................................
عامل المفعول به، فقال: وقد يعرض فيما كان من عوامل الأسماء فعلا أن يضمر 1، ثم سرد جميع ما ينصب بعامل واجب الحذف في جميع أبواب العربية 2، ويقال:
إن بعض ملوك العرب سأل ابن عصفور عن هذه المسألة، وكان ذلك بحضرة جمع من النحاة، فشرع في ذكر ما ينتصب بعامل واجب الحذف إلى أن أتى على جميع ما تضمنته أبواب العربية من ذلك في مجلسه على الفور، دون تروّ فقضى منه حينئذ العجب، وشهد له بالتبريز في هذا الفن.
والمصنف لم يخلّ بشيء مما ذكره ابن عصفور؛ لكنه فرق المسائل، فأورد كلّا في بابه؛ وأنا أشير إلى ما قاله ابن عصفور ملخصا [2/ 330] ثم أرجع كلام المصنف الذي أورده مفرقا إليه.
وقبل ذلك فاعلم أن الواجب إضمار عامله قسمان: قسم نظم في أبواب، وهو الاسم المشتغل 3، والمنادى، والمخصوص، والمحذر، والمحذر منه، والمغرى به، وقسم لم ينظم، وإنما ذكر في أبواب متفرقة، لمناسبة كل من ذلك بالباب الذي يذكر فيه، فابن عصفور ذكر الأمور التي نظمت في أبوابها، وذكر المتفرق في الأبواب؛ لكنه لم يلتزم هذا الترتيب في الذكر؛ بل قال: فمنه المنادى، والاختصاص، ومنه الصفات المقطوعة على المدح، أو الشتم، أو الترحم قال: فإنها صارت بدلا من أمدح، وأذم، وأرحم، ومنه الاسم المشتغل عنه، ومنه: إياك والأسد - يعني التحذير - وشأنك والجمع - يعني الإغراء -، ومنه أمرأ ونفسه وأهلك، والليل وغديرك، وهذا ولا زعامتك، وكليهما وتمرا، وكل شيء ولا شتيمة حر، ومن أنت زيدا ومرحبا، وأهلا وسهلا؛ وإن تأتني فأهل الليل، وأهل النهار، وانْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 4 وحسبك خيرا، ووراءك أوسع لك، ومنه في الدعاء: سقيا ورعيا، والدعاء عليه: أفّة وتقّة، وزفرا، ومنه إلا أنه لا يستعمل إلا مضافا: ويحك، وويلك، وويبك 5 وونيك، ومنه إلا أنه في غير الدعاء:
حمدا وشكرا، لا كفرا وعجبا، وكرامة ومسرة، ومنه: ولا كبدا ولا همّا، ومنه وزعما وهو أنا، ومنه: -
................................ ما أنت إلا سيرا؛ وإنما أنت سيرا، ومنه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً 1، ومنه: له صوت صوت حمار، ومنه أنت ابني حقّا، وله ألف درهم عرفا، ومنه: صنع الله، وكتاب الله، وسبحان الله وريحانه، ومعاذ الله، وعمرك الله وبعدك الله، وكذا ما جاء مثنى، نحو: حنانيك، ولبيك، وسعديك، وهذا ذيك، ودواليك، ومنه وهو مما جرى مجرى «سبحان» 2 في المعنى؛ إلا أنه غير مصدر سبّوحا قدّوسا، أي: ذكرت سبّوحا، قدّوسا، أو اذكر، ومما أجري مجرى المصادر في الدعاء، وفي غير الدعاء: عائذا بك، وأقائما وقد قعد الناس؟، وأقاعدا وقد سار الركب؟، ومنه: أتميميّا مرة، وقيسيّا أخرى؟ ومنه أأعور وذا ناب 3، وفيه إضمار كان، وإنابة «ما» منابها، ومنه: أخذته بدرهم فصاعدا وبدرهم فزائدا، هذا ما تضمنه كلام ابن عصفور 4. فأما المنادى، والمخصوص، والمشتغل عنه، والمحذر، والمغرى به، فقد ذكرها المصنف في أبوابها، وأما الصفات المقطوعة فقد ذكرها في باب النعت، وأما: امرأ ونفسه وما ذكر بعده إلى: إن تأتني فأهل النهار وأهل الليل، فقد ذكر المصنف ذلك في باب التحذير والإغراء؛ لأنه ملحق بهما في التزام إضمار [2/ 331] الناصب على أن قول المصنف هنا: (فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه فهو لازم) يشمل الكلمات المذكورة أيضا، وأما انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 5، وحسبك خيرا لك، ووراءك أوسع لك، فقد ذكره المصنف في هذا الباب، وجعله شبه المثل في كثرة الاستعمال، وأما سقيا ورعيا، وما ذكر بعدهما إلى هذاذيك ودواليك، فقد ذكره المصنف في باب المفعول المطلق، وأما سبّوحا، قدّوسا، وهو ما جرى مجرى «سبحان» في المعنى إلا أنه غير مصدر؛ فلم يذكره المصنف، وفي كون ناصبه واجب الحذف نظر؛ إذ لا بدل عنه كما أن «سبحان» بدل من اللفظ بعامله لكن قد نقل ابن عصفور ذلك، وهو الإمام في هذا العلم والنقول لا تدفع، وأما هنيئا مريئا؛ فقد ذكرهما المصنف في باب الحال، وأما عائذا بك إلى أعور وذا ناب؛ فقد ذكره المصنف في باب المفعول المطلق أيضا، وذكر أن الصفات أحوال؛ وأن الأسماء مفعولات على الأصح فيها، وأما حذف كان وإنابة «ما» منابها؛ فذكره -
................................
