تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2563-2586

الباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئس

صفحات 2563-2586

................................  فكأنّه قيل: نعم المسمّون بهذا الاسم.
وقد جاء في الشّعر [3/ 102]: 2016 - بئس قوم الله قوم طرقوا... فقروا جارهم لحما وحر 1 مع أنّ نزع اللّام من الاسم المعظّم لا يجوز وأشدّ منه مجيء اسم الإشارة فاعلا لـ (بئس) قال الشاعر: 2017 - بئس هذا الحيّ حيّا ناصرا... ليت أحياءهم فيمن هلك 2 وفي هذا البيت الجمع بين الفاعل الظاهر والتمييز، ويحتمل أن يخرج البيت على ما خرج عليه «نعم عبد الله رجلا»، التقدير: بئس حيّا ناصرا هذا الحيّ، فلا يكون فيه إلا تقديم المخصوص على التمييز، والكوفيون لا يمنعون ذلك، والبصريون يجيزونه، على قبح.
- الشاهد في البيت قوله: «لا هيثم»؛ حيث نصب (هيثم) بـ (لا) النافية للجنس وهو اسم علم، وهي لا تعمل إلا في نكرة، ولا تدخل على العلم، ولذلك أول البيت، إما بتقدير مضاف، على أن (لا) نافية للجنس، واسمها محذوف، أي: مثل، وإما بتأويل العلم - وهو هيثم - باسم الجنس.
ينظر الشاهد في: الكتاب (2/ 296)، والمقتضب (4/ 362)، وابن الشجري (1/ 239)، والأشموني (2/ 4)، والهمع (1/ 645).

[أحوال وأحكام المخصوص بالمدح والذم]

قال ابن مالك: (ويدلّ على المخصوص، بمفهومي «نعم» و «بئس»، أو يذكر قبلهما، معمولا للابتداء، أو لبعض نواسخه، أو بعد فاعلهما، مبتدأ أو خبر مبتدأ، لا يظهر أو أول معمولي فعل ناسخ، ومن حقّه أن يختصّ ويصلح للإخبار به عن الفاعل، موصوفا بالممدوح بعد «نعم»، وبالمذموم بعد «بئس» فإن باينه أوّل، وقد يحذف، وتخلفه صفته اسما وفعلا وقد يغني متعلق بهما، وإن كان المخصوص مؤنثا جاز أن يقال: نعمت وبئست، مع تذكير الفاعل).
قال ناظر الجيش: قال المصنّف 1: المخصوص بمفهومي (نعم) و (بئس) هو للمقصود بالمدح، بعد (نعم)، وبالذّم بعد (بئس)، كزيد، وعمرو، في قولك: نعم الرجل زيد، وبئس القرين عمرو، وإذا كان مذكورا هكذا 2 فهو مبتدأ، مخبر عنه، بما قبله، من الفعل والفاعل، ولا يضرّ خلوّ الجملة من ضمير، يعود على المبتدأ؛ لأنّ الفاعل هو المبتدأ في المعنى، فلم يحتج إلى رابط؛ إذ هو مرتبط بنفسه، كما لا يحتاج إلى رابط، إذا كانت الجملة نفس المبتدأ، في المعنى، نحو: كلامي الله ربّنا 3. وأجاز سيبويه كون المخصوص خبر مبتدأ واجب الإضمار والأول أولى 4 بل هو عندي متعين لصحّته في المعنى وسلامته من مخالفة أصله بخلاف الوجه الثّاني، وهو كون المخصوص خبرا، فإنّه يلزم منه أن ينصب لدخول (كان)، إذا قيل: نعم الرجل كان زيد؛ لأنّ خبر المبتدأ - بعد دخول كان - يلزم النصب، ولم نجد العرب تعدل في مثل هذا إلى الرفع، فعلم أنه - قبل دخول (كان) - لم يكن خبرا، وإنّما كان مبتدأ ومن لوازم كونه خبرا قبل دخول (كان) أن يقال في «نعم الرجال الزيدون»: نعم الرجال كانوا الزيدين، وفي «نعم النساء الهندات»: نعم النساء كنّ الهندات.
ومن لوازم ذلك أيضا أن يقال إذا دخلت (ظننت) على «نعم الرجل زيد»: نعم الرجل ظننته زيدا، وأن يقال إذا دخلت (وجد) على «نعم -

................................  الرجلان أنتما»: نعم الرجلان وجدا إياكما، ولكنّ العرب لم تقل إلا: نعم الرجال كان الزيدون، ونعم النساء كانت الهندات، ونعم الرجل ظننت زيد، ونعم الرجلان وجدتما كما قال زهير 1: 2018 - يمينا لنعم السّيدان وجدتما... على كلّ حال من سحيل ومبرم 2 فعلم بهذا أنّ المخصوص لم يكن قبله ضمير، فيكون هو خبره، بل كان المخصوص مبتدأ مخبرا عنه بجملة المدح أو الذم ومن لوازم كون المخصوص خبرا جواز دخول (إن)؛ لأن الخبر، والمخبر عنه - عند من يرى صحة ذلك - جملة خبرية - أجيب بهما سؤال مقدر، وتوكيد ما هو كذلك بـ (إنّ) جائز، والجواز هنا منتف مع أنّه من لوازم الخبرية، فالخبرية إذا منتفية؛ لأنّ انتفاء اللازم يدلّ على انتفاء الملزوم، وأمّا على القول بأنّ المخصوص مبتدأ مقدم الخبر، فيلزم منه موافقة الواقع، وهو امتناع دخول (إنّ) إلا مع تقدم المخصوص كقولك في «زيد نعم الفتى»: إنّ زيدا نعم الفتى 3. وأجاز ابن عصفور أن يجعل المخصوص مبتدأ، محذوف الخبر، وهذا أيضا غير صحيح؛ لأنّ هذا الحذف ملتزم ولم تجد خبرا يلتزم حذفه، إلا ومحلّه مشغول -

................................  بشيء يسدّ مسدّه، كخبر المبتدأ بعد (لولا)، وهذا بخلاف ذلك، ولا يصحّ ما ذهب إليه ابن عصفور 1. والحاصل: أنّ المخصوص بالمدح والذّمّ لا يجب أن يصرّح بذكره، ولا أن يؤخر إذا ذكر، بل الواجب أن يكون معلوما، فإن ذكر، وأخّر، فهو إمّا مبتدأ، كما مضى، وإمّا مرفوع بـ (كان) أو (وجد) أو إحدى أخواتها أو أول مفعولي (ظن) أو إحدى أخواتها، والجملة قبل الفعل في موضع نصب به، خبرا، أو مفعولا ثانيا، وإن ذكر وقدّم، والجملة واحدة، فهو مبتدأ، أو أول معمولي (كان) أو (إنّ) أو (ظنّ) أو إحدى أخواتهنّ 2 فمن ذلك قول الشاعر: 2019 - إذا أرسلوني عند تعذير حاجة... أمارس فيها كنت نعم الممارس 3 ومثله: 2020 - لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا 4

................................  ومن ذلك قول زهير: 2021 - يمينا لنعم السّيدان وجدتما... على كلّ حال من سحيل ومبرم ومن ذلك قول الآخر: 2022 - إنّ ابن عبد الله نع... م أخو النّدى وابن العشيرة 1 ومثله: 2023 - إنّى إذا أغلق باب الصّيدن... نعم صنيع الزائر المستأذن 2 وإن ذكر وقدّم، والكلام جملتان، قدّر المخصوص مبتدأ مؤخرا، كقول الله تعالى: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ 3، وكقوله تعالى: وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ 4، وقول الشاعر: 2024 - إنّى اعتمدتك يا يزي... د ونعم معتمد الوسائل 5

    • ينظر الشاهد في: البحر المحيط (7/ 350)، واللسان «نزف»، والمحتسب لابن جني (2/ 308)، والهمع (2/ 86)، والدرر (2/ 114).

................................  أراد: ونعم معتمد الوسائل أنت، ومن حقّ المخصوص بالمدح، أو الذمّ أن يكونا معرفة، أو مقاربا لها بالتخصيص، نحو: نعم الفتى رجل من بني فلان، ونعم العمل طاعة، وقول معروف، ومن حقّه أيضا أن يصلح الإخبار به عن الفاعل، موصوفا بالممدوح بعد (نعم) كقولك في «نعم الرجل زيد»: الرجل الممدوح زيد، وبالمذموم بعد (بئس) كقولك في «بئس الولد العاقّ أباه»: الولد المذموم العاقّ أباه 1. فإن ورد ما لا يصلح جعله خبرا عن الفاعل أوّل، وقدّر بما يردّه إلى ما حقّه أن يكون عليه 2، فمن ذلك قوله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ 3. فلو حذفت بِئْسَ وأخبرت ب الَّذِينَ عن مَثَلُ الْقَوْمِ لم يجز فوجب لذلك التأويل، إمّا بجعل الَّذِينَ [3/ 103] في محلّ جرّ نعتا لـ الْقَوْمِ، وجعل المخصوص محذوفا، وإما بجعل الَّذِينَ هو المخصوص، على تقدير: بئس مثل القوم مثل الذين، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، في الرفع بالابتداء 4، كما ينبغي في المخصوص، الجاري على الأصل، وإلى هذا وشبهه أشرت بقولي: فإن باينه أوّل، ثم قلت: وقد يحذف.
فنبّهت على أنّ مخصوص (نعم)، و (بئس) قد يحذف، وتقام صفته مقامه، وأنّ ذلك قد يكون والصفة اسم، كقولك: نعم الصديق حليم كريم، وبئس الصاحب عزول خذول.
ويكثر ذلك إذا كانت الصفة فعلا، والفاعل (ما)، كقوله تعالى: بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ 5، وكقوله تعالى: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ 6. ويقلّ إذا لم يكن الفاعل (ما) كقولك: نعم الصاحب تستعين به فيعينك، والتقدير: نعم الصاحب صاحب تستعين به فيعينك، ومنه قول الشّاعر: - - ينظر الشاهد في: ديوان الطرماح بن حكيم ص 374 تحقيق د/ عزة حسن، منشورات وزارة الثقافة (1388 هـ/ 1968 م)، والتذييل والتكميل (4/ 526)، والعيني (4/ 11).

................................  2025 - لبئس المرء قد ملئ ارتياعا... ويأبى أن يراعي ما يراعى 1 وجاز هذا في المبتدأ، كما جاز في غيره من المبتدآت، كقول الشّاعر: 2026 - وما الدّهر إلّا تارتان فمنهما... أموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح 2 وكما جاز في المضاف إليه، كقول الشّاعر: 2027 - لكم مسجدا الله المزوران والحصى... لكم قبصه من بين أثرى وأقترا 3 والتقدير: لبئس المرء امرأ قد ملئ ارتياعا، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وكذا فعل في البيت الثاني، والثالث، والأصل: فمنهما تارة أموت فيها، وما بين من أثرى، ومن أقتر، فحذفت (من) وهي نكرة موصوفة، مضاف إليها، وأقيمت الصفة مقامها، وقد يحذف الموصوف وصفته ويبقى ما يتعلق بهما، كقوله: 2028 - بئس مقام الشيخ أمرس أمرس... إمّا على قعو، وإمّا اقعنسس 4

................................  أي بئس مقام الشيخ مقام مقول فيه: أمرس أمرس، وإن كان الفاعل مذكر اللفظ، والمخصوص مؤنثا، جاز أن يقال: نعمت وبئست، مع كون الفاعل عاريا من التأنيث؛ لأنهما في المعنى شيء واحد، إلّا أنّ ترك التاء أجود كقوله تعالى: نِعْمَ الثَّوابُ 1 ولو قيل: نعم الثواب الجنّة؛ لكان جيّدا، كقوله: 2029 - نعمت جزاء المتّقين الجنّة... دار الأماني والمنى والمنّه 2 ومثله: 2030 - أو حرّة عيطل ثبجاء مجفرة... دعائم الزّور نعمت زورق البلد 3 ومثله: 2031 - نعمت كساء الضّجيع شهلة فضل... غرّاء بهكنة شنباء عطبول 4

    • أن يطأطئ ظهره يريد أن يخلصه.
      والشاهد في البيت: قوله: «بئس مقام الشيخ أمرس أمرس» وهو شاهد على حذف المخصوص وصفته، وبقاء متعلقهما، وهذا قليل، أبقى مقول القول.
      ينظر الشاهد أيضا في مجالس ثعلب (1/ 213)، والتذييل والتكميل (4/ 548)، والإنصاف (1/ 76)، وشرح الشاطبي (4/ 223).

................................  انتهى كلام المصنف، رحمه الله تعالى 1، وتضمّن الإشارة إلى أمور أربعة وهي: أنّ المخصوص بالمدح أو الذمّ لا بدّ من ذكره، إما قبل فعلي المدح والذّم، وإمّا بعد فاعلي الفعلين المذكورين، إلّا أن يدلّ عليه دليل، في كلام سابق، على الكلام المتضمّن للمدح، أو الذّم، فيجوز ألّا يذكر حينئذ، وأنّ من حقّه أن يختصّ، ويصلح للإخبار به عن الفاعل بالطريق الذي ذكره، وأنّه قد يحذف فتخلفه صفته، أو المتعلق بها، وأنّه إذا كان مؤنثا جاز إلحاق الفعل أعني (نعم) أو (بئس) تاء التأنيث، مع كون الفاعل مذكّرا.
إذا عرف هذا فلنذكر أبحاثا: الأول: أنّ المراد بقوله: ويدلّ على المخصوص أنّ الدلالة عليه تستفاد من كلام سابق على جملتي المدح، والذمّ، بأن يكون مذكورا في ذلك الكلام المتقدم، كقوله تعالى: وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ 2 التقدير: فنعم الماهدون نحن، وكقوله تعالى: فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ 3 أي: نحن، وقوله تعالى: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ 4 أي: أيّوب، أمّا إذا ذكر متقدّما منضمّا إلى إحدى الجملتين، نحو: زيد نعم الرجل فهو المخصوص نفسه، ولكنه قدم ولا يحتاج - على هذا - أن تقدّر بعد الفاعل شيئا محذوفا، يكون هو المخصوص؛ لأنّه قد ذكر متقدما، لكن قد يقتضي قول المصنف المتقدم نقله عنه: وإن ذكر - يعني المخصوص - وقدم والجملة واحدة؛ أنّه - مع ذكره متقدّما - قد لا يجعل هو المخصوص، حيث لا تكون الجملة واحدة، وذلك بأن يكون الكلام جملتين إحداهما الملفوظ بها، والأخرى مقدرة، فتكون تلك المقدرة هي المشتملة على المخصوص، وحينئذ فيقدّر المخصوص مؤخّرا، - - اللغة: شهلة: النّصف العاقلة، خاص بالنساء، فضل: في القاموس مادة «فضل»: وامرأة فضل متفضلة في ثوب واحد.
اه.
البهكنة: المرأة الغضة النعمة، شنباء - من الشنب محركة -: رقة وبرد وعذوبة في الأسنان، عطبول: المرأة الفتية الجميلة الممتلئة والطويلة العنق.
اه.
والشاهد في البيت: قوله: «نعمت كساء الضجيع شهلة»؛ حيث أنّث (نعم) فألحقه التاء مع تذكير فاعلها (كساء الضجيع)؛ لأنه مؤنث المعنى.
ينظر الشاهد في: التذييل والتكميل (4/ 549)، ومنهج السالك (ص 400).

................................  وينوى له مبتدأ يكون هو خبرا عنه، فإذا قلنا: زيد نعم الرجل، كان التقدير: زيد نعم الرجل زيد، أي: هو زيد، فـ (زيد) الثاني هو المخصوص، وهو خبر مبتدأ مقدّر، وعلى هذا لا يكون (زيد) الذي ذكر أولا هو المخصوص، وقد قدّم، وإنّما هو دالّ على المخصوص المقدّر، هذا الذي فهمته من قوله: وإن ذكر، وقدّم، والجملة واحدة.
ولو لم يكن مراده ذلك فأيّ فائدة لقوله: والجملة واحدة، فإن قيل: يدفع أن يكون هذا مراده أنّه قد أبطل قول من يقول: إنّ المخصوص في نحو قولنا: نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف، وما قررته يلزم منه القول بذلك، فكيف تقرر كلام الرجل على وجه هو لا يراه صحيحا؟ أجيب عن ذلك: بأنّه في نحو: «نعم الرجل زيد» يجعل (زيد) هو المبتدأ والجملة المتقدمة هي الخبر وإذا أمكن جعله مبتدأ مؤخرا، وما قبله خبر عنه، فأيّ حاجة تدعو إلى أن يجعل خبرا لمبتدأ محذوف لو سلّم ما يمنع ذلك؟ فكيف وقد ذكر أنه له موانع؟! أما في نحو قولنا: زيد نعم الرجل، إذا قدرنا المخصوص، وجعلناه محذوفا، فرّبما يتعذر جعله مبتدأ، مخبرا عنه بما قبله لأنّه لا معنى لقولنا: «زيد نعم الرجل» إلا: زيد نعم الرجل.
و «زيد نعم الرجل» كاف في المقصود، فلا فائدة في تقدير مبتدأ آخر، هو بلفظ المبتدأ الموجود.
أو يقال في الجواب: لا يلزم من كون المصنّف لا يرى ذلك أعني كون المخصوص، في قولنا: «نعم الرجل زيد» خبر مبتدأ مقدّر أن يمتنع رأينا، كيف وهو قول النحاة قاطبة؟ فليكن كون المخصوص المذكور مؤخرا خبر مبتدأ محذوف أمرا مقبولا معمولا به.
البحث الثاني: قد عرفت قول المصنّف بعد أن مثل بـ: «نعم الرجل زيد»، و «بئس القرين عمرو» وإذا كان مذكورا هكذا، يعني المخصوص، حيث يذكر مؤخرا [3/ 104] فهو مبتدأ، مخبر عنه بما قبله، من الفعل والفاعل، ولا يضر خلوّ الجملة من ضمير يعود على المبتدأ؛ لأنّ الفاعل هو المبتدأ في المعنى، فلم يحتج إلى رابط؛ إذ هو مرتبط بنفسه، كما لم يحتج إلى رابط؛ إذا كانت الجملة نفس المبتدأ في المعنى نحو: «كلامي الله ربّنا».
وهذا منه يقتضي أنّ الرّبط في هذا التركيب ربط بالمعنى، والمعروف أن سيبويه لا يجيزه، ولم يعرف من المصنف التصريح بجوازه، -

................................  حيث ذكر الروابط في باب المبتدأ ثم إنّ قوله: لأنّ الفاعل هو المبتدأ في المعنى.
يقتضي أن اللّام للعهد، والأصحّ أنّ اللّام للجنس، وهو قول الجمهور وقد قال هو في الألفية: والحذف في (نعم الفتاة) استحسنوا... لأنّ قصد الجنس فيه بيّن فصرّح بأنّ الجنس مراد، ومتى كان الجنس مرادا، امتنع أن تكون اللام للعهد، والمعروف المشهور أنّ الربط في نحو: «زيد نعم الرجل» إنّما حصل بالعموم، كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ 1 وذكر الشيخ - في شرحه في الرابط، في مثل: (زيد نعم الرجل) - عن النّحاة مذاهب أربعة 2: أحدها: هذا الذي ذكرناه، وهو العموم، قال: وهو مذهب الجمهور.
ثانيها: أن الرّبط حصل بتكرير المبتدأ، باسم، هو المبتدأ، من حيث المعنى كما هو مذهب الأخفش، وهو قول من يرى أنّ اللام للعهد.
ثالثها: لابن السّيد، أنّ الرابط محذوف، والتقدير: زيد هو نعم الرجل، وفيه نظر؛ لأنّ الربط - وإن حصل لـ (زيد)، فأين الرابط الذي يربط (نعم الرجل) بالضمير الذي الجملة خبر عنه؟ 3. رابعها: لابن الطراوة، وهو أنّ (نعم الرجل) متحمل ضمير الاسم الذي هو المبتدأ.
وهذا بناء منه على أنّ (نعم الرجل) صار بجملته اسما، بمعنى الممدوح، فيتحمل الضمير الذي يتحمله الممدوح، أو الضمير الذي يتحمله المذموم 4، ولا يخفى أنّ هذا المذهب لا ينبغي عدّه؛ لأنّه مبنيّ على مذهب باطل مردود 5. وأمّا ما -

................................  ذهب إليه ابن السيد فقد عرفت ما فيه 1 فلم يبق إلا المذهبان الأوّلان لكن المشهور هو الأول منهما، وقد عرفت أنّ كلام المصنّف يعطي أنّه قائل بالثّاني، ولا أظنّ أن يقول بذلك، أعني أنّ اللام للعهد، والظاهر بل الذي يقطع به أنّ اللام عنده للجنس، وإذا كان كذلك فينبغي تدبّر كلامه، والرجوع به إلى ما يوافق ما هو قائل به.
البحث الثالث: ما ألزم المصنف به القائل بأنّ المخصوص في نحو: «نعم الرجل زيد» يجوز كونه خبر مبتدأ، واجب الإضمار، غير ظاهر، أما كونه كان يلزم نصبه لدخول (كان) إذا قيل: «نعم الرجل كان زيد»، وأنه كان يلزم أيضا أن يقال في «نعم الرجال الزيدون» - إذا دخلت كان -: نعم الرجال كانوا الزيدين، وفي «نعم النساء الهندات»: نعم النساء كنّ الهندات، وأنّه كان يلزم أن يقال إذا دخلت ظننت على «نعم الرجل زيد»: نعم الرجل ظننته زيدا وأن يقال إذا دخلت وجد على «نعم الرجلان أنتما»: نعم الرجلان وجد إياكما لكنّ العرب لم تقل إلا: نعم الرجال كان الزيدون، ونعم النساء كانت الهندات، ونعم الرجل ظننت زيدا، ونعم الرجلان وجدتما، كما قال زهير: 2032 - يمينا لنعم السّيّدان وجدتما... على كلّ حال من سحيل ومبرم فالجواب عن جميع ما ألزم به شيء واحد، وهو أنّ نواسخ الابتداء لا تدخل على مبتدأ واجب الحذف، وإذا كان الأمر كذلك وجب عند دخول الناسخ على نحو: «نعم الرجل زيد»، و «بئس الرجل عمرو» أن يكون المخصوص مبتدأ لتصحّ مباشرة الناسخ له، والجملة قبله في موضع الخبر، وصار الوجه الآخر الذي كان جائزا قبل دخول الناسخ - وهو كون المخصوص خبرا لمبتدأ محذوف - ممتنعا حينئذ؛ لعدم صلاحية مباشرة الناسخ له، ولا يلزم من امتناعه عند دخول الناسخ لأمر اقتضاه حال الناسخ أن يكون ممتنعا حين لا ناسخ يباشره، ومن هذا التقرير يعلم أنّ الناسخ الذي هو (إنّ) لا يصحّ دخوله على هذا التركيب عند تأخر المخصوص، -

