تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 1891-1930

الباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيه

صفحات 1891-1930

[تعريف الظرف - نوعاه]

قال ابن مالك: (وهو ما ضمّن - من اسم وقت أو مكان - معنى «في» باطّراد لواقع فيه مذكور أو مقدّر ناصب له).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: ما ضمن معنى في يتناول الحال والظرف، ونحو السهل والجبل من قول العرب: مطرنا السّهل والجبل 2، فخرج الحال بقولي: من اسم وقت أو مكان، وخرج السهل والجبل ونحوهما بقولي: باطراد، فإنه لا يقاس عليهما، إذ لا يقال: مطرنا القيعان والتّلول، ولا أخصبنا السهل والجبل، بل يقتصر على ما سمع، ولا يزاد عليه إلا ما يحصل بسماع ممن يوثق به بخلاف المنصوب على الظرفية نحو: جلست أمامك، فإنه مطّرد لجواز أن يخلف فيه الفعل والاسم غيرهما 3 ولا يتناول أيضا قولي: ما ضمن معنى «في» ما نصب بدخل من مكان مختص، وخرج بذكر الاطراد، فإن المطرد لا يختص بعامل دون عامل، ولا باستعمال دون استعمال، فلو كان نصب المكان المختص بدخل على الظرفية لم ينفرد به «دخل»، بل كان يقال: مكثت البيت، كما يقال: دخلت البيت، وكان يقال: زيد البيت، فينتصب بمقدر كما يفعل بما تحققت ظرفيته، لأن كل ما ينتصب على الظرفية بعامل ظاهر، يجوز وقوعه خبرا، فينصب بعامل مقدر 4؛ ولذا قال سيبويه - بعد أن مثل بقلب زيد الظّهر والبطن، ودخلت البيت، وليس المنتصب هنا بمنزلة الظروف؛ لأنك لو قلت: [2/ 398] هو ظهره وبطنه، وأنت تريد مشى على ظهره وبطنه، لم يجز 5. هذا نصه.
وقد غفل عن هذا الموضع الشلوبين مع اعتنائه بجمع متفرقات الكتاب، وتبين -

................................  بعضها ببعض 1، ونبهت بقولي: لواقع فيه ناصب له مذكور أو مقدر؛ على أن الظرف منصوب بما دل على المعنى الواقع فيه، وأن الدال على الواقع فيه، قد يكون مقدرا كما يكون مذكورا؛ فالمذكور غير ظاهر، والمقدر كالعامل فيما وقع خبرا، كزيد عندك 2. انتهى.
وفيه أبحاث: الأول: ناقش الشيخ المصنف في قوله: (ضمن)؛ قال: لأن مفهوم كلامه أن اسمي كل من الزمان والمكان يدل على معنى «في» بالتضمن، ولو كان كذلك لوجب بناء الاسم كما في أسماء الشرط والاستفهام 3، وهذا الذي ذكره الشيخ ما زالت الطلبة تلهج به ويستشكلون قوله في الألفية: الظرف وقت أو مكان ضمنا... في باطراد كهنا امكث أزمنا والذي يظهر أن يقال: إن أسماء الشرط وأسماء الاستفهام مثلا حال وضعها ضمنت معنى الحرف؛ فالتضمين حاصل لها قبل التركيب، وأما الاسم المستعمل ظرفا، فإنما تضمن معنى «في» بعد التركيب، أعني بعد استعماله ظرفا 4، وإذا -

................................  كان كذلك فإنما تضمن الظرف معنى الحرف بانضمام العامل فيه إليه، فكأن الذي تضمن معنى «في» حينئذ إنما هو مجموع الكلمتين لا الظرف وحده، ومما يدل على ذلك أنه لا ينسب إلى الاسم المتضمن المذكور، حتى يكون ظرفا، أي منصوبا، ولا يكون منصوبا إلا بانضمام عامله إليه، وفي ظني أن هذا الذي قررته يستفاد من قول المصنف: (لواقع فيه)؛ ذلك أن اللام لا بد لها من متعلق، فهي إما أن تتعلق بمحذوف على أنها مع مدخولها صفة لقوله: (اسم وقت أو مكان) وهو بعيد، إذ لا فائدة لهذا الكلام، فتعين أن تتعلق بقوله: (ضمن)، واللام للتعليل؛ فيصير معنى كلامه بأنه ضمن معنى «في» من أجل الواقع فيه، والواقع فيه هو العامل؛ فكأن التضمين إنما حصل بانضمام العامل إليه، وإذا كان الأمر كما قرر، اندفع اعتراض المعترض بأن الظرف لو كان متضمنا معنى «في» للزم بناؤه.
وهذا الذي قررته في الظرف يتقرر بعينه في الحال، فإن المصنف قد قال: إن قوله: ما ضمن معنى «في» يتناول الحال، ولا شك أن الاسم الذي هو الحال إنما يتضمن معنى «في» حالة التركيب، أي حالة استعماله حالا، فالحال إنما تضمنت معنى «في» بانضمام أمر آخر إليها، وإذا كان كذلك، فإنما ينسب التضمن إلى مجموع الكلمتين، ومما يدل على أن المصنف لم يرد بالتضمين ما فهمه من اعترض عليه 1 من أنه أراد به ما يراد بالتضمن المعروف في أسماء الشرط والاستفهام، أنه قال في الكافية له: [2/ 399] مكان او وقت حوى معنى في... ظرف كرح غدا مع الأشراف فعبر بحوى، ولم يعبر بالتضمن، فعلم أنه لم يقصد معناه، وقال في شرح هذا: المفعول فيه: ما نصب من اسم زمان أو مكان مقارن لمعنى في دون لفظها 2. فعبر بالمقارنة أيضا، وهذا يدل على عدم إرادة التضمن المصطلح عليه قطعا؛ وإذ قد عرفت أن المصنف قد عدل في غير هذا الكتاب عن لفظ «ضمن» إلى لفظ حوى أو قارن، فاعلم أن غيره يعبر بالتقدير أيضا فيقول: نصب الظرف على تقدير «في» 3. - - وهذا ما أجاب به ناظر الجيش هنا عن اعتراض أبي حيان.

................................  ونكث عنه المصنف معللا ذلك بأن تقدير «في» يوهم جواز استعمال لفظ «في» مع كل ظرف، وليس الأمر كذلك؛ لأن من الظروف ما لا يدخل عليه «في» كعند ومع، وكلها مقارن لمعناها ما دام ظرفا؛ فكان ذكر المقارنة أجود 1. انتهى.
وقال الشيخ: لا يلزم من تقدير «في» جواز دخولها والتلفظ بها، وكم من مقدر لا يلفظ به نحو الفاعل في اضرب، ونحو الفعل الناصب للمنادى 2. انتهى.
والفرق ظاهر؛ فإن ما ذكره وضعه على أن لا يلفظ به، وأما الظرف فليس وضعه على أن لا تذكر «في» معه؛ إذ يجوز في «جلست اليوم» أن يقال: جلست في اليوم، فلما كان الحرف المقدر مع الظرف قد يظهر وإن كانت الكلمة تخرج عند ذكره عن أن تكون ظرفا صناعيّا.
قال المصنف: لو قلت بتقدير «في» لأوهم ذلك أنه يجوز ظهورها كما في سائر الظروف، ثم إن المصنف جعل ذلك، أعني كون الاسم ضمّن معنى «في» أو حواه أو قارنه جزءا من أجزاء الحد، ولو جاز أن يذكر التقدير لجعله أيضا جزءا.
وأما غيره 3 فلم يدخل ذلك في الحد، وإنما قال بعد أن حد المفعول فيه بأنه: ما فعل فيه فعل مذكور، قال: وشرط نصبه تقدير «في» 4؛ فجعل تقدير في شرطا، وكان هذا أولى، واحترز في الحد بقوله: (مذكور) من نحو يوم الجمعة حسن، قال: فإنه مما يفعل فيه الفعل، ولكنه لم يفعل فيه فعل مذكور 5. البحث الثاني: قد عرفت أن المنتصب بعد «دخل» من الأمكنة المختصة ليس منصوبا على الظرف عند المصنف، لكنه لم يصرح بجهة نصبه، وقد قال في شرح الكافية بعد أن ذكر أن المكان المختص لا يتعدى إليه فعل، يعني أنه لا ينصبه على الظرفية إلا نادرا: فإن كان الفعل المتعلق بالمكان المختص «دخل» جاز أن يتعدى إليه بنفسه لا على أنه ظرف له، بل على أنه مفعول به متعدى إليه بحرف جر، ثم حذف (الجر) 6 -

................................  تخفيفا لكثرة الاستعمال، فوقع الفعل عليه ونصبه كما يتفق لغيره، ثم قال: ولا يجوز الحكم على «دخل» بأنه متعدّ بنفسه إلى المكان المختص؛ لأنه لو تعدى بنفسه إلى المكان على أنه مفعول به لتعدى بنفسه إلى غير المكان، ولم يحتج معه إلى حرف الجر في [2/ 400] نحو قولهم: دخلت في الأمر 1. انتهى.
وأفهم كلامه أن من الناس من يقول: إنه متعد بنفسه، وذكر ابن عصفور أن ذلك هو مذهب الأخفش 2، ثم رد هذا المذهب بأمور: 1 - منها: أن دخل نقيض خرج، وخرج غير متعد، قال: والنقيض يجري كثيرا مجرى ما يناقضه.
2 - ومنها: أن نظير «دخل» عبر وهو غير متعد، قال: والنظير يجري كثيرا مجرى نظيره.
3 - ومنها: أن مصدره الدخول، والفعول في الغالب مصدر ما لا يتعدى.
4 - ومنها: أنك إذا قلت: دخلت البيت كان البيت محلّا للدخول والداخل، وهذا شأن الظرف أن يكون محلّا لهما، ولو كان مفعولا به لكان محلّا للفعل خاصة؛ كضربت زيدا، قال: وهذا الدليل قاطع بفساد مذهب الأخفش.
5 - ومنها: أنهم يقولون: دخلت في الأمر؛ فلا يصل إلى الأمور المعنوية إلا بفي، ثم قال: فلأي شيء لم يقولوا: أدخلت الأمر، كما قالوا: دخلت الدار؟ وأجاب بأن دخلت في الأمر مجاز؛ لأن الدخول إنما يتصور حقيقة في الأجسام، وحذف حرف الجر مجازا، فكرهوا التجوز بعد التجوز 3 انتهى.
وقد ثبت أن المذاهب في دخل من نحو: دخلت البيت ثلاثة: 1 - النصب على الظرف تشبيها للمكان المختص بغير المختص 4. -