في باب كان، وأما أخذته بدرهم فصاعدا، وبدرهم فزائدا؛ فقد ذكره في الحال أيضا، وعلى هذا فجملة الأبواب التي يجب فيها حذف الناصب ثمانية وهي:
النداء، والاختصاص، والاشتغال، والتحذير، والإغراء، وما ألحق بهما، والصفات المقطوعة، والمفعول المطلق وهو أقسام، والحال.
3 - ومنها: أنه قد تقدم أن الأصح من المذاهب الثلاثة في المسألة المذكورة في قوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 1 أن خيرا منصوب على أنه مفعول به بفعل مقدر، والتقدير: انتهوا أو ائتوا خيرا لكم؛ وأنه مذهب الخليل وسيبويه 2، واستدل الأئمة لصحته بأنك إذا قلت: انته خيرا لك، فنهيته؛ علم أنك تأمره بما هو خير، فكأنك قلت: وائت خيرا، قالوا: وإنما علم ذلك من النهي؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، قالوا: ويدل على بطلان مذهبي الكسائي والفراء في هذه المسألة قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 3؛ لأنه لو حمل على ما قالا، لا يكون خيرا؛ لأن من انتهى من التثليث وكان معطلا؛ لا يكون خيرا له.
وفي قول سيبويه: وائت خيرا؛ يكون أمرا بالتوحيد الذي هو خير 4، واعلم أن حسبك من قولهم: حسبك خيرا لك، إما مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: حسبك الذي فعلت، أو: الذي فعلت حسبك، و «خيرا» مفعول بفعل محذوف، التقدير: وائت خيرا، لأن حسبك معناه كف، ولما أمره بالكف علم أنه محمول على غيره، فقال: خيرا لك، أي: وائت خيرا لك كما ذكر في انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ سواء، وأما ورائك أوسع لك، فوراءك اسم فعل معناه تأخر [2/ 332] وضده أمامك بمعنى تقدم، «وأوسع» منصوب بإضمار فعل، التقدير: خذ مكانا أوسع لك،
أو: ائت مكانا أوسع؛ لأنه لما نهاه عن التقدم بقوله: وراءك؛ علم أنه يأمره بإتيان ما هو أوسع له 5.
4 - ومنها: أن الشيخ قال في قول المصنف: (فيلزم حذف ثاني الجزأين): لو -
[مواضع حذف المفعول ومواضع ذكره]
قال ابن مالك: (فصل: يحذف كثيرا المفعول به غير المخبر عنه والمخبر به والمتعجّب منه والمجاب به والمحصور، والباقي محذوفا عامله، وما حذف من مفعول به فمنويّ لدليل أو غير منويّ؛ وذلك إمّا لتضمين الفعل معنى يقتضي اللّزوم، وإمّا للمبالغة بترك التّقييد، وإمّا لبعض أسباب النّيابة عن الفاعل).
قال: حذف أحد الجزأين كان أحسن؛ لأنه إذا حذف المبتدأ فليس هو ثاني الجزأين 1.
