غيره: المبهم كل مكان له اسمه بأمر لا يدخل في مسماه.
ومنها: أن ابن عصفور ذكر في شرحه للإيضاح أن الشلوبين ذهب إلى أن ما دل على مقدر كميل وفرسخ ليس مبهما، قال: لأن المبهم لا يكون له نهاية معروفة ولا حدود محصورة 4، ثم ذكر أن الصحيح خلاف ذلك 5، قلت: وهذا هو الحق، لأن نحو ميل وفرسخ وبريد وإن دل على مقدر [2/ 455] محدود، ذي نهاية معروفة مجهول العين، بخلاف الدار والمسجد وأشباههما من الظروف المحضة؛ فإنها معلومة العين مع العلم بحدودها وبدئها ونهايتها، واعلم أن سيبويه قال: ويتعدى إلى ما كان وقتا في الأمكنة كما يتعدى إلى ما كان وقتا في الأزمنة؛ لأنه وقت يقع في المكان لا يختص به مكان واحد، كما أن ذلك وقت في الأزمان -

................................  لا يختص به زمن بعينه، ثم قال: وذلك قولك: ذهبت فرسخين وسرت ميلين كما تقول: ذهبت الشهرين وسرت الميلين 1. انتهى. قال الشراح 2: فمن حيث التوقيت ظاهره أنه مختص، ومن حيث قوله: لا يختص به مكان ظاهره الإبهام 3، فمن ثم قال الشيخ: والصحيح أنه شبه بالمبهم، ولذلك وصل إليه الفعل بنفسه 4، ثم ذكر الشيخ عن السهيلي أنه يرى أن انتصاب هذا النوع انتصاب المصادر لا انتصاب الظروف، وعلل ذلك بأن الميل ليس بظرف؛ لأنه ليس كالجهات الست المضافة، لأن الجهة لا معنى لها إلا بإضافتها إلى من هي له، والميل لا يضاف والظرف مقدر بفي، وقد يصرح بها والميل لا يقدر، ولو قدر بها لجاز إظهارها، وأطال الكلام في ذلك وجنح الشيخ إلى هذا الرأي 5، ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال الذي أشار إليه، ويكفيه مخالفة إمام الصناعة، ولا شك أن هذا مما لا ينبغي التشاغل به، وذكر الشيخ أيضا أن الكوفيين لا ينصبون المبهم على الظرف لعدم الفائدة، ويقولون: لابد من تخصيصه بوصف أو غيره 6. واعلم أنني لا أختار ذكر شيء من هذه الأقوال التي لا معول عليها، ولكن قد يترك ذلك فيظن الناظر أنه قد فات الإنسان ما كان ينبغي أن لا يفوته، وأقرب مما قاله السهيلي ما ذهب إليه بعض المغاربة وهو ابن طلحة: أن الأصل سرت سير فرسخين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونظّر ذلك بقولهم: ضربته سوطا أي ضرب سوط، فكأنه يجعل نصب فرسخين نصب المصدر 7، وقد أطال الشيخ الكلام في هذه المسألة، والحق أحقّ أن يتبع. ومنها: أنه قد تقدم أن من الضرورات قول الشاعر: - 1579 - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه... فيه كما عسل الطّريق الثّعلب 8

................................  وذلك أن الطريق من الظروف المختصة؛ لأنه واقع على المحجة السالكة، ولا يقال لمن مشى في الدار أو المسجد أو في أرض متملكة: مشى في الطريق إنما يقال: مشى في غير الطريق، وكذلك من مشى في الأرض الغامرة والجبال الشامخة يقال فيه: مشى في غير الطريق، وقد ادعى ابن الطراوة أن الطريق مبهم بناء منه على أن كل مكان يستطرق فيه فهو طريق 1، قال ابن أبي الربيع: إن ابن الطراوة ذكر ذلك في الإفصاح الذي وضعه لبيان غلط الإيضاح على زعمه، واستدل عليه بغير دليل ولجأ من [2/ 456] الكلام إلى غير حصين، ثم قال: والله تعالى يسدد أذهاننا ويزيل عنا التبجح بالرد على من تقدمنا من أئمتنا، فذاك أكبر داء وأعظم حجاب لمن أراد التعلم، وهذا الشاعر يصف رمحا، واللدن: اللين، ويعسل: يضطرب.
وقال: متنه لأنه إذا اضطرب متنه فما ظنك بطرفيه.
ومنها: أن من جملة الأمثلة التي مثل بها المصنف لما دل على مسمى إضافي محض أربعة ألفاظ وهي قوله: كجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها وكجنبي في قول الشاعر: - 1580 - جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل (2) وكأقطار في قولهم: قومك أقطار البلاد، وكمساليه في قول الشاعر: - 1581 - مساليه عنه من وراء ومقدم 2 فأما كجنابتي المد رواه الجرمي كجنبتي، وحاصله أن الجنبة والجنابة بمعنى واحد وهو الناحية، ولهذا كان النصب في الكلمة قياسا؛ لأنها مبهمة، كأنه قال: ناحيتي أنفها والناحية مبهم، والتخصيص الذي يحصل لها إنما هو عارض حصل من ألف ولام أو إضافة، وهذا الاختصاص لا اعتبار به؛ لأن الكلمة مبهمة بالوضع، فعروض الاختصاص لها لا يخرجها عن الإبهام كما في نحو أمامك وخلفك وفوقك وتحتك، فإنها كلمات محكوم بإبهامها مع إضافتها إلى ما يفيد تخصيصا.
وقد جعل الفارسي وابن جني النصب في هذه الكلمة على غير القياس؛ -

................................  لأنهما جعلاها من الظروف المختصة 1، قال ابن أبي الربيع: كأنهما جعلا الجنابة اسما للجلدة التي فيها الخط؛ فصارت بهذا من الظروف المختصة، قال: ونظير هذا ما حكاه سيبويه وهو قولهم: هو أحمر بين العينين 2 وجعله من باب الصفة، وكان الأصل هو أحمرين عينيه، ثم نقل الضمير فقيل أحمر بين العينين كما تقول: مررت برجل حسن الوجه، والأصل حسن وجهه، فجعل البين اسما للجلدة التي بين العينين، وبهذا كان الشلوبين يعتلّ لأبي علي وابن جني، قال: وكلاهما وجه إلا أن الأظهر عندي ما ذهب إليه سيبويه من الإبهام، وأما «جنبي فطيمة» فهو موضع، فليس من قبيل الأسماء التي جعلت ظروفا بغير قياس، وأما أقطار البلاد فهى النواحي؛ لأنها جمع قطر وهو الناحية، فالمعنى: قومك في نواحي البلاد، وأما مساليه فالمسال عند سيبويه العطف وهو الجانب 3 ولا شك أن الجانب بمعنى الناحية.
ومنها: أنه قد تقدم قول المصنف: ومن العلماء من حكم باطراد ما دل على بعد أو قرب من نحو: هو مني بمنزلة الشغاف ونحو: - 1582 - وإنّ بني حرب كما قد علمتم... مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها 4 على تقدير مكان موصوف بمثل مضاف إلى شغاف ومناط، ثم فعل به ما فعل بضربته ضرب الأمير اللص من حذف الموصوف وصفته وإقامة الثالث مقامهما، وتقدم قول للمصنف أنه تقدير لائق، ولكن القياس على نوعه لا يتجه لقلة نظائره، ومغايرة لفظ باقية للفظة [2/ 457] محذوفة، بخلاف ضربته ضرب الأمير اللص، فإن نظائره كثيرة ولفظ باقية مماثل للفظ محذوفة، وقد تعرض ابن أبي الربيع لذكر هذا المذهب، وقرره كما قرره المصنف، ثم رد ذلك بأن قال: وهذا الذي ذهب إليه هذا القائل لا يجري على طريقة سيبويه وأصله وذلك أن أصله في المضاف إذا حذف وأقيم المضاف مقامه أن لا يكون فيه ما يضاد -

................................  إعرابه، ألا ترى أنه قال في قولهم: له صوت صوت الحمار لا يجوز أن يكون صوت الحمار نعتا لصوت؛ لأنه معرفة ولا توصف النكرة بالمعرفة 1، وأنت تعلم ولا شك أن الأصل: له صوت مثل صوت الحمار، ثم حذف مثل وأقيم مقامه صوت، ومثل لو نطق بها لكان نعتا، فينبغي إن كان المضاف إذا حذف وأقيم المضاف إليه مقامه على حسب إعرابه أن يقول في هذا: إنه نعت وهو لم يقله لما ذكرته من مراعاة اللفظ، فكذلك ها هنا لا ينبغي أن يدعى أن مناط الثريا منصوب على ما انتصب عليه مكان؛ لأنه مختص لا ينتصب، ويجب أن لا يكون في هذا شذوذ على مذهب الخليل، لأن الخليل يجوز في: له صوت صوت الحمار أن يكون صوت الحمار صفة 2 قال: وهكذا كان الأستاذ أبو علي يأخذ هذا الموضع، وهو عندي مأخذ حسن وتأويل صحيح 3. انتهى.
وإلى هذا التقرير الذي قرره بالنسبة إلى طريقة سيبويه أشار ابن عصفور في شرح الإيضاح، فقد تطابق كلام هذين الرجلين الكبيرين في هذه المسألة، والظاهر أن ابن عصفور أخذ ذلك عن الشلوبين، كما أخذه ابن أبي الربيع، وحينئذ يتأكد أمر هذا البحث ويحكم بصحته، ثم قال ابن أبي الربيع: وأما قولهم: هو مني معقد الإزار، فمني متعلق بما يعطيه قولهم: معقد الإزار، لأنه يريد القرب فكأنه قال: هو مني قريب، وكذلك هو مني مناط الثريا التقدير: هو مني بعيد، وكذلك كل ما أتى من هذا النوع يقدر له بحسب المعنى، وكذلك هو مني مزجر الكلب أي هو مطرود مني كما تقول: الكافر مطرود من رحمة الله، واعلم أن سيبويه ذكر كلمات يجوز انتصابها على الظرف وهي: صددك، وصقبك، ووزن الجبل، أي ناحية توازيه أي تقابله قريبة كانت أو بعيدة، وزيد الخيل أي حذاه متصلا به، وهم قرانيك أي قريبا منك، وهو أشد مبالغة في القرب، إذ معناه الاتصال وقريب قد يكون لما تراخى عنك، وقومك أقطار البلاد أي في نواحيها 4.

[أحكام بعض الظروف المكانية مثل أسماء الجهات وحيث ولدن]

قال ابن مالك: (من الظّروف المكانيّة كثير التصرف كمكان لا بمعنى بدل، ويمين وشمال، وذات اليمين [2/ 458] وذات الشّمال، ومتوسط التّصرف كغير «فوق» و «تحت» من أسماء الجهات و «بين» مجرّدا، ونادر التّصرف كحيث ووسط ودون لا بمعنى رديء، وعادم التّصرف كفوق وتحت وعند ولدن ومع و «بين بين» دون إضافة، وحوال وحوالي وحولي وأحوال، و «هنا» وأخواته و «بدل» لا بمعنى بديل، وما رادفه من مكان فحيث مبنيّة على الضّم وقد تفتح أو تكسر، وقد تخلف ياءها واو وإعرابها لغة فقعسيّة، وندرت إضافتها إلى مفرد، وعدم إضافتها لفظا أندر، وقد يراد بها الحين عند الأخفش، و «عند» للحضور أو القرب حسّا أو معنى، وربّما فتحت عينها أو ضمّت، و «لدن» لأول غاية زمان أو مكان، وقلّما تعدم «من» وقد يقال: لدن ولدن ولدن ولدن ولدن ولدا ولد ولد، وإعراب اللّغة الأولى لغة قيسيّة وتجبر المنقوصة مضافة إلى مضمر، ويجرّ ما يليها بالإضافة لفظا إن كان مفردا وتقديرا إن كان جملة، وإن كان «غدوة» نصب أيضا، وقد يرفع، وليست «لدى» بمعناها بل بمعنى «عند» على الأصحّ، وتعامل ألفها ألف «إلى» و «على» فتسلم مع الظّاهر وتقلب ياء مع المضمر غالبا، ومع للصّحبة اللّائقة بالمذكور، وتسكينها قبل حركة وكسرها قبل سكون لغة ربعيّة، واسميتها حينئذ باقية على الأصحّ، وتفرد فتساوي جميعا معنى وفتى لفظا لا يدا، وفاقا ليونس والأخفش، وغير حاليّتها حينئذ قليل).
قال ناظر الجيش: اعلم أنه كما انقسم ظرف الزمان إلى متصرف وغير متصرف كذلك انقسم ظرف المكان إلى الأمرين أيضا، وكما أن المتصرف من ظرف الزمان منه منصرف، ومنه غير منصرف، كذلك المتصرف من ظرف المكان أيضا منه منصرف ومنه غير منصرف، إلا أن غير المنصرف من ظرف الزمان منه ما هو غير متصرف، ولا يكون ذلك في ظرف المكان؛ لأن غير المتصرف لا بد أن يكون غير معرفة، ومتى كان معرفة كان مختصّا، وظرف المكان إنما يكون مبهما لا مختصّا، -

................................  فمن ثم كانت الأقسام في ظرف الزمان بالنسبة إلى التصرف والانصراف أربعة كما تقدم.
وأما الأقسام في ظرف المكان بالنسبة إلى ذلك فثلاثة: متصرف منصرف وهو الكثير، ومتصرف غير منصرف كقولك: قعد زيد أسفل منك، الأصل: مكانا أسفل منك، وقعدنا مقاعد قريبة من زيد، قال الله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ 1، ومنصرف غير متصرف، وهو ما ذكره المصنف في متن الكتاب، ثم إن المتصرف منه ما يكثر تصرفه ومنه ما لا يكثر، وقد بيّن المصنف أنه ثلاثة أقسام، كثير التصرف ومتوسط التصرف ونادر التصرف.
وبعد؛ فأنا أورد كلام المصنف ثم أنبه على ما يتعين التنبيه عليه، قال رحمه الله تعالى 2: كما انقسم ظرف الزمان إلى متصرف وغير متصرف انقسم ظرف المكان إليهما، فمن المتصرف [2/ 459] ما كثر وقوعه (ظرفا وغير ظرف) 3، «كمكان» فإنك تقول إذا نويت ظرفيته: اجلس مكانك، وتقول إذا لم تنو ظرفيته: مكانك لائق بك، ومثل مكان في التصرف بكثرة: يمين وشمال وذات اليمين وذات الشمال، يقال في الظرفية: جلست يمينه وشماله وذهبت به ذات اليمين وذات الشمال، قال الله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ 4 ويقال في المجرد من الظرفية: يمين الطريق أسهل و: ماله أقرب، ودارك ذات اليمين، ومنازلهم ذات الشمال، قال الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ 5، ومن المتصرف ما يكثر تجرده دون كثرة ظرفيته كأمام وقدام ووراء وخلف وأسفل، وهو المعني بقولي: (متوسط التصرف) أي متوسط بين الكثرة والقلة، يقال في الظرفية: كن أمامهم وقدامهم لا خلفهم ولا أسفل منهم، ويقال في التجرد من الظرفية: أمامهم آمن من ورائهم، ويقال: هم خلف وأنتم قدام 6، وقال الشاعر: - -

................................  1583 - فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه... مولى المخافة خلفها وأمامها 1 وقراءة بعض القراء 2: والركب أسفل منكم 3 بالرفع، ويساوي أماما وما ذكر بعده «بين» يقال في الظرفية: جلست بين زيد وعمرو، قال الله تعالى: لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا 4، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ 5، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً 6، ويا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ 7 ويقال في التجرد من الظرفية: هو بعيد بين المنكبين نقي بين الحاجبين، ومنه قول الشاعر 8: - 1584 - يديرونني عن سالم وأديرهم... وجلدة بين العين والأنف سالم 9 ومنه قوله تعالى: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ 10، وقوله تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ 11 في قراءة غير نافع وحفص والكسائي 12، ومنه قوله تعالى: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ 13، ومَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ قرأ الأولى -

................................  أبو عمرو والكسائي 1، وقرأ الثانية حمزة وحفص، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر: (مودة) 2، ومن تجريد «بين» عن الظرفية قول الشاعر: - 1585 - ولم تترك النبل المخالف بينها... أخا لأخ يرجى ومأثورة الهند 3 «بينها» في موضع رفع بإسناد والمخالف إليه إلا أنه بني لإضافته إلى مبني مع إبهامه، وقد تكون «بين» ظرف زمان كما يكون ظرف مكان، فمن ذلك: حديث ساعة يوم الجمعة هي ما بين خروج الإمام وانقضاء الصلاة 4. ومن الظروف المكانية ما ندر تجرده عن الظرفية، فمن ذلك «حيث» فكونه ظرفا هو الشائع كقوله تعالى: وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ 5 وكونه مجردا عن الظرفية كقول زهير: - 1586 - فشدّ ولم ينظر بيوتا كثيرة... لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم 6 [2/ 460] وكقول الآخر: - 1587 - إنّ حيث استقرّ من أنت راعي... هـ حمى فيه عزّة وأمان 7

................................  وهو مبني على الضم في أكثر الكلام، وقد يفتح وقد يكسر وقد يقال: حوث 1، وسبب بنائه لزوم افتقاره إلى جملة يضاف إليها، وندرت إضافتها إلى مفرد 2، كقول الراجز: 1588 - أما ترى حيث سهيل طالعا 3 وكقول الآخر 4: - 1589 - ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم... ببيض المواضي حيث ليّ العمائم 5 وأندر من إضافته إلى مفرد إضافته إلى جملة مقدرة، كقول الشاعر: 1590 - إذا ريدة من حيث ما نفخت له... أتاه بريّاها خليل يواصله 6

    • والشاهد فيه: خروج (حيث) عن الظرفية بوقوعها اسما لإنّ، وردّ ذلك أبو حيان بقوله: وهذا خطأ لأن كونها اسما لإنّ فرع عن كونها تكون مبتدأ، ولم يسمع ذلك فيها ولا في لفظ واحد.

................................  أراد: إذا ريدة نفخت من حيث ما هبت أتاه برياها خليل، فحذف هبت للعلم به، وجعل ما عوضا كما جعل التنوين في حينئذ عوضا، وروي إعراب حيث عن فقعس فيقولون: جلست حيث كنت وجئت من حيث جئت 1 وأجاز الأخفش استعمالها بمعنى «حين» 2، وحمل على ذلك قول الشاعر: - 1591 - للفتى عقل يعيش به... حيث تهدي ساقه قدمه 3 ولا حجة لإمكان إرادة المكان، ومثل «حيث» في ندور التجرد عن الظرفية «وسط» بالسكون كقولك: جلست وسط القوم، فهذا كثير، أعني وقوعه ظرفا.
وأما تجرده عن الظرفية فقليل لا يكاد يعرف 4 ومنه قول الشاعر يصف سحابا: - 1592 - وسطه كاليراع أو سرج المج... دل طورا يخبو وطورا ينير 5

    • (1634)، والخزانة (3/ 152)، والمغني (1/ 132)، وشرح شواهده (1/ 390)، والعيني (3/ 386)، والهمع (1/ 212)، والمطالع السعيدة (329)، والدرر (1/ 180)، وشرح الألفية للمرادي (2/ 263) واللسان «زيد».
      اللغة: ريدة: ريح لينة الهبوب.
      نفخت: هبت.
      برياها: أي برائحتها.
      والشاهد فيه: إضافة «حيث» إلى جملة مقدرة محذوفة و «ما» عوض عنها.