................................  2 - والنصب على أنه متعدّ في الأصل بحرف، ثم حذف الحرف اتساعا، فانتصب على المفعول به كما هو رأي المصنف، قيل: وهو مذهب الفارسي 1. 3 - والنصب على أنه متعدّ بنفسه، كما هو مذهب الأخفش 2. واعلم أن الشيخ نازع المصنف فيما فهمه من قول سيبويه بعد أن مثل بقلب زيد الظهر والبطن، ودخلت البيت، وليس المنتصب هنا بمنزلة الظرف إلى آخره، فقال: لا حجة له في ذلك على أن البيت بعد دخلت ينتصب نصب المفعول به؛ لأن انتصاب الظهر والبطن ليس على تقدير «في»؛ إنما هو على تقدير «على» والأصل: قلب زيد على ظهره وبطنه؛ ولذلك قال في امتناع أن ينتصب على الظرف: أنك لو قلت: هو ظهره وبطنه، وأنت تريد: مشيا على ظهره وبطنه لم يجز، فجعل المحذوف «على» ولم يجعل المحذوف «في»؛ لأن حذف «على» ووصول الفعل إلى المجرور بها فتنصبه لا يكون نصبه على الظرف، إنما هو مثل: مررت زيدا، ولا ينقاس ذلك، قال: وقد نص سيبويه على خلاف ما ادعاه المصنف عليه، قال سيبويه - بعد أن ذكر تعدي الفعل إلى اسم المكان -: وقال بعضهم: ذهبت الشام، فشبهه بالمبهم، إذ كان مكانا، وكان يقع عليه المكان والمذهب، وهذا شاذ؛ لأنه ليس في «ذهب» دليل على الشام: وفيه دليل على المذهب والمكان، ومثل ذهبت الشام: دخلت البيت 3. انتهى.
قال الشيخ: فهذا نص على أن انتصاب البيت بعد دخلت، مثل انتصاب الشام بعد ذهبت [2/ 401] وهما من الأمكنة المختصة، وقد قال: إن من قال: ذهبت الشام، شبهه بالمبهم، وجعل دخلت البيت مثله 4، ثم قال: وقول المصنف: وهذا عجيب من الشلوبين، ليس ذلك بعجيب، بل العجيب غفلته هو عن نص - - وشرح الألفية للمرادي (2/ 90، 91).

................................  سيبويه الذي ذكرناه، ثم قال: وأين المصنف من رجل يقال: إنه ختم عليه كتاب سيبويه بحثا ونظرا نحوا من ستين مرة، ورحل إليه الناس من أقطار الأرض 1، لم يكن في عصره، بل في أعصار قديمة مثله 2. انتهى.
وأقول: أما الشلوبين فقد بلغ المصنف في تعظيمه ورفعة شأنه وإجلاله الغاية القصوى، حيث وصفه بالاعتناء بجمع متفرقات الكتاب وتبيين بعضها ببعض، فإن هذا يدل على أنه لم يشاركه في ذلك أحد، ولم يسبقه إليه، هذا وقد تقدمه سادات شرحوا الكتاب، ثم لم يثبت المصنف الذي وصف الشلوبين به لأحد غيره، وأما رده على المصنف بكلام سيبويه، فالمصنف إنما استدل على ما ادعاه بكلام سيبويه أيضا، وقول سيبويه: وليس المنتصب هنا بمنزلة الظروف بعد أن ذكر: قلب زيد الظهر والبطن، ودخلت البيت 3 صريح في عوده إلى ما تقدم، والقول بعوده إلى مسألة: قلب زيد الظهر والبطن خاصة، دعوى تخالف الظاهر والإنصاف أن يكون لسيبويه في نحو: دخلت البيت قولان، وكما غفل الشلوبين عن أحد النّصّين، غفل المصنف عن النص الآخر، فسبحان من لا تجوز عليه الغفلة! وبعد، فقد عرفت بطلان مذهب الأخفش في هذه المسألة 4، وأما المذهبان الآخران، فالذي يظهر أرجحيته منهما مذهب المصنف، وذلك أن المكان المختص الواقع بعد دخلت، لو كان ينتصب على الظرفية لما جاز تعدي «دخل» إلى ضميره إلا بفي، على القاعدة المعروفة، وهي أنك إذا قلت: سرت يوم الجمعة، ثم قدمت اليوم، وسلطت الفعل على ضميره وجب أن نقول: يوم الجمعة سرت فيه، ولا يجوز: سرته، إلا إن اتسعت في الفعل، وقد عدي دخل إلى ضمير المكان المختصّ دون «في»، قال الله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً 5 وهذا دليل صريح على ما اختاره المصنف.
البحث الثالث: قال ابن أبي الربيع: لو تعدى الفعل إلى المفعول فيه على حسب ما يطلبه لتعدى -

................................  إليه بحرف الجرّ، ويجوز ذلك فيه، فتقول: جلست في يوم الجمعة، وركبت في يوم الخميس، ولا يكون حينئذ ظرفا، إنما يكون من قبيل ما يصل الفعل إليه بحرف الجر، ولا يسمي النحويون ظرفا إلا ما انتصب بالفعل على معنى «في» مما يكون زمانا أو مكانا، وإن كان المعنى واحدا، ولما فعل النحويون ذلك وفرقوا بينهما، وجعلوهما بابين، وسموهما باسمين لما فهموا من التفرقة بينهما، قال سيبويه: تقول العرب [2/ 402]: جلست وسط القوم، فتسكن السين ولا تفتحها، وإذا أدخلوا حرف الجر، فقالوا: جلست في وسط القوم، حرّكوا السين، كما يحركونها إذا كانت الكلمة مفعولا بها، أو دخل عليها غير «في» من حروف الجر، أو وقعت على وجه من وجوه الإعراب، ألا تراهم يقولون: ضربته وسطه، وجئت من وسط الدار، ومشيت إلى وسطها، ووسط الدار متسع، وأعجبني وسط هذه الدار، فانظر إلى تحريك السين في وسط إذا دخل عليه «في»، واستعمالها على حال واحدة في سائر مواضعها، فإذا أسقطوا حرف الجر خالفوا بلفظها وسكنوا سينها 1، وإنما ذلك والله أعلم؛ لأنها صارت عندهم من قبيل آخر.
البحث الرابع: لم يتعرض المصنف في هذا الباب إلى ذكر ما يقوم مقام ظرف الزمان، ولا إلى ما يقوم مقام ظرف المكان، فينتصب انتصابهما، وكان الواجب ذكر ذلك كما فعل في باب المفعول المطلق؛ حيث ذكر ما يقوم مقامه، فينتصب انتصابه.
وبعد، فالذي ذكروا أنه يقوم مقام ظرف الزمان أربعة أشياء: أحدها: صفته نحو: سير عليه طويلا، أي زمانا طويلا، فأقيمت الصفة مقام الموصوف بعد حذفه 2، قال ابن عصفور: وجاز في صفة الظرف قيامها مقام الموصوف، وإن لم يكن من قبيل الصفات الخاصة به، ولا من قبيل الصفات المستعملة استعمال الأسماء، كما جاز ذلك في الصفة المنتصبة على الحال لشبه الظرف بالحال، من جهة أنه ينتصب على تقدير في، كما أن الحال ينتصب على -

................................  معنى في، وجاز ذلك في الحال؛ لأن صاحبها هو الموصوف بها في المعنى، فاستغنت به عن موصوف تجري عليه لذلك 1. ثانيها: ما أضيفت إلى الظرف بشرط أن يكون المضاف هو اسم الزمان في المعنى أو بعضه نحو: سرت جميع الشهر، أو كل اليوم، وبعض الشهر، وبعض اليوم 2. ثالثها: ما أضيف إليه اسم الزمان، فيقام المضاف إليه مقامه بعد حذفه، والأكثر أن يكون المضاف إليه مصدرا بشرط أن يفهم تعيينا أو مقدرا نحو: كان ذلك خفوق النجم، أو صلاة العصر، وانتظرته نحر جزورين، وسير عليه ترويحتين 3، وقلّ كون المضاف إليه اسم عين نحو: لا أفعل ذلك معزى الفزر 4، ولا أكلم زيدا القارظين، ولا أسالم عمرا هبيرة بن سعد 5. ومن كلامهم: لأفعلن ذلك الشمس والقمر، ولا أكلم فلانا الفرقدين، فينصبون هذا وأشباهه نصب الظروف، والتقدير: لا أفعل ذلك مدة فرقة غنم الفزر، ومدة مغيب القارظين، ومدة مغيب هبيرة بن سعد، ولأفعلن ذلك مدة بقاء الشمس والقمر، أو مدة طلوعهما، وهذا سبيل التوقيب بالفرقدين وغيرهما. رابعها: ما شبه بظرف الزمان، وذلك كلمات أذكرها؛ إلا أن استعمال هذا النوع ظرفا موقوف على السماع، والكلمات هى قولهم: حقّا، وغير شك، وجهد رأيي، وظنّا منّي، يقولون: أحقّا [2/ 403] أنك قائم، ومنه قول الشاعر: 1503 - ألا أبلغ بني جشم رسولا... أحقّا أنّ أخطلكم هجاني 6

