تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4041-4080

الباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]

صفحات 4041-4080

................................  مشهور عن الأخفش 1 لكن قال المصنف في شرح الكافية 2: «وفي أحمر وشبهه خلاف، فمذهب سيبويه أنه لا ينصرف إذا نكر بعد التسمية 3 وخالفه الأخفش مدة ثم وافقه في كتابه «الأوسط» قال: وأكثر المصنفين لا يذكرون إلا مخالفته، وذكر موافقته أولى لأنها آخر قوليه». ثالثها: التفصيل وهو مذهب الفراء وتبعه ابن الأنباري، زعم أن «أحمر» إذا سمي به رجل أحمر لم يصرف في معرفة ولا نكرة. وإن سمي الأسود مثلا بـ «أحمر» انصرف في النكرة ولم ينصرف في المعرفة 4. رابعها: وهو قول للفارسي في بعض كتبه «أنه إذا نكر بعد التسمية جاز فيه الصرف وتركه قال: لأن فعل هذا الذي هو صفة في الأصل حين سمعت به العرب تارة اعتبرت أصله [فجمعته جمع أحمر وتارة اعتبرت ما آل إليه من الاسمية] فجمعته جمع الأسماء فقالوا في «أحوص» العلم: حوص كما قالوا في أحمر: حمر، وقالوا فيه: أحاوص كما قالوا في أحمد: أحامد ويدل عليه قول الشاعر: 3736 - أتاني وعيد الحوص من آل جعفر... فيا عبد ربّ لو نهيت الأحاوصا 5

................................  قال: فمن جمعه جمع الصفات ينبغي له أن لا يصرف، ومن جمعه جمع الأسماء ينبغي له أن يصرفه 1 انتهى.
وأقول: إن القول بجواز الصرف وتركه إذا نكر بعد التسمية ليس ببعيد، لكن ليس للعلة التي ذكرها أبو علي، بل يقال: إن هذا الاسم أصله الوصف وقد زال عنه ذلك بالعلمية، فإذا نكر كان لنا اعتباران: إن اعتبرنا أصله بأن لحظنا الصفة التي كان عليها منعناه، وأما نحو «سكران» وهو ما كان ممنوعا للعلمية والزيادة حين التسمية فإنه إذا نكر بعد التسمية به فمذهب سيبويه أنه لا ينصرف 2، والكلام في علة المنع ما هي؟ كالكلام في علة «أحمر» ما هي؟ فمن راعى الأصل قال: المانع الصفة الأصلية والألف والنون المزيدتان، والجماعة يقولون: المانع زيادة الألف والنون وشبهه بأصله من حيث إن اللفظ في الحالين واحد وإنه نكرة كما كان قبل التسمية، وذكروا أن مذهب الأخفش صرفه كما ذكروا عنه صرف «أحمر» منكرا.
ولك أن تقول: قد ذكرتم أن الأخفش رجع في نحو «أحمر» إلى موافقة سيبويه فكيف تثبت عنه مخالفته في نحو «سكران»؟ والحق أن المسألتين واحدة فإما أن ينسب إليه الموافقة لسيبويه فيهما أو المخالفة له فيهما.
وأما نحو «مثنى» و «أخر» فلا يخفى أن حكمه إذا نكر بعد التسمية به حكم «أحمر»، و «سكران» 3 فمن منع الصرف ثمّ منع هنا، ومن صرف ثمّ صرف هنا، وقال الشيخ 4: «أما ما عدل في العدد وسمي به ثم نكر بعد التسمية ففيه خلاف: مذهب الجمهور أنه لا ينصرف 5. وذهب الأخفش إلى أنه ينصرف 6. واختلف النقل عن أبي علي فمنهم من نقل الصرف ومنهم من نقل ترك الصرف «انتهى».
-