................................  أمّا على القول بأنه مبتدأ فلأن (خبر) إنّ لا يتقدم على اسمها، إذا كان خبرا لمبتدأ محذوف، فلما عرفت أنّ الناسخ لا يدخل على مبتدأ واجب الحذف غير ظرف أو جارّ ومجرور.
نعم، قد ذكر الشيخ في شرحه 1 - عن ابن الباذش 2 - أنه قال: لا يجيز سيبويه أن يكون المخصوص بالمدح والذّمّ إلا مبتدأ، في: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، كما كان في: زيد نعم الرجل، وعمرو بئس الرجل، وتكون الجملة في موضع رفع وذلك أنّ (نعم) و (بئس) لا يتمّ المعنى المقصود بهما إلا باجتماع المختصّ بالمدح، والذم مع الجنس الذي هو منه فلا يتقدر على هذا إلا مبتدأ، كما لا يتقدر مذهب أخوه زيد إلا مبتدأ، ويدلّ على فساد الوجه الآخر أن الاسم المختصّ بالمدح أو الذّم يجوز حذفه، فإن كان خبر المبتدأ محذوفا، ثم حذف هو أدى إلى حذف الجملة كلها، وذلك غير جائز.
قال: ولهذا يقوي أبو الفتح كونه لا يكون إلّا مبتدأ 3. قال سيبويه: وأما قولهم: نعم الرجل عبد الله، فهو بمنزلة «عبد الله ذهب أخوه» 4 فسوّى سيبويه بين التركيبين، تأخير المخصوص وتقديمه.
ثمّ قال سيبويه: كأنّه قال: نعم الرجل، فقيل له: من هو؟ فقال: عبد الله، وإذا قال: عبد الله قيل له: ما شأنه؟ فقال: نعم الرجل 5. هذا نصّ سيبويه.
قالوا: فلم يرد بقوله: «من هو؟» أنّ الكلام على جملتين إذا تأخر المخصوص، كما لم يرد ذلك إذا قال: عبد الله، فكأنّه قيل له: ما شأنه؟.
فقال: نعم الرجل؛ لأنّ (عبد الله) حالة التقديم يستحيل أن يكون جملة، وإنّما أرادوا أنّ تعلق المبتدأ بالخبر، والخبر [3/ 105] بالمبتدأ تعلق لازم، فإذا بدأت بالمبتدأ احتجت إلى خبر، -

................................  وإذا بدأت بالخبر احتجت إلى مبتدأ؛ لأنّ ذلك على جملتين، ومن ثمّ علم أنّ سيبويه لا يقول - في نحو: «نعم الرجل زيد» - بأنّ المخصوص خبر مبتدأ محذوف فلا يصحّ نسبة ذلك إليه، فإن قيل: كيف قال المصنف: وأجاز سيبويه كون المخصوص خبر مبتدأ واجب الإضمار؟ أجيب بأن المصنف عدل عارف بما ينقله، فربّما فهم هذا من نصّ آخر لسيبويه في غير هذا الباب، أو أخذه من ظاهر قوله؛ إذ قال: نعم الرجل، فقال: من هو؟ قال: عبد الله.
فإن ظاهر هذا الكلام يعطي أنّ (عبد الله) جواب، ولا يصحّ كونه جوابا إلّا بتقدير مبتدأ قبله.
واحتجّ ابن عصفور على أنّه لا يلزم فيه كونه مبتدأ، والجملة خبرا 1 أعني في نحو: نعم الرجل زيد، يقول العرب: نعم البعير جمل، ونعم الإنسان رجل، ونعم مالا ألف، ومنه قوله - عليه الصلاة والسّلام -: «نعم المال أربعون» 2، فـ (أربعون) و (ألف)، و (رجل)، و (جمل) أخبار لمبتدآت مضمرة، ولا يجوز أن تكون مبتدآت وما قبلها خبر لها، إذ لا مسوغ للابتداء بها، وإذا ثبت جعله خبر مبتدأ محذوف لفهم المعنى فلا مانع من جواز جعله مبتدأ والخبر محذوف لفهم المعنى 3، قال الشيخ: وما ذكره من أنه لا مسوغ غير صحيح، بل ثمّ مسوّغان: أحدهما: ذكره هو في باب المبتدأ والخبر، وهو أن تكون النكرة لا تراد لعينها، نحو: رجل خير من امرأة، وتمرة خير من جرادة 4 والنكرات التي مثّل بها مع (نعم) وفاعلها لا يراد شيء منها لعينه، وإنّما حكم على واحد من الجمال بأنه نعم -

................................  البعير، وعلى واحد من الألف بأنه نعم المال 1. والمسوغ الآخر: ذكره غيره، يعني بغيره: صاحب التسهيل، وهو المصنف - رحمه الله تعالى - وهو أنه إذا كان الخبر جملة مشتملة على فائدة جاز تنكير المبتدأ، ولكن يجب تأخيره، وذلك نحو: قصدك غلامه رجل [فإنه يجوز] كما يجوز: عندك رجل، وفي الدّار امرأة 2 وعلة ذلك قد ذكرت في باب المبتدأ [لأنّ في تقديم الجملة ما في تقدّم الظرف، من رفع توهّم الوصفيّة، مع عدم قبول الابتداء] ولا شكّ أنّ الأمر في نحو: نعم البعير جمل، كذلك، إلا أنّه لا يجوز تقديم هذا المبتدأ؛ لأنّ تقديم الخبر هو المسوغ للابتداء به.
وإنّما ذكرت هذا الذي ذكرته ليظهر أنّ ما ذهب إليه المصنف من أنّ المخصوص حال ذكره بعد الجملة مبتدأ مخبر عنه بها، كحاله إذا كان مذكورا قبلها، هو الحقّ، وإن كان ما ألزم به المخالف لهذا المذهب لم يثبت؛ إذ لا يلزم من إبطال دليل على شيء إبطال ذلك الشيء نفسه، فقد يكون له دليل آخر.
البحث الرابع: ما ذهب إليه ابن عصفور، من أنّ المخصوص في نحو: نعم رجلا زيد، يجوز كونه مبتدأ محذوف الخبر، قد عرفت أنّ المصنّف ردّه من جهة الصناعة بما تقدّم ذكره، وقد يضعف قول ابن عصفور من وجه آخر، وذلك أنّ الشيء قد يكون له أمران، وذانك الأمران معروفان في أصلهما للسامع، لكنّه عالم باتصاف ذلك الشيء بأحد الأمرين دون الآخر.
فالمتكلم - حينئذ يجب أن يعمد إلى الأمر الذي يعلم السامع أنّه ثابت لذلك الشيء، فيجعله مبتدأ، ويعمد إلى الأمر الذي لا يعلم السامع أنّه كذلك، فيجعله خبرا، ليفيد السامع ما كان يجهله، من ثبوت الأمر الثاني لذلك الشيء، وإذا كان كذلك فلا شكّ أنّ قصد المتكلّم بنحو: «نعم الرجل زيد» الإخبار بأنّ الممدوح هو زيد؛ لأنّ السامع قد علم من (نعم الرجل) ثبوت المدح لواحد، وكونه (زيدا) -

................................  أو غيره مجهول عنده، فوجب أن يجعل مجهوله الخبر، فقدر: الممدوح زيد، ولو جعل (زيد) مبتدأ لكان التقدير: زيد الممدوح، فينعكس المراد.
البحث الخامس: مقتضى كلام الأئمة، وتمثيلهم بـ (إنّ زيدا) من قولنا: زيد نعم رجلا؛ مبتدأ مخبر عنه بالجملة بعده، كما هو في قولنا: زيد نعم الرجل، وفي ذلك بحث، وهو أنّ الجملة الواقعة خبرا لا بدّ فيها من رابط، يربطها بالمبتدأ وليس هنا ما يصلح للربط إلّا الضمير، لكنّ هذا الضمير مجهول، مفسر بما بعده، ولهذا كان ذكره مفسّره واجبا، وإذا كان مفسّرا بما بعده، فليس عائدا على زيد، الذي هو المبتدأ، وإذا كان كذلك فلا يكون في الجملة على هذا رابط.
وهذا الموضع ما برحت أستشكله، والذي يظهر أن يقال: إنّهم قد قالوا: إنّ الضمير في قولنا: «نعم رجلا زيد» يراد به الجنس كما أنّ الفاعل الظاهر يراد به ذلك، فإن صحّ هذا فالضمير في نحو: زيد نعم رجلا، ليس عائدا على زيد، وإنّما هو باق على مجهوليته وعلى هذا يكون الرابط العموم الذي في الضمير، من حيث أريد به الجنس، ولا يظهر لي في توجيهه غير هذا، لكن في دعوى أنّ الضمير أريد به الجنس نظر، وهو أنّ الاسم المفرد المذكور بعده الذي هو (رجلا) مفسر له، ولا شكّ أنّ مدلول المفسّر والمفسّر واحد، وإذا كان مدلولهما واحدا، وجب أن يكون المراد بالضمير ما أريد بـ (رجل) المذكور بعده وحينئذ يتعذر إرادة الجنس بذلك الضمير.
البحث السادس: ناقش الشيخ المصنف في أمرين: أحدهما: قوله في المخصوص: ومن حقه أن يختصّ، قال: يردّ على ما قال قولهم: نعم البعير جمل، ونعم الإنسان رجل، ونعم مالا ألف، ونعم المال أربعون، قال: فهذه مخصوصات، ولم يختصّ 1. -

................................  ثانيهما: قوله في المخصوص - أيضا - إنّ من حقّه أن يصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفا بالممدوح بعد (نعم)، وبالمذموم بعد (بئس).
«قال: فإنّ هذا الذي ذكره لا يسوغ، إذا كان المرفوع بـ (نعم، وبئس) المضمر، فإنّ ما ذكره لا يصلح فيه، إنما يعتبر ذلك في التمييز فإنّ قولنا: (نعم رجلا زيد) يسوغ فيه: الرجل الممدوح 1 زيد.
انتهى.
والجواب عن الأوّل: أنّ المراد بكونه مختصّا، أن يعلم ما أريد به لتحصل الفائدة سواء كان خاصّا [3/ 106] أم عامّا، وهو قد سوغ الابتداء بهذه الكلمات، حيث ردّ على ابن عصفور، ومتى ساغ الابتداء بشيء، وجب أن يكون مختصّا 2. وعن الثاني: أنّ من المعلوم أنّ الضمائر لا توصف مع بروزها، فكيف مع كونها غير بارزة، ولا شكّ أنّ الضمير الذي هو فاعل، مفسر بالتمييز، والمفسّر هو نفس المفسّر، فإذا أخبرنا بالمخصوص عن مفسّر الفاعل، فقد أخبرنا عن الفاعل، ثمّ قد عرفت أنّ المصنف ختم كلامه بمسألة، وهي أنّه يجوز أن يقال: (نعمت، وبئست) مع تذكير الفاعل، إذا كان المخصوص مؤنثا وأنّ ترك التاء أجود، ولم يحتج أن يذكر عكس هذه الصّورة، كما فعل ابن عصفور، وهو أن يحذف التاء - مع تأنيث الفاعل - إذا كان المخصوص مذكّرا، كقولك: نعم الدار هذا البلد؛ لأنّ حذف التاء مع (نعم، وبئس) جائز إذا كان الفاعل مؤنثا، مع كون المخصوص مؤنثا، كقولك: نعم الفتاة هند كما عرف ذلك في باب الفاعل 3، وأما إثبات التاء مع تذكير الفاعل، إذا كان المخصوص مؤنثا، فهو المحتاج إلى ذكره؛ لأنّه لم يتقدم له ذكر قبل.
- والمصنف قد قال: ومن حقّه وهو مشعر بأنه قد يجيء على خلاف ذلك».
اه.

[الأفعال المحولة للمدح والذم]

قال ابن مالك: (وتلحق «ساء» بـ «بئس» وبها وب «نعم» «فعل» موضوعا أو محوّلا من «فعل»، أو «فعل»، مضمّنا تعجّبا، ويكثر انجرار فاعله بالباء، واستغناؤه عن الألف واللام، وإضماره على وفق ما قبله).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: يقال: ساء الرجل أبو لهب، وساءت المرأة حمالة الحطب، وساء رجلا هو، وساءت امرأة هي - بإجراء (ساء) مجرى (بئس) في كلّ ما ذكر 2، وكذلك استغني بـ (ساء) عن (بئس) في قوله تعالى: ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ 3، وأجري باطراد مجرى (نعم وبئس) ما كان على (فعل) مضمّنا تعجبا، نحو: حسن الخلق حلم الحلماء، وعظم الكرم تقوى الأتقياء، وقبح العمل عناد المبطلين، وشنعت الوجوه وجوه الكافرين 4، ومنه: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ 5 وقرئ بسكون الباء، فهذا من أمثلة (فعل) الموضوع، وأما أمثلة المحوّل من (فعل) أو (فعل) فمنهما قول العرب، قضو الرجل فلان، وعلم الرجل فلان، بمعنى: نعم القاضي هو، ونعم العالم هو، وفيه معنى: ما أقضاه وما أعلمه، ولا يقتصر في هذا النوع على المسموع، كما لم يقتصر في التعجب، ولكون (فعل) المذكور مضمّنا تعجّبا استحسن فيه ما لم يستحسن في (نعم) من جرّ فاعله بالباء حملا على (أفعل) في التعجب، ومن كثرة مجيئه مستغنيا عن الألف واللّام، ومضمرا، ومطابقا لما قبله.
فإذا قيل: حسن زيد رجلا؛ نزّل منزلة أحسن بزيد رجلا، وإذا قيل 6: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً 7؛ نزّل منزلة: ما أحسن أولئك رفيقا، وإذا قيل: -

................................  الزيدون كرموا رجالا؛ نزّل منزلة: الزيدون ما أكرمهم رجالا، فهذا سبب استحسان ما استحسن مع (فعل) المذكور، ممّا لم يستحسن مع (نعم، وبئس) ويحتمل قوله تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً 1 أن يكون مثل: «نعمت امرأة هند» على تقدير: كبرت الكلمة كلمة، وهو قول ابن برهان 2، وأن يكون فاعل كَبُرَتْ ضميرا يرجع إلى اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً 3 وهو قول الزمخشريّ في الكشاف 4. انتهى كلام المصنف - رحمه الله تعالى - ويتعلق به أبحاث: الأوّل: انتقد الشيخ على المصنّف أمرين 5: أحدهما: إفراد (ساء) بالذّكر وهي فرد من أفراد (فعل) المجرى مجرى (بئس، ونعم)، و (ساء) - في الأصل - فعل متعدّ إلى واحد، متصرف، على وزن (فعل) بفتح العين، تقول: ساء الأمر زيدا، يسوءه، فحوّل إلى (فعل) بضمّ العين؛ لما في ذلك من المبالغة.
قال: فهو مندرج تحت قوله: أو محوّلا من (فعل) فإفراده بالذكر لا وجه له.
ثانيهما: قوله: إنه استغني بـ (بئس) عن (ساء) في قوله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ 6، قال: وليس هذا استغناء؛ لأنّ ما جاء على الأصل لا يقال فيه ذلك، نعم، يقال: استغني بـ (ساء) عن بئس؛ لأنّها ضمّنت معنى (بئس) فأمّا (بئس) -

................................  فلم تضمّن معنى (ساء).
انتهى.
والجواب عن الأول أن يقال: لا نسلّم أنّ «ساء الرجل زيد» محوّل من «ساء الأمر زيدا»، بل اللازم غير المتعدّي، فـ (ساء) من «ساء الرجل زيد» فعل أصلا، ليس محولا من (ساء) المتعدّي ويدلّ على ذلك أنّ (ساء) من «ساء الأمر زيدا» ليس معناه الذمّ، إنّما معناه أنّه أحزن زيدا، أو آلمه، أو شوش عليه، أو نحو ذلك، وقد يكون ذلك الأمر الذي شوش على زيد، حسنا في نفسه، بالنسبة إلى غير زيد بل قد يسرّ الغير أيضا ومعنى (ساء) من «ساء الرجل فلان» القبح، والفحش ومن ثمّ كان معناه الذمّ، وإذا كان كذلك فكيف يحكم بأنه محوّل من (ساء) المتعدّي.
وأمّا الجواب عن الثّاني: فإنّ معنى قول المصنف: استغني بـ (بئس) عن (ساء) وقوله أولا: استغني بـ (ساء) عن (بئس) أنّ كلّا منهما أوقع موقع الآخر؛ لأنّ معناهما واحد، ثم إنّ المصنف لم يمثّل لذلك بما أورده الشيخ 1. إنما مثل بقوله تعالى: بِئْسَ الشَّرابُ (2) ولا شكّ أنّ تمام الآية الشريفة: وَساءَتْ مُرْتَفَقاً 2؛ فكأنّه قد قيل: ساء الشراب، وساءت مرتفقا 3. البحث الثاني: مقتضى كلام المصنّف أنّ تحويل الفعل المقصود إلحاقه بـ (نعم، وبئس) إلى (فعل) لا بدّ منه، كائنا ما كان، ولذا مثّل بـ (علم الرجل) لكن لمّا ذكر ابن عصفور هذه المسألة، قال: كلّ فعل ثلاثيّ يجوز فيه أن يبنى على (فعل) بضمّ العين، ويراد به معنى المدح أو الذّمّ، استثنى ثلاثة أفعال وهي: علم، وجهل، وسمع، بمعنى أنها لا تحول إلى (فعل) بل تستعمل على صيغها مرادا بها ما يراد بـ (نعم، وبئس)، وتصير (حينئذ) لازمة، فيقال: علم الرّجل زيد، وجهل الرّجل عمرو، وسمع الرجل عمر، إذا أرادوا المبالغة في علمه، وجهله، وسماعه 4 وفي ارتشاف الضرب للشيخ، كذا قال الكسائي: إنّه يجوز أن يبنى على (فعل) إلا في هذه الأفعال الثلاثة: قال: ومن -

................................  النحويين من أجاز فيها - سمع، وعلم، وجعل بضمّ العين. انتهى 1. قلت: وإذا كان ذلك جائزا خلص المصنف من أن يستدرك [3/ 107] عليه تمثيله بعلم. ثمّ إنّ ابن عصفور قيد الفعل الذي يحوّل إلى صيغة (فعل) بأن يكون من الأفعال التي يجوز التعجب منها، مستندا في ذلك إلى ما حكاه الأخفش من أنّ العرب لا تفعل ذلك إلّا في الأفعال التي يجوز التعجب منها بقياس، وقال ابن عصفور 2: إلا أنّ منهم من يجريه مجرى (نعم، وبئس) فيجعل فاعله كفاعلها، لما تضمّنه من معنى المدح أو الذمّ، ومنهم من لا يجريه مجراهما، فلا يلزم إذ ذاك أن يكون فاعلها كفاعل (نعم وبئس) رعيا لما فيه من معنى التعجّب، ولهذا يجوز زيادة الباء في فاعله؛ لأنها تزاد في فاعل فعل التعجّب دلّ ذلك على أنّه حكم له بحكم (أفعل به)؛ لأنّه بمعناه. هذا كلام ابن عصفور. وقد قال المصنف: ولكن (فعل) المذكور مضمّنا تعجّبا استحسن ما لم يستحسن في (نعم) من جرّ فاعله بالباء، حملا على (أفعل) في التعجّب فوافق كلامه كلام ابن عصفور. وقال الشيخ: هذان مذهبان للنحاة؛ مذهب الأخفش، ما ذكر عنه من إجازة الاستعمالين، ووافقه المبرّد، قال: ومذهب الفارسيّ، وأكثر النحويّين إلحاقه بباب (نعم، وبئس) فقط 3، والدليل على استعمال فاعل (فعل) مجرورا بالباء ما حكاه الكسائيّ عن العرب، مررت بأبيات جاد بهنّ أبياتا وجدن أبياتا 4، وقال الشاعر: 2033 - حبّ بالزّور الذي لا يرى... منه إلّا صفحة أو لمام 5

................................  2034 - لحبّ بنار أوقدت بين محلب... وفردة لو يدنو من الحبل واصله 1 وقال الآخر: 2035 - يضيء سناه الهضب هضب متالع... وحبّ بذاك البرق لو كان دانيا 2 وقال الآخر: 2036 - سرت تخبط الظلماء من جانبي قسا... وحبّ بها من خابط اللّيل زائر 3 وقال الآخر: 2037 - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها... وحبّ بها مقتولة حين تقتل 4

    • مصدر، صفحة كل شيء: جانبه، واللمام: الشعر يجاوز شحمة الأذن، والمراد: اللقاء اليسير.
      والشاهد في البيت: قوله: «حب بالزور» فقد زاد الباء في الفاعل حملا على أحبب بالزور.
      ينظر الشاهد في: ديوان الطرماح (ص 393) تحقيق د/ عزة حسن (1388 هـ)، وشرح التصريح (2/ 99)، والهمع (2/ 89)، والدرر (2/ 119)، والعيني (4/ 15)، والأشموني (3/ 39).

................................  وقال الآخر: 2038 - بكت عيني وحقّ لها بكاها... وما يغني البكاء ولا العويل 1 البحث الثالث: في الإشارة إلى كيفية بناء: (فعل) جاريا مجرى (نعم، وبئس) أو مرادا به التعجّب 2 - لا شكّ أنّ الفعل إذا كان صحيح العين واللام، فأمره واضح، يقال: حسن الوجه وجهك، ويجوز تسكين العين، كما يجوز ذلك في غير هذا الباب، وأمّا نقل حركة العين إلى الفاء، فقالوا: إن أجريته مجرى (نعم) جاز وإن أجريته مجرى فعل التعجب لا يجوز إلا إن كان مضعفا فيجب الإدغام، ويجوز النقل نحو: لحب الرجل زيد، ويجوز ألّا تنقل، فيقال: لحب الرجل، وإن كانت العين معتلة - فإنّه يلزم قبلها ألفا، لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، فيقال: لجار الرجل زيد، وإن كان معتلّ العين واللام فإن كانا واوين، فإنك تقلب ضمة العين كسرة، والواو التي هي لام ياء، استثقالا للواوين، والضّمة، فيقال: لقوي الرجل عمرو، وإن كانت العين واوا، واللام ياء، قلبت الياء واوا لتطرّفها وانضمام ما قبلها.
فيجتمع حينئذ واوان وضمة، وتنقل الكلمة، فتقلب الضمة كسرة، وتعود الواو - - «قتل»، والأشموني (3/ 42)، والدرر (2/ 118).

................................  المتطرفة إلى أصلها، وهو الياء، فيقال: لشوي الرجل عمرو، وإن كانت لام الفعل واوا بقيت.
فيقال: لغزو الرجل وإن كانت لام الفعل ياء نحو: رمى، قلت: لرمو الرجل فنقلبها واوا؛ لانضمام ما قبلها.
قال ابن عصفور 1: ومن النحويين من لا يجيز ذلك، بل يبقيه على حاله، فيقول: لرمي الرجل ولغزا الرجل يريد: ما أرماه، وما أغزاه؛ قال: ولا يجوز عنده: لرمو ولغزو؛ لأن هذا الفعل لا يفارقه معنى التعجّب، وفعل التعجّب يجري مجرى أفعال التفضيل لعدم تصرّفه؛ ولأنّ وزنهما واحد ولذلك صحّت العين في: ما أطوله، وما أبينه، كما صحّت في: هذا أطول، وهو أبين، ولو لم يكن الفعل فعل تعجّب وجب الإعلال، فيقال: أطال، وأبان، فكما أجري فيما ذكر مجرى (أفعل من) فكذلك ينبغي أن يعامل معاملة الأسماء في أن لا يكون آخره واوا مضموما ما قبلها، والصحيح أنه يجب البناء على (فعل).
إذا أريد معنى المدح أو الذّمّ، أو التعجّب؛ لأنّ معنى التحويل إلى (فعل) في الصحيح اللّام موجود في المعتلّ اللّام، وذلك أن (فعل) بالضّمّ هو من أفعال الغرائز.
ولا يبنى فعل التعجب إلا من فعل قد حوّل إلى (فعل)؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا الوصف المتعجّب منه كأنه غريزة في التعجّل من وصفه، وما قاله هذا القائل أنّه يكره أن يجيء، وفي آخره واو مضموم ما قبلها؛ لإجرائهم لها مجرى الأسماء ليس فيه حجّة؛ لأنّ الأسماء إنما كره ذلك فيها؛ لأنها متعرضة لإضافتها إلى ياء المتكلم، وللحاق ياء النسب، ولذلك احتملوا الواو المضموم ما قبلها في الأفعال، نحو: يدعو، ويغزو؛ لأنها غير متعرضة لذلك فعلى هذا لا يمتنع أن يقال: لقضو الرجل وإذ سكنت العين من قضو، ورمو، وأمثالهما؛ تخفيفا قلت: لرمو الرجل فلا تردّ الواو إلى أصلها، وهو الياء، وإن ذهبت الضمة الموجبة لقلبها ياء؛ لأنّ ذهابها عارض، والعارض غير معتدّ به 2 انتهى كلام ابن عصفور.

جارٍ التحميل