[تعريف الكلمة]
قال ابن مالك: (الكلمة لفظ مستقلّ دالّ بالوضع تحقيقا أو تقديرا أو منويّ معه كذلك).
[1/ 10] قال ناظر الجيش: الترجمة واضحة، وعدل المصنف عن لفظ الحد إلى لفظ الشرح؛ لأنه أعم فهو يصدق على التعريف الحدي والتعريف الرسمي 1.
والضمير في: به: يرجع إلى شرح لا إلى الكلام، كما توهمه بعضهم، وقد وقفت على هذه الترجمة في نسخة من نسخ هذا الكتاب، ذكر المصنف بخطه عليها أنها النسخة الأولى فقال فيها: «باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بذلك من العلامات والأقسام».
فأبان المقصد بما عاد عليه الضمير هنا.
الكلمة: تقال في اللغة بطريق الاشتراك لمعنيين:
أحدهما: الكلام التام أي المفيد كقوله تعالى: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا 2.
وكقوله صلّى الله عليه وسلّم «الكلمة الطّيّبة صدقة» 3، و «أصدق 4 كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: - كلمات: الباب الأول، الباب الثاني.... إلخ، من عملنا في التحقيق.
................................
6 - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل:... [وكلّ نعيم لا محالة زائل] 1
ثانيهما: أحد مفردات الكلام وهو الاسم وحده أو الفعل وحده أو الحرف وحده وهذا هو المصطلح عليه في علم النحو.
واعلم أن اللّفظ هو الصوت الذي يعتمد على مقاطع الحروف، واحترز بذلك من الصوت الساذج.
وأن المستقل 2: هو الذي لا يفتقر في الدلالة على معناه إلى غيره.
وأن الدال: هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء واحد.
وأن الوضع: تخصيص شيء بشيء؛ بحيث يفهم المراد من ذلك الشيء.
فقوله: لفظ: جنس يدخل تحته كل ملفوظ به، مهملا كان أو مستعملا.
وهو أولى بالذكر من: لفظة؛ لأمرين:
أحدهما: أن التاء للوحدة وهي إنما تتحقق في الحرف الواحد.
ولا يستقيم ذلك؛ إذ الكلمة ليست محصورة فيه، واللفظ يقع على كل ملفوظ به، حرفا كان أو أكثر.
الثاني: أن لفظا مصدر مراد به المفعول، كقولهم للمخلوق خلق، وللمنسوج نسج.
والمعهود في هذا استعمال المصدر غير المحدود بالتاء.
وأكثر ما يوجد في عبارات المتقدمين: لفظ لا لفظة، كعبارة سيبويه في الباب المترجم بباب اللّفظ للمعاني حيث قال 3: -
................................
«واعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللّفظين لاختلاف المعنيين» ومثّل ذلك بـ «جلس وذهب».
ولم يقل: اختلاف اللفظتين.
فتصدير حد الكلمة بلفظة، مخل ومخالف للاستعمال المشهور، بخلاف تصديره بلفظ.
وقوله: مستقلّ: فصل مقدم لفظا والنية به التأخير عن ما بعده، وأراد به هنا ما ليس بعض اسم كياء [1/ 11] زيدي وتاء مسلمة ولا بعض فعل كهمزة أعلم وألف ضارب.
قال المصنف 1: «فإنّ كلّ واحد من هذه المذكورات لفظ دالّ بالوضع وليس بكلمة لكونه غير مستقلّ.
وقوله: دال بالوضع: فصل أخرج به المهمل، كديز مقلوب زيد؛ فإنه لم يوضع لشيء، وإن دل السامع على حضور الناطق به وغير ذلك، فتلك دلالة عقلية لا وضعية 2 وليست بمقصودة هنا.
وقوله: تحقيقا أو تقديرا: تقسيم للدال وليس تتمة للحد، أي الدال بالوضع: إما أن يدل تحقيقا وإما أن يدل تقديرا، أي يقدر أنه دال وإن لم تكن له دلالة.
وإنما ذكر: تحقيقا؛ توطئة لقوله: تقديرا.
أما الدال تحقيقا: فنحو زيد ورجل؛ لأن كلّا منهما دال على معناه دلالة متحققة.
وأما الدال تقديرا: فكأحد جزأي العلم المضاف، نحو امرئ القيس، ونحو غلام زيد إذا جعلته علما، فإن امرأ فقط أو القيس فقط من هذا الاسم ليست لهما دلالة على شيء، فيقدر أنهما دالان فمجموع اللفظين من حيث هو اسم لمسمى واحد كلمة واحدة باعتبار المعنى ومن حيث هو مضاف ومضاف إليه كلمتان باعتبار - - بذهب وانطلق، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين ومثّل لذلك بوجدت عليه من الموجدة، ووجدت، إذا أردت وجدان الضالة.
................................
اللفظ؛ لأن المتضايفين لا يكونان إلا اسمين أو في تقدير اسمين 1، ولولا أنهما في تقدير اسمين لما أعرب الاسم الأول؛ إذا الإعراب لا يكون وسط الكلمة فامرؤ القيس اسم واحد تحقيقا؛ لأن مسماه لا يدرك بأحد جزئيه، وهو اسمان تقديرا؛ لأنه في اللفظ بمنزلة غلام زيد إذا لم يصر علما.
قال المصنف: والحاصل أن إطلاق الكلمة على ثلاثة أقسام:
حقيقي: وهو الذي لا بد من قصده.
ومجازي مهمل في عرف النحاة: وهو إطلاق الكلمة على الكلام التام.
فلا يتعرض لهذا بوجه.
ومجازي مستعمل في عرفهم: وهو إطلاقها على أحد جزأي العلم المضاف؛ فترك التعرض له جائز، والتعرض له أجوز؛ لأن فيه مزيد فائدة 2.
وقوله: أو منوي معه كذلك تقسيم للمحدود.
أي الكلمة إما لفظ أو غير لفظ لكنه منوي مع اللفظ.
قال المصنف: «لما كان الاسم بعض ما تتناوله الكلمة وكان بعض الأسماء لا يلفظ به كفاعل أفعل وتفعل 3 دعت الحاجة إلى زيادة في الرسم ليتناول بها ما لم يتناوله اللفظ، فقيل: أو منويّ معه، أي: مع اللفظ».
ومنوي: صفة قامت مقام موصوفها، والتقدير: الكلمة لفظ مقيد بما ذكر 4، أو غير لفظ منوي مع اللفظ، فالهاء في معه عائدة على اللفظ مقيدا بفصوله.
و: كذلك مشار به إلى الاستقلال والدلالة المنبه عليهما، أي المنوي لا يكون كلمة حتى يتصف بالاستقلال والدلالة بالوضع.
-
................................
واحترز بهذا القيد من الإعراب المقدر في نحو: يا فتى؛ فإنه يصدق عليه أنه منوي مع اللفظ المقيد ولكنه غير مستقل، هذا شرح الحد المذكور.
ثم ها هنا أبحاث:
البحث الأول:
أورد الشيخ 1 على المصنف أن اللفظ جنس بعيد 2 لصدقه على المهمل والمستعمل.
والقول [1/ 12] أقرب منه لعدم صدقه على المهمل فكان الإتيان به أولى 3.
والجواب: أنه إنما يلزم الإتيان بالجنس القريب في الحد التام 4. ولم يذكر ذلك المصنف على أنه تام بل لم يتمحض كونه حدّا، فقد سماه رسما، وبتقدير كونه حدّا تامّا فالإتيان باللفظ أولى؛ لأن القول يطلق على الرأي، والاعتقاد مجازا وغلب حتى صار كأنه حقيقة، فرفض ذكره في الحد؛ لئلا يوهم دخول غير المراد فيه، وعدل إلى الجنس البعيد لعدم الإيهام.
ولا يكفي في الجواب أن يقال: القول يطلق على المهمل أيضا كما هو رأي بعضهم؛ لأن المصنف لا يرى ذلك والقول عنده مخصوص بالمستعمل 5. -
................................
البحث الثاني:
قال المصنف: تصدير الحد باللفظ مخرج للخط، ونحوه مما هو كاللفظ في تأدية المعنى 1.
فنوقش في قوله: مخرج؛ لأن الجنس لا يؤتى به للإخراج، فلا يقال في الحيوان الناطق: إنّا أخرجنا بالحيوان ما ليس بحيوان.
والجواب: أن الجنس إذا كان أعم من الفصل مطلقا يذكر لتقييد الذات لا للاحتراز.
وأما إذا كان أعم من الفصل من وجه، فيجوز أن يحترز به.
والجنس الذي هو اللفظ هنا أعم من الفصل الذي هو الوضع من وجه؛ لأن اللفظ قد يوجد بغير وضع كما في المهملات.