................................  والأمر في هذه الكلمة معرفة باللام كالأمر فيها دون اللام، فيقال: أألحق أنك قائم، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: 1504 - أألحق أن دار الرّباب تباعدت... أو انبتّ حبل أنّ قلبك طائر 1 فأنّ مع صلتها في موضع رفع بالابتداء، وحقّا وأألحقّ ظرفان في موضع الخبر؛ لأنهما منصوبان على تقدير «في»، والدليل على ذلك تصريحهم بها في بعض المواضع، قال الشاعر: 1505 - أفي حق مواساتى أخاكم... بمالي ثمّ يظلمني الشّريس 2 وقال آخر 3: 1506 - أفي الحق أني مغرم بك هائم... وأنّك لا خل هواك ولا خمر 4 والدليل على أن حقّا جار مجرى ظرف الزمان، أن العرب استعملته خبرا عن المصدر، ولم تستعمله خبرا عن الجثة، كما أن ظرف الزمان كذلك، وكذا يقولون: غير شك أنك قائم، وجهد رأيي أنك مقيم، وظنّا مني أنك ذاهب 5، وجعل بعضهم من القائم مقام ظرف الزمان اسم العدد، أي اسم عدده نحو: سار -

................................  القوم عشرين يوما، وابن عصفور جعل اسم العدد نفسه زمانا، لا قائما مقامه، ومن ثمّ قال في المقرب: ظرف الزمان هو اسم الزمان أو عدده أو ما قام مقامه 1 وعلل ذلك بأنه لما عد به الزمان صار مرادا به الزمان في المعنى، وذلك أن عشرين يوما من المثال المتقدم ونحوه أيام في المعنى، والذي قاله ابن عصفور هو الظاهر، بل هو المتعين، واعلم أنه كما قام مقام ظرف الزمان الأربعة المتقدمة الذكر، هكذا تقوم مقام ظرف المكان.
فالصفة: نحو قولك: قعد قريبا من زيد، يريد مكانا قريبا منه.
والمضاف إلى الظرف الذي هو اسم المضاف إليه في المعنى: نحو قولك: سرت جميع الميل، وقطعت بعض الفرسخ 2. وما كان مضافا إليه اسم مكان فحذف اسم المكان وأقيم المضاف إليه مقامه نحو قولك: جلست قرب زيد، الأصل: جلست مكان قريب زيد 3، ومنه قول العرب: تركته ملاحس البقر أولادها، الأصل: تركته مكان ملاحس البقر أولادها، وهذا إنما يكون إذا كان المضاف إليه اسم المكان مصدرا كما مثل، فهو في ظرف المكان نظير قولهم: كان ذلك خفوق النجم، وقدوم الحاج في ظرف الزمان، إلا أن ذلك كثير مع ظرف الزمان كما تقدم، وقليل مع ظرف المكان، ولا يجوز أن تكون «ملاحس» اسم مكان؛ لأنه نصب الأولاد، فتعين كونه مصدرا 4. وأما ما شبه به: أعني بظرف المكان فقد مثلوا بقولهم: زيد فوق عمرو في الشرف، ودون بكر في العلم، قال ابن عصفور: ففوق ودون في هذا الكلام وأمثاله، ليسا باسمي مكان، وإنما حكم لهما بحكم ظرف المكان لشبههما بفوق ودون إذا أريد بهما المكان 5. انتهى.
وما ذكره غير ظاهر، فإن الشيء لا يشبه بنفسه، وإنما [2/ 404] المشبه هنا متعلق الفوقية والدونية، فالمراد تشبيه الرتبة المعنوية بالرتبة الحسية؛ لأن الفوقية وما -

................................  يقابلها إنما يدركان بالنسبة إلى الأجسام، فإذا استعمل اللفظ الدال عليهما في الأمور المعنوية، وجب أن يكون التشبيه بين الرتب، فالرتبة التي لها شرف توصف بالعلو المعنوي، فيطلق عليها ما يطلق على ما يوصف بالعلو الحسي، والمرتبة التي ليس لها شرف توصف بالتسفل المعنوي، فيطلق عليها ما يطلق على ما يوصف بالتسفل الحسي، وإذا كان الأمر كذلك ففوق التي هي في قولنا: «زيد فوق عمرو في الشرف» هي نفس فوق التي هي قولنا: «زيد فوق الجدار»، ففوق اسم مكان في الحالين، وكذا الكلام في دون أيضا، ثم قال ابن عصفور ردف كلامه الأول: ومن ذلك ما حكاه الأخفش من قول العرب: هم هيئتهم 1، قال: فهيئتهم هنا ظرف مكان؛ لأنها منصوبة على تقدير في أي هم هيئتهم، والهيئة ليست باسم مكان، وإنما حكم لها بحكم اسم المكان لشبهها به من حيث كانت مشتملة على ذي الهيئة كاشتمال المكان على ما يحل فيه، قال: والدليل على أنها جعلت من قبيل ظروف المكان وقوعها خبرا عن الجثة 2. انتهى.
واعلم أن استعمال هذا النوع ظرف مكان، أعني ما شبه بظرف المكان - موقوف على السماع، كما أن استعمال ما شبه بظرف الزمان ظرف زمان كذلك 3. البحث الخامس: الناصب للظرف هو اللفظ الدال على المعنى الذي وقع في الظرف، وإذا كان كذلك علم أن في قول المصنف: ناصب له بعد قوله: لواقع فيه - تجوزا ثم إن هذا العامل قد يكون مذكورا وقد يكون مقدرا، فالمذكور ظاهر والمقدر قد يكون تقديره جائزا كقولك يوم الجمعة، لمن قال: متى جئت، وقبلي الجامع، لمن قال: أين جلست، إذ يجوز إظهاره، وقد يكون تقديره واجبا يعني أن يؤتى به مقدرا ولا يذكر لفظا 4، وهذا هو الذي يعبر عنه النحاة بأنه يحذف وجوبا، وذلك في أربع مسائل وهي: -

[تقسيم ظرف الزمان إلى متصرف وغير متصرف]

قال ابن مالك: (ومبهم الزّمان ومختصّه لذلك صالح، فإن جاز أن يخبر عنه أو يجر بغير «من» فمتصرّف، وإلّا فغير متصرف، وكلاهما منصرف، وغير منصرف).
أن يكون الظرف صفة أو صلة أو خبرا أو حالا 1. وذكر الإمام بدر الدين في شرح الألفية موضعا خامسا وهي قولهم: حينئذ الآن، أي كان ذلك واسمع الآن، قال: لأنه مسموع بالحذف لا غير، يعني أنه لا علة لوجوب حذفه إلا السماع خاصة 2. قال ناظر الجيش: هذا الباب يشتمل على فصول أربعة، تكلم المصنف في فصلين منهما، وهما الأولان، على ظرف الزمان وحده، وتكلم على ظرف المكان في الفصلين الآخرين.
فأما ظرف الزمان فقسمان: مبهم ومختص.
ثم المختص معدود وغير معدود.
فالمعدود إذا أحد قسمي المختص، والمبهم والمختص صالحان للظرفية 3. قال المصنف 4: فمبهمه نحو: «صمت يوما»، ومختصه [2/ 405] نحو: «صمت يوم الجمعة»، ثم ظرف الزمان ينقسم إلى متصرف، فالمتصرف ما يجوز أن يخبر عنه أو يجر بغير «من» وغير المتصرف ما لا يعامل بذلك 5، فالإخبار عنه نحو: «العام سعيد» و «اليوم مبارك»، والجر بغير من نحو: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 6 ونحو: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ 7 ونحو: على يمينه أسوده وعلى -

................................  يساره أسوده، وبدخول «إلى» على «متى» يعلم أنها ظرف متصرف، فلذلك أجاز سيبويه أن يقال: يوم كذا بالرفع، لمن قال: متى سير عليه؟ على تقدير: أيّ الأحيان سير عليه؟ برفع أي، وقال سيبويه: والرفع في جميع هذا عربي كثير في لغات العرب تكون على كم غير ظرف، وعلى متى غير ظرف 1. هذا نصه، ولا يحكم بتصرف ما جر «بمن» وحدها كعند وقبل وبعد؛ لأن «من» كثرت زيادتها، فلم يعتد بدخولها على الظرف 2 الذي لا ينصرف بخلاف غيرها كمذ وحتّى، وفي وإلى وعن وعلى، فلما بيّنت أن بعض الظروف متصرف، وبعضها غير متصرف قلت: وكلاهما منصرف، وغير منصرف، أي المتصرف على ضربين: منصرف وغير منصرف، وغير المتصرف كذلك، فالأقسام إذا أربعة 3 انتهى.
وقسم ابن عصفور ظرف الزمان ثلاثة أقسام: مبهم ومختص ومعدود، ثم قال: هو ما لا يصح وقوعه في جواب كم، ولا في جواب متى نحو زمان، والمختص هو ما يصح وقوعه في جواب متى نحو يوم الجمعة، والمعدود ما يصح وقوعه في جواب كم نحو يومين 4 انتهى.
فاقتضى كلامه أن المعدود قسيم للمختص، وقد عرفت أنه قسم منه، والأولى أن يقال: المبهم: هو ما لا يصح وقوعه في جواب كم ولا في جواب متى، والمختص: إما أن يقع في جواب كم فهو المعدود، وإما أن يقع في جواب متى فهو غير المعدود، وإنما تعدى الفعل إلى المبهم والمختص من ظروف الزمان، لقوة دلالته عليه؛ لأنه دال عليه بالتضمن، كما هو دال بالتضمن على المصدر، فتعدى إلى جميع ضروبه، كما تعدى إلى جميع ضروب المصدر 5، وبهذا علل الفارسي تعدي الفعل إلى جميع ضروب القسمين أعني المصدر، وظرف الزمان، فقال: لاجتماعهما في أن الدلالة وقعت عليهما من لفظ الفعل 6.

[تقسيمات مختلفة لظرف الزمان وأمثلة لكلّ]

قال ابن مالك: (فالمتصرف المنصرف كحين ووقت، والّذي لا يتصرّف ولا ينصرف ما عينّ من سحر مجرّدا، والذي يتصرّف ولا ينصرف كغدوة وبكرة علمين، والّذي ينصرف ولا يتصرّف بعيدات بين، وما عيّن من ضحى وضحوة وبكر وسحير وصباح ومساء، ونهار وليل، وعتمة وعشاء، وعشية، وربّما منعت الصّرف والتّصرف.
وألحق بالممنوع التّصرف ما لم يضف من مركّب الأحيان كصباح مساء ويوم يوم.
وألحق غير خثعم ذا وذات مضافين إلى زمان، واستقبح الجميع [2/ 406] التّصرف في صفة حين عرض قيامها مقامه ولم توصف).
قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الأقسام أربعة شرع في ذكرها قسما قسما.
أما المتصرّف المنصرف فكثير، قال المصنف 1: لأنه على الأصل، وذلك كساعة وشهر وعام ودهر وحين وحينئذ ويومئذ يقال: سير عليه يومئذ وحينئذ، حكاهما سيبويه 2، والذي لا يتصرف ولا ينصرف «سحر» إذا جرد من الإضافة والألف واللام، وقصد به سحر معين من ليلة معينة كقولك: لأستغفرن هذه الليلة سحر، وكذا إن قصد التعيين ولم تذكر الليلة 3. والذي يتصرف ولا ينصرف غدوة وبكرة 4 علمين قصد بهما التعيين، أو لم يقصد؛ لأن علميتهما جنسية، فيستعملان استعمال أسامة وذؤالة 5، فكما يقال عند قصد التعميم: أسامة شر السباع، وعند قصد التعيين: هذا أسامة فاحذروه، يقول قاصد التعميم: غدوة وقت نشاط، وقاصد التعيين: لأسيرن الليلة إلى غدوة، وبكرة في ذلك كغدوة، وقد يخلوان من العلمية فيتصرّفان، وينصرفان 6، ومنه -

................................  قوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا 1. والذي ينصرف ولا يتصرف ما عين من سحير وبكر وضحى وضحوة، وصباح ومساء وليل ونهار، وعتمة وعشاء وعشية 2، وربما منعت عشية في التعيين الصرف والتصرف، فساوت سحر، ذكر ذلك كله سيبويه في الباب المترجم بهذا باب ما يكون فيه المصدر حينا 3، وقال بعد أن ذكر ليلا ونهارا: إذا أردت ليل ليلتك ونهار نهارك 4 يريد بليل ليلتك ظلامها، ونهار نهارك ضوءه، وكذا قال في تفسير تعيين البواقي إذا أردت سحر ليلتك وضحى يومك وصباحه ومساءه وعشاءه، وبكر يومك وضحوته وعتمة ليلتك. وذكر مما لا يتصرف بعيدات بين 5، أي أوقاتا غير متصلة 6. ومن الظروف التي لا تنصرف ما ركب تركيب خمسة عشر كقولك: فلان يتعهدنا يوم يوم وصباح مساء، أي كل يوم وكل صباح ومساء، فمثل هذا لا يستعمل إلا ظرفا، ومنه قول الشاعر 7: 1507 - ومن لا يصرف الواشين عنه... صباح مساء يبغوه خبالا 8 ومثله قول الآخر: 1508 - آت الرّزق يوم يوم فأجمل... طلبا وابغ للقيامة زادا 9

................................  فلو أضيف صدره إلى عجزه، جاز استعماله ظرفا وغير ظرف، فمثال استعماله ظرفا قول الشاعر: 1509 - ما بال جهلك بعد الحلم والدّين... وقد علاك مشيب حين لا حين 1 أنشده سيبويه، وقال: إنما هو حين حين ولا بمنزلة ما إذا ألغيت 2، ومثال استعماله غير ظرف قول الآخر أنشده سيبويه أيضا: 1510 - ولولا يوم يوم ما أردنا... جزاءك والفروض لها جزاء 3 واعلم أن من الظروف التي لا تتصرف: ذو وذات مضافين إلى وقت كقولهم: لقيته ذا صباح وذات مرة، وذات يوم أو ليلة، وهذا النوع [2/ 407] عند غير خثعم لا يستعمل إلا ظرفا، وقد يستعمل عند خثعم غير ظرف كقول بعضهم 4: 1511 - عزمت على إقامة ذي صباح... لأمر ما يسوّد من يسود 5 فلو قيل على هذه اللغة: سرى عليه ذات ليلة بالرفع لجاز، ولا يقال على لغة - والهمع (1/ 196)، والدرر (1/ 167). والشاهد فيه: قوله «يوم يوم»؛ حيث نصب على الظرفية وجوبا؛ لأنه من مركب الأحيان ولم يضف.

................................  غيرهم من العرب، إلا سرى عليه ذات ليلة بالنصب.
ويقبح 1 عند جميع العرب ترك الظرفية في صفة حين حذف وأقيمت مقامه نحو: سير عليه قديما وحديثا، فلو قلت: سير عليه قديم أو حديث لم يختلف في قبحه، فلو كان قيام الصفة مقام الموصوف غير عارض كقريب، حسن ترك الظرفية، وكذا لو وصفت الصفة كقولك: سير عليه طويلا من الدهر؛ لأن وصفها يعطيها شبها بالاسم الجامد، كما أن كثرة جريانها مجرى الأسماء الجامدة يلحقها بها 2، فلك أن تقول في سير عليه طويلا من الدهر، وفي مرّ به قريبا: سير عليه طويل الدهر، ومرّ به قريب، فإن قريبا من الصفات التي كثر جريانها مجرى الأسماء، قال سيبويه - بعد أن مثل بسير عليه طويلا وحديثا وكثيرا وقليلا -: ولم يجز الرفع؛ لأن الصفة لا تقع موقع الاسم 3. ثم قال: وقد يحسن أن تقول: سير عليه قريب؛ لأنك تقول: لقيته مذ قريب، وربما جرت الصفة في كلامهم مجرى الاسم، فإذا كان كذلك حسن، ثم قال: فإن قلت: سير عليه طويل من الدهر كان أحسن، وإنما حسن بالوصف لأنه ضارع الأسماء؛ لأن الموصوفة في الأصل هي الأسماء 4، هذا نصه.
وإلى هذا أشرت بقولي: (واستقبح الجميع التّصرف في صفة حين عرض قيامها مقامه ولم توصف).
فعلم عدم القبح في تصرف «قريب» من المثال المذكور؛ لأن إقامته مقام الموصوف غير عارضة بخلاف طويل وشديد ونحوهما، وعلم عدم القبح في تصرف ما وصف نحو: سير عليه طويل من الدهر؛ لأن وصفه بالجار والمجرور أعطاه شبها بالأسماء المحضة كما تقدم.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 5. وهو حسن إلا أنه ليس فيه التعرض إلى ذكر العلة الموجبة لعدم التصرف في الكلمات التي أوردها، ثم إنه لم يبسط القول فيها كما فعل غيره، ولا شك أنه يتعين الإشارة إلى الأمرين، وقبل ذكر ذلك فاعلم أن التصرف في الظرف هو الأصل، -

................................  وكذا الانصراف أيضا، ولهذا كان المتصرف المنصرف منها هو الكثير 1، وقد أشار المصنف إلى كونه الكثير بقوله: (لأنه على الأصل).
وحاصل الأمر: أن الأصل في الظروف التصرف؛ لأنها أسماء، فسبيلها أن تجري مجرى الأسماء وتدخل عليها العوامل التي تدخل على الأسماء، وما وجد منها غير متصرف يسأل عن عدم تصرفه، وكذا [2/ 408] الأصل فيها الانصراف؛ لأنه الأصل في الأسماء، وقال بعض النحاة 2: إن الأصل في الظروف أن تكون غير متصرفة، وأن تلزم طريقة واحدة.
ولا معول على هذا القول، ويكفي فيه أنه قول مخالف لقول الجمهور، وإذ قد تقرر هذا فنقول: الكلمات التي ذكر أنها لا تنصرف: سحر وبعيدات بين وضحى وضحوة، وبكر وسحير وصباح ومساء، ونهار وليل وعتمة وعشاء وعشية، وذا صباح وذا مرة.
أما سحر فقد عرف من كلام المصنف اشتراط أمرين في عدم تصرفه وهما: أن يكون مجردا من الإضافة والألف واللام، وأن يقصد به سحر معين من ليلة معينة، وسواء أذكرت الليلة أم لم تذكر نحو: جئتك سحر وأنت تريد ذلك من يوم بعينه.
وكذا سواء أعرّفت اليوم أم نكّرته نحو: جئت يوما سحر، ذكر 3 ذلك الشيخ رحمه الله تعالى 4. فعلم من ذلك أنه لم يقصد به معين بأن كان نكرة تصرف كقوله تعالى: نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ 5 وأنه إن كان مضافا أو بالألف واللام تصرف أيضا مع كونه معينا نحو: كان ذلك يوم الخميس السحر، أو يوم الجمعة سحره، قال الشيخ: ومن أحكام سحر أنه إذا ذكر قبله اليوم لا ينتصب ظرفا إلا إذا انتصب اليوم ظرفا، فلو كان اليوم فاعلا أو مفعولا به لم ينتصب سحر على الظرف، بل يكون بدلا من اليوم، فيلزمه الضمير أو «أل» نحو: كرهت يوم كذا سحره، أو السحر منه، ولو -

................................  قلت: سير بزيد يوم الجمعة سحر، وجعلته مفعولا على السعة لم يجز لعدم الربط بينه وبين اليوم 1، قال الشيخ: فإن أردت هذا المعنى قلت: سير بزيد يوم الجمعة سحره أو السحر منه حتى يرتبط به 2، أما إذا رفع اليوم، ورفع سحر فجائز؛ لأن اليوم باق على الظرفية غايته أنه أقيم مقام الفاعل وهو يشتمل على السحر، ولا يشتمل السحر عليه، والعلة في عدم تصرفه أنه عدل عن طريقته الوضعية كما سيبين، فكأنه في الاستعمال خرج عما يستحقه بحق الأصالة، ولما كان كذلك ألزم الظرفية، قالوا: لأن باب الظرف باب تغيير ومن التغيير نشأ، لأنه إنما نشأ عن إسقاط حرف الجر، ليجري مجرى المصدر، قالوا: وكل ما بني على التغيير نشأ منه، فإنه يكون فيه ما لا يكون في غيره كباب النسب والتصغير والتكسير، وبيان أنه عدل بسحر عن طريقته الوضعية أنه وضع على التنكير كرجل، وإذا أرادوا تعريفه ألحقوه الألف واللام أو أضافوه، ثم إن العرب استعملوه معرفة دون الأمرين إن لم يلحقوه اللام ولم يضيفوه 3، وللنحاة فيما تعرف به خلاف: منهم من جعله العلمية 4، ومنهم من جعله نية الألف واللام 5، وهذا يذكر في باب منع الصرف إن شاء الله تعالى، وعلى كلا المذهبين هو معدول؛ لأنه لما استعمل معرفة دون ألف ولام ودون إضافة كان ذلك عدولا به عن الطريقة الأصلية فيه.
وحاصل الأمر: أن منع تصرفه [2/ 409] للعدل، وإنما كان العدل مانعا للتصرف: لأن العدل تغيير، ولهم في تقرير هذا الأمر عبارة أخرى وهي أنهم ذكروا -

................................  أن نظائر سحر من النكرات إذا عرفت فإما باللام أو بالإضافة، فلما عرف هو من غير أداة تعريف خالف نظائره، فعدم تصرفه لخروجه عن نظائره من النكرات 1، وهذه العلة الموجبة لعدم تصرف سحر، هي العلة الموجبة لعدم تصرف الكلمات الأخر، أعني بعيدات بين، وما ذكر بعدها، كما سنقف عليه 2. وأما معناه فقال الشلوبين: إن أبا علي فسر ذلك بأن قال: العرب تقول: رأيته بعيدات بين، أي رأيته ثم فارقته، ثم رأيته ثم فارقته 3، وذلك إذا كان بين أبعاض الرؤية مدة قريبة، قال: فلذلك جمع وصغّر؛ لأن تصغير الظرف تقريب 4، إلا أن الجمع جاء على غير قياس؛ لأن «بعد» مذكر وكذلك الظروف كلها مذكرات إلا قداما وراء 5، وقياس المذكر إذا جمع وليس فيه تاء أن لا يجمع بالألف والتاء، قالوا: فلما كان الأمر فيها على غير قياس، لزمت الظرفية، وقال ابن عمرون: لما صغر «بعد» وجمع وأضيف إلى بين لزم طريقة واحدة، وما قاله ابن عمرون هو الظاهر، وأما ضحى وما بعدها إلى عشية فقد عرفت أن عدم تصرفها مشروط بأن يراد بها معين، ولهذا قدم المصنف عليها قوله: وما عين من كذا وكذا، وينبغي أن نعلم أنها نكرات؛ ولذلك توصف بالنكرة، وإن كان المراد بها من يوم بعينه 6، ونظيرها في ذلك: لقيته عاما أول، فإنه نكرة أريد به معين 7، وقال ابن أبي الربيع: وأما عشية وعتمة وضحى وبكر وما جرى مجراها فهن نكرات، وإذا أردتهما ليوم بعينه فليست أعلاما؛ لأنها متصرفة 8، وإنما هي من قبيل وضع اللفظ الشائع في موضع الخاص، ويعلم المراد من غير اللفظ؛ ألا ترى أنك إذا قلت: رأيتك يوم الجمعة عشية، علم أن هذه العشية هي عشية الجمعة، فكان القياس أن يقال: العشية أو عشيته، لكن أطلق اللفظ الشائع وأريد التخصيص، وعلم المراد من غير لفظ عشية، -

................................  وذلك نظير قولك: عاما أول، فلما استعملت عشية وأخواتها على غير وجوهها كان ذلك خروجا عن القياس، فلزمت الظرفية، قال ابن عمرون: وإنما لم تتصرف هذه الكلمات؛ لأن أصلها أن لا تخص من يوم معين، فلما أريد بها ذلك لزمت طريقة واحدة، ولو لم ترد من يوم بعينه كانت متصرفة، وأما ذا صباح وذات مرة على لغة غير خثعم، فالعلة في عدم تصرفهما أنهما خرجا عن الأصل 1، وذلك أن أصل صباح أن يستعمل ظرفا بنفسه، فيقال: جئتك صباحا، فقولهم: ذا صباح دليل على أن الصباح استعمل هنا بمعنى الضياء، فقد خرج عن أصله، وكذلك ذات مرة، الأصل أن تقول: جئتك مرة وتكون [2/ 410] ظرفا بنفسها، فلما قالوا: ذات مرة، خرجت عن ذلك، وصارت بمنزلة قيس قفة، فكان ذلك تغيرا وخروجا عن الأصل، قال ذلك ابن أبي الربيع.
وقال ابن عمرون: إنما لم تتمكن ذات مرة؛ لأن «ذات» ليست من أسماء الزمان، بل مستعار، فلما خرج عن أصله لزم طريقة واحدة.
انتهى.
وهذا الذي ذكره في ذات مرة يقال بعينه في ذا صباح مساء، وقيل: إنما لم تتصرف ذا صباح؛ لأن الأصل: وقتا ذا صباح ولا ذات مرة، لأن الأصل قطعة من الزمان ذات مرة 2. وقال ابن عمرون أيضا: واعلم أن ظروف المكان أقوى مضارعة للأسماء، فلذا تمكنت ذات اليمين، وذات الشمال في كلامهم، ولم تتمكن ذات ليلة وأخواتها، قال: وقال الميداني 3: لقيته ذات يوم، وذات ليلة وذات غدوة وذات مرة، وذات -

................................  الزمين، وذات العويم، ولا يقولون: ذات شهر ولا ذات سنة، بل السماع في هذه المذكورات، ولقيته ذا صباح وذا مساء، وذا صبوح وذا غبوق هذه الأربعة بغير تاء، قال: وإضافة ذات إلى ما بعدها من إضافة المسمى إلى الاسم كأنه قال: صاحبة هذا الاسم، وأما غدوة وبكرة فقد عرفت ما ذكره المصنف فيهما.
قال ابن أبي الربيع: وأما بكرة وغدوة فوضعتها العرب في التعريف على جهتين: - إحداهما: أن يتعرّفا باللام أو بالإضافة.
والثانية: أن يجعلا علمين ليس أحدهما أصلا والآخر معدولا عنه 1. فوجب لذلك أن يتصرفا ولم ينصرفا للتعريف والتأنيث، ثم قال: فإن قلت: ولم لا يكون حكم بكرة حكم سحر، أو يكون الأمر بالعكس؟ قلت: للعرب أن تضع ألفاظها على حسب مقاصدها، ولها أن تقصد في لفظ ما لا تقصده في الآخر، ألا ترى أن أسدا نكرة وأسامة علم، ولو خالفت هذا الوضع أو ساوت بينهما لكان جائزا، فحقك أن تقف حيث وقفوا، وتضع كما وضعوا، ثم تطلب عللا مناسبة لما جاءت عليه ألفاظها، ويكون ذلك من قبيل الاستدلال بأثر الشيء عليه كالاستدلال بالضوء على طلوع الشمس، وسحر سمع فيه عدم الانصراف والتصرف، فقيل في تعليله ما قيل.
وغدوة وبكرة سمع فيهما عدم الانصراف وتصرفتا، فقيل فيهما ما قيل.
وقد بقي الكلام على مسألة وهي أنه لا فرق في المعنى بين قولنا: فلان يأتينا صباح مساء بالتركيب، وصباح مساء بالإضافة، إذ معنى كل منهما أنه يأتي في الصباح والمساء، وذكر الشيخ عن الحريري 2 أنه قال في درة الغواص: إن المراد مع الإضافة أنه يأتي في الصباح وحده، التقدير: يأتينا في صباح مساء، والمراد مع - - النحو الميداني، وكتاب نزهة الطرف في علم الصرف مطبوع في جزأين، تحقيق د/ يسرية حسن (جامعة الأزهر) وغيرها.
وممن تتلمذ على يديه الإمام أبو جعفر أحمد بن علي المقربي البيهقي وابنه سعيد، توفي سنة 518. (ينظر في ترجمته البغية (1/ 356، 357) تحقيق محمد أبو الفضل، ومعجم الأدباء (5/ 45).

[حكم الظرف الواقع في جواب كم أو متى بالنسبة لحصول الفعل]

قال ابن مالك: (ومظروف ما يصلح جوابا لكم واقع في جميعه تعميما أو تقسيطا، وكذا مظروف ما يصلح جوابا لمتى، إن كان اسم شهر غير مضاف إليه شهر، وكذا مظروف الأبد والدّهر واللّيل والنّهار مقرونة بالألف واللّام، وقد يقصد التّكثير مبالغة فيعامل المنقطع معاملة المتّصل، وما سوى ما ذكر من جواب متى فجائز فيه التعميم والتبعيض إن صلح المظروف لهما).
التركيب أنه يأتينا في الوقتين، وكان الأصل هو: يأتينا صباحا ومساء، فحذف العاطف وركب الاسمان 1 قال: وقد ردّ ابن بري 2 هذا وقال: لم يذهب إلى ذلك أحد من النحويين البصريين، قال السيرافي [2/ 411]: يقال: سير عليه صباح مساء وصباح ومساء، وصباحا ومساء، ومعناهن واحد، قال: وليس سير عليه صباح مساء مثل قولك: ضربت غلام زيد، في أن السير لا يكون إلا في الصباح، كما أن الضرب لا يقع إلا بالأول وهو الغلام دون الثاني؛ لأنك إذا لم ترد أن السير وقع فيهما لم يكن في مجيئك بالمساء فائدة 3، وقال سيبويه: وتقول: إنه ليسار عليه صباح مساء، ومعناه صباحا ومساء 4، وهذا نص واضح في أنه لا فرق بين التركيبين 5. قال ناظر الجيش: قال المصنف 6: المظروف هو ما يقع في الظرف، فمنه ما يقع في جميعه، ومنه ما يقع في بعضه، كما أن الموعى في الوعاء، منه ما يملأ الوعاء، ومنه ما لا يملؤه فإذا كان الظرف معدودا، وهو المعبر عنه بجواب «كم» فلكل واحد من أفراده، أو فرديه قسط من العمل إما في جميعه وهو المعبر عنه بالتعميم، -

................................  وإما في بعضه وهو المعبر عنه بالتقسيط، فالتعميم كقولك: صمت ثلاثة أيام، والتقسيط كقولك: أذنت ثلاثة أيام، فهذان مثالان لما لا يصلح من العمل إلا لأحد القصدين، وقد يكون العمل صالحا للتعميم والتقسيط، فيجوز للمتكلم أن يقصد به ما شاء من المعنيين كقولك: تهجدت ثلاث ليال، فمن الجائز أن تريد استيعابهنّ بالتهجد، وأن تريد إيقاع تهجد في بعض كل واحدة منهن، وإذا كان الظرف اسم شهر غير مضاف إليه شهر، كقولك: اعتكفت رمضان فلجميع أجزائه قسط من العمل؛ لأن كل واحد من أعلام الشهور إذا أطلق فهو بمنزلة ثلاثين يوما 1؛ ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» 2 ولم يقل قام شهر رمضان، إذ لو قال ذلك، لاحتمل أن يريد تمام الشهر، وأن يريد بعضه، كما قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ 3، وإنما كان الإنزال في ليلة منه وهي ليلة القدر، وأجرى أبو الحسن بن خروف أعلام الأيام مجرى أعلام الشهور، فجعل قول القائل: سير عليه الخميس مقصورا على التعميم، وقوله: سير عليه يوم الخميس محتملا للتعميم والتبعيض، وفيما رآه نظر 4، ومثل رمضان وغيره من الأعلام المجردة في استحقاق التعميم: الأبد والدهر والليل والنهار مقرونة بالألف [2/ 412] واللام؛ فإذا قيل: كان ذلك الأبد أو الدهر، فلا يصلح أن يراد به غير التعميم إلا في قصد المبالغة مجازا كما يقول القائل: أتاني -

................................  أهل الدنيا، وإنما أتاه ناس منهم، قال سيبويه: ومما لا يكون العمل فيه من الظروف إلا متصلا في الظرف كله قولك: سير عليه الليل والنهار، والدهر والأبد، ثم قال: لا تقول: لقيته الدهر والأبد، وأنت تريد يوما فيه، ولا لقيته اللّيل وأنت تريد لقاءه في ساعة دون الساعات 1. هذا نصه.
انتهى كلام المصنف 2. واعلم أنه قد عرفت أن ظرف الزمان قسمان: مبهم ومختص.
وأن المختص منه معدود، ومنه غير معدود، وعرفت أيضا أن المبهم هو ما لا يصح وقوعه في جواب كم ولا في جواب متى، وأن المختص إن صح وقوعه في جواب كم فهو المعدود، وإن صح وقوعه في جواب متى فهو المختص غير المعدود.
فالمبهم: ما كان من أسماء الزمان غير مؤقت ولا مختص نحو: زمان، وحين، ووقت.
والمختص غير المعدود: ما كان منها معرفا غير معدود نحو: اليوم والليلة ويوم الخميس أو مخصصا بالنعت نحو: يوما كنت فيه عندنا، والمعدود غير المعرّف نحو: يومين وثلاثة أيام وأربعة أيام.
فأما المعدود المعرف فإنه عندهم من قبيل ما هو مختص ومعدود؛ لأنه من جهة تعريفه مختص، ومن جهة دلالته على أحاد معدود، وذلك نحو: العشرين يوما والثلاثين يوما والأربعين يوما، ومنه أسماء الشهور نحو: المحرم وصفر ورجب ورمضان؛ لأن كلّا منها بمنزلة قولك: الثلاثين يوما 3، وهذا القسم أعني المعدود المعرف محكوم له بحكم المعدود، فإن أضفت إلى شيء من أسماء الشهور لفظ شهر كان محكوما له بحكم المختص 4 كما سيذكر، فعرف من هذا أن الذي يصح وقوعه في جواب كم خاصة شيئان وهما: اسم الزمان الدال على العدد صريحا منكرا كان أو معرفا نحو: يومين وثلاثة أيام وأربعة أيام، والعشرين يوما والثلاثين يوما والأربعين يوما، وأسماء الشهور مجردة من الإضافة إليها لتضمنها الدلالة على العدد كما تقدم، وأن الذي يصح وقوعه في جواب متى خاصة شيئان وهما: - ما كان مختصّا بتعريف أو نعت نحو اليوم والليلة ويوم الخميس، ويوما كان فيه -

................................  كيت وكيت.
وأسماء الشهور إذا أضيف إلى شيء منها لفظ شهر نحو: شهر رمضان وشهر ربيع الأول مثلا، وإنما حكم لنحو هذا أعني اسم الشهر إذا أضيف إليه لفظ شهر بالاختصاص حتى لا يكون واقعا إلا في جواب متى خاصة؛ لأن الشهر بإضافته إلى هذه الأسماء يصير بمعنى وقت، ويخرج عن أن يكون معدودا، فإذا قال القائل: سرت شهر رمضان، فكأنه قال: سرت وقت رمضان، قال ابن عصفور: والدليل على أنه لا يذهب بشهر إذ ذاك مذهب عمرو إذا قلت: سرت [2/ 413] شهرا، أنك إذا قلت: سرت شهرا فإنما تريد ثلاثين يوما، فلو أضفت شهر إلى رمضان وأنت تريد به ما كان يعطيه من العدد في حال إفراده، كان قولك: سرت شهر رمضان بمنزلة قولك: سرت ثلاثي الثلاثين يوما، وذلك غير سائغ.
وإذا لم يسغ ذلك لم يبق إلا أن يكون المراد بشهر من قولك: شهر رمضان الوقت الذي يشتمل على الثلاثين يوما المسماة رمضان، والشهر في أصل اللغة ليس الثلاثين يوما ولا الوقت الذي يشتمل عليها، قال: وإنما هو اسم للهلال 1، حكى ذلك ابن الأعرابي وغيره من اللغويين، وأنشدوا شاهدا على ذلك قول الشاعر: - 1512 - فأصبح أجلى الطّرف ما يستريده... يرى الشّهر قبل النّاس وهو ضئيل 2 قالوا: وإنما قيل للثلاثين يوما شهر، لطلوع الهلال فيها، قال: ولتلك العلة عندي ساغت تسمية الوقت الذي يشتمل عليها شهرا 3. انتهى.
ثم ما صح وقوعه في جواب كم خاصة، وهو الشيئان اللذان بدئ بذكرهما: يجب أن يكون العمل واقعا في جميعه إما على وجه التعميم، وإما على وجه التقسيط، وما صح وقوعه في جواب متى خاصة، وهو الشيئان المثنى بذكرهما، يجوز أن يكون العمل في جميعه، ويجوز أن يكون في بعضه، وإذ قد تقرر هذا -

................................  فلننزل كلام المصنف عليه؛ فقوله: (ومظروف ما يصلح جوابا لكم واقع في جميعه)، إشارة منه إلى أحد الشيئين من القسم الذي يجب أن يكون العمل جميعه، وهو الدال على العدد صريحا منكرا كان أو معرّفا كثلاثة أيام والثلاثين يوما.
وقوله: (وكذا مظروف ما يصلح جوابا لمتى إن كان اسم شهر غير مضاف إليه شهر)، إشارة منه إلى الشيء الآخر من القسم المذكور، وهو الدال على العدد ضمنا كأسماء الشهور مجردة عن الإضافة إليها 1. وقوله: (وما سوى ما ذكر من جواب متى فجائز فيه التعميم والتبعيض)، إشارة منه إلى الشيئين من القسم الذي يجوز أن يكون العمل في جميعه، وأن يكون في بعضه، وهما ما كان مختصّا بتعريف أو نعت، وما كان اسم شهر مضاف إليه شهر 2، كلا الشيئين داخل تحت قوله: وما سوى ما ذكر من جواب متى؛ لأن الذي ذكر هو اسم الشهر غير مضاف إليه الشهر، فما سواه اسم شهر مضاف إليه لفظ شهر، وأما اسم غير ذلك كيوم الخميس، ويوما ما كان فيه كيت وكيت.
فعلى هذا كلام المصنف واف بالمقصود مع ما اشتمل عليه من اختصار العبارة ولطف الإشارة.
وقوله: (إن صلح المظروف لهما)، شرط حسن يفيد أنه إنما يجوز التعميم والتبعيض في مثل: سرت يوم الخميس، وسرت شهر رمضان، فأما إذا لم يصلح المظروف إلا لأحدهما فإنه يتعين فيعم في نحو: صمت اليوم، وصمت شهر رمضان، ويتبعض في نحو: لقيت زيدا اليوم، وسلمت عليه شهر رمضان [2/ 414]. وبقية كلامه في الفصل واضح، وقد أتى هو على شرحه كما تقدم إيراده، فإن قلت: قوله: وكذا مظروف ما يصلح جوابا لمتى، إن كان اسم شهر غير مضاف إليه شهر، يقتضي صحة وقوع ذلك جوابا لمتى، وأنت قد جعلته من القسم الذي يصح وقوعه في جواب كم خاصة، قلت: قد تقدم أن المعدود المعرّف من قبيل ما هو مختص ومعدود، وقد قال ابن عصفور: إن الظرف قد يكون مختصّا ومعدودا فيقع في جواب كم وجواب متى 3، وكأنه من حيث هو معرف صالح لجواب -

................................  متى، ومن حيث هو معدود صالح لجواب كم، والذي يظهر أن المحرم ونحوه من أسماء الشهور إن نظر إليه من أصله فحقه أن يصح وقوعه في جواب متى؛ لكونه اسم زمان مختصّا بالتعريف، ولكنهم نظروا إلى معناه، فقالوا: المراد منه العدد الخاص، فكان العدد هو المقصود منه، فمن ثم حكم له بحكم الأسماء الدالة على العدد صريحا، فجعل واقعا في جواب كم دون جواب متى، واعلم أن المبهم من الظروف بمنزلة المعدود في أنه لا يكون العمل إلا في جميعه، وإنما لم يتعرض المصنف إليه، لوضوحه، لأنك إذا قلت: سرت حينا أو زمانا كان من المعلوم أنك لا تريد به من الزمان إلا القدر الذي وقع فيه السير خاصة 1، ثم الإشارة بعد ما ذكرنا إلى أمور: 1 - منها: أن العقل قاض بأن ما صلح أن يكون جوابا لكم من الظروف لا يعمل فيه من الأفعال إلا ما يتكرر ويتطاول، لكنهم تعرضوا إلى ذكر ذلك مع أنه غير محتاج إليه 2، قال ابن عصفور - بعد أن ذكر أن ذلك شرط -: لو قلت: مات زيد يومين وأنت تريد الموت الحقيقي لم يسغ ذلك.
2 - ومنها: أن الكوفيين يزعمون أن ما كان العمل في جميعه ليس منصوبا انتصاب الظرف 3، وإنما هو منصوب انتصاب المشبه بالمفعول به؛ لأن الظرف إنما ينتصب على تقدير «في».
و «في» عندهم تقتضي التبعيض فإذا عم الفعل الظرف امتنع تقديره بفي لذلك 4، وابطل ابن عصفور دعواهم أن «في» تقتضي التبعيض -

................................  بقوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ 1، فأدخلت «في» على الأيام، مع أن العمل فيها جميعا، بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً 2، قال رؤساء المفسرين: بمعنى حسوما كاملة تباعا لم يتخللها غير ذلك 3. وقد ذكر المصنف في باب المبتدأ هذه المسألة حيث ذكر أن ظرف الزمان يغني عن خبر اسم المعنى، فقال: فإن وقع في جميعه أو أكثره، وكان نكرة 4 ولم يمتنع نصبه ولا جره بفي خلافا للكوفيين، وتقدم الكلام عليها في ذلك الباب.
3 - ومنها: أن المصنف لما ذكر مذهب ابن خروف في أنه يجري أعلام الأيام مجرى أعلام الشهور، فيجعل قول القائل: سير عليه الخميس مقصورا على التعميم، وسير عليه يوم الخميس محتملا للتعميم والتبعيض، قال: وفيما رآه نظر، ولم يرد عليه بشيء 5، وقد ذكر المسألة ابن عصفور فقال بعد ذكر مذهب ابن خروف: وجعل [2/ 415] السبب في ذلك أنها أعلام واقعة على أيام الأسبوع، والعلم واقع على المسمى بجميع صفاته لا على بعضه، فكان العمل لذلك واقعا في جميعه، فإن أضيف إليه يوم صار تعريفه إنما هو بالإضافة لا بالعلمية، فيجوز أن يكون العمل حينئذ في جميعه، وأن يكون في بعضه، قال: ولهذه العلة نفسها فرق بين ما لم يضف إليه شهر من أسماء الشهور، وبين ما أضيف إليه منها شهر؛ لأن تعريف ما لم يضف إليه منها شهر بالعلمية، وتعريف ما أضيف إليه منها شهر بالإضافة، قال: وهذا الذي ذهب إليه من التفرقة بين العلم وغيره باطل؛ لأن الاسم يتناول مسماه، علما كان أو غير علم، وإنما التفرقة بين ما أضيف -

................................  إليه من أسماء الشهور شهر وبين ما لم يضف إليه منها شهر من جهة أخرى 1، قلت: وقد تقدمت الإشارة إليها.
4 - ومنها: أن الصيف والشتاء والربيع من قبيل الظروف المختصة غير المعدودة؛ لأنها أسماء واقعة على فصول معلومة من السنة ولم يقصد بها العدد، فيجوز أن يكون العمل في جميعها، وأن يكون في بعضها 2، قال سيبويه: سمعنا العرب الفصحاء يقولون: انطلقت الصيف؛ والانطلاق إنما يكون في بعض الصيف، وتقول: سرت الصيف وأنت تريد التعميم؛ لأن السير مما يمتد، ومن ذلك قول ابن الرقاع 3: 1513 - فقصرن الشتاء بعد عليه... وهو للذّود أن يقسّمن جار 4 يريد أنه قصر ألبان الذود في جميع هذا الفصل، ومن استعمال الربيع ظرفا قول القائل 5: 1514 - كأنّ قتودي على قارح... أطاع الربيع له الغرغر 6 5 - ومنها: أن المشهور بين الناس أن شيئا من أسماء الشهور لا يضاف إليه لفظ شهر إلا ثلاثة وهي: شهر رمضان وربيع الأول وربيع الآخر 7، وصرح ابن عصفور -

[أحكام إذ حين تجيء ظرفا وغير ظرف]

قال ابن مالك: (فصل: وفي الظّروف ظروف مبنية لا لتركيب؛ فمنها «إذ» للوقت الماضي لازمة الظّرفية إلّا أن يضاف إليها زمان، أو تقع مفعولا بها، وتلزمها الإضافة إلى جملة، وإن علمت حذفت وعوّض منها تنوين، وكسرت الذّال لالتقاء السّاكنين لا للجرّ، خلافا للأخفش، ويقبح أن يليها اسم بعده فعل ماض، وتجيء حرفا للتّعليل وللمفاجأة، وليست حينئذ ظرف مكان ولا زائدة؛ خلافا لبعضهم، وتركها بعد «بينا» و «بينما» أقيس من ذكرها وكلاهما عربي، ويلزم بينما وبينا الظّرفيّة الزّمانية والإضافة إلى جملة، وقد تضاف «بينا» إلى مصدر).
بذلك في شرح المقرب 1، والحق خلاف ذلك، ولهذا لم يقيد المصنف الإضافة بشيء دون شيء، وفي كتاب سيبويه شهر ذي القعدة 2، ومثل ابن أبي الربيع بشهر المحرم وشهر صفر، ولم يتعرض إلى شيء مما ذكره أرباب هذه المقالة 3. قال ناظر الجيش: لما فرغ من الكلام على معربات ظروف الزمان ومبنيّاتها المركبة شرع في الكلام على مبنياتها غير المركبة، والذي تضمنه الفصل كلمات عشر وهي: إذ وإذا وبينا وبينما ومذ ومنذ والآن وقط وعوض وأمس.
فمن الظروف المذكورة «إذ» ويدل على اسميتها أنها تدل على الزمان دلالة لا تعرض فيها للحدث، وأنها تخبر بها مع دخولها [2/ 416] على الأفعال نحو: قدم زيد إذ قدم عمرو، وأنها تبدل من اسم نحو: رأيتك أمس إذ جئت.
وأنها تنون في غير ترنم، ويضاف إليها بلا تأويل نحو: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها 4، وأنها -

................................  تقع مفعولا بها نحو قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ 1، ولبنائها سببان كل واحد منهما كاف لو انفرد: أحدهما: وضعها على حرفين لا ثالث لهما بوجه. والثاني: لزوم افتقارها إلى جملة أو عوض منها 2، وهو التنوين اللاحق في نحو: يومئذ، وحق تنوين العوض أن يكون عوضا من بعض كلمة، كتنوين «يعيل» 3 مصغر يعلى، فإنه عوض من لام الكلمة، وكتنوين جندل فإنه عوض من ألف جنادل 4، فلما كانت الكلمة التي تضاف إليها «إذ» بمنزلة الجر منها وحذفت عوملت في التعويض منها معاملة جزء حقيقي. وفعل بذال إذ مع هذا التنوين ما فعل بهاء «صه» مع تنوين التنكير، فقيل: «إذ» كما قيل «صه» 5، وزعم الأخفش: أن كسرة «إذ» كسرة إعراب بالإضافة 6، وأظن حامله على ذلك أنه جعل بناءها نائبا عن إضافتها إلى الجملة، فلما زالت من اللفظ صارت معربة، ورد بعض النحويين عليه بقول العرب: كان ذلك إذ بالكسر دون مضاف إلى «إذ» 7. ولم يغفل الأخفش هذا بل ذكره وأنشد 8: 1515 - نهيتك عن طلابك أمّ عمرو... بعافية وأنت إذ صحيح 9

................................  ثم قال: أراد: وأنت حينئذ صحيح، فحذف المضاف وأبقى الجر به 1، وهذا منه غير مرضي؛ لأن المضاف لا يحذف ويبقى الجر به إلا إذا كان المحذوف معطوفا على مثله، كقولهم: ما مثل أبيك وأخيك يقولان ذلك، و «ما كل بيضاء شحمة ولا سوداء تمرة» 2، فحذف مثل المضاف إلى أخيك، وكل المضاف إلى سوداء لدلالة ما قبلهما عليهما، و «إذ» في البيت المذكور بخلاف ذلك، فلا يحكم لها بحكمه.
وأيضا فإن حذف المضاف وإعراب المضاف إليه بإعرابه أكثر من حذف المضاف وجر المضاف إليه، ومع أنه أكثر هو مشروط بعدم صلاحية الباقي لما صلح له المحذوف كالقرية بالنسبة إلى الأهل، فلو صلح الباقي لما صلح له المحذوف امتنع الحذف 3، فلأن يمتنع عند ذلك حذف المضاف وبقاء المضاف إليه مجرورا أحق وأولى، ومعلوم أن «إذ» من حينئذ صالح لما تصلح له حين، فلا يجوز فيها الحذف المذكور كما لا يجوز في غلام زيد، وأيضا فإن المضاف إلى «إذ» قد يبنى كقراءة نافع 4: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ 5، ولا علة لبنائه إلا إضافته إلى مبني، فبطل قول من قال: إن كسرة «إذ» كسرة إعراب، ولم أقيد الجملة التي تضاف إليها «إذ» بكونها اسمية ولا فعلية؛ ليشعر ذلك أن للمتكلم أن يضيفها إلى ما شاء منهما 6، ثم أشرت إلى استقباح تقديم اسم بعدها على فعل ماض نحو: كان ذلك إذ زيد قام، فعلم أن غير ذلك حسن نحو: كان ذلك إذ قام زيد [2/ 417]، -

................................  وإذ زيد يقوم زيد.
كل ذلك حسن إذ لا محذور فيه بخلاف: إذ زيد قام، فإنه قبيح لأن مدلول «إذ» وقام من الزمان واحد، وقد اجتمعا في كلام، فلم يحسن الفصل بينهما بخلاف ما سواه، فإن الذي بعد «إذ» في جميعه غير موافق «لإذ» في مدلولها، فاستوى اتصالها وانفصالها عنه 1. وتجيء «إذ» للتعليل 2، كقوله تعالى: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ 3، وكقوله تعالى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ 4، وكقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ 5، ومثله قول الشاعر: 1516 - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 6 وأشار إليها سيبويه فقال في باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره في غير الأمر والنهي: إن (أن) في قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت بمعنى «إذ»، و «إذ» بمعنى «أن» إلا أن إذ لا يحذف فيها الفعل، وأما «لا» يذكر بعدها الفعل المضمر 7. هذا نصه.
وتجيء «إذ» أيضا للمفاجأة كقول عمر رضي الله عنه: بينما نحن عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ طلع علينا رجل 8. فهذا مثال وقوعها بعد بينما، ومثله قول الشاعر 9: - -

................................  1517 - بينما هنّ بالأراك معا... إذ أتى راكب على جمله 1 ومثله: - 1518 - استقدر الله خيرا وارضينّ به... فبينما العسر إذ دارت مياسير 2 ومثال تركها قول الشاعر: - 1519 - فبينا نحن نرقبه أتانا... معلّق وفضة وزناد راعي 3 وتركها أقيس؛ لأن المعنى المستفاد معها مستفاد بتركها، وكلاهما مروي عن العرب نظما ونثرا، وكان الأصمعي 4 يؤثر تركها على ذكرها 5، وحكى السيرافي أن بعضهم يجعلها ظرف مكان 6، وأن بعضهم يجعلها زائدة 7، -

................................  والمختار عندي الحكم بحرفيتهما 1، وقد حدث لبين إذ قيل فيها: بينما وبينا الاختصاص بالزمان والظرفية والإضافة إلى الجمل، وقد تضاف «بينا» إلى مصدر كقوله: - 1520 - بينا تعانقه الكماة وروعه... يوما أتيح له كميّ سلفع 2 ويروى تعنقه بالرفع على الابتداء والخبر محذوف.
هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى 3، واستفيد منه أن «إذ» لها استعمالات ثلاثة: 1 - أن تكون ظرفا ماضيا 4. 2 - وأن تكون للتعليل.
3 - وأن تكون للمفاجأة 5. وأن التي هي ظرف قد تخرج عن الظرفية، فيضاف إليها زمان أو تقع مفعولا بها، وسيذكر لها استعمالا رابعا.
وهو أن تكون ظرفا مستقبلا عند الكلام على إذا 6. ثم الكلام في مباحث: - - وينظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (1/ 36، 37، 183)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج: (1/ 75، 403).

................................  الأول: إن قول المصنف: إلا أن يضاف إليها زمان أو تقع مفعولا بها؛ ينافي قوله قبل ذلك: إنها لازمة الظرفية؛ لأن ما لزم شيئا، لا ينفك عنه، وإلا فليس بلازم، فكان الأولى أن يقول: «غالبة الظرفية» [2/ 418] أو يقول: وأكثر استعمالها ظرفا، ونحو ذلك.
الثاني: أن لقائل أن يقول: إن إضافة الزمان إليها لا يخرجها عن الظرفية؛ وذلك لأن إضافة الزمان إليها كلّا إضافة؛ لأنها باقية على دلالتها لم يتغير بالإضافة لها معنى، وكأنّ الزمان المضاف إليها إنما هو مضاف إلى الجملة الواقعة بعد «إذ».
وإذا كان كذلك فمثل هذه الإضافة لا تخرج الكلمة عن الظرفية، وأما وقوعها مفعولا بها فليس أمرا مجمعا عليه 1، وما استدل به المصنف على مفعوليتها وهو قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ 2 محتمل أن يكون المفعول فيه غيرها، وتكون «إذ» باقية على ظرفيتها، التقدير: واذكروا حالكم إذ أنتم أو واذكروا فضل الله عليكم إذ أنتم، وكذا يكون التقدير في نظائر هذه الآية الشريفة كقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ 3، وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ 4، وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ 5، وقول من قال من المعربين: إن العامل «اذكر» مقدر مع كون «إذ» ظرفا ظاهر الفساد 6، وكذا يكون التقدير في قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي -

................................  الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ 1 أن إذ ظرف لمضاف محذوف، التقدير: «واذكر قصة مريم» 2 ويدل على صحة هذا التقدير في مثل هذه الآيات الشريفة ظهور مثله في قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً 3. المبحث الثالث: إذا أفادت «إذ» التعليل فهل هي حرف كلام التعليل أو هي باقية على ظرفيتها، واستفيد التعليل من سياق الكلام؟.
ذكروا أن في ذلك خلافا 4، ولم يشعر كلام المصنف بشيء من القولين، بل إذا حمل على ظاهره وجب القول بأنها باقية على الظرفية عنده؛ لأن الضمير المستتر في قوله: «وتجيء للتعليل» يرجع إلى «إذ» المتقدمة الذكر المحكوم باسميتها.
والذي تركن إليه النفس القول بحرفيتها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ 5 فإن التعليل يستفاد من الآية الشريفة بلا شك، قال بعض المصنفين 6: إذا حملنا «إذ» على الوقت كان المعنى: «ولن ينفعكم اليوم وقت ظلمكم الاشتراك في العذاب، وحينئذ لا يستفاد التعليل، لاختلاف زمني الفعلين، ويبقى إشكال في الآية وهو أن «إذ» لا تبدل من اليوم لاختلاف الزمانين ولا تكون ظرفا «لينفع»؛ لأنه - - وإنما العامل في «إذ» معنى الاصطفاء.
اه.
وقد رد ابن هشام هذا المذهب أيضا في المغني (1/ 80).

................................  لا يعمل في ظرفين، ولا «المشتركون» لأن معمول «أن» لا يتقدم عليها، ولأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول، ولأن اشتراكهم في الآخرة لا في زمن ظلمهم، وقال ابن جني: راجعت أبا علي مرارا في قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ... الآية مستشكلا إبدال «إذ» من اليوم، فآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان، وأنهما في حكم الله تعالى سواء: فكأنّ اليوم ماض أو كأنّ إذ مستقبلة 1. انتهى.
ومقتضى كلام أبي علي أن «إذ» التعليلية لا تخرج عن الظرفية، والظاهر أن الجمهور على ذلك، ومن ثم قال [2/ 419] الشلوبين: قال بعض المتأخرين: إن إذ تستعمل لمجرد السببية معراة عن الظرفية، وزعم أنه مراد سيبويه بقوله: لأنها يعني «أن» في معنى «إذ» وإذ في معناها أيضا 2، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ 3 وقال: محال أن تكون ظرفا؛ لأن الفعل المستقبل لا يقع في الظرف الماضي فإنما هي لمجرد التسبيب قال: والجواب: أن كلام سيبويه لا دليل فيه على ما ذكروا، إنما معناه، لأنها في معنى «إذ» في السببية ليس غير، بل ظاهر الكتاب في غير هذا الموضع يدل على أنها لا تخرج عن الظرفية، قال: وأما الآية الشريفة فلا دليل فيها؛ لأن العامل في «إذ» محذوف، والتقدير: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، وجب لكم ذلك إذ ظلمتم أنفسكم بالكفر والطغيان، فإذ ظرف ماض فيه معنى التسبيب 4، قال: وكذا يقدر في قول الشاعر 5: - 1521 - ألا رجلا أحلوه رحلي وناقتى... تبلغ عني الشعر إذ مات قائله 6 انتهى.
ولم يظهر لي قول الشلوبين: إن كلام سيبويه لا دليل فيه، بل كلام سيبويه -

جارٍ التحميل