................................  فوسطه مبتدأ خبره كاليراع، ويروى: وسطه كاليراع بالنصب على الظرفية والحكم بأن «وسطه» خبر مقدم والكاف اسم في موضع رفع بالابتداء، ومثل حيث في ندور التجرد عن الظرفية «دون» في نحو قولك: جلست دون موضع كذا، وزيد دون عمرو قدرا، قال سيبويه: وأما دونك فإنه لا يرفع أبدا، وإن قلت: هو دونك في الشرف؛ لأن هذا إنما مثل 1 يعني أنه حين أريد به الانحطاط عن علو الشرف تلازمه الظرفية أيضا؛ لأن استعماله بذلك المعنى مثل استعماله في المكان الأدنى، وقد جاء بالمقصود به المكان خاليا من الظرفية، وذلك نادر كقول الشاعر 2: 1593 - ألم تريا أنّي حميت حقيقتي... وباشرت حدّ الموت والموت دونها 3 بالرفع، وظاهر كلام الأخفش يقتضي اطراد ذلك؛ فإنه حكم بأن دون من قوله تعالى: وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ 4 مبتدأ، ولكنه بني لإضافته إلى مبني، وغيره يجعل التقدير: «ومنا ما دون ذلك» 5 وقول الأخفش أولى بالصواب، وحكى سيبويه أنه يقال: هذا ثوب دون، إذا كان رديئا 6، فمن هذا احترزت بقولي: ودون لا بمعنى رديء.
ومن الظروف [2/ 461] العادمة التصرف «فوق وتحت» نص على ذلك الأخفش، فقال: اعلم أن العرب تقول: فوقك رأسك فينصبون الفوق؛ لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفا، ثم قال: وتقول: تحتك رجلك لا يختلفون في نصب التحت.
هذا نصه 7، وقد جاء جر «فوق» بعلى في قول أبي صخر الهذلي: - -

................................  1594 - فأقسم بالله الّذي اهتزّ عرشه... على فوق سبع لا أعلّمه بطلا 1 وهذا نادر، ومن الظروف العادمة التصرف «عند» 2 ولا تستعمل إلا مضافة، ولا يفارقها النصب على الظرفية إلا مجرورة «بمن» وهي لبيان كون مظروفها حاضرا حسّا أو معنى 3، وقد اجتمع الحضور الحسي والمعنوي في قوله تعالى: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي 4، ومثال القرب الحسي: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى 5، ومثال القرب المعنوي: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ 6، ورَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ 7. ومن القرب المعنوي قول الرجل: عندي مائة يريد أنه مالكها، وإن كان موضعها بعيدا، ومنه قوله تعالى: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ 8. وقد يكون مظروفها معنى فيراد بها الزمان كقوله عليه الصلاة والسّلام: «إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى» 9 وكسر عينها هو المشهور، ومن العرب من يفتحها ومنهم من يضمها.
ويرادفها لدى في قول سيبويه وهو الصحيح 10 لا قول من زعم أنها بمعنى «لدن» 11؛ لأن «لدن» مخصوصة بما هو مبتدأ غاية بخلاف «لدى» فإنه يراد بها ما يراد «بعند» كقوله تعالى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ 12، فهذا موضع صالح «لعند» و «للدن» غير صالح، وكذا قوله -

................................  تعالى: وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ 1 [فلدى وعند] يصلحان في موضع «لدن»، و «لدن» لا تصلح في مواضعهما إلا فيما هو مبدأ غاية، ولذلك اجتمعت عند ولدن في قوله تعالى: آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً 2. وبنيت «لدن» في أكثر اللغات لشبهها بالحرف في لزوم استعمال واحد، وامتناع الإخبار بها وعنها بخلاف «عند» و «لدى» فإنهما لا يلزمان استعمالا واحدا، فإنهما يكونان لابتداء الغاية ولغير ذلك، ويستعملان فضلة وعمدة 3 فاستعمالهما فضلة كثير واستعمالهما عمدة كقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ 4، وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ 5، وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ 6، وَلَدَيْنا مَزِيدٌ 7، ولكون موضع لدن صالحا «لعند» شبهتها قيس بها فأعربتها 8 وبلغتهم قرأ أبو بكر 9 عن عاصم 10 لينذر بأسا شديدا من لدنه 11 إلا أنه سكن النون وأشمها ضمّا 12، والأصل من لدنه، ويقال: [2/ 462] في النصب على هذه اللغة لدنه ولدنه، ويمكن أن يكون من هذه -

................................  اللغة قول الراجز: 1595 - تنتهض الرّعدة في ظهيري... من لدن الظّهر إلى العصير 1 قال أبو الفتح بن جني رحمه الله: استعمال «لدن» [بدون] 2 من قليل، ولذلك لم يخل القرآن العزيز من «من» 3، وإلى ذلك أشرت بقولي: وقلما تعدم من، وفيها على غير اللغة القيسية تسع لغات: سكون النون مع ضم الدال وفتحها وكسرها، وكسر النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وفتح النون مع سكون الدال وضم اللام، وحذف النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وحذف النون مع ضم الدال وفتح اللام 4، قال سيبويه: وأما لد فهي «لدن» محذوفة كما حذفوا نون يكن، ألا ترى أنك إذا أضفته إلى مضمر رددته إلى أصله، تقول: من لدنه ومن لدنّي 5، وإلى هذا أشرت بقولي: وتجبر المنقوصة مضافة إلى مضمر، ثم بينت أنها تلازم الإضافة فتجر ما يليها لفظا إن كان مفردا وتقديرا إن كان جملة كقول الشاعر: 1596 - صريع غوان راقهنّ ورقنه... لدن شبّ حتّى شاب سود الذّوائب 6

................................  وإن كان ما يليها «غدوة» جاز الجر على القياس، والنصب على التمييز أو على إضمار كان مضمرا فيها اسمها كما قال سيبويه في قول الراجز: 1597 - من لد شولا فإلى إتلائها 1 وحكى الكوفيون رفع «غدوة» على تقدير: لدن كان غدوة 2. وكل ذلك منبه عليه. ومثال نصب غدوة قول الشاعر: - 1598 - وما زال مهري مزجر الكلب منهم... لدن غدوة حتّى دنت لغروب 3 ثم بينت أن «لدى» لا ترادفها بل ترادف «عند» صرّح بذلك سيبويه 4، ثم بينت أن ألف «لدى» تنقلب «ياء» مع المضمر وتسلم مع الظاهر كما تفعل بألف على وإلى 5، وقرنت بذلك غالبا ليعلم أن بعض العرب يستغني عن هذا القلب مع المضمر كما يستغني عنه الجميع مع الظاهر، ومن ذلك قول الشاعر 6: 1599 - إلاكم يا خناعة لا إلانا... عزا النّاس الضّراعة والهوانا فلو برّت عقولكم بصرتم... بأنّ دواء دائكم لدانا وذلكم إذا رافقتمونا... على قصد اعتمادكم علانا 7

................................  أراد: إليكم لا إلينا ولدينا وعلينا.
ومن الظروف العادمة التصرف «مع» 1، وهو اسم لمكان الاصطحاب أو وقته على حسب ما يليق بالمصاحب، ويدل على اسميته دخول «من» عليه في قولهم: ذهب من معه، حكاه سيبويه 2، ومنه قراءة بعض القراء 3: (هذا ذكر من مّعى وذكر من قبلى) 4 وكان من حقه أن يبنى لشبهه بالحروف في الجمود المحض والوضع الناقص [2/ 463] إذ هو على حرفين بلا ثالث محقق العود، والمراد بالجمود والمحض ملازمة وجه واحد من الاستعمال إلا أنه أعرب في أكثر اللغات لمشابهته «عند» في وقوعه خبرا وصفة وحالا وصلة، ودالّا على حضور وعلى قرب 5، فالحضور كـ نَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ 6، والقرب كـ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً 7 وكقول الراجز 8: - 1600 - إنّ مع اليوم أخاه غدوا 9 وهو وإن فاقه عند تمام الوضع فقد فاق هو بوجه من التمكن وهو الإفراد وتضمن - - والدرر (1/ 172). اللغة: خناعة: قبيلة سموا باسم أبيهم خناعة بن سعد بن هذيل، ويروى (خزاعة) مكان خناعة.
والشاهد في الأبيات: عدم قلب الألف ياء مع المضمر في (إلى ولدى وعلى) وهذه لغة لبعض العرب.

جارٍ التحميل