تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2081-2101

الباب السادس والعشرون باب المفعول معه

صفحات 2081-2101

................................  جواز صدق الأعم على الأخص، فعند امتناع العطف يصدق أنه غير راجح، واعلم أن الذي يعطيه كلام المصنف ظاهرا أنه عند وجود التكلف أو الموهن تنتفي رجحانية العطف، ولكن لا يلزم من انتفائها كون العطف مرجوحا، فجاز أن يستوي الأمران أعني العطف والنصب على المعية، وليس هذا بمراد له وإنما يقصد أن العطف يكون مرجوحا حينئذ، والذي يدفع هذا الظاهر أن يقال: إنه تقدم أن أقسام مسائل هذا الباب عند المصنف أربعة: أحدها: ما ترجح نصبه: وهو لم يتقدم له ذكر هذا القسم، وقد قلنا آنفا: إنه مزج ذكره بذكر ما ترجح عطفه، وإن كلامه دلّ على أحدهما بالمنطوق وعلى الآخر بالمفهوم، والذي دلّ عليه بالمنطوق هو رجحان العطف، فيتعين أن يكون المدلول عليه بالمفهوم هو رجحان النصب، وإذا كان كذلك انتفت الدلالة على الاستواء، وإذا تقرر هذا، فمن الأمور الثلاثة التي ذكرها أمران إذا وجدا كان النصب على المعية راجحا على العطف وهما التكلف والموهن، وقد عرفت أن الأول يرجع إلى المعنى، وأن الثاني يرجع إلى اللفظ، وتقدم لك ذكر أمثلتهما، لكن قول المصنف في: 1662 - فكونوا أنتم وبني أبيكم 1 وإذا عطفت يكون التقدير: كونوا لهم وليكونوا لكم، وذلك خلاف المقصود يقتضي أن يكون النصب فيه واجبا لا راجحا، أما عبارة متن الكتاب أعني التسهيل فلا تقتضي ذلك.
وأما الأمر الثالث من الأمور الثلاثة وهو المانع فلا شك أنه إذا وجد [2/ 505] كان النصب على المعية واجبا نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه، واستوى الماء والخشبة، وهذا هو أحد السببين الموجبين للنصب على المعية وهو المعنوي، فقد دل هذا الكلام أعني كلام المصنف بمفهومه على ما يجب نصبه على المعية وإلى ما يرجح فيه ذلك، ثم إن المصنف ذكر صورة أخرى ترجح النصب على المعية فيها على العطف، وإليها أشار بقوله: (فإن خيف فيه فوات ما يضر فواته رجح النصب على المعية) 2، وهذا -

................................  الكلام من تتمة ما قبله، وكأنه لما قال: إن العطف يرجح عند انتفاء كل من الأمور الثلاثة - وكانت هذه الصورة التي سيمثل لها داخلة تحت هذا الضابط لانتفاء الأمور المذكورة عنها، مع أن العطف فيها مرجوح - أفردها بالذكر ونص عليها بخصوصها، قال في الشرح: وأشرت بقولي: فإن خيف به أي بالعطف فوات ما يضر فواته رجح النصب على المعية - إلى نحو: لا تغتد بالسمك واللبن ولا يعجبك الأكل والشبع بمعنى لا تغتد بالسمك مع اللبن، ولا يعجبك الأكل مع الشبع، فالنصب في هذين المثالين وأشباههما على المعية يبين مراد المتكلم والعطف لا يبينه 1 فتعين رجحان النصب للسلامة من فوات ما يضر فواته، وضعف العطف إذ هو بخلاف ذلك 2. انتهى.
وعلى هذا صار لمرجح النصب على العطف ثلاثة أمور وهي: التكلف والموهن والخوف من فوات المعنى المقصود، إلا أنه قد تتوجه المنازعة للمصنف في إدراجه هذه الصورة في قسم ما ترجح نصبه، ويدعى أن العطف فيها ممتنع لإفهامه غير المراد، ويقال: إن هذين المثالين وما أشبههما داخلة في قسم ما يجب نصبه ويكون قد شملها مفهوم قوله: (ولا مانع) فنقول: كما استفدنا من قوله: (ولا مانع) أن النصب واجب في: لا تنه عن القبيح وإتيانه لوجود مانع يمنع من العطف، هكذا نستفيد منه وجوب النصب في نحو: لا تغتد بالسمك واللبن لوجود المانع من العطف أيضا، ومما يدل على أن النصب واجب في مثل هذا وجوب نصب الفعل بإضمار «أن» في نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن إذا لم يقصد العطف ولا الاستئناف، وإذ قد انتهى القول في الأقسام الأربعة أعني: ما يجب عطفه وما يجب نصبه وما ترجح عطفه وما ترجح نصبه، وكنت قد عرفت أن القسم الرابع منها وهو ما ترجح نصبه لم يتضمنه كلام ابن عصفور، وأنه ذكر قسما لم يتضمنه كلام المصنف وهو ما يتساوى فيه الأمران أعني العطف والنصب على المعية 3، وأنه ينتظم من كلام الرجلين خمسة أقسام، فلنذكر الأقسام المذكورة الآن منتظمة كي يسهل ضبطها على -