والوضع قد يوجد بغير لفظ كما في النّصب وغيرها 2.
فبين الجنس والفصل هنا عموم من وجه فجاز أن يخرج بالجنس؛ لأنه قد يتصور فيه 3 أن يكون فصلا بعد جعل الفصل المذكور معه جنسا.
فبهذه الحيثية ساغ فيه ذلك.
البحث الثالث:
قد تقدم قول المصنف أنّ المعهود عند إطلاق المصدر مرادا به المفعول استعمال غير المحدود بالتّاء، قالوا: وقد جاء المصدر المحدود بمعنى المفعول، قال الله تعالى:
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ 4، أي: مقبوضته.
والجواب: أن قبضته هنا ليست مصدرا، وإنما هي اسم أنث بالتاء لوقوعه خبرا عن مؤنث وهو الأرض.
وأما وجهة، في قوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها 5: إن قيل: إنها بمعنى المفعول هنا فغير وارد؛ لأن التاء فيها ليست للوحدة والمصدر موضوع عليها، كما في -
................................
رحمة ونشدة.
فالتاء في هذه الألفاظ لازمة، والحكم المذكور إنما هو في المصدر الذي لم يوضع على التاء.
البحث الرابع:
تقدم أن المصنف أراد بقوله: مستقلّ ما ليس بعض اسم، كياء زيدي وتاء مسلمة، ولا بعض فعل، كهمزة أعلم وألف ضارب، فلم يفصح عن تفسير المستقل، وإنما مثّل لغير المستقل، وتمثيله له بياء النسب وهمزة أعلم ونحوهما 1 يقتضي أن يكون مراده بالمستقل ما دل على المعنى المقصود بتلك الكلمة؛ لأن الألفاظ التي مثل بها لغير المستقل ليس شيء منها دالّا بنفسه على المعنى، أما الدال فمجموع الكلمة التي ذلك اللفظ جزء منها، وإذا كان مراده ذلك لم [1/ 13] يحتج إلى قيد الاستقلال في حد الكلمة وكان قيد الدلالة كافيا؛ لأن هذا القيد يخرج ما قصد هو إخراجه مستقل، إذ ليس ما ذكر من ياء النسب وألف ضارب دالّا بل الكلمة بتمامها هي الدالة على المعنى المقصود بها.
وقد يشكل جعل ياء النسب وتاء التأنيث كالهمزة في أعلم والألف في ضارب، فيقال: إن المجموع في: مسلمة ليس هو الدال على المعنى المراد؛ بل مسلم دال على المتصف بهذا المعنى والتاء دلت على التأنيث.
وكذا يقال في نحو زيدي.
ولا شك أن ياء النسب وتاء التأنيث ليسا في الامتزاج بما هما فيه كالألف والهمزة المذكورتين وهو واضح.
والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: استعمال العرب دل على امتزاج التاء والياء بما صحباه، وأن الدال إنما هو المجموع لا ذلك اللفظ وحده، وهو كونهم جعلوا الحرفين المذكورين حرفي الإعراب والتزموا الكسر قبل الياء والفتح قبل التاء، فلو لم يجعلا مع ما هما فيه شيئا واحدا لم يعاملا المعاملة المذكورة.
البحث الخامس:
قال الشيخ: «إنّما احتاج المصنّف للاحتراز عن بعض اسم وبعض فعل؛ لأنّه أخذ الجنس البعيد وهو اللّفظ ولو أخذ القريب وهو القول لم يحتج إلى التّحرز -
................................
بمستقلّ؛ لأنّ بعض اسم وبعض فعل لا يقال له قول» 1 انتهى.
وليس كما ذكره؛ لأنه إذا صدق عليه أنه لفظ دال بالوضع كما يراه المصنف صدق عليه أنه قول جزما، فلو ذكر القول عوض اللفظ لم يستغن عن مستقل أيضا.
وقال الشيخ أيضا: «قول المصنّف إنّه احترز بقوله: دالّ بالوضع عن المهمل ليس بجيّد؛ لأنّه قبل هذا الفصل فصل الاستقلال واللّفظ المهمل لا يدخل تحت قوله: مستقلّ؛ فيحتاج أن يحترز عنه بما ذكر» 2 انتهى.
وهذا عجب من الشيخ: فإن الفصل الذي هو مستقل مقدم لفظا، والنية به التأخير.
وقد تقدم أن المصنف حكم على ياء النسب وأخواتها بأن كل واحد منها لفظ دال بالوضع وليس بكلمة لكونه غير مستقل فبيّن أن مراده ما قلناه 3.
وإذا كان كذلك لا يتوجه ما ذكره الشيخ.
فإن قيل: إذا كان المراد ما ذكرت، فلأي شيء قدم لفظ مستقل؟
أجيب عنه: بأنه لو لم يقدمه لوليه تحقيقا أو تقديرا، فيوهم ذلك أنهما راجعان إليه وهما قسمان للدال لا للمستقل.
وقد كان يمكنه أن يقول: لفظ دال بالوضع تحقيقا أو تقديرا مستقل؛ لكن يلزم تأخير أحد فصلي الحد عن تقسيم الفصل الآخر وهو غير مناسب.
البحث السادس:
قيل: الحد المذكور غير مطرد لدخول الكلام فيه؛ إذ يصدق عليه أنه لفظ دال بالوضع مستقل.
وغير منعكس 4؛ لخروج بعض أفراد الكلمة عنه، وهو الكلمة المجازية والمنقولة نحو: أسد، المراد به الشجاع والأعلام المنقولة 5 لأنهما اذ ذاك غير دالين بالوضع.
-
................................
وأجيب عن عدم الاطراد بأن الكلام خرج بقوله [1/ 14]: بالوضع إذ الكلام ليست دلالته وضعية على الأصح.
وعن عدم الانعكاس بأن الحد إنما هو للكلمة الحقيقية الباقية على موضوعها من غير نقل؛ فليست المجازية والمنقولة بمقصودين بل هما خارجان عن الحد 1. ويقال فيهما: كلمة مجازية وكلمة منقولة بالتقييد.
أو يقال: إن الكلمة لا تخرج بالتجوز فيها والنقل عن الوضع؛ لأن الواضع تجوز وأجاز التجوز بشرطه، ونقل وأجاز النقل أيضا، والوضع حاصل في المجاز والمنقول، وهو استعمال الكلمة استعمالا استعملته العرب ومكنت لاستعماله أيضا.
البحث السابع:
قد يتوهم أن من حد الكلمة بأنها لفظ دال بالوضع واقتصر عليه يكون حده غير منعكس؛ لخروج الأسماء التي لا يلفظ بها؛ كفاعل أفعل منه، وحينئذ تتعين الزيادة التي زادها المصنف وهي قوله: أو منوي.
وليس كما يتوهم؛ فإن المقتصرين على ذلك أرادوا اللفظ إما حقيقة وإما حكما؛ ليدخل فيه ما أشير إليه من الأسماء الواجبة الاستتار؛ فإنها في حكم الملفوظ بها.
ويؤيد هذا تسميتهم أنت في نحو: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ 2 توكيدا لفظيّا لذلك المستكن، والتوكيد اللفظي إعادة اللفظ؛ فلو لم يجعلوا المقدر في حكم الملفوظ لما ساغت التسمية المذكورة.
البحث الثامن:
قال الشيخ: «ادّعاء التّركيب في نحو أفعل 3 مشكل وكذا ادّعاء الإفراد فيه».
أما الأول: فلأن التركيب من عوارض الألفاظ، ويستدعي تقدم وجود ولا وجود 4. -
[تقسيم الكلمة]
قال ابن مالك: (وهي اسم وفعل وحرف).
وأما الثاني: فلأن أفعل يفيد إفادة المركب الذي هو الكلام فلا يمكن دعوى الإفراد فيه.
انتهى.
والجواب: أنه مركب ولا إشكال؛ فإن غير الملفوظ به في حكم ما لفظ به كما تقدم؛ فيحكم له بحكم اللفظ.
قال ناظر الجيش: الكلمة جنس تحته ثلاثة أنواع، وهي المذكورة، والكلمة منحصرة فيها.
وللحصر أدلة، منها: الاستقراء 1.
ومنها: أن الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أو لا.
والثاني الحرف، والأول إما أن يدل على الاقتران 2 بأحد الأزمنة الثلاثة أو لا.
والثاني الاسم.
ومنها: ما ذكره المصنف.
وهو أن الكلمة إن لم تكن ركنا للإسناد فهي الحرف وإن كانت ركنا له 3 فإن قبلت الإسناد بطرفيه فهي الاسم وإلا فهي الفعل 4.
ويتعلق بهذا الموضع الكلام على معنى قولهم: الاسم يدل على معنى في نفسه، والحرف يدل على معنى في غيره، والمراد به أن الاسم مستقل بالمفهومية، وأن الحرف غير مستقل بها.
ومعنى ذلك: أن نحو من وإلى مشروط في وضعها دالة على معناها الإفرادي ذكر متعلقها، ونحو الابتداء والانتهاء غير مشروط فيها ذلك 5. -
[تعريف الكلام]
قال ابن مالك: (والكلام ما تضمّن من الكلم إسنادا مفيدا مقصودا لذاته).
واعلم أن الضمير في قولهم: ما دلّ على معنى في نفسه، يرجع إلى معنى أي:
ما دل على معنى كائن في نفسه أي: باعتباره في نفسه وبالنظر إليه في نفسه لا باعتبار أمر خارج.
وكذا الضمير في غيره في حد الحرف أي: ما دل على معنى كائن في غيره أي [1/ 15] باعتبار متعلقه لا باعتباره في نفسه.
وقيل: الضمير في: نفسه يرجع إلى ما دل لا إلى معنى أي: اللفظ الدال على معنى بنفسه من غير ضميمة يحتاج إليها في دلالته الإفرادية؛ بخلاف الحرف؛ فإنه يحتاج إلى ضميمة في دلالته على معنى الإفرادية.
وردّ هذا القول بأمرين:
أحدهما: أن في لا تستعمل بهذا المعنى 1.
الثاني: أن المقابل وهو الحرف لا يجري فيه النقيض؛ إذ يصير المعنى:
الحرف: ما دل على معنى بغيره، أي: بلفظ آخر معه، وإذا جعل في غيره صفة لمعنى، كان المعنى: ما دل على معنى حاصل في غيره، أي: باعتبار متعلقه فيتطابق الحدان في مقصود التقابل 2.
قال ناظر الجيش: اشتمل كلام المصنف في المتن والشرح على خمسة ألفاظ، وهي: اللفظ، والقول، والكلمة، والكلم، والكلام.
فلنذكرها أولا ثم نعود إلى تفسير الحد.
أما اللفظ: فهو مصدر في الأصل.
وقد تقدم أنه الصوت الذي يعتمد على مقاطع الحروف.
وهو أعم الخمسة لصدقه على المستعمل والمهمل.
-
...............................
أما القول: فهو اللفظ الدال على معنى؛ فهو أخص من اللفظ؛ لصدقه على المستعمل فقط.
لكنه أعم من الثلاثة الباقية؛ لصدقه على الكلمة، والكلم، والكلام.
وقد يطلق على ما يفهم من حال الشيء، وعلى الإشارة، وعلى الرأي والاعتقاد.
وكل ذلك على سبيل المجاز.
وأما الكلمة: فقد علمت أنها تطلق لغة على أمرين 1.
وإنما خصت في الاصطلاح بأحدهما.
وقد تقدم حدها.
وهي أخص من القول؛ لإطلاقها على المفرد خاصة؛ فأخصيتها باعتبار الإطلاق؛ لأنه كلما أطلقت الكلمة أطلق القول، وليس كلما أطلق أطلقت الكلمة.
وأما الكلم: فقد يستعمل في اللغة مرادا به الكلام.
قال الله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ 2، وقال تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ 3.
وأما في الاصطلاح: فهو عبارة عن ثلاث كلمات، سواء أحصلت فائدة أم لا.
واختلف النحاة فيه: هل هو جمع للكلمة أو اسم جنس لها 4؟
فذهب جماعة منهم الجرجاني 5: إلى أنه جمع وكذا يقولون في كل ما الفرق بينه وبين واحده التاء كنبق وتمر.
-
................................
وظاهر كلام ابن جني 1 يقتضي أنه جمع؛ لأنه قال 2:
«قال سيبويه 3: هذا باب علم ما الكلم من العربيّة، ولم يقل: ما الكلام؛ لأنّه أراد نفس ثلاثة أشياء: الاسم والفعل والحرف.
فجاء بما لا يكون إلّا جمعا وترك ما لا يخصّ الجمع وهو الكلام».
وذهب الفارسي 4 وغيره من المحققين: إلى أنه اسم جنس، وكذلك كل ما شابهه كنبق وسدر 5.
ويدل على ذلك تصغيرهم إياه على لفظه.
ولو كان جمعا لكان للكثرة وجموع الكثرة لا تصغر على لفظها 6. -
................................
ثم القائلون بأنه اسم جنس اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو قول الأكثرين أنه لا يقع إلا على ما فوق العشرة.
وإذا قصد به ما دون ذلك جمع بألف وتاء لأنه جمع قلة 1.
الثاني: أنه يقع على القليل والكثير.
قال بعضهم: «وهذا مقتضى كونه اسم جنس كعسل» [1/ 16].
وأما الثالث: أنه لا يقع على أقل من ثلاث.
وهو رأي ابن جني إن كان لا يقول بجمعيته، ورأي المصنف أيضا فإنه قال:
«الكلم اسم جنس جمعيّ؛ كالنّبق واللّبن وأقلّ ما يتناول ثلاث كلمات» 2.
وكأنه احترز بجمعي من اسم الجنس الذي ليس بجمعي؛ كعسل وماء فإنه يقال على القليل والكثير.
فالجمعي: هو الذي له أفراد تعد، وغير الجمعي بخلافه.
ومن هنا يظن فساد تعليق المذهب الثاني في إطلاق الكلم على القليل والكثير كعسل؛ لظهور الفرق 3.
والمصنف يوافق الكثيرين في أن اسم الجنس لا يطلق إلا على ما فوق العشرة؛ فإنه قال في باب جمع التكسير من هذا الكتاب 4:
«تكسير الواحد الممتاز بالتّاء محفوظ استغناء بتجريده في الكثرة وبتصحيحه في القلّة».
وهذا صريح في الموافقة، وليس في قوله هنا: وأقلّ ما يتناول ثلاث كلمات، مناقضة؛ فإن القائلين بهذه المقالة معترفون بأن الكلام يطلق مرادا به -
................................
الثلاث، ويعتذرون عن ذلك بما سنذكره؛ فاستقام كلام المصنف ثم، وهنا.
وقد اعتذر الشّلوبين 1 عن إطلاق الكلم على الثلاث التي هي الاسم والفعل والحرف بأن قال: «أرادوا الأجناس والأجناس لا تنحصر أفرادها» 2.
وردّ عليه 3 بأن آحاد الكلم إنما هي الكلمة التي يراد بها جنس الأسماء، والكلمة التي يراد بها جنس الأفعال، والكلمة التي يراد بها جنس الحروف، فالكلم إذا لم يقع مما يقع عليه واحده إلا على ثلاث خاصة.
واعتذر ابن عصفور 4 عن ذلك بـ «أنّ العرب إنّما أوقعت اسم الجنس على ما فوق العشرة وجمعته بالألف والتّاء فيما دون ذلك؛ تفرقة بين القليل والكثير؛ حتّى لا يلتبس أحدهما بالآخر، وهذه التفرقة لا تتصوّر هنا، لأن الكلم إذا كان جمعا للكلمة الواقعة على كل واحد من الأجناس الثّلاثة لم يكن لها جمع قليل -
................................
ولا كثير فيفرّق بينهما، ألا ترى أنّه ليس للكلم ولا للكلمات ما يقعان عليه إلّا الأجناس الثّلاثة خاصّة، فلمّا لم تتصوّر التّفرقة شاع وقوع اسم الجنس موقع الجمع بالألف والتّاء؛ لأنّ اللّبس إذ ذاك قد أمن» 1.
وأما الكلام فهو في اصطلاح النحاة: عبارة عن الجمل المفيدة كما سيتضح عند تفسير قيود حده.
وقد اختلف فيه قبل نقله وتخصيصه بما ذكر: هل هو مصدر أو اسم مصدر؟
فمذهب البصريين: أنه اسم مصدر كالعطاء اسم للمعطى وهو الصحيح؛ لأن الفعل المستعمل من هذه المادة مرادا به معنى الحديث ليس إلا ثلاثة أبنية: كلم وتكلم وكالم، ومصادرها الجارية: التّكليم والتّكلّم والمكالمة والكلام 2.
وليس الكلام جاريا على واحد من الأفعال الثلاثة.
ومذهب الكوفيين: أنه مصدر.
قال الشيخ بهاء الدين النحاس 3 رحمه الله: «واستدلّوا على ذلك بإعماله في قولك: كلامك زيدا حسن.
وقال الشّاعر: -
................................
7 - ألا هل إلى ريّا سبيل وساعة... تكلّمني فيها من الدّهر خاليا [1/ 17]
فأشفي نفسي من تباريح ما بها... فإنّ كلاميها شفاء لما بيا 1
فأعمل كلامي في الضّمير».
انتهى.
ولا يظهر لي هذا الذي ذكره؛ فإن الكوفيين لا يمنعون إعمال اسم المصدر؛ بل لا يعمله إلا هم.
قال ابن عصفور لما ذكر اسم المصدر: «مذهب الكوفيين العمل وعند البصريّين لا يعمل إلا في ضرورة» 2.
وإذا كان كذلك فكيف يستدل الكوفيون على المصدرية بالعمل؟
وأشكل من ذلك قول الشيخ بهاء الدين مجيبا عن استدلال الكوفيين المذكور:
«إنّ اسم المصدر يعمل عمل المصدر بإجماع».
وقد علمت خلاف الفريقين؛ اللهم إلا أن يقال: كون البصريين أجازوا عمله -
................................
ضرورة يقتضي صحة جواز نسبة ذلك إليهم في الجملة؛ فلا يمتنع دعوى الإجماع.
ويطلق الكلام في اللغة على أشياء: منها: نفس الفعل الذي هو التكلم، وهو الأصل فيه، وهذا الإطلاق على خلاف فيه 1: أهو مصدر أم اسم مصدر؟ كما تقدم.
ومنها: ما يفهم من حال الشيء.
ومنها: الإشارة.
ومنها: الخط.
ومنها:
المعاني التي في النفس.
ومنها: الجمل المفيدة.
ولا خلاف بين النحاة أن إطلاق الكلام في اصطلاحهم على ما سوى الأمرين الأخيرين مجاز.
وأما إطلاقه على المعاني التي في النفس وعلى الجمل المفيدة، فهل هو بطريق الاشتراك 2 فيكون حقيقة فيهما أو يكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر؟
ثلاثة مذاهب نقلها الشيخ 3. وفي ظني أني وقفت على ذلك في كلام ابن هشام شارح الإيضاح 4.
وفي إطلاق الكلام حقيقة على المعاني النفسية بالنسبة إلى اصطلاح النحاة بعد.
وقد قال المصنف 5: «صرّح سيبويه في مواضع من كتابه بما يدلّ على أنّ الكلام لا يطلق حقيقة إلا على الجمل المفيدة».
وذكر عنه نصوصا: منها: قوله وقد مثّل بهذا عبد الله معروفا 6: -
................................
«فهذا اسم مبتدأ يبنى عليه ما بعده وهو عبد الله ولم يكن ليكون هذا كلاما حتّى يبنى عليه أو يبنى على ما قبله».
ومنها: قوله 1: «واعلم أنّ: قلت في كلام العرب إنّما وقعت على أن يحكى بها ما كان كلاما لا قولا».
عنى بالكلام الجمل وبالقول المفردات.
إذا تقرر ذلك وعلم أن مدار إطلاق الكلام الصناعي على حصول الفائدة، علم أن ما لم يفد ليس بكلام مفردا كان أو مركبا دون إسناد أو مركبا بإسناد غير مفيد؛ لكونه لا يجهل أحد معناه، فاشتمل الحد المذكور 2 على الإشارة إلى قيود يفهم منها ذلك وتضمن الحد زيادة قيدين آخرين على الإفادة.
وهما: أن يكون الإسناد مقصودا، وأن يكون القصد لذات الإسناد لا لشيء آخر.
فقول المصنف: ما تضمن من الكلم إعلام بالجنس الذي منه الكلام، وأنه ليس خطّا ولا رمزا ولا نحو ذلك 3، وإنما هو لفظ أو قول أو كلم، إلا أن اللفظ أبعد الثلاثة؛ لوقوعه على المهمل والمستعمل فعدل عنه، والقول مثل الكلم في القرب؛ لتساويهما في عدم تناول المهمل، لكن قد يقع القول على الرأي والاعتقاد، كما تقدم وإن كان ذلك مجازا؛ فقد قال المصنف: «إنّه شاع حتّى صار كأنّه حقيقة [1/ 18] ثابتة».
قال: «ولم يعرض هذا للكلم فكان تصدير حدّ الكلام به أولى لكن على وجه يعمّ المؤلّف من كلمتين فصاعدا»، فلذلك لم يقل: الكلم المتضمن.
لأن الكلم أقل ما يتناول ثلاث كلمات كما تقدم، بل قال: ما تضمّن من الكلم.
فصدر الحد بما؛ لصلاحيتها للواحد فما فوقه.
ثم خرج بذكر تضمّن الإسناد: الواحد كزيد، والمركب دون إسناد كعندك وخير منك.
وخرج بمفيد: ما لا فائدة فيه؛ لكونه غير مجهول لأحد، نحو: النار حارة، -
................................
والسماء فوق الأرض، وتكلم إنسان.
وخرج بمقصود: ما هو غير مقصود كحديث النائم والساهي.
وخرج بقوله: لذاته: ما هو مقصود لغيره، كإسناد الجملة الموصول بها والمضاف إليها؛ فإن الإسناد فيهما لم يقصد هو ولا ما تضمنه لذاته؛ بل قصد لغيره، وليس كلاما؛ بل هو جزء كلام.
وذلك نحو: قاموا من قولك: رأيت الذين قاموا، وقمت حين قاموا.
وزاد بعض العلماء في حد الكلام: من ناطق واحد، احترازا من أن يصطلح اثنان على أن يذكر أحدهما فعلا أو مبتدأ ويذكر الآخر فاعل الفعل أو خبر المبتدأ؛ فإن مجموع النطقين مشتمل على ما اشتمل عليه مثله إذا نطق به واحد، وليس بكلام لعدم اتحاد الناطق؛ لأن الكلام عمل واحد فلا يكون عامله إلا واحدا 1.
قال المصنف: «وللمستغني عن هذه الزيادة جوابان:
أحدهما: أن اتحاد الناطق لا يعتبر كما لا يعتبر اتحاد الكاتب في تسمية المكتوب خطّا.
ولا يعترض على ذلك بعدم تساويهما في الحكم؛ إذ لا يترتب على نطق المصطلحين ما يترتب على نطق الواحد: من إقرار وتعديل وتجريح وقذف وغير ذلك.
لأنّا نقول: انتفاء ترتب الحكم على الكلام لمانع لا يمنع كونه كلاما؛ فهو كلام لتركّبه من اللفظين؛ لكنه غير صريح بالنسبة إلى كل من الناطقين، إذ لا يعلم السامع ارتباط أحد جزأيه بالآخر، كما يعلم من نطق الناطق الواحد، فلذلك اختلفا في الحكم.
الجواب الثاني:
أن يقال: إنما اقتصر كلّ منهما على كلمة واحدة؛ اتكالا على نطق الآخر بالأخرى، فمعناها مستحضر في ذهنه، فكأنه متكلم واحد نطق بكلمة وقدر الأخرى.
كما يقول الرائي شبحا: زيد، أي: المرئيّ زيد، فكل من الناطقين صادر منه كلام.
وقد تبين أن من الكلام ما يكون أحد جزأيه غير منطوق به» انتهى ملخصا 2. -
................................
ثم ها هنا أبحاث:
الأول:
قال الشيخ: «لا دليل في كلام سيبويه على اشتراط الإفادة والتمثيل بالمفيد لا يلزم منه الاشتراط بل ظاهر كلام سيبويه أنه لا تشترط الإفادة.
قال: وما أظنّ أحدا يمنع قال زيد: النار حارة، ولا قال زيد: الجزء أقلّ من الكل».
انتهى 1.
وهذا الذي ذكره من عدم اشتراط الإفادة خلاف ما يفهم من كلام النحاة، وقد نقل هو في شرحه حدودا للكلام عن جماعة من أئمة النحو.
وكلها مشتمل على ذكر الإفادة 2.
وأما كلام سيبويه: فقد فهم المصنف منه خلاف ما فهمه الشيخ كما تقدم فليرجح [1/ 19] أحد الفهمين بالأدلة الخارجية 3.
البحث الثاني:
نقل الشيخ عن أبي الحسن بن الضائع 4 ما معناه: «أنّه لا حاجة إلى ذكر -
................................
القصد في حدّ الكلام؛ لأنّه إنّما يحترز به عن حديث السّاهي والنّائم والمجنون، والصّادر من هؤلاء يخرج بقيد الإفادة؛ لأنّ مثل هذا لا يفيد بوجه.
ولو قال النّائم:
زيد قادم مثلا ووافق ذلك قدومه، فالفائدة لم تحصل من إخباره، وإنما حصلت من مشاهدة القدوم».
انتهى 1.
ومناقشة ابن الضائع لا تبعد عن الصواب، إلا أن يقال: المراد بالكلام المفيد ما صورته صورة ما يحصل منه فائدة، أي: ما من شأنه أن يفيد، ولا يلزم إفادته من ذلك المحل بخصوصه.
ولا شك أن قول النائم: قام زيد مثلا شأنه ذلك؛ فهو داخل إلى أن يخرج بقيد القصد.
وقال الشيخ: «قد فهم من كلام ابن الضائع أنّه لا تشترط في الإفادة قصد المتكلم إيّاها.
إنّما يشترط فيها أن تكون على هيئة التركيب الموضوع في لسان العرب، وكثير من النحويين لم يعتبروا في حدّ الكلام سوى التركيب الإسنادي فقط، ولم يشترطوا الإفادة ولا القصد».
انتهى 2.
وما ذكره من الفهم المذكور غير ظاهر؛ لأن من جعل القصد قيدا إنما احترز به عما يفيد بغير قصد مثل كلام النائم.
وابن الضائع منع أن يكون ذلك مفيدا؛ فلم يحتج إلى ذكر القصد، ولا شك أن كلام غير النائم والساهي والمجنون يصحبه القصد، فلا يقال: إنه لا يشترط القصد؛ لأن ذلك يوهم أن الكلام قد يخلو عنه، وليس كذلك.
وأوهم استدراجه في الكلام إلى أن الفائدة غير مشروطة عند كثير من النحويين أن ابن الضائع لا يشترطها أيضا، وقد تبين خلاف ذلك.
- - النحو وكان متقدما فيه.
ومن أساتذته الشلوبين.
عاش في القرن السابع الهجري وقارب السبعين عاما، حيث توفي سنة (680 هـ). مصنفاته: له مخطوط كبير عظيم، وهو شرح الجمل بدار الكتب المصرية، وهو أجزاء ثلاثة من عدة نسخ يكمل بعضها بعضا؛ لأنها مهلهلة.
قال السيوطي: وله شرح كتاب سيبويه وهو عجيب، جمع فيه بين شرح السيرافي وابن خروف، كما أن له كتبا أخرى فيها اعتراضات وردود على ابن عصفور وابن الطراوة والبطليوسي، انظر في ترجمته: بغية الوعاة (2/ 204) الأعلام (5/ 154).
................................
البحث الثالث:
قال الشيخ: «لم أر هذا القيد لأحد من النّحويين غير المصنّف» يعني قوله:
لذاته، قال: «ويمكن منازعته فيه من وجهين:
أحدهما: أنّ الصلة كلام.
ويدل عليه اشتراطهم فيها أن تكون جملة خبرية.
والخبر أحد أقسام الكلام.
الثاني: منازعته في أن هذه الجملة تضمنت إسنادا مفيدا مقصودا؛ حتّى يحترز منها بقوله: لذاته؛ لأن جملة الصلة كجزء من الاسم الموصول، ولم ينهض أن يكون من قبيل الكلمة؛ بل هي والموصول قبلها كلمة، وأما الجملة المضاف إليها فهي في تقدير المفرد؛ لأنّ معنى قمت حين قاموا: حين قيامهم، فصورتها صورة ما فيه إسناد والمعنى على التّركيب التّقييدي»، انتهى 1.
وفي هذه المنازعة نظر: أما أن جملة الصلة شرطها أن تكون خبرية، والخبر أحد أقسام الكلام، فمسلّم، ولكن إنما تعتبر الخبرية قبل جعل الجملة صلة، وإذا وصل بها صار لها حكم أخر، كما أن: قام زيد، كلام تام غير مفتقر، وإذا دخلت عليه إن الشرطية صار غير تام مفتقرا، فعلى هذا لا منافاة في قولنا 2: شرط جملة الصلة أن تكون خبرية مع أنها حال الوصل بها لا يصدق عليها أنها كلام.
وأما دعواهم أن هذه الجملة لم تتضمن إسنادا مفيدا مقصودا، فممنوع، بل قد تضمنت الإسناد المفيد المقصود، وإنما حكم لها بحكم الجزء من الاسم الموصول [1/ 20] من حيث أنها لا تتقدم عليه ولا يفصل بينها وبينه بالأجنبي.
وغير ذلك من الأحكام المذكورة في باب الموصول.
والحكم عليها بذلك 3 لا يخرجها عن أن يكون فيها تركيب
إسنادي 4، ولولا ذلك لما حكم على أفرادها بالإعراب -
[تعريف الاسم]
قال ابن مالك: (فالاسم: كلمة يسند ما لمعناها لنفسها أو نظيرها).
وأعربت 1.
وأما قوله في الجملة المضاف إليها: إنها في تقدير المفرد؛ لكن صورته صورة ما فيه الإسناد، فتسليم منه أن الإسناد حاصل، وهذا هو المقصود ولهذا احترز المصنف عنه، والتأويل بالمفرد لا يمنع وجود الإسناد؛ لأنه إنما أول لتصح الإضافة.
قال ناظر الجيش: تفسير هذا الحد متوقف على تصور الإسناد.
وقد عرفه المصنف بأنه: «عبارة عن تعليق خبر بمخبر عنه أو طلب بمطلوب منه» 2، وهو جيد.
وجعله الشيخ غير حاصر لأنواع الإسناد، قال: «لأنّ بعض الإنشاءات كالقسم والعقود يخرج عنه» 3.
والجواب: أن جمل الإنشاء التي لا يراد بها الطلب منقولة من الجملة الخبرية.
فما اشتملت عليه من الإسناد داخل في قوله: تعليق خبر بمخبر عنه، وخروج الجمل على الخبرية يعارض النقل إلى معنى الإنشاء لا يخرج ما تضمنته من الإسناد من الحد.
ثم الإسناد قسمان: لفظي ومعنوى.
فاللفظي: ما عضد به الحكم على اللفظ فقط.
ويشترك فيه الثلاثة، أعني: الاسم والفعل والحرف.
ويشاركها فيه الجملة أيضا، كقولك: زيد معرب، وقام مبني على الفتح، ومن حرف جر «ولا حول ولا قوّة إلّا بالله كنز من كنوز الجنّة» 4.
والمعنوي: ما قصد به الحكم على معنى الكلمة، أي: مدلولها لا على لفظها.
ويسمى وضعيّا وحقيقيّا أيضا.
وهذا هو المختص بالأسماء.
فقول المصنف: كلمة: جنس يشمل الثلاثة.
-
................................
وقوله: يسند ما لمعناها: فصل يفصل الاسم عن الفعل والحرف، إذ كل منهما يسند ما للفظه إليه لا ما لمعناه.
وأما الاسم فيسند ما لمعناه إليه، أي: يسند إلى لفظه شيء هو لمدلول ذلك اللفظ، فإذا قلت: قام زيد، فالقيام هو ذلك الشيء وهو لمعنى زيد، أي: لمدلوله وهو المسند، واللفظ الذي هو زيد مثلا هو المسند إليه.
ولما كان من الأسماء ما لا يقبل الإسناد، كأسماء الأفعال، والأسماء الملازمة للنداء والمصدرية والظرفية أتى في الحد بزيادة وهو قوله: أو نظيرها.
فمه ومكرمان وسبحان مثلا لا تقبلن الإسناد لكن يقبله نظيرهن.
قال المصنف 1: «وليس المراد هنا بالنظير ما وافق معنى دون نوع، كالمصدر والصفة بالنسبة إلى الفعل، بل المراد ما وافق معنى ونوعا، كموافقة قول الآمر بالصمت السكوت؛ لقوله: صه، لكن صه لا يقبل الإسناد الوضعيّ ويقبله السكوت، فالمسند إلى السّكوت بمنزلة المسند إلى صه؛ ليوافقها معنى ونوعا، وكذا المسند إلى كريم وفلان بمنزلة المسند إلى مكرمان وفل، وإن كان مكرمان وفل لم يستعملا إلّا في النّداء، وهذا سبيل محاولة الإسناد إلى نظير ما تعذر الإسناد إليه بنفسه».
ثم ها هنا أبحاث:
البحث الأول:
[1/ 21] قال الشيخ: «إنما حدّ المصنف الإسناد بما ذكره ليخرج الإسناد اللّفظيّ» 2.
وهذا عجب من الشيخ، فإن الحد المذكور شامل لقسمي الإسناد، ولما ذكر المصنف حد الإسناد قال 3: «فإن كان باعتبار المعنى اختصّ بالأسماء.
وقيل فيه وضعيّ وحقيقيّ.
وإن كان باعتبار اللفظ صلح للاسم ولغيره».
فقسمه إلى القسمين بعد أن ذكر حده وكيف يقال: إن الحد مخصوص بأحدهما؟.
البحث الثاني:
قيل: قول المصنف: «إن الإسناد اللّفظيّ يشرك الاسم فيه غيره» خطأ، بل -
................................
الإسناد اللفظي مختص بالأسماء، كاختصاص المعنوي بها، وذلك أنّا إذا قلنا: قام مبني على الفتح، ومن حرف جر، كان قام ومن، في هذين التركيبين، مبتدأين، والمبتدأ لا يكون غير اسم، فلم يسند إلى الفعل وهو باق على الفعلية، ولا إلى الحرف وهو باق على الحرفية؛ بل صير كل منهما اسما، وأسند إليه.
والجواب عن ذلك: أن قام، إنما وضعته العرب فعلا، وكذا من، إنما وضعته العرب حرفا، وإنما الكلام فيما هو اسم بالوضع لا فيما أدت ضرورة التركيب إلى الحكم عليه بالاسمية لعارض، وإذا كان كذلك صدق أن الإسناد إلى فعل وإلى حرف أي: إلى ما وضعته العرب كذلك.
ولا يلزم من الحكم عليها بالاسمية؛ لضرورة الحكم عليهما بالابتدائية خروجهما عن الوضع الأصلي، ولو خرجا عن وضعهما لما صحّ قولنا: قام فعل ماض ومن حرف جر.
البحث الثالث:
قد يتوجه على المصنف مؤاخذة في قوله: يسند ما لمعناها.
فيقال: إن الذي لمعنى الكلمة وهي زيد، القيام مثلا، وليس القيام بمسند، إنما المسند قائم المتضمن لمعنى القيام.
فإن أجيب بأن المسند وإن كان لفظ قائم إنما هو القيام من حيث المعنى، فيندفع الإيراد، توجهت مؤاخذة أخرى وهي: أنه إذا اعتبر المعنى في جانب المسند، وجب اعتباره في جانب المسند إليه، فلا نقول: إلى نفسها أي إلى لفظها.
لأن المسند إلى اللفظ إنما هو قائم، وأما القيام فإنما هو لمدلول الاسم؛ فهو مسند إلى المعنى لا إلى اللفظ.
إلا أن يريد أنه يسند ما للمعنى بلفظ يتضمنه إلى نفس ذلك المعنى فيصح.
البحث الرابع:
نوقش المصنف في قوله: «وليس المراد بالنّظير ما وافق معنى دون نوع؛ بل المراد ما وافق معنى ونوعا».
فقيل: إذا كان الأمر موقوفا على الموافقة في المعنى والنوع، كانت معرفة كونه نظيرا مستلزمة لمعرفة اسميته، فلا يحتاج إلى أن يعرف بالإسناد إلى نظيره.
ثم ذلك مستلزم للدور؛ لأن معرفة كونه اسما متوقفة على معرفة نظيره وكونه -
................................
يسند إليه، ومعرفة كون ذلك نظيرا، متوقفة على معرفة كون هذا اسما.
والجواب: أن المصنف لم يجعل معرفة اسمية الشيء موقوفة على معرفة كونه نظيرا؛ ليلزم منه أن معرفة كونه نظيرا موقوفة على معرفة اسميته، بل لما حد الاسم بقبوله للإسناد المعنوي، وكان بعض الأسماء [1/ 22] الذي علمت اسميته من خارج لا يقبل ذلك، أراد أن يزيد هذه الزيادة؛ لئلا يصير الحد غير منعكس.
فهو يقول: إن قيل بأن لنا أسماء مقطوعا باسميتها وهي لا تقبل ما ذكرت.
قلت: إن هي لم تقبله قبله نظيرها، ثم بيّن المراد بالنظير ليسلم من الدخل.
البحث الخامس:
لقائل أن يقول: لا حاجة إلى قول المصنّف: أو نظيرها.
بل الاقتصار على قوله:
يسند ما لمعناها إلى نفسها - كاف، وتكون الأسماء التي أشار إليها مما لزم في الاستعمال طريقة واحدة، من مصدرية أو ظرفية مثلا، داخلة في الحد غير خارجة عنه؛ لأن المراد إنما هو صحة الإسناد إلى الكلمة وقبول معناها له.
ولا شك أن معاني هذه الأسماء قابلة للإسناد، ولا يلزم من استعمالها غير مسند إليها ألا يصح الإسناد إليها؛ فإن المراد إنما هو قبول معنى الكلمة لذلك من حيث الجملة.
وجاز أن يسند إليها وألا يسند لعارض الاستعمال اللازم الذي لا تسع مخالفته 1.
[تعريف الفعل]
قال ابن مالك: (والفعل كلمة تسند أبدا قابلة لعلامة فرعيّة المسند إليه).
قال ناظر الجيش: كلمة: جنس يعم الثلاثة.
وتسند: أخرج به ما لا يسند وهو الحرف وبعض الأسماء، كياء الضمير والأسماء الملازمة للنداء.
وأبدا: فصل ثالث أخرج به ما يسند من الأسماء وقتا دون وقت؛ فتارة يسند وتارة يسند إليه وذلك كثير.
وقابلة لعلامة فرعيّة المسند إليه: فصل ثالث أخرج به بقية الأسماء.
وهي أسماء الأفعال؛ لأنها تشارك الفعل في أنها مسندة أبدا؛ لكن لا تقبل علامة فرعية ما أسندت إليه بخلاف الفعل فإنه يقبل.
وبيّن المصنف أن هذه العلامة هي تاء التأنيث الساكنة وياء المخاطبة.
فشتان لا يقبل التاء ويقبلها افترق، ودراك لا يقبل الياء ويقبلها أدرك 1.
ولا يخفى أنه لو سكت عن تبيين ما أراد لزم دخول أسماء الفاعلين والمفعولين والصفة المشبهة في حدّ الفعل؛ لأنها مسندة أبدا وتقبل علامة الفرعية، وهي تاء التأنيث المتحركة وعلامتا التثنية والجمع؛ لأن التثنية والجمع فرعا الإفراد.
ثم ها هنا تنبيه: وهو أن المصنف قال 2:
«ومثل الياء في الدّلالة على فرعيّة المسند إليه، وكون قبولها مميّزا لفعل الأمر من اسمه: الألف والواو والنّون في أدركا وأدركوا وأدركن، وقد حكم سيبويه 3 بفعليّة هلمّ على لغة بني تميم لقولهم: هلمّي وهلمّا وهلمّوا وهلممن.
وحكم باسميتها على لغة الحجازيين؛ لأنّهم يلزمونها التّجريد كلزومه عند الجميع في دراك وأخواتها».
انتهى.
وفسر الشيخ قول المصنف: قابلة لعلامة فرعيّة المسند إليه - بأنّ هذه العلامة هي تاء التّأنيث السّاكنة، وياء
المخاطبة، وألف الاثنين، وواو الجماعة، ونون -
[تعريف الحرف]
قال ابن مالك: (والحرف كلمة لا تقبل إسنادا وضعيّا بنفسها ولا بنظير).
النّسوة).
فأدرج الشيخ الألف وأخواتها مع التاء الساكنة والياء؛ بناء منه على أن المصنف شرح العلامة بذلك كله، ويلزم من هذا الإدراج ورود أسماء الفاعلين وما ذكر معها على حد الفعل.
والذي ينبغي: أن تفسر العلامة بالتاء والياء المتقدمين فقط.
ولا يلزم من قول المصنف: ومثل التاء في الدلالة كذا وكذا جعل الألف والواو كالتاء في إرادتها [1/ 23] بقوله: علامة فرعية المسند إليه، وإنما لما بين العلامة المرادة نظر بينها وبين ما ذكر باشتراكهما في الدلالة على الفرعية، وليكون ذلك تمهيدا لما ذكره من حكم هلمّ، واختلاف اللغتين فيها.
على أنّا نقول أيضا: لم يطلق الألف والواو بل قال: الألف والواو في أدركا وأدركوا.
فنبه بذلك على أن مراده ألف الضمير وواوه؛ فلا يرد عليه أسماء الفاعلين وما ذكر معها؛ لأن الألف والواو اللاحقتين لها حرفان فلم يكونا بمرادين ولا داخلين في عبارته 1.
قال ناظر الجيش: كلمة: جنس يشمل الثلاثة.
ولا تقبل إسنادا وضعيّا بنفسها:
فصل أخرج به الاسم والفعل؛ لأنه نفى قبول الإسناد مطلقا، أي: لا يسند إليه ولا يسند.
وقيد الإسناد بكونه وضعيّا لأن غير الوضعي 2 يقبله الحرف كما تقدم.
-
................................
وقوله: ولا بنظير، فصل ثالث أخرج به هنا من الأسماء ما قصد دخوله في حد الاسم بقوله: أو نظيرها 1. فإن تلك الأسماء يصدق عليها أنها لا تقبل الإسناد المذكور، فعلى هذا لو اقتصر في حد الحرف على قوله: لا يقبل إسنادا، لدخلت في الحد؛ فاحتاج أن يخرج بقوله: ولا بنظيرها؛ فإنها إذا لم تقبل الإسناد بنفسها قبلته بنظيرها.
بخلاف الحرف، فإنه غير قابل بنفسه ولا بنظيره.
وها هنا بحثان:
الأول:
قد تقدم أن الأسماء التي قصد دخولها في حد الاسم بقوله: أو نظيرها، قابلة للإسناد إليها، وأنه لا يلزم من عدم استعمالها مسندة إليها عدم صحة ذلك، وأنه لا حاجة إلى قول المصنف: أو نظيرها، فعلى هذا لا حاجة في حد الحرف إلى أن يزيد قوله: ولا بنظير؛ ليحترز عن دخول الأسماء المذكورة؛ إذ لم يصدق عليها أنها لا تقبل الإسناد؛ فهي خارجة بقوله: لا تقبل إسنادا؛ لأن هذه قابلة وإن لم تستعمل مسندة إليها.
البحث الثاني:
أورد الشيخ أن في الحد المذكور صيغة النفي: «وهو لا يقبل، فهو عدميّ والعدميّ لا يكون في الحدّ؛ لأنّ الحدّ لا يكون إلّا بما تقوّمت منه الماهيّة 2. والأعدام سلوب لا تتقوّم منها ماهيّة.
وإنّ فيه أيضا تجوّزا 3؛ لأنه قال: ولا بنظير؛ احترازا من الأسماء اللّازمة للنداء فإنّها تقبل الإسناد بنظير، وهذا مجاز؛ لم تقبل هي إسنادا لا بنفسها ولا بنظير، إنّما نظيرها هو الذي قبل» 4.
والجواب عن الأول: أن الفصول الوجودية إنما تعتبر في الحدود الحقيقية، أي: التي تحد بها الماهيات الحقيقية وهي التي لها وجود في الخارج.
أما الحدود الاصطلاحية، -
[علامات الاسم]
قال ابن مالك: (ويعتبر الاسم بندائه، وتنوينه في غير رويّ، وبتعريفه، وصلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه أو إضافة إليه أو عود ضمير عليه أو إبدال اسم صريح منه، وبالإخبار به مع مباشرة الفعل، وبموافقة ثابت الاسميّة في لفظ أو معنى دون معارض).
أي: التي تحد بها الماهيات الاعتبارية، فيجوز في الفصول التي فيها أن تكون عدمية.
والجواب عن الثاني: أن القابل للإسناد المعنوي إنما هو مدلول الكلمة.
فتارة يقبل الإسناد بذلك اللفظ الدال عليه، وتارة يقبله بنظير ذلك اللفظ، وقد عرفت المراد بالنظير ما هو، وإذا كان كذلك صح أن يقال: إن الأسماء اللازمة للنداء مثلا تقبل الإسناد بمعنى أن مدلولها قابل له [1/ 24] لكن ذلك المدلول لا يقبل بذلك اللفظ.
إنما يقبل بالنظير فلا مجاز إذا 1.
قال ناظر الجيش: لما ذكر حدود الثلاث شرع في ذكر خصائص الاسم وخصائص الفعل.
والفرق بين دلالة الحدود ودلالة الخاصة: أن دلالة الحد تطّرد وتنعكس، ودلالة الخاصة تطّرد ولا تنعكس، أي يلزم من وجودها الوجود ولا يلزم من عدمها العدم 2. -
................................
وعبر المصنف عن ذكر الخواص بقوله: ويعتبر.
وذكر أن اعتبار الاسم بأشياء:
منها النداء: ويستدل به على اسمية ما له علامة غيره، نحو: أيا زيد، وعلى اسمية ما لا علامة له غيره، نحو: أيا مكرمان.
قال المصنف 1: «واعتبار صحّة النّداء بأيا وهيا وأي أولى من اعتبارها بيا؛ لأنّ يا قد كثرت مباشرتها الفعل والحرف نحو: يا حبّذا ويا لَيْتَنِي» 2.
قال الشيخ: «هذا ليس بجيّد؛ لأنّ هذه الأحرف يقلّ النداء بها؛ فالأولى اعتبار النداء بحرفه المشهور الذي هو يا، وإذا باشرها الفعل والحرف فليست للنداء على الأصحّ وإنّما هي للتّنبيه فهي مشتركة بينهما» 3 انتهى.
وكون هذه الأحرف يقل النداء بها لا يكون صحة اعتبار النداء بها مرجوحا، ولا أولوية ليا لكثرة استعمالها؛ إذ لا أثر لذلك في تمييز الاسم من غيره، بل غير يا أولى لعدم الاشتراك، كما قال المصنف.
ثم قوله: إنها حال مباشرتها الفعل أو الحرف إنما هي للتنبيه على أصح القولين، يقوي عدول المصنف عنها؛ إذ لو كانت حينئذ للنداء لم يكن بينها وبين غيرها فرق.
وإنما اختص الاسم بالنداء؛ لأنه مطلوب به الإقبال، والمقبل إنما يكون اسما، ولأن المنادى مفعول والمفعولية لا تليق بغير اسم.
ولما قال المصنف هنا: «لأنّ المنادى مفعول في المعني» 4 ناقشه الشيخ فقال:
«ظاهر هذا الكلام أنّ المنادى ليس بمفعول صحيح من جهة اللّفظ والمعنى، وهي مسألة خلاف: -
................................
قال الكوفيون ومن تبعهم: إنّه مفعول من جهة المعنى فقط.
وقال سيبويه ومتابعوه، وهم الجمهور: إنه مفعول صحيح من جهة اللّفظ والمعنى.
فإن كان المصنف وافق الكوفيين فقد ناقض قوله في باب النداء: المنادى منصوب لفظا أو تقديرا، ويكون اختار المذهب الفاسد أيضا وإن كان وافق سيبويه فقد أساء العبارة؛ حيث خصّ جانب المفعوليّة بالمعنى دون اللّفظ» 1 انتهى.
والجواب: أن المصنف إنما أتى بهذه العبارة؛ ليشمل قسمي المنادى من معرب ومبني.
والمفعول لفظا يصدق عليه أنه مفعول معنى، ولو لم يقيد المفعولية بالمعنى لم يكن نصّا في مقصوده؛ إذ يتبادر الذهن إلى المفعولية لفظا، فإذا لا مفهوم لقوله:
مفعول في المعنى، وإذا كان كذلك لم تتوجه مناقشة الشيخ [1/ 25].
ومنها: التنوين وهو أضرب:
تنوين الترنّم: وهو الذي يكون عوضا عن مدة الإطلاق في رويّ مطلق 2 فالمراد تنوين ذي الترنم.
والتّنوين الغالي: وهو اللاحق الروي المقيد 3. وهذان التنوينان يشترك فيهما الاسم والفعل والحرف؛ لأن الروي قد يكون آخر فعل وآخر حرف كما يكون آخر -
................................
اسم، وعنهما احترز المصنف بقوله: في غير روي.
وبقية أضربه يختص الاسم بها وهي:
تنوين الصّرف والتّنكير والعوض والمقابلة:
وإنما كان كذلك؛ لأن تنوين الصرف دال على بقاء الأصالة، كرجل وزيد، فلا يلحق غير اسم؛ إذ لا أصالة له فيدل على بقائها.
وأما تنوين التنكير، فلأنه دال على تنكير ما هو صالح للتعريف، كصه، وأف، وسيبويه لغير معين، فلا يلحق غير اسم لعدم الحاجة إليه.
وأما تنوين العوض، فلأنه إما عوض عن مضاف إليه 1 كحينئذ، فلا يلحق غير اسم؛ لأن المضاف لا يكون إلا اسما، وإما عوض عن حركة أو حرف على القولين في اسم لا ينصرف 2 واختصاصه بالاسم ظاهر.
وأما تنوين المقابلة: فلأنه دال على مقابلة جمع بجمع، كمسلمات المقابل لمسلمين.
فلا يلحق غير اسم؛ لأن الجمع من خصائصه.
ومنها: التّعريف 3:
ويتناول تعريفه بالأداة، نحو: الرجل وأم غلام، وبالإضافة نحو: مَعاذَ -
................................
اللَّهِ 1 ويا ويح من ليس له ناصر.
قال الشيخ: «ويتناول أيضا تعريف الإضمار والعلميّة والإشارة» انتهى 2.
وإنما خصّ الاسم به ليختص؛ فيصح الإخبار عنه ويفيد الإسناد إليه.
ومنها: صلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه أو إضافة إليه:
فمثال الإخبار: أنت ذاهب، واختص به لأن معناه لا يتصور إلا فيه، ومثال الإضافة إليه: غلامي وغلامنا.
واختص الاسم بذلك؛ لأن المضاف إليه يخصص المضاف أو يعرفه، والفعل لا يخصص ولا يعرف؛ ولأن المضاف إليه يملك المضاف أو يستحقه والأفعال لا تملك ولا تستحق.
وقوله: بلا تأويل: قيد في الإخبار والإضافة.
واحترز بذلك عما يخبر عنه، أو يضاف إليه وليس باسم.
وحينئذ يجب تأويله بالاسم، فالإخبار عنه: نحو قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ 3 وقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 4.
ومنه قولهم: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» 5. والإضافة نحو قوله تعالى:
هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ 6، وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ 7. والتقدير: سواء عليكم دعاؤكم، وصومكم خير لكم، ويوم نفع الصادقين صدقهم، ويوم تسيير الجبال، وتقدير تسمع بالمعيدى: أن تسمع، أي: سمعك بالمعيدي.
وتبين من هذا: أن غير الاسم لا يخبر عنه إلا بتأويله باسم، سواء أكان فعلا أم جملة وهو الصحيح.
-
................................
ومنهم من أجاز الإخبار عن الفعل من غير تأويل 1.
وأما الإخبار عن الجملة فنقل ابن عصفور فيه ثلاثة مذاهب 2:
«المنع وهو الصّحيح، والجواز وهو رأي بعض الكوفيّين، والتّفصيل بين أن تكون الجملة في موضع فاعل أو مفعول لم يسم فاعله لفعل من أفعال القلوب وقد علّق ذلك الفعل عنها؛ فيجوز نحو: ظهر لي أقام زيد أم عمرو، وعلم أقام عبد الله أم خالد، أو غير ذلك فلا يجوز».
والاستدلال لذلك أو عليه يذكر في باب الفاعل إن شاء الله تعالى 3.
ومنها: عود ضمير عليه 4:
[1/ 26] كعوده على مهما في قوله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ 5 وعلى ما، في: ما أحسن زيدا، إلا أن الضمير اسم ومدلوله ومدلول ما يعود عليه واحد فلا يكون العائد إليه الضمير غير اسم.
وزعم السهيلي 6 أن مهما حرف وزعمه مردود بما ذكر.
-
................................
ومنها: إبدال اسم صريح منه:
نحو: كيف أنت أصحيح أم سقيم؟ فصحيح اسم صريح؛ لقبوله علامات الاسم كلها، وهو مبدل من كيف إبدال الشيء من الشيء على سبيل التفصيل، فكيف اسم.
وكذلك: من جاءك أزيد أم عمرو؟ ولا أعلم مم احترز المصنف بقوله: صريح 1؟
واعلم أنه كما استدل على الاسمية بإبدال اسم صريح من ذلك اللفظ، يستدل عليها بعكسه، وهو إبدال ذلك اللفظ من اسم صريح، نحو: جئت يوم الجمعة إذ جاء زيد، وأجيء يوم الأحد إذا يجيء عمرو، فإذ وإذا اسمان لإبدالهما من اسم صريح، أي: قابل لعلامات الاسمية، ذكر المصنف ذلك في باب الظروف 2.
ومنها: الإخبار به مع مباشرة الفعل:
نحو: كيف كنت؟ وخروج زيد إذا خرجت، فكيف خبر كان، وإذا خبر المبتدأ الذي هو خروج زيد، وكلاهما مباشر لفعل؛ فالإخبار بهما ينفي الحرفية ومباشرة الفعل تنفي الفعلية فتعينت الاسمية.
- - وكف بصره وهو ابن سبع عشرة سنة، كان واسع العلم غزير المعرفة بالعربية واللغة والقراءات وعالما بالتفسير وصناعة الحديث حافظا للتاريخ والرجال والأنساب، تصدر للإقراء والتدريس وبعد صيته في مراكش وغيرها، وكان شاعرا ومن شعره مناجيا ربه: يا من يرجّى للشدائد كلها... يا من إليه المشتكى والمفزع ما لي سوى قرعي لبابك حيلة... فلئن رددت فأيّ باب أقرع مصنفاته: له في النحو: نتائج الفكر.
وهو كتاب محقق بكلية اللغة (رسالة دكتوراه) وقد طبع في ليبيا، وله شرح الجمل لم يتم ولم أعثر عليه، وله الروض الأنف في شرح السيرة وهو مطبوع، وله كتب في التفسير.
وقد توفي السهيلي سنة (581 هـ). وانظر في ترجمته: بغية الوعاة (2/ 82)، والأعلام (4/ 86). وقوله: وزعمه مردود بما ذكر أي: مردود بعود الضمير عليها في الآية الكريمة، وانظر رأي السهيلي في مهما ودليله ورد الدليل في مغني اللبيب (1/ 330).
................................
ومنها: موافقة ثابت الاسمية في لفظ أو معنى دون معارض:
فمثال الموافقة لفظا: وشكان وبطآن 1 فإنهما موافقان سكران وشكران.
وهو وزن لا يوجد في الأفعال.
قال المصنف 2: «والحرفيّة منتفية بكونهما عمدتين.
والحرف لا يكون إلّا فضلة».
ومثال الموافقة معنى: قد في نحو: قدك، وقد زيد درهم فإنهما موافقان لحسب في المعنى وحسب ثابت الاسمية؛ فوجب كون قد التي بمعناها اسما.
وقوله: دون معارض، قيد في الموافقة معنى، واحترز به من واو المصاحبة في نحو: استوى الماء والخشبة؛ فإنها بمعنى مع، ولا تلحق بها في الاسمية؛ لأن الموافقة المعنوية عارضها كون الأسماء ليس فيها ما هو على حرف واحد إلا ومحله العجز، كتاء الضمير ويائه وكافه، لا الصدر.
والواقع صدرا وهو على حرف واحد إنما هو حرف، كباء الجر ولامه، وواو العطف وفائه.
فلو حكم على واو المصاحبة بالاسمية لزم عدم النظير بخلاف الحكم عليها بالحرفية 3.
قال المصنف 4: ومما يخرج بذكر المعارض من الموافق لثابت الاسمية: من؛ فإن نسبتها من بعض نسبة الواو من مع، إلا أن ذا معارض بكون من لا يليها مع مجرورها بعد إنّ إلا اسمها، كقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً 5، بخلاف بعض فلا يليها إلا الخبر.
بقي أن من إذا وقعت بعد إنّ كانت هي ومجرورها 6 في موضع خبر إنّ، وما -
................................
بعدها ينتصب على أنه اسم إن، وإذا وقعت بعض كانت هي اسم إن وما بعد بعض هو الخبر 1.
وها هنا بحثان:
الأول:
أورد الشيخ على قول المصنف في وشكان وبطآن: «وانتفت الحرفيّة بكونهما عمدتين»، فقال: «العمدة في الاصطلاح: ما كان مرفوعا، ولا يصحّ ذلك في هذين الاسمين [1/ 27] لأنه لم يذهب أحد إلى أنهما في موضع رفع، ومن جعل لأسماء الأفعال موضعا من الإعراب إنما جعله نصبا، قال: ويحتمل أن يريد بالعمدة هنا أحد ركني الإسناد لكنّه ليس المصطلح، ويلزم منه أن يكون قام من قولنا: قام زيد، عمدة» 2 انتهى.
أما قوله: إنه لم يذهب أحد إلى أنهما في موضع رفع فقد ذكر ابن الحاجب 3 رحمه الله تعالى، في موضع أسماء الأفعال أنه يجوز أن يكون رفعا وأن يكون نصبا -
قال ابن مالك: (وهو لعين أو معنى اسما أو وصفا).
وقدر ذلك بما يوقف عليه من كلامه 1:
والتزام أن قام، من قام زيد، عمدة لا يضر؛ لأن العمدة هنا المراد بها ما لا يستغنى عنه في التركيب الإسنادي، وقام: أحد ركني الإسناد.
البحث الثاني:
لقائل أن يقول: ما ذكره المصنف من المعارض في من التبعيضية، إنما يترتب على كونها لم يثبت اسميتها.
ولو ثبت لكانت كبعض في أنها إذا وليت إنّ كان اسما لها.
فكيف يحسن جعل ما يترتب وجوده على عدم ثبوت الاسمية، مانعا منها؟
فظهر أن جواز جعل من اسما لإنّ موقوف على ثبوت اسميتها، والمصنف عكس فجعل ثبوت اسميتها موقوفا على أنه لا يليها مع مجرورها بعد إنّ إلا الخبر 2.
واعلم أن العلامات اللفظية 3 مرجحة على المعنوية ولذلك حكم على وشكان وبطآن بالاسمية مع موافقتها في المعنى لوشك وبطؤ، وحكم على عسى بالفعلية لاتصالها بضمائر الرفع البارزة وتاء التأنيث الساكنة، مع موافقتها في المعنى للعلّ، نبه على ذلك المصنف 4.
قال ناظر الجيش: لما فرغ من ذكر علامات الاسم، أراد أن يذكر ما وضع له على سبيل الإجمال.
فالضمير في قوله: وهو، راجع إلى الاسم المرتفع بقوله: ويعتبر.
ومراده أن مدلول الاسم قسمان: عين ومعنى.
-