ويجاب عن المصنف؛ بأنه لم يرد بالثاني المذكور في الرتبة الثانية، بل الواحد من الاثنين؛ لأن كلّا منهما ثان للآخر.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: الغرض الآن بيان ما يجوز حذفه وما لا يجوز حذفه من المفاعيل، فاستثنيت المخبر عنه قاصدا المفعول القائم مقام الفاعل، والأول من مفعولي ظن وأخواتها، والثاني من مفاعيل أعلم وأخواتها؛ فإن الكلام على ذلك قد تقدم، واستثنيت أيضا المفعول المتعجب منه، كزيد من قولك: ما أحسن زيدا؛ فإن بيان ما يحتاج إليه يأتي في بابه إن شاء الله تعالى، وما سوى ذلك من المفاعيل يجوز حذفه؛ إن لم يكن جوابا، كقولك: زيدا، لمن قال: من رأيت؟، ولا محصورا كقولك: ما رأيت إلا زيدا 3، ولا محذوفا عامله كقولك: خيرا لنا وشرّا لعدونا 4؛ فهذه الأنواع الثلاثة من المفاعيل لا يجوز حذفها، وما سواها يجوز حذفه، والمحذوف على ضربين:
أحدهما: ما يحذف لفظا ويراد معنى، كالعائد إلى الموصول في قوله تعالى:
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ 5.
والثاني: ما يحذف لفظا ومعنى؛ والباعث على ذلك إما تضمين الفعل معنى يقتضي اللزوم، وإما قصد المبالغة، وإما بعض أسباب النيابة عن الفاعل، فالأول كتضمين جرح معنى عماث، ومنه قول الشاعر: -
................................ 1345 - فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها... إلى الضّيف يجرح من عراقيبها نصلي 1 وكتضمين أصلح معنى لطّف في قولك: أصلح الله نفسك وأهلك، ولو لم يضمن معنى لطف لقيل: صلح الله نفسك وأهلك، ومنه - والله أعلم - قوله تعالى: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي 2، والثاني كقولك: فلان يعطي ويمنع، ويصل ويقطع؛ فإن حذف المفعول في هذا وأمثاله مبالغة يشعر بكمال الاقتدار، وتحكيم الاختيار، ومنه - والله أعلم - قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ 3. والثالث: مرتب على الأسباب الداعية إلى حذف الفاعل، وإقامة غيره مقامه، فمن ذلك [2/ 333] الإيجاز كقوله: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا 4، ومن ذلك مشاكلة المجاور، كقوله تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى 5، ومن ذلك إصلاح النظم، كقول الشاعر 6: 1346 - وخالد يحمد ساداتنا... بالحقّ لا يحمد بالباطل 7 أراد خالد يحمده ساداتنا؛ فحذف الهاء ليستقيم الوزن، ومن ذلك حذف المفعول لكونه معلوما، وهو كثير، كقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا 8، وكقوله تعالى: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ 9، وكقوله تعالى: فَمَنِ -
................................ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 1، وكقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 2، وكقوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (31) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى 3، ومن ذلك حذفه لكونه مجهولا كقولك: ولدت فلانة؛ إذا عرفت ولادتها وجهلت ما ولدت، ومن ذلك الحذف لكون التعين غير مقصود، وكقوله تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً 4، وكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» 5، ومن ذلك حذفه تعظيما للفاعل، كقوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي 6 وعكس ذلك: شتم فلان، إذا كان المشتوم عظيما والشاتم حقيرا، وقد يحذف المفعول تخوفا منه كقولك: أبغضت في الله، ولا تذكر المبغض خوفا منه.. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 7، وقد بين ما أراد بالمخبر عنه، ولم يبيّن ما أراد بالمخبر به؛ ولا شك أنه يريد به الثاني من مفعولي «ظن»، والثالث من مفاعيل «أعلم»، ولا خفاء أن الكلام تقدم على الآخر، ثم في كونه قصد بالمخبر عنه المفعول القائم مقام الفاعل نظر؛ لأن كلامه الآن في المفعول لفظا ومعنى، وهو المنصوب لفظا أو محلّا لا في المفعول معنى فقط على أنه قد عرف أن القائم مقام الفاعل حكمه في وجوب الذكر حكمه، ثم في قوله: إن من أسباب الحذف قصد المبالغة بترك التقييد مناقشة؛ فإننا في نحو: فلان يعطي ويمنع لن نحذف شيئا؛ ولكن لم يذكر للفعل مفعولا؛ وفرق بين حذف الشيء وعدم ذكره؛ فإن الحاذف يقدر المتعلق فيتقيد الفعل به؛ لأن المقدر في حكم المذكور، أما إذا لم يقصد المتكلم متعلقا؛ بل قصد الإخبار بوقوع الفعل دون نظر إلى متعلق، فلا شك أنه لا يقدر شيئا، وإذا لم يقدر فلا حذف 8، ولهذا قال أصحاب علم المعاني: إنه إذا كان الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل مطلقا، أو نفيه عنه كذلك ينزل المتعدي حينئذ منزلة اللازم؛ فلا يذكر له مفعول ولا يقدر أيضا؛ لأن -
[تعدي الفعل بالهمزة والتضعيف]
قال ابن مالك: (فصل: يدخل في هذا الباب على الثّلاثيّ غير المتعدّي إلى اثنين همزة [2/ 334] النّقل فيزداد مفعولا إن كان متعدّيا، ويصير متعدّيا إن كان لازما، ويعاقب الهمزة كثيرا، ويغني عنها قليلا تضعيف العين ما لم تكن همزة، وقلّ ذلك في غيرها من حروف الحلق).
المقدر في حكم المذكور 1، والمصنف رحمه الله تعالى: لا يخفى عنه ذلك، ولكنه تجوز بالحذف عن عدم الذكر 2.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: احترزت بقولي في هذا الباب: من باب علم؛ لأن همزة النقل فيها أوصلت «علم ورأى» إلى مفعول ثالث، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى 3، والغرض الآن تبيين دخول الهمزة على أفعال
غير ذلك الباب، وبينت باستثناء المتعدي إلى اثنين أن «كسوت» ونحوه من الثلاثي المتعدي إلى اثنين لا يدخل عليه همزة، ولا تضعّف عينه على القصد المشار إليه، وقد تقدم الإعلام بأن امتناع هذا في غير باب «علم» مجمع عليه: ومثال ما ازداد مفعولا بعد تعديه إلى واحد: أكفلت زيدا عمرا، وكفّلته إيّاه، وأغشيت الشيء الشيء، وغشّيته إيّاه، ومثال الصائر متعديا بعد أن كان لازما: أنزلت الشيء، ونزلته وأبنته وبيّنته 4 وهذا من التعاقب الكثير بين الهمزة وتضعيف العين، ومثال التضعيف المغني عن الهمزة: قويت الشيء وهيّأته، وحكّمت فلانا، وطهّرت الشيء، ونظّفته، وسلّمته وقدّمته، وأخّرته، وحصّلته، وهذا النوع المستغنى فيه عن أفعل بفعّل - مع كثرة مثله - قليل بالنسبة إلى النوع المستغنى فيه عن فعّل بأفعل، ولذلك وجد في أفعل ما يتعدى إلى ثلاثة دون حمل على غيره، ولم يوجد ذلك في فعّل إلا نبّأ، وحدّث، وهما محمولان على أعلم بتضمين معناها 5، ومما يبين لك أن -
................................
أفعل أمكن من فعّل فيما اشتركا فيه استغناؤهم بأفعل لزوما فيما عينه همزة كأنأيت وأمأيت، وعليه فيما عينه حرف حلق غير همزة، كأذهلته، وأوهيته، وأرهقته، وأحجزته، وألحمته، وأسعده، وأسعفه، وأوعره، وأوغله، وأدخله، وأثخنه.
وقد يتعاقب في هذا النوع أفعل، وفعّل، نحو: أوهنه ووهّنه، وأمهله ومهّله، وأنعمه ونعّمه، وأبعده وبعّده، وأضعفه وضعّفه، هذا آخر كلام المصنف 1، وقد بقي الكلام في أمرين:
أحدهما: أن النحاة مختلفون في التعدية بالهمزة، هل هو أمر قياسي أو سماعي؟!، وكذا التعدية بالتضعيف، أما التعدية بالهمزة ففيها ثلاثة مذاهب:
منهم: من ذهب إلى أنه كله سماع؛ فلا يقال منه إلا ما قالته العرب، ولم يكثر عنده كثرة توجب القياس 2.
ومنهم: من ذهب إلى أنه مقيس في غير المتعدي 3، فيقال منه ما لم يسمع قياسا على ما سمع؛ لأنه كثر، فما لم يسمع إنما كان عدم سماعه بالاتفاق، ولو تعرض للعرب لقالته، كما يقال اسم الفاعل [2/ 335] من كل فعل سمع أو
لم يسمع، وأما المتعدي فلا يقال منه إلا ما قالته العرب؛ لأنه لم يكثر فيقاس عليه.
قال سيبويه: ألا ترى أنه ليس كل فعل كأولني 4، وذكر فيما لا يتعدى أن النقل بالهمزة فيه كثير 5.
قال ابن أبي الربيع: فحصل من هذين الموضعين أن مذهبه - والله تعالى أعلم - أنه قياس في غير المتعدي، وسماع في المتعدي، قال: وعلى هذا المذهب أكثر النحويين، وهو الصواب 6. -
................................
ومنهم: من ذهب إلى أنه قياس في غير المتعدي، وفيما يتعدى إلى واحد 1؛ وإنما قيد المتعدي بكونه إلى واحد؛ ليخرج باب «ظننت»، فإن التعدي فيه بالهمزة موقوف على السماع، ومنهم من قاس «ظننت» على علمت فعداها بالهمزة إلى ثلاثة.
وأما التعدية بالتضعيف ففيها مذهبان:
منهم: من قال: إنه قياس، ومنهم: من قال: إنه سماع، سواء أكان الفعل لازما أم متعديا 2.
قال ابن أبي الربيع: وهو الأصح، وقال غيره 3: إنه هو الظاهر من مذهب سيبويه.
وقد تلخص من هذا الذي ذكرنا؛ أن النقل بالهمزة قياس في اللازم، سماع في المتعدي، وبالتضعيف سماع في المتعدي واللازم، وأن منهم من قال بالقياس في التضعيف، ومنهم من قال بالسماع فيهما.
واعلم أن ابن أبي الربيع ذكر أن النقل يكون بثلاثة أشياء وهي: الهمزة، والتضعيف، وحرف الجر، كما تقول: ذهبت بزيد، أي: أذهبته 4، والذي قاله صحيح ولكن النقل بالحرف لا يذكر في هذا الباب؛ لأنه معقود لما هو منصوب من المفعولين، وما دخل عليه حرف الجر مجرور، فوجب ذكره في المجرورات، وقد ذكر المصنف ذلك في باب حروف الجر، ثم قال ابن أبي الربيع: وذهب الكوفيون إلى أن الأشياء التي ينقل بها الفعل فيصير متعديا ستة: الثلاثة المتقدمة التي ذكرها البصريون، وثلاثة أخر وهي:
1 - إسقاط الهمزة نحو: أكبّ زيد على وجهه، وكبه الله على وجهه، قال الله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ 5، وقال الله تعالى: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ 6، ومنه ثلّثت الرجلين؛ إذا صيرتهم ثلاثة، وأثلثوا؛ إذا صاروا ثلاثة، وكذلك: أنزفت البئر ونزفتها.
-
................................
2 - وتغير الحركة نحو: شترت عينه وشترها الله 1، ومنه: كسيت الثوب إذا لبسته وكسوته إذا ألبسته، قال الشاعر 2:
1347 - لقد زاد الحياة إليّ حبّا... بناتي إنّهنّ من الضّعاف
وأن يعرين إن كسي الجواري... فتنبوا العين عن كرم عجاف 3
معنى كسي الجواري: لبس.
3 - أن يكون النقل بغير زيادة ولا تغير في اللفظ، وإنما يكون بتغيير في التقدير؛ وذلك نحو: شجا فوه وشجا فاه، وفغر فوه وفغر فاه، فمعنى شجا فوه:
انفتح، ومعنى شجا فاه: فتح فاه [2/ 336]، وكذلك فغر فوه وفغر فاه، ومنه:
أمأت الدراهم، وأمأت هي اللفظ واحد، والتقدير مختلف، والبصريون يذهبون إلى أن هذه الأشياء لم تفعل للنقل، لم يكن شترت عينه، فلما أرادوا النقل، قالوا: شترها الله، ولو أرادوا لقالوا: أشترها الله، وإنما شترها: جعل فيها الشتر 4، قال: وكذلك الكلام فيما يأتون به من هذا النوع.
الأمر الثاني: قال الشيخ: وزاد بعضهم فيما يعدي السين، والتاء، نحو: حسن زيد، واستحسنته، وقبح الشيء واستقبحته، وطعم زيد الخبز، واستطعمته الخبز، وألف المفاعلة: نحو سايرته، وجالسته، وماشيته في: سار، وجلس، ومشى 5.
انتهى.
-
................................ وليس هذا بشيء؛ فإن الحرف الذي يحصل به النقل، إنما يجاء به لمجرد النقل، فلا يفيد معنى آخر، كما في: أقام زيد عمرا، وأجلس بكر خالدا، وأذهب الله الرجس؛ ولا شك أن السين والتاء يفيدان معنى غير النقل، وكذلك ألف المفاعلة جيء بها لمعنى مقصود والتحقيق في هذا أن استفعل غير فعل؛ لأنه بناء مستقل صيغ الفعل عليه؛ ليفيد أحد المعاني المقصودة منه، وكذا فاعل أيضا، فليس ذلك من باب النقل والتعدية في شيء.