................................  الناظر [2/ 506]. أما وجوب العطف فله سبب واحد لفظي وهو أن تكون الواو المفيدة للمعية بعد ذي خبر لم يذكر أو ذكر وهو أفعل التفضيل نحو: كل رجل وضيعته، وأنت أعلم ومالك.
وأما وجوب النصب فله سببان لفظي ومعنوي كما عرفت: أما اللفظي فمقتضيه أن يكون ثم جملة آخرها واو المصاحبة، وتاليها وأوّلها «ما» المستفهم [3/ 21] بها على سبيل الإنكار قبل ضمير مجرور باللام أو الشأن أو ما يؤدي ما يؤديانه نحو: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا.
هذا هو الضابط الذي ذكره المصنف؛ لأنه قصر السبب اللفظي الموجب للنصب على ما ذكره، وأما ابن عصفور فلم يقصر الأمر على ذلك، بل عداه إلى نحو: ما صنعت وأباك فأوجب فيه النصب أيضا، ولهذا جعل الضابط لما يجب نصبه أن يكون ثم جملة فعلية وقبل الواو ضمير خفض 1، وقد تقدم البحث مع المصنف في كونه أوجب النصب في: ما لك وزيدا، ورجحه في: «ما صنعت وأباك» مع أنه يجيز العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار، ويجيز إضمار الجار مع المعطوف أيضا، وأنه كان يجب عليه بمقتضى مذهبه في العطف على الضمير المجرور أن يسوّي المسألتين إما في الوجوب أو في الرجحان، أما كونه يوجب في إحدى المسألتين ويرجح في الأخرى فغير ظاهر، ولكن تقدم أيضا ذكر ما يصلح أن يكون جوابا عن إيجابه النصب في نحو: ما لك وزيدا، وهو أن ذلك قد لا يكون اختياره، وإنما حكاه حكاية لكونه مذهب الأكثرين، وأما المعنوي فالمقتضي له أن لا يصلح العطف من حيث المعنى، مع أنه ليس في اللفظ ما يمنع منه، وموجب عدم صحة العطف انتفاء مشاركة ما بعد الواو لما قبلها في الحكم المذكور نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه، واستوى الماء والخشبة، وسار زيد والنيل.
واعلم أن ابن عصفور لم يتعرض إلى ذكر السبب المعنوي الموجب للنصب، وكأن المقتضي عنده لعدم التعرض إليه ما أذكره، أما نحو: استوى الماء والخشبة، وسار زيد والنيل، فيظهر من كلامه وكلام غيره أنه لا يجب فيه النصب، ومن ثم -

................................  غلطوا الزجاجي في ادعائه وجوب النصب في استوى الماء والخشبة وقالوا: إن لم يصح العطف حقيقة فإنه يصح مجازا 1، ولا شك أن هذا القول هو جار على مقتضى ما يقال: إن أصل المفعول معه العطف، وإن الواو هي العاطفة في الأصل وقد عرفت أنه قول الأكثرين، وأما نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه فقد يقول أعني ابن عصفور: إن العطف في هذا ممتنع لأن تشريك ما بعد الواو لما قبلها في الحكم [2/ 507] لا يجوز أن يكون مرادا هنا والمعية مرادة قطعا، وحينئذ يكون النصب متعينا بنفسه والعطف ممتنع من أصله لفساد المعنى إذا عطف، وإذا كان العطف غير متصور فهو منتف من الأصل، فليس النصب في مثل هذا إلا لأن الكلام لا يتصور فيه غير المعية، وإذا كان كذلك فلا نذكر هذه المسألة مع مسائل هذا الباب؛ لأنها إنما يقال فيها: يجب العطف أو يرجح أو يجب النصب أو يرجح، ألا وقد تصورنا صحة كل من العطف والمعية في تلك المسألة لكن منع من أحد الأمرين مانع أو جعله مرجوحا.
وأما رجحان العطف فله سببان أيضا معنوي ولفظي كما تقدم: فالمعنوي هو انتفاء التكلف، وضابطه أن الكلام لا يكون فيه مانع من العطف من جهة اللفظ، ولا يحتاج فيه إلى تقدير فيه تكلف؛ لأنه إذا احتيج في العطف إلى ما فيه تكلف يكون النصب على المعية هو الراجح حينئذ، فيكون العطف مرجوحا لا محالة، واللفظي هو انتفاء الموهن أي المضعف للعطف، وضابطه أن يكون ثم ما لا يضعف العطف عليه، ثم قد لا يوجد عامل لفظا يصح توجهه إلى نصب المفعول معه، فيحتاج في النصب على المعية إلى تقدير عامل نحو: ما لزيد وأخيك، وما أنت والسير، وكيف أنت وقصعة، و: 1663 - أزمان قومي والجماعة 2 و «أنا وإياه في لحاف»، وقد يوجد عامل نحو: جئت أنا وزيد، هذا عند المصنف.
وأما عند ابن عصفور، فإنما ترجح العطف عنده في الأول أعني الذي لم -

................................  يذكر فيه عامل، وأما الثاني وهو الذي ذكر العامل فيه فهو من قبيل ما يستوي فيه الأمران عنده أعني العطف والنصب على المعية؛ ولهذا جعل ضابط ما ترجح عطفه أن تكون الجملة اسمية متضمنة معنى الفعل، وأن يتقدم الواو اسم لا يتعذر العطف عليه 1، وكأنه يعني بقوله: لا يتعذر: لا يضعف، ثم قال: وإذا كانت الجملة فعلية وتقدم الواو اسم يسوغ العطف عليه نحو: جاء البرد والطيالسة، استوى الأمران 2، وما جنح إليه ابن عصفور هو الظاهر، وقد تقدم ما يدل على أرجحية رأيه في هذه المسألة، وأما رجحان النصب فله سببان أيضا لفظي ومعنوي وهما الأمران اللذان قلنا: إن انتفاءهما موجب لأرجحية العطف، فإذا وجدا كان العطف مرجوحا كما تقدم، وحينئذ يكون النصب على المعية هو الراجح، فاللفظي هو وجود موهن للعطف نحو: ما صنعت وأباك، والمعنوي هو وجود التكلف لو عطفنا نحو: 1664 - فكونوا أنتم وبني أبيكم 3 والخوف من فوات المعنى المقصود [2/ 508] لو عطفنا أيضا نحو: لا تغتد بالسمك واللبن، وقد تقدم البحث مع المصنف في إيراده هذا الضرب في قسم ما يرجح نصبه، وكونه لم يورده في قسم الواجب النصب، وقد تقدمت الإشارة إلى أن ابن عصفور لم يتضمن كلامه هذا القسم أعني ما يرجح نصبه على عطفه، والموجب لأن لم يذكره أنه في نحو: ما صنعت وأباك يوجب النصب لعدم تجويزه العطف، وأما في: فكونوا أنتم وبني أبيكم فقد تقدم أنه ربما يدعى فيه وجوب النصب، وأما في نحو: لا تغتد [3/ 22] بالسمك واللبن فإنه إن ادعي أن النصب واجب في: فكونوا أنتم وبني أبيكم وجب أن يدعى وجوبه في: لا تغتد بالسمك واللبن بطريق الأولى، هذا آخر الكلام -

[تعقيب على أقسام المفعول معه السابقة]

قال ابن مالك: (فإن لم يلق الفعل بتالي الواو جاز النصب على المعيّة وعلى إضمار الفعل اللّائق إن حسن «مع» موضع الواو وإلّا تعين الإضمار).
على تقرير أقسام مسائل هذا الباب، وإذا تأملت ما أتى به المصنف من نظم مسائله وتقرير أحكامها والإشارة إلى القيود الراجعة إلى قسم قسم، منها المدلول عليها من كلامه بالمنطوق والمفهوم من حسن الترتيب والتنقيح والتهذيب، علمت أنه قد رزق من التوفيق النصيب الأكمل وأن رتبته دونها رتبة السماك الأعزل، وقد ذكر الشيخ أبو عمرو بن الحاجب تقسيما فيه اختصار ولطافة بأن قال بعد ذكره حد المفعول معه: الذي قدمنا ذكره عنه المشتمل على أن المصاحب معمول فعل لفظا أو معنى، فإن كان العامل لفظيّا وجاز العطف فالوجهان، مثل: جئت أنا وزيدا، وإن لم يجز العطف تعيّن النصب مثل: جئت وزيدا، وإن كان العامل معنويّا وجاز العطف تعين مثل: ما لزيد وعمرو، وإلا تعين النصب مثل: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا؛ لأن المعنى: ما تصنع؟ 1. انتهى.
وهذا الذي ذكره أقرب إلى ضبط مسائل الباب من كلام أكثر المصنفين، وما ذكره هو أصل قواعد الباب، والفروع الزائدة ممكن بناؤها عليه، فرحمه الله تعالى وجزاه الجنة بمنّه وكرمه.
قال ناظر الجيش: اعلم أن المصنف لما ذكر المسائل التي يجوز فيها العطف راجحا تارة ومرجوحا أخرى، ودخل في عموم الصور ما إذا ذكر بعد الواو منصوب، وكان ثم منصوب فعل مذكور قبلها، وكان مثل هذا لا يجوز فيه العطف إلا بشرط أن يكون الفعل صالحا للعمل فيما بعد الواو - نبّه على اشتراط ذلك بقوله: (فإن لم يلق الفعل بتالي الواو) إلى آخره، ودلّ هذا الكلام بمنطوقه على أن النصب إذا لم يكن الفعل لائقا إما على المعية أو على إضمار الفعل أو على الإضمار خاصة، وبمفهومه [2/ 509] على أن النصب على العطف في هذه الصورة غير جائز وكأنه -

................................  بعد أن ذكر العطف والنصب على المعية قال: إنما يجوز الأمران إن كان الفعل لائقا بتالي الواو، فإن لم يكن الفعل لائقا امتنع النصب على جهة العطف وحينئذ فإن حسن مع موضع الواو جاز أن يكون النصب على المعية وعلى أن يكون العامل فعلا لائقا مقدرا بعد الواو ويصير الكلام إذ ذاك جملتين، وإن لم يحسن مع موضع الواو تعين أن يكون النصب بفعل مقدر.
قال المصنف: إن كان الفعل الذي قبل الواو غير صالح للعمل فيما بعدها، وحسن في موضعها «مع» جاز فيما بعدها أن يجعل مفعولا معه وأن ينصب بفعل صالح للعمل فيه، ومثاله قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ 1 فلا يجوز أن يجعل «شركاءكم» معطوفا؛ لأن «أجمع» لا ينصب الأمر والكيد ونحوهما ولك أن تجعل «شركاءكم» مفعولا معه، وأن تجعله مفعولا بـ «أجمعوا» مقدرا كأنه قيل: فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، ومثله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ 2 فلك أن تجعل «الإيمان» مفعولا معه، ولك أن تنصبه باعتقدوا مقدرا 3، فإن كان الفعل غير صالح للعمل فيما بعد الواو ولم تصلح «مع» في موضعها تعين إضمار فعل صالح للعمل، فمن ذلك قول الشاعر: 1665 - إذا ما الغانيات برزن يوما... وزجّجن الحواجب والعيونا 4 فنصب العيون بكحلن مقدرا، ولا يجوز غير ذلك؛ لأن زججن غير صالح للعمل في العيون، وموضع الواو غير صالح لـ «مع» 5. انتهى.
وتجويزهم النصب على المعية فيما لا يكون الفعل فيه لائقا بتالي الواو - دليل على أن الواو في هذا الباب ليس أصلها العطف، وقد أورد ابن عصفور على نفسه قوله -

................................  تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ فقال: قد زعمتم أن واو «مع» لم تستعمل إلا حيث يسوغ العطف وعطف الشركاء على الأمر غير سائغ في مشهور اللغة، فكيف أجزتم أن تكون الواو هنا بمعنى «مع»؟ وأجاب عن ذلك بأنه قال: وإن امتنع عطف الشركاء على الأمر بالنظر إلى مشهور اللغة لم يمتنع عطفه على الضمير المرفوع في «أجمعوا»، ألا ترى أنه لولا أن القراءة سنة متبعة لأمكن «وشركاؤكم» بالعطف على الضمير المرفوع لحصول الفصل بالمفعول 1 انتهى. وهو كلام عجيب؛ لأن العطف على الضمير وإن كان لا مانع منه لفظا يغير المعنى المقصود من الآية الكريمة، وينقلب به الكلام إلى معنى آخر، ثم الظاهر من كلامهم حيث شرطوا صحة العطف في مسائل هذا الباب أن مرادهم أن يكون العطف يصح على ما من شأنه أن يكون مصاحبا لما بعد [2/ 510] الواو على تقدير نصبه على المعية لا أن يصح العطف على أي شيء كان في الجملة. ثم اعلم أن الذي ذكره المصنف في نحو: 1665 م -....... وزجّجن الحواجب والعيونا من أنه يقدر فيه فعل بعد الواو ناصب لما ذكر بعدها هو أحد القولين في هذه المسألة، وهو رأي الفراء والفارسي وجماعة من البصريين والكوفيين 2، فكما يقدر «كحّلن» في هذا البيت يقدر «يفقأ» في قول الشاعر: 1666 - تراه كأنّ الله يجدع أنفه... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر 3

................................  وترى في قول الآخر: 1667 - تسمع للأحشاء منه لغطا... ولليدين جسأة وبددا 1 والقول الآخر أن لا إضمار في نحو ذلك، بل الثاني معطوف على الأول على أن العامل ضمن معنى يصح اشتراك المتعاطفين فيه وهو رأي المبرد والمازني والجرمي وجماعة 2، فتضمن متقلدا في قول الشاعر: 1668 - يا ليت زوجك قد غدا... متقلّدا سيفا ورمحا 3 [3/ 23] معنى حاملا، وتضمن يجدع في البيت المتقدم معنى يذهب؛ لأنه إذا أجدع أنفه أذهبه، وتضمن تسمع للأحشاء معنى تعلم، وتضمن زجّجن معنى حسّنّ؛ لأن التزجيج تحسين، واحتج أصحاب القول الأول بأنه لا يسوغ: علفتها ماء وتبنا كما يسوغ: علفتها تبنا وماء 4، ولو كان على التضمين لجاز، قال أصحاب القول الثاني: الذي يدل على التضمين ويقطع ببطلان إضمار الفعل أنه قد وجد في كلامهم ما ادعوا أنه لا يسوغ وهو مثل علفتها ماء وتبنا، قال طرفة: -

................................  1669 - أعمرو بن هند ما ترى رأي ضربة... لها سبب ترعى به الماء والشّجر 1 وقال آخر: 1670 - ونابغة الجعديّ بالرّمل بيته... عليه صفيح من تراب وجندل 2، 3 قالوا: وممّا يضعف مذهب القائل بالإضمار أنه جاء منه ما هو بعد مخفوض بالإضافة، كقول القائل 4: 1671 - شرّاب ألبان وتمر وأقط 5 لأنه إذا أضمر أكّال تمر كان قد حذف المضاف ولم يقم الثاني مقامه مع أنه لم يتقدم له ذكر في اللفظ، وذلك غير سائغ، قال الشيخ: واختلف في هذا النوع من العطف أهو قياس أم سماع، قال: والأكثرون على أنه قياس، وضابطه: أن يكون الأول والثاني يجتمعان في عاملهما 6. -

أمثلة مختلفة في هذا الباب وما يجوز فيها

قال ابن مالك: (والنّصب في نحو حسبك وزيدا درهم، بـ «يحسب» منويّا وبعد «ويله» و «ويلا له» بناصب المصدر، وبعد «ويل له» بألزم مضمرا وفي «رأسه والحائط» و «امرءا ونفسه» و «شأنك والحجّ» على المعيّة أو العطف بعد إضمار «دع» في الأول والثّاني و «عليك» في الثّالث، ونحو: «هذا لك وأباك» ممنوع في الاختيار).  قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: ومما يشبه المفعول معه وهو عند سيبويه مفعول به المنصوب بعد حسبك وكفيتك وأخواتهما، وبعد «ويله» و «ويلا له». قال سيبويه: قالوا: حسبك وزيدا درهم لما كان فيه [2/ 511] معنى كفاك، وقبح أن يحملوه على المضمر نووا الفعل، كأنه قال: حسبك ويحسب أخاك درهم، وكذلك كفيتك، وأما ويلا له وأخاه، وويله وأباه فانتصب على معنى الفعل الذي نصبه كأنك قلت: ألزمه الله ويله وأباه، ثم قال: وإن قلت: ويل له وأباه نصبت لأن فيه ذلك المعنى، كما أن حسبك مرتفع بالابتداء، وجعل لما فيه من معنى كفاك دليلا على فعل يوافقه معنى وهو يحسب، وكذا ويل له يرتفع بالابتداء، وفيه معنى: ألزمه الله ويلا، فجعل دليلا على فعل يوافقه معنى وينصب أباه 2. انتهى ما ذكره المصنف عن سيبويه رحمه الله تعالى 3، وإنما قال المصنف في نحو: حسبك ليدخل كفيتك وقطك وقدك؛ لأن هذه الكلمات بمعنى حسب، قال الشاعر 4: 1672 - فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد 5

................................  والزمخشري جعل هذا المنصوب مفعولا معه 1، وليس كذلك؛ لأن المفعول معه لا ينصبه إلا الفعل أو ما جرى مجراه، و «حسبك» ليس جاريا مجرى الفعل، وإن كان فيه معنى الفعل، وقد تقدمت الإشارة في أول الباب أن العامل المعنوي لا ينصب المفعول معه عند سيبويه، وها هو قد صرح الآن أن النصب في: حسبك وأخاك درهم بفعل مقدر أي: ويحسب أخاك درهم 2، ويحسب مضارع أحسب، يقال: أحسب فلان فلانا إذا أعطاه حتى يقول حسبي قالوا: والتقدير في: كفاك وزيدا درهم أوضح؛ لأن كفاك هو مصدر الفعل الذي يضمره، التقدير: ويكفي زيدا درهم وهو في: قطك وزيدا درهم أبعد؛ لأن قطك ليس في الفعل المضمر شيء من لفظه، وإنما هو ناصب مفسر من حيث المعنى فقط 3، قال الشيخ: وفي الفعل المضمر يعني في الأمثلة المذكورة فاعل مضمر يعود على الدرهم والنية بالدرهم التقديم، فالتقدير حسبك درهم، ويحسب زيدا، قال: فيصير من عطف الجمل، ولا يجوز أن يكون من باب الإعمال؛ لأن طلب المبتدأ للخبر، وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل أو ما جرى مجراه، ولا عمله فلا يتوهم ذلك فيه 4. انتهى.
والكلام فيما ذكره من وجهين: أولهما: أن تقول: العلة التي ذكر أنها مانعة أن يكون «حسبك وزيدا درهم» من باب الإعمال غير ظاهرة؛ لأن المبتدأ عامل، كما أن الفعل عامل، فإذا توجه طلب المبتدأ إلى شيء مع توجه عامل آخر هو فعل في ذلك التركيب إلى ذلك الشيء - - والهمع (1/ 124)، والدرر (1/ 195)، واللسان «حسب».
اللغة: العصا: الجماعة.
والشاهد فيه: نصب «الضحاك» بفعل مضمر بناء على أن حسب صفة، واستشهد الأشموني بالبيت على إعمال شبه الفعل في المفعول معه بناء منه على أن حسب اسم فعل، وذكر في المغني أنه يجوز جره فقيل بالعطف، وقيل بإضمار (حسب) أخرى وهو الصواب ورفعه بتقدير حسب حذفت وخلفها المضاف إليه.

................................  كان كل منهما أعني المبتدأ والفعل طالبا لذلك المعمول صالحا للعمل فيه، وليس المراد من تنازع العاملين سوى ذلك، نعم قد يمتنع جعله من باب الإعمال لأمر آخر غير الذي ذكره كما ستجيء الإشارة إلى ذلك.
ثانيهما: أن قوله: فيصير هذا من عطف الجمل غير ظاهر أنه كذلك، وبيانه: أن الفعل المقدر إذا كان رافعا لضمير الدرهم فـ «درهم» الملفوظ به هو خبر المبتدأ الذي هو حسبك، وعلى هذا فحسبك درهم هو الجملة والعطف [2/ 512] على الجملة إنما يكون بعد تمامها، وتقديره يلزم منه تقدم الجملة المعطوفة على أحد جزأي الجملة المعطوف عليها.
ومن هذا يعلم امتناع كون المسألة من الإعمال؛ لأنك إذا أعملت الأول كان «درهم» خبرا عن حسبك، والفعل المقدر معطوف، فإن كان من عطف الجمل فكيف يعطف على الجملة قبل تمامها، وإن كان من عطف المفردات فعطف فعل على اسم لا يشبه الفعل غير جائز 1، ثم لازم تقرير الشيخ شيء آخر وهو تأخر مفسر الضمير [3/ 24] عنه 2 في غير الأبواب المعروفة بجواز تقديم الضمير على مفسره، وأما قوله: إن «درهم» يقدر تقديمه فغير ظاهر ولا يسلم له ذلك.
وبعد؛ فإن صح العطف على الوجه الذي قرره الشيخ فلا كلام وإلا فتصحيح العطف أن يقال: إن فاعل الفعل المقدر هو درهم الملفوظ به ويقدر للمبتدأ الذي هو حسبك خبر محذوف يدل عليه فاعل الفعل المقدر، فيكون التقدير: حسبك درهم ويحسب زيدا درهم، وتكون الجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية، ثم لقائل أن يدعي أن العطف في المسألة من قبيل عطف المفرد على المفرد، وذلك أن معنى حسبك كافيك، وكافيك يجوز عطف الفعل عليه؛ لأنه اسم يشبه الفعل، ولا شك أن حسبك بمعناه فجاز عطف الفعل عليه؛ لأن العطف على المعنى قد ثبت في -

................................  كلام العرب 1، وعلى هذا يتصور أن تكون المسألة من باب الإعمال، فإن أعملت الأول الذي هو حسبك كان درهم هو الخبر، وعاد الضمير الذي هو فاعل الفعل المقدر عليه، وإن أعملت الثاني كان «درهم» الملفوظ به فاعلا، وتضمره للعامل الأول فتقول: حسبك هو ويحسب زيدا درهم، ثم تحذفه لأن حذف الخبر جائز إذا دل عليه دليل فيؤول الكلام إلى حسبك وزيدا درهم، وهذا البحث إن سلم من خدش وجب الاستمساك به إذ لا يتوجه عليه شيء من الإشكالات التي تقدم ذكرها والله تعالى أعلم بالصواب.
وأما المنصوب بعد ويله وويلا له إذا قلت: ويله وأباه وويلا له وأباه، فقد قال المصنف: إنه ينتصب بناصب المصدر، وأنه بعد ويل له «بألزم» مضمرا 2، فأفاد أنه ليس مفعولا معه، وأن نصبه نصب المفعول به.
نسأل الله تعالى أن يهدينا ويرشدنا إلى الحق، إنه على كل شيء قدير.
وإذا كان مفعولا به فهو معطوف على ما قبله ولا جائز أن يكون معطوفا على «ويله» إذ لا معنى لذلك، ولأن «الأب» مدعو عليه بالويل، فوجب أن يكون معطوفا على شيء محذوف مدلوله مدلول المدعو عليه وهو الضمير المنصوب «بألزمه» الذي قدره سيبويه 3، فالعامل في «أباه» هو العامل في الضمير؛ لأن «أباه» معطوف عليه، وإذا كان كذلك فلم يتضح لي قول المصنف: (والنصب بعد «ويله» و «ويلا له» بناصب المصدر)؛ لأن المصدر هنا [2/ 513] منصوب على أنه مفعول مطلق، وناصب المفعول المطلق إنما يكون فعلا من معناه والفعل الذي من معناه لا طلب له للمفعول به، فكيف يصح عمل شيء في شيء لا يقتضيه؟ وكأن المصنف اعتمد فيما ذكره على قول سيبويه.
وأما «ويلا له وأخاه» و «ويله وأباه» فانتصب على معنى الفعل الذي نصبه كأنه قال: ألزمه الله ويلا وأباه 4؛ لأن ظاهر هذه العبارة يعطي أن الناصب لأباه -

................................  هو الذي نصب ويلا، فيقول المصنف: وويلا مصدر فاتجه أن تقول: إن ناصب المصدر هو الناصب لأباه، ولكن القول بذلك غير ظاهر، فإن ويلا له إذا كان مفعولا مطلقا كان العامل فيه فعلا من معناه و «ألزم» ليس من معناه كما تقدم، ولا شك أن كلام سيبويه ليس فيه تصريح بما قاله المصنف بل هو محتمل لذلك ولغيره؛ لأن قوله: كأنك قلت: ألزمه الله 1، يقتضي أن 2 الناصب للمعطوف هو عامل من معنى الفعل الذي نصب ويلا لا أنه هو نفسه فيكون ويلا مفعولا مطلقا، والناصب له فعل من معناه، وأباه مفعول به، والناصب له فعل من معنى الفعل الناصب للمفعول المطلق، فوجب النظر في كلام سيبويه والتفهم لما أراده؛ إلا أن النصب بعد «ويل له وأباه» يقوي أن الناصب للمعطوف غير الذي نصب ويلا.
وبعد؛ فإذا حملنا كلام سيبويه على ظاهره وقدرنا أن أصل الكلام «ألزمه الله ويلا وأباه» كان «ويلا» مفعولا به لا مفعولا مطلقا، وبعد فقد تعذر عليّ فهم هذا الموضع كما ينبغي ولم أجد في كلام المصنف ولا في كلام الشيخ في ذلك ما يشفي، وكلام سيبويه فيه احتمال كما عرفت مع ما فيه من الإشكال، ولو قيل بأن «ويله» وكذا «ويلا له» في هذا التركيب ليس مفعولا مطلقا إنما هو مفعول به، وهو مفعول ثان لألزم المضمر - لكان متجها فإن ابن الضائع ذكر أن مذهب سيبويه في نحو ضربا زيدا أنه منصوب بالزم مضمرا، وإذا كان كذلك فهو مفعول به، ولا شك أن «ويلا» مثله في كونه مصدرا بدلا من اللفظ بالفعل فيقدر له «ألزم» ناصبا كما قدر في «ضربا» فإن تم هذا الذي ذكرناه سهل الأمر واندفع الإشكال ويصير التقدير: ألزمه الله وأباه ويلا، وحينئذ يحمل قول المصنف بناصب المصدر على أنه أراد بالناصب الذي نصب «ويلا» الذي هو مقدر لأنه أراد بالمصدر المفعول المطلق، وبعد فالله تعالى أعلم بالصواب.
-

................................  ثم إن المصنف بعد أن ذكر المسائل التي ظاهرها أن المنصوب فيها مفعول معه، وحكم بأن ذلك المنصوب مفعول به أشار إلى ثلاث المسائل التي ذكرها بعد - يجوز في المنصوب فيها أن يكون مفعولا معه وأن يكون معطوفا على ما قبله [2/ 514] وهي: رأسه والحائط وامرأ ونفسه، وشأنك والحج، وذلك أن العامل المقدر الذي هو «دع» في الأولى والثانية، و «عليك» في الثالثة صالح للعمل في المفعول معه ولا مانع منه.
والعطف أيضا سائغ ولا منافاة بين المعنيين، بل المعنى إن عطفت أو لم تعطف واحد، فجاز الأمران.
لذلك قال سيبويه رحمه الله [3/ 25] تعالى: «ومن ذلك رأسه والحائط كأنه قال: خلّ أو دع رأسه مع الحائط، فالرأس مفعول والحائط مفعول معه فانتصبا جميعا، ومن ذلك قولهم: شأنك والحج، كأنه قال: شأنك مع الحج، ومن ذلك امرأ ونفسه كأنه قال: دع امرأ ونفسه، فصارت الواو في معنى «مع» كما صارت في معنى «مع» في قولهم: ما صنعت وأباك، وإن شئت لم يكن فيه ذلك المعنى فهو عربي جيد، كأنك قلت: عليك رأسك، وعليك الحائط، وكأنه قال: دع امرأ ودع نفسه، فليس ينقض هذا ما أردت في معنى «مع» من الحديث» 1. انتهى.
فانظر إلى هذا الرجل المسدد الموفق وإلى الإفصاح عن المقصود بهذه العبارة السعيدة المفيدة الحكم مع التعليل، وقد استفيد من تجويزه النصب على المعية في هذه المسائل الرد على من يعتقد أن المفعول معه لا يكون إلا مع الفاعل 2، ثم إن الشيخ ناقش المصنف في قوله: (وعليك في الثالث)، قال: لأن اسم الفعل لا يعمل مضمرا، قال: والعلة في ذلك أن أصل العمل في المفعول به للفعل واسم الفعل نائب عنه فهو فرع، فلم يتصرفوا فيه تصرف الفعل بأن يجيزوا إعماله مضمرا؛ لئلا يساوي الفرع الأصل، قال: وإنما غرّ المصنف في ذلك تمثيل سيبويه ذلك بعليك 3 -

................................  وتفسير الإعراب هو الزم شأنك، بهذا قدره النحويون وقالوا: لا يضمر عليك، وإنما يضمر الفعل 1. انتهى.
وأقول: إن كان اسم الفعل لا يعمل مضمرا إجماعا منهم فلا كلام ووجب حمل كلام سيبويه على ما قاله، وإن لم تكن المسألة إجماعية فكلام سيبويه يحمل على ظاهره دون تأويل ولا تتوجه مناقشة الشيخ للمصنف حينئذ 2، وأما التعليل الذي ذكره فلا يخفى ضعفه، ويلزم منه أن اسم الفعل لا يعمل مقدرا لأنه فرع على الفعل أيضا ولا قائل بذلك، وأما قول المصنف: (ونحو هذا لك وأباك ممنوع في الاختيار) فقد تقدمت الإشارة إليه عند الكلام على العامل في المفعول معه، وأعاد المصنف الكلام هنا فقال: قال سيبويه: «وأما هذا لك وأباك فقبيح لأنه لم يذكر فعلا ولا حرفا فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل» 3. قال المصنف: كثر في كلام سيبويه التعبير بالقبيح عن عدم الجواز وقد استعمله قبل إذ قال في: حسبك وزيدا درهم: لما كان فيه معنى كفاك، وقبح أن يحملوه على المضمر [2/ 515] نووا الفعل، واستعمله هنا أيضا في قوله: وأما هذا [لك] وأباك فقبيح 4، قال: والحاصل أن سيبويه قد أفصح بأن اسم الإشارة وحرف الجر المتضمن معنى الاستقرار لا يعملان في المفعول معه؛ لأنه حكم على أن «هذا لك وأباك» بأنه قبيح ومراده أنه غير جائز، ولو كان اسم الإشارة صالحا عنده لنصب المفعول معه أو ما تضمن معنى الاستقرار من ظرف أو حرف جر لأجاز أن يقال: هذا لك وأباك مجيزا بين أن يثبت العمل لهذا أو لك، وقد أجاز أبو علي رحمه الله تعالى في قول الشاعر: -

مسألتان في ختام هذا الباب

قال ابن مالك: (وفي كون هذا الباب مقيسا خلاف ولما بعد المفعول معه من خبر ما قبله أو حاله ما له متقدّما، وقد يعطى حكم ما بعد المعطوف خلافا لابن كيسان).
1673 - هذا ردائي مطويّا وسربالا 1 أن ينصب السربال بهذا مفعولا معه، وأجاز بعض النحويين أن يعمل في المفعول معه الظرف وحرف الجر 2، 3. قال ناظر الجيش: ختم المصنف الباب بذكر مسألتين: الأولى: هل يقتصر في مسائل هذا الباب على السماع أو لا؟ قال المصنف: وبعض النحويين يقتصر في مسائل هذا الباب على السماع 4. والصحيح استعمال القياس فيها على الشروط المذكورة 5. انتهى.
ولابن عصفور في ذلك كلام وكذا لغيره 6 وهو لا يجدي طائلا، وهو مبني -

................................  عند ابن عصفور على أن الواو في ذا الباب أصلها العطف 1، ومن ثمّ منع القياس، وقد عرفت أن الحق خلاف ذلك، وبعد ففي قول المصنف: والصحيح استعمال القياس فيها على الشروط المذكورة كفاية.
المسألة الثانية: قد عرفت أنك عند نصب ما بعد الواو على المعية قاصد إلى نسبة الحكم أو إيقاعه على الأول مصاحبا لما بعد الواو، فقد لا يشارك ما بعد الواو ما قبلها فيما نسب إليه أو واقع عليه، وقد لا يشاركه، لكن المتكلم لم يقصد بكلامه التشريك، بل أعرض عن ذلك وجرد القصد إلى المصاحبة فقط، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يقال: كان زيد وعمرا متقنا، فتفرد الخبر كحاله لو تقدم فقلت: كان زيد متقنا وعمرو، كذا يقال: جاء البرد والطيالسة شديدا فيفرد شديدا الذي هو الحال كحاله لو تقدم فقلت: جاء البرد شديدا والطيالسة 2، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (ولما بعد المفعول معه من خبر ما قبله أو حاله ما له متقدما)، ثم أشار بقوله: (وقد يعطى ما بعد المعطوف) إلى أنه قد يعطى الخبر والحال مع المفعول معه حكم ما بعد الاسم المعطوف عليه بالواو، فيطابق الخبر والحال الاسم والمفعول معه كما يطابق الاسم والمعطوف عليه فيقال: كان زيد وعمرا مذكورين، وجاء [2/ 516] زيد وعمرا ضاحكين 3. قال المصنف: وأجاز الأخفش: كنت وزيدا مذكورين كما يقال مع العطف والإفراد أولى، كما يكون مع «مع»، وهو عند ابن كيسان لازم 4 أعني مطابقة ما قبل الواو، ومما يدل على أن «مع» يكون ما بعدها بمنزلة المعطوف بالواو قول الشاعر: -

................................  1674 - مشق الهواجر لحمهنّ مع السّرى... حتّى [3/ 26] ذهبن كلا كلا وصدورا 1 أراد مزّقت الهواجر والسرى لحمهن، فأقام «مع» مقام الواو 2. انتهى.
ولم يظهر لي كون «مع» يكون ما بعدها بمنزلة المعطوف بالواو في هذا البيت إذ لا يمنع أن يكون الشاعر أراد: مزقت الهواجر لحمهن مصحوبة بالسرى أي مضمومة إليه، وكأن المصنف يقول: لا مصاحبة بينهما؛ لأن الهواجر تكون نهارا، والسرى يكون ليلا، والجواب: أن المصاحبة بينهما في التمزيق، وعلى هذا يكون الإفراد لازما كما هو رأي ابن كيسان، ولا يشكل على ذلك إلا قولهم: كنت أنا وزيدا كالأخوين إن ثبت أنه من كلام العرب وتقوم الحجة به على ابن كيسان، قال الشيخ: وإجراء مع مجرى الواو العاطفة فيراعى مجرورها مراعاة المعطوف فيه خلاف، أجاز الكسائي وهشام: عبد الله مع جاريته قاعدان، على أن «مع» محمولة على الواو والتقدير: عبد الله وجاريته قاعدان، ومنعه الفراء، وأجاز الكسائي وأصحابه: اختصم زيد مع عمرو بمعنى اختصم زيد وعمرو، ولم يجزه الفراء أيضا، قال: والمختار هو مذهب الفراء 3، قال: ويجوز الفصل بين الواو العاطفة وبين معطوفها بالظرف فتقول: قام زيد واليوم عمرو، ولا يجوز ذلك في الواو التي بمعنى «مع» لا بظرف ولا بغيره؛ لأنها صارت بمنزلة «مع» و «مع» لا يفصل بينها وبين مجرورها 4. الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
-

................................  وكان الفراغ من تعليقه يوم الأربعاء قبل الظهر ثامن عشر جمادى الآخرة سنة أربع وسبعين (وسبعمائة) 1، أحسن الله نقصها وبقية العمر في عز وعافية، بالمدرسة المنصورية على يد كاتبه محمد بن محمد بن محمد الباهي الحنبلي، والمؤمل من ربه الرضا مع العافية من غير سخط أبدا ولوالديه ومشايخه وإخوانه في الله وجميع المسلمين؛ إنه ذو الفضل المزيد وهو الولي الحميد (يتلوه باب المستثنى).

شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»

تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة 778 هـ

دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)

[المجلد الخامس]

جارٍ التحميل