................................  ثم العلة في منع الصرف عند الجماعة العدل وشبهه بأصله، وعند غيرهم العدل والصفة الأصلية.
وأما «أخر» فكأنهم لم يختلفوا فيه، فإن الشيخ قال 1: «وأما أخر إذا نكر بعد التسمية فينبغي أيضا أن لا يصرف؛ لأنه اجتمع فيه العدل وشبهه بأصله».
واعلم أن الشيخ تعرض هنا لذكر «جمع» إذا نكر بعد التسمية به فقال: «إنه منصرف؛ لأن العلمية زالت منه ولم يشبه أصله؛ لأنه لم يعدل إلّا في حال التعريف فصار مثل: عمر إذا نكر بعد التسمية به» انتهى.
ولا ينبغي أن يذكر ذلك هنا؛ لأن الكلام الآن هو في ما منع صرفه دون علمية أنه يمنع مع العلمية وبعد العلمية ولم يكن «جمع» يمنع دون علمية إن قلنا إنه معرف بها، أو دون تعريف إن قلنا إن تعريفه بنية الإضافة، وإذا كان كذلك فلا مدخل لذكره مع ما ذكر من الأقسام الخمسة.
ثم ليعلم أن «أفعل» المقصود به التفضيل إذا سمي به فإما أن يسمى به وهو مصاحب لـ «من» أو مجرد من «من» ويسمى به، فإن سمي به مصاحبا لـ «من» فحكمه حكم «أحمر» فيكون ممنوع الصرف على المذهب المختار، وإن سمي به مجردا من «من» ثم نكر كان مصروفا بإجماع، ذكر المصنف ذلك في شرح الكافية 2 معللا الصرف بأن أفعل لا يعود إلى مثل الحال التي كان عليها إذا كان صفة فإن وصفيته مشروطة بمصاحبة «من» لفظا أو تقديرا.
فإلى هذه المسألة أشار في التسهيل فأخرجها مما يمتنع صرفه بقوله «إن لم يكن أفعل تفضيل مجرّدا من من».
وأما قول المصنف: خلافا للأخفش في مركّب تركيب حضر موت مختوم بمثل مفاعل أو مفاعيل أو بذي ألف التّأنيث فأشار به إلى أنك إذا سميت بنحو: زيد مساجد أو بنحو: عبد حمراء، أو عبد بشرى، وجعلت الاسمين اسما واحدا كما هما في «حضر موت» -

................................  فمعلوم أن ذلك لا ينصرف للعلمية والتركيب 1، فإذا نكر بعد [5/ 75] التسمية ففيه خلاف: منهم من يمنع الصرف معللا ذلك بأن قال: لم أر شيئا من هذا النوع مصروفا في كلامهم.
والجمهور على أنه ينصرف، قالوا: لأن المانع في «مساجد» إنما كان بناء الجمع، وأنت الآن قد صرت في منعه الانصراف إلى التركيب، لأنك جعلتهما كـ «حضر موت» وحضر موت إذا نكر بعد التسمية انصرف، فكذلك هذا، ولأن المانع في «عبد حمراء» و «عبد بشري» إنما هو التركيب لا التأنيث اللازم، فإذا نكّرته بعد التسمية صرفته كما تصرف المركب المنكر بعد التسمية 2. والأخفش موافق الجمهور في الصرف 3، فعلى هذا يستفاد من قول المصنف خلافا للأخفش أن المعنى: خلافا للأخفش في صرفه، فيكون مختار المصنف فيه عدم الانصراف، ولا يقال: قد فهمنا أن مختاره عدم الانصراف من قوله منع معها وبعدها أيضا خلافا للأخفش في كذا فإنه وإن منع في ذلك مع العلمية لا يمنع بعدها؛ لأنا نقول: قوله منع معها وبعدها إنما هو حكم ما منع صرفه دون علمية فلا بد أن يكون الذي منع مع العلمية وبعدها ممنوعا قبل صيرورته علما فيحكم له بهذا الحكم، ولا شك أن مثل: «زيد مساجد» و «عبد حمراء» لم يكن له منع قبل علميته لأنه إنما عرض له هذا التركيب حال العلمية، وإذا كان كذلك فلا يفهم من قوله خلافا للأخفش بعد قوله منع معها وبعدها مختاره ما هو؟ ولولا نقل لنا أن الأخفش مذهبه الصرف ما علمنا أن مختار المصنف الصرف.
ثم اعلم أن الشيخ مثّل لقول المصنف «مختوم بمثل مفاعل أو مفاعيل» بـ «محاريب مساجد» 4، ولم يكن في عبارته - أعني المصنف - افتتاح هذا المركب مفاعل أو مفاعيل، بل اختتامه بمثل ذلك، على أن ما مثل به الشيخ لا ينافيه كلام المصنف، لكن كان ينبغي للشيخ التمثيل بنحو: زيد مساجد أيضا كما مثل بمحاريب مساجد.
-

................................  وفي شرح المفصل لابن عمرون - رحمه الله تعالى: «لو سمي بمدائن محاريب فقيل: حكمه الإضافة، لأن باب الإضافة أوسع من باب الأسماء المركبة، ولو أجري على طريقة «حضر موت» كان قياسه أن يصرف في النكرة، كذا ذكر الرماني 1، وقال الزمخشري: إذا ركبت اسما من كلب صفراء قلت: هذا كلب صفراء فلم تصرفه للعلمية والتركيب، فإذا نكرته صرفته فقلت: رب كلب صفراء، وقال ابن بابشاذ: لو سمينا رجلا بمحاريب مساجد بالكلمتين معا لكان حكمه كحضر موت؛ لأنك لما أدخلت هذا باب التركيب أعطيته حكمه فصرفته في النكرة كصياقل لا ينصرف، فإذا دخلته تاء التأنيث انصرف في النكرة، ولو سميت باسمين مركبين وفي آخر الثاني علة تقوم مقام علتين، مثل صاحب حمراء لصرفته في النكرة لدخوله في باب ما لا ينصرف في النكرة، ولو ثنيت لم تقلب همزته بل تفردها فتقول: صاحب حمراءان، قال ابن عمرون بعد ذكره ذلك: والذي أراه ما ذكره ابن خروف أن العلة إن كانت مما يمنع من الصرف وحدها لم ينصرف في النكرة؛ ولذلك إذا كان آخر المركب أحد هذه الأسماء نحو: رام سكران الثاني غير مخفوض بالكسرة في المعرفة والنكرة؛ لأنك لما نكرته بقيت فيه علة لا ينصرف الاسم الذي هي فيه أبدا مركبا كان أو غير مركب، وصرف مثل هذا خطأ في النكرة، وكذا تثنية حمراء في التركيب كتثنيتها قبل التركيب، وإثبات الهمزة في التثنية فاسد، وتشبيه ابن بابشاذ المركب بصياقلة لا وجه له؛ لأن التاء دخلت الاسم الأول وركب معها ومنعته ما يكون فيه إذا لم تدخل عليه، ومساجد حمراء لم يدخل عليها شيء، وحمراء آخر الكلمة فلم يجر فيه حكم ما دخلته تاء التأنيث، والذي بمنزلة صياقل الاسم الأول، وعزا ابن بابشاذ القول إلى الأخفش وهو فاسد قاله من قاله» انتهى.
والظاهر ما أشار إليه، وقد قلنا إن الذي يقتضيه كلام المصنف أن مختاره ذلك عدم الصرف، فقد وافق كلام ابن عمرون كلامه في المسألة، ولا يخفى أن ابن عمرون من الحذاق المعتبرين، فرحمهم الله تعالى أجمعين بمنه وكرمه.
-

[حكم جوار ونحوه في أحواله الثلاثة]

قال ابن مالك: (فصل: ينوّن [5/ 76] في غير النّصب ما آخره ياء تلي كسرة من الممنوع من الصّرف، ويحكم للعلم منه عند يونس بحكم الصّحيح إلا في ظهور الرّفع، فإن قلبت الياء ألفا منع التّنوين باتّفاق).
وأما قول المصنف: وله في أحد قوليه وللمبرّد في نحو: هوازن وشراحيل وأحمر فيشير به إلى المسألتين المتقدمتي الذكر وهما: الجمع المتناهى إذا سمي به ثم نكر بعد التسمية، و «أفعل» الممنوع الصرف وهو وصف إذا سمي به ثم نكر بعد التسمية، وقد تقدم الكلام على المسألتين بما فيه غنية، والإشارة إلى ذكر خلاف الأخفش فيهما وأنه وافق سيبويه في مسألة «أحمر».
والذي استفدناه زائدا هنا أن المبرد خالف 1 فيكون مذهبه في المسألتين خلاف ما عليه سيبويه والجماعة فيهما.
وأما قوله: وما لم يمنع إلّا مع العلميّة منكّرا بإجماع فقد قامت الإشارة إلى ذلك، والذي لا يمنع إلّا مع العملية هو زيادة الألف والنون في غير «فعلان فعلى» ووزن الفعل في غير «أفعل فعلاء» وما حمل عليه، والعدل في غير العدد، و «أخر» والتأنيث بغير الألف، والتركيب، والعجمة، وألف الإلحاق، وحكم ألف التكثير حكم ألف الإلحاق فتقول: مررت بعثمان وعثمان آخر، وبأحمد وأحمد آخر، وبعمر وعمر آخر، وبطلحة وطلحة آخر، وبمعدي كرب ومعدي كرب آخر، وبإبراهيم وبإبراهيم آخر، وبأرطى 2 وأرطى آخر، وبقبعثرى وقبعثرى آخر، وقد تقدم ذكر الموجب للصرف 3. وليعلم أن التنوين اللاحق لهذه الأسماء التي ذكرها هو تنوين الصرف، ولا يتوهم الصرف، ولا يتوهم أنه تنوين التنكير؛ لأن تنوين التنكير إنما يلحق الأسماء المبينة فرقا بين معرفتها، ونكرتها، وهذه الأسماء معربة.
قال ناظر الجيش: المراد في هذا الفصل الإشارة إلى كل اسم في آخره «ياء» تلي -

................................  كسرة مما هو ممنوع الصرف نحو: جوار وأعيم، ونحو: يغزو ويرمي مسمّى بهما، وأنا أورد أولا كلامه في شرح الكافية ثم أعود لما في الكتاب، قال 1 - رحمه الله تعالى -: «المنقوص الذي نظيره من الصحيح غير منصرف إن كان غير علم كجوار وأعيم تصغير أعمى، فلا خلاف أنه في الرفع والجر جار مجرى قاض في اللفظ، وفي النصب جار مجرى نظيره من الصحيح، فيقال: هؤلاء جوار وأعيم، ومررت بجوار وأعيم، ورأيت جواري وأعيمي كما يقال: هذا قاض ومررت بقاض ورأيت صواحب وأسيد، وكذا إن كان علما في مذهب الخليل وسيبويه 2 وأبي عمرو وابن أبي إسحاق 3 وأما يونس 4 وأبو زيد وعيسى والكسائي 5 فيقولون في قاض اسم امرأة: هذه قاضي، ورأيت قاضي، ومررت بقاضي، فلا ينون في رفع ولا جر، بل يثبتون الياء ساكنة في الرفع، ويفتحونها في الجر، كما تفعل بالصحيح، ومذهب الخليل هو الصحيح، لأن نظائر جوار من الصحيح لا ينوّن في تعريف ولا تنكير وقد نوّن، ونظائر قاض اسم امرأة لا ينون في تعريف وينون في تنكير، فتنوينه أولى من تنوين جوار، وقول الراجز: 3737 - قد عجبت منّي ومن يعيليا... لمّا رأتني خلقا مقلوليا 6 من الضرورات على مذهب الخليل، وليس من الضرورات على مذهب يونس 7، وشبه 8 ثمانيا بجوار من قال: -

................................  3738 - يحدو ثماني مولعا بلقاحها... حتّى هممن بزيغة الإرتاج 1 انتهى.
وما ذكره عن يونس ومن وافقه أنهم يقولون في قاض اسم امرأة: هذه قاضي، ورأيت قاضي، ومررت بقاضي، فهو جار عندهم في نحو جوار وأعيم إذا سمي بهما فيقولون: هؤلاء جواري، ورأيت جواري، ومررت بجواري، وكذا يقولون: هذا أعيمي، ورأيت أعيمي، ومررت بأعيمي.
وإذا تقرر هذا فقوله في التسهيل ينوّن في غير النّصب ما آخره ياء تلي كسرة من الممنوع الصّرف يشمل ما كان غير علم، وما كان علما، وكما شمل قوله: من الممنوع الصّرف نحو: جوار وأعيم ويغزو ويرمي مسمى بهما شمل نحو: قاض مسمّى به امرأة، ولما كان يونس يخالف في العلم فيثبت الياء ساكنة في الرفع ويفتحها في حالتي النصب والجر قال: «ويحكم للعلم منه بحكم الصّحيح إلّا في ظهور الرّفع».
اعلم أن «صحار» و «عذار» جمعي: صحراء وعذراء حكمهما في منع الصرف حكم «جوار» 2 لا شك أن نحو: صحراء وعذراء كما يجمع على «فعال» يجمع على «فعالى» بقلب الياء من «صحار» ألفا، لكن لما كان «فعال» ينوّن دون «فعالى» أشار المصنف إلى ذلك بقوله: فإن قلبت الياء ألفا منع التّنوين باتّفاق.
كان الواجب لذلك أن التنوين إنما هو تنوين عوض، وقد تقدم في فصل «التنوين» عنه عند سيبويه عوض من الياء لا من حركتها، والياء إنما حذفت لموجب، فلما حذفت أتى بالتنوين وصاغها، وأما الألف المنقلبة عن الياء فلا موجب -

................................  لحذفها وإذا لم تحذف كان الذي يؤتى به عوضا مستغنى عنه حينئذ.
فإن قيل: ما الموجب لتفرقة يونس ومن وافقه بين الاسم الذي هو علم والاسم الذي هو غير علم حتى إنهم نوّنوا نحو: جوار وأعيم ولم ينونوا نحو: قاض مسمّى به امرأة؟ فالجواب: أنهم ذكروا أن المقتضي لإثبات الياء وعدم التنوين على رأي هؤلاء الجماعة أنهم يزعمون أن التنوين في «جوار» ونحوه تنوين صرف لشبه «جوار» بعد حذف الياء بنحو: جناح وسلام، ولا يمكنهم أن يدّعوا في قاض اسم امرأة إذا قلنا: هذه قاض أن التنوين تنوين صرف؛ لأن علة منع صرفه قائمة، ولا يسعهم أن يقدروه عريّا عنها، ولا يمكن أن يكون التنوين للعوض؛ فلذلك حذفوه في «قاض» اسم امرأة، وأثبتوا الياء.
وأقول: مقتضى هذا الجواب أننا إذا سمينا مذكرا بنحو «جوار» أن ينصرف؛ إذا ليس فيه حينئذ إلّا علة واحدة وهي العلمية؛ لأنهم قد حكموا بصرفه قبل التسمية لصيرورته كجناح وسلام، ورأيت في شرح الشيخ 1 أنهم يمنعونه للعلمية وشبه العجمة، ولم يظهر لي وجه شبه العجمة، لأن مثال: جناح وسلام من الأوزان العربية.
وأما قولهم: إن التنوين في «قاض» اسم امرأة لا يمكن أن يكون للعوض فممنوع، فقد ذكروا 2 أن تنوين الصرف حذف منه للعلمية والتأنيث وعادت الياء التي كانت حذفت بسببه ثم حذفت الياء منه رفعا وجرّا كما حذفت من «جوار» قبل التسمية به؛ لأن الياء من «قاض» قد انضاف إلى ثقلها ثقل الاسم الذي أوجب له منع الصرف، كما أنها من «جوار» كذلك ثم عوض منها التنوين بعد الحذف كما فعلوا ذلك بجوار؛ لأن الياء المحذوفة لثقلها وثقل الاسم الذي هي فيه إنما تحذف بشرط أن يعوض منها التنوين، بدليل أنهم لا يحذفونها من «الجواري» ولا من «جواريك» لتعذر تعويض التنوين منها.
وأما إظهارهم الفتحة في الياء حالة الجر لخفتها، فقد قيل: إنها خطأ، لأن العرب أجرتها مجرى ما يستثقل في الياء وهو الكسرة، ولما كانت مثلها علامة خفض فحذفوها لذلك، والدليل على هذا أنهم لم يقولوا قبل التسمية: مررت -

[الآراء في إعراب المركب المزجي]

قال ابن مالك: (فصل قد يضاف صدر المركّب فيتأثّر بالعوامل ما لم يعتلّ، وللعجز حينئذ ما له لو كان مفردا، وقد لا يصرف «كرب» مضافا إليه «معدي»، وقد يبنى هذا المركب تشبيها بخمسة عشر).
بجواري كما قالوا في النصب: رأيت جواري، ولو كانت الفتحة التي هي علامة للخفض لا تحذف من الياء لخفتها كما ذهبوا إليه لقالوا ذلك 1. قال ناظر الجيش: لما قدم أن التركيب - وهو تركيب المزج - الذي عبر عنه [5/ 77] بأنه «يضاهي لحاق هاء التّأنيث» يمنع ما هو فيه الصرف مع العلمية، أشار الآن إلى أن له في اللغة استعمالين آخرين وهما: إضافة الجزء الأول إلى الثاني، وبناء الجزء الأول والثاني كالبناء في «خمسة عشر».
وأفاد بقوله هنا: قد يضاف، وقد يبنى إلى أن اللغة الأولى وهو إعراب الاسم بتمامه إعراب ما لا ينصرف هي اللغة الكبرى، وأن الإضافة فيه أشهر من البناء، قال في شرح الكافية 2: «المركب تركيب مزج نحو: بعلبك، ومعدي كرب، في الأصل اسمان جعلا اسما واحدا لا بإضافة ولا إسناد، بل يتنزل ثانيهما من الأول منزلة تاء التانيث، ولذلك التزم فتح آخر الأول إن كان صحيحا كـ «لام» بعلبك، وإن كان معتلّا كـ «ياء» معدي كرب التزم سكونه تأكيدا للامتزاج، ولأن ثقل التركيب أشد من ثقل التأنيث فجعلوا لمزيد الثقل مزيد تخفيف بأن سكنوا «ياء» معدي كرب ونحوه، وإن كان مثلها قبل تاء التأنيث يفتح، وقد يضاف أول جزأي المركب إلى ثانيهما فيستصحب سكون «ياء» معدي كرب ونحوه تشبيها بـ «دردبيس» 3، فيقال: رأيت معدي كرب؛ ولأن من العرب من سكن مثل هذه الياء في النصب مع الإفراد تشبيها بالألف، فالتزم في التركيب لزيادة الثقل ما كان جائزا في الإفراد، والثاني من الجزأين إذا أضيف الأول إليه يعامل معاملته لو كان مفردا، فإن كان فيه -

[ما يمتنع صرفه للوصفية والعدل]

قال ابن مالك: (فصل العدل المانع مع الوصفيّة مقصور على «أخر» مقابل «آخرين» وعلى موازن «فعال» و «مفعل» من عشرة وخمسة فدونها سماعا وما بينهما قياسا، وفاقا للكوفيين والزّجّاج، ولا يجوز صرفها مذهوبا بها مذهب الأسماء، خلافا للفرّاء ولا منكّرة بعد التّسمية خلافا لبعضهم).
مع التعريف سبب يؤثر منع الصرف منع الصرف كـ «هرمز» من «رامهرمز» 1 فإن فيه مع التعريف عجمة مؤثرة، فيجر بالفتحة ويعرب الأول بما تقتضيه العوامل نحو: جاء رامهرمز، ورأيت رامهرمز، ومررت برامهرمز، ويقال في حضر موت: هذا حضر موت، ورأيت حضر موت، ومررت بحضر موت؛ لأن «موتا» ليس فيه مع التعريف سبب ثان، وكذلك «كرب» في اللغة المشهورة 2، وبعض العرب لا يصرفه فيقول في الإضافة إليه: هذا معدي كرب فجعله مؤنثا.
انتهى.
وقد عرف من هذا شرح ما تضمنه هذا الفصل والذي ذكره هنا من بناء الجزأين زائد على ما ذكره ثمّ 3. قال ناظر الجيش: قد علم مما تقدم أن العدل من العلل المانعة الصرف، ولكن لم يتعرض إلى ذكر الصيغ التي حصل فيها العدل، فأشير في هذا الفصل إلى ذلك، ولما كان العدل منه ما يمنع مع الوصفية، ومنه ما يمنع مع العلمية ميز المصنف أحدهما عن الآخر، وبدأ بذكر ما يمنع مع الوصفية، ثم ذكر ما يمنع مع العلمية لأن الذي يمنع مع الوصف مقدم الذكر في أول الباب على الذي يمنع مع العلمية، لكن قد ذكر المصنف في هذا الباب أن العدل يمنع مع أمر ثالث أيضا وهو: شبه العلمية أو الوصفية كما سيجيء تقريره.
أما العدل المانع مع الوصفية فهو مقصور - كما ذكرنا - على «أخر» وعلى موازن «فعال» و «مفعل» من أسماء العدد، قال في شرح الكافية 4: «أما أخر فهو المقابل لآخرين، وهو جمع أخرى أنثى آخر، لا جمع أخرى، -

................................  بمعنى آخرة، فإن أخرى قد تكون بمعنى آخرة قال الله تعالى: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ 1 وهذه تجمع على «أخر» مصروفا، لأنه غير معدول، ذكر ذلك الفراء 2 رحمه الله تعالى، والفرق بين أخرى وأخرى 3 أن التي هي أنثى آخر لا تدل على الانتهاء كما لا يدل عليه مذكرها؛ فلذلك يعطف عليها أمثالها في صنف واحد [كقولك: عندي بعير وآخر وآخر وآخر، وعندي ناقة وأخرى وأخرى وأخرى، وأما أخرى بمعنى آخرة فتدل على الانتهاء ولا يعطف عليها مثلها في صنف واحد]، وإذا علم الفرق بين أخرى وأخرى، وآخر وآخر، فليعلم أن مانع «أخر» من الصرف الوصفية والعدل، فالوصفية ظاهرة، والعدل أيضا بيّن، وذلك أنه من باب «أفعل التفضيل» وأصله أن لا يجمع إلّا مقرونا بالألف واللام كـ «الكبر» و «الصّغر» فعدل عن أصله وأعطي من الجمعية مجردا ما لا يعطى غيره إلا مقرونا، فهذا عدل من الألف واللام لفظا، ثم عدل عن معناهما لأن الموصوف به لا يكون إلا نكرة، وكان حقه إذا عدل عن لفظهما أن ينوى معناهما مع زيادة كما نوي معنى اثنين بـ «مثنى» مع زيادة التضعيف، وكما نوي بـ «يا فسق» معنى: يا فاسق مع زيادة المبالغة، وكما نوي معنى: عامر بـ «عمر» مع زيادة الوضوح، فلما عدل «أخر» ولم يكن في عدله زيادة كغيره من المعدولات كان بذلك معدولا عدلا ثانيا كـ «مثنى» وأخواتها فهذا اعتبار صحيح وأجود منه أن يقال: كان أصل «أخر» لتجرده عن الألف واللام 4 أن يستغنى فيه بـ «أفعل» عن «فعل» كما يستغنى بـ «أكبر» عن «كبر» في نحو: رأيتها مع نسوة أكبر منها لكنهم أوقعوا «فعلا» موقع «أفعل» فكان ذلك عدلا من مثال إلى مثال وهو أولى من العدل عن مصاحبة الألف واللام لكثرة نظائره وقلة نظائر الآخر، ولأن المعدول إليه حقه أن يزيد معنى، وذلك في هذا الوجه محقق لأن تبين الجمعية بـ «أخر» أكمل من تبيينها بـ «آخر» ولأن الوجه الأول يلزم منه مساواة «أخر» لـ «سحر» في زوال العدل بالتسمية، وقد نص سيبويه 5 على أن «أخر» إذا -

................................  سمّي به لا ينصرف لبقاء العدل، ولا يكون ذلك إلّا بالعدل عن مثال إلى مثال بخلاف العدل عن الألف واللام.
وأما المعدول في العدد فهو من «واحد» إلى «أربعة» بلا خلاف وهي على «فعال» أو «مفعل» نحو: رأيت القوم أحاد أو موحد، ومررت بهم ثناء أو مثنى، ونظرت إليهم ثلاث أو مثلث، وأعطيتهم دراهم رباع [5/ 78] أو مربع، وقد يقال: ربع، وبه قرأ 1 ابن وثّاب.
ولم تستعمل هذه الأمثلة إلّا نكرات، إما أخبار كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صلاة اللّيل مثنى مثنى» 2، وإما أحوال كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ 3، وإمّا نعوت لمنكرات، كقوله تعالى: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ 4، وامتناعها من الصرف عند سيبويه وأكثر النحويين 5 للعدل والوصفية، ومنهم 6 من جعل امتناعها للعدل في اللفظ وفي المعنى، أما في اللفظ فظاهر، وأما في المعنى فلأن مفهوماتها تضعيف أصولها، فأدنى المفهوم من «أحاد» أو «موحد» اثنان، ومن «ثناء» أو «مثنى» أربعة، وكذلك سائرها، فصار فيها عدلان، وروي فيها عن بعض العرب: مخمس، وعشار، ومعشر، ولم يرد غير ذلك، وأجاز الكوفيون والزجاج 7 أن يقال قياسا: خماس، وسداس، ومسدس، وسباع ومسبع، وثمان ومثمن، وتساع ومتسع» انتهى كلامه ولا يحتاج الطالب معه في -

[حكم وزن فعل توكيدا]

قال ابن مالك: (والمانع مع شبه العلميّة أو الوصفيّة في فعل توكيدا).
الإبانة عما ذكر في هذا الفصل إلى غيره.
وأما قوله «ولا يجوز صرفها مذهوبا بها مذهب الأسماء خلافا للفرّاء» فالظاهر بل المتعين أن الضمير في «صرفها» و «بها» إنما يرجع للمعدولات من أسماء العدد، ولم يتحقق مراده من قوله: «مذهوبا بها مذهب الأسماء» ولم أعلم مستند الفراء في إجازته صرفها.
وأما قوله: «ولا منكّرة بعد التّسمية خلافا لبعضهم» فقد تقدمت الإشارة إلى ذكر هذه المسألة في الفصل المفتتح بقوله: «ما منع صرفه دون علميّة منع معها» وذكر من خالف في ذلك.
قال ناظر الجيش: قدم المصنف على ذكر العدل المانع مع العلمية [ذكر العدل المانع مع شبه العلمية] أو الوصفية، ومراده بذلك: جمع المستعملة في التوكيد وتوابعها وهي: كتع، وبصع، وبتع وهن جمع: جمعاء وكتعاء وبصعاء وبتعاء، قال في شرح الكافية 1: «ومن الممنوع من الصرف للعدل والتعريف: جمع وتوابعه، فإنها لا تنصرف للعدل والتعريف، فأما تعريفها فبالإضافة المنوية 2، فإن أصل: رأيت النساء جمع: رأيت النساء جمعهنّ، كما يقال: رأيتهن كلّهن، فحذف الضمير للعلم به واستغنى بنية الإضافة وصار جمع لكونه معرفة بغير علامة ملفوظ بها، كأنه علم وليس بعلم؛ لأن العلم إما شخصيّ وإما جنسيّ، والشخصيّ مخصوص ببعض الأشخاص فلا يصلح لغيره، والجنسي مخصوص ببعض الأجناس فلا يصلح لغيره، وجمع بخلاف ذلك، فالحكم بعلميته باطل، قال: وما قررته ظاهر قول سيبويه فإنه قال 3: وسألته - يعني الخليل - عن جمع وكتع فقال: هما معرفة «كلهم» وها معدولتان عن جمع جمعاء، وجمع كتعاء هذا نصه.
-

................................  وأما العدل فعن «فعلاوات» لأنه جمع «فعلاء» مؤنث «أفعل» وقد جمع المذكر بالواو والنون فكان حق المؤنث أن يجمع بالألف والتاء كـ «أفعل»، و «فعلى»، لكن جيء به على «فعل» فعلم أنه معدول عن «فعلاوات» وليس معدولا عن «فعل» كما قال الأخفش والسيرافي 1، لأن «أفعل» المجموع بالواو والنون لا يجمع مؤنثه على «فعل» بسكون العين، ولا هو معدول عن «فعالى» 2 لأن «فعلاء» لا يجمع على «فعالى» إلّا إذا لم يكن له مذكر على «أفعل» وكان اسما محضا كصحراء، وجمعاء بخلاف ذلك فلا أصل له في «فعالى» ولا «فعل» وإنما أصله: جمعاوات كما قيل في مذكره: أجمعون انتهى.
وقد جعل المانع من الصرف في هذه الكلمات مع العدل شبه العلمية وبيّن الشبه بقوله: «وصار جمع لكونه معرفة بغير علامة ملفوظ بها كأنه علم»، ولا شك أن كون إحدى العلتين فيها هو: شبه العلمية هو الظاهر، وأما شبه الوصفية فلم يتقرر لي، لكن قال الشيخ 3: «وأما جهة شبه العلمية أو الوصفية فمن حيث جمع مذكره بالواو والنون كان شبيها بالعلمية، ومن حيث كان المؤنث على «فعلاء» والمذكر على «أفعل» كان شبيها بالصفة؛ لأن ما هذه سبيله فهو صفة» انتهى.
وأقول: أما قوله «إنه من حيث جمع مذكره بالواو والنون كان شبيها بالعلمية «فمدفوع» بأمرين: أن الجمع بالواو والنون ليس مخصوصا بالأسماء الأعلام، بل الصفات تشاركها في ذلك، وأن المصنف بيّن في شرح الكافية أن مراده بشبه العلمية في هذه الكلمات كونها معرفة بغير علامة ملفوظ بها.
وأما ما قاله في شبه الوصفية فربما يقبل على أنه يمكن أن يقال: إن المراد بشبه الوصفية كونها تستعمل أبدا تابعة لما قبلها كما هو شأن الصفات، ثم إن الشيخ -

................................  قال 1: «أما أن العدل يمنع مع شبه العلمية فقد قيل به، وأما أن العدل يمنع مع شبه الوصفية في باب جمع فلا أعلم له فيه سلفا من النحاة.
انتهى.
وأما ما هذه الكلمات معدولة عنه فقد عرفت أنها معدولة إما عن «فعل» على قول، وإما عن «فعالى» على قول، وإما عن «فعلاوات» على قول، وأن كونها عن «فعلاوات» هو اختيار المصنف، قال الشيخ 2: «والذي نختاره أن جمع معدول عن الألف واللام؛ لأن مذكره جمع بالواو والنون فقالوا: أجمعون كما قالوا: الآخرون، فقياسه أنه إذا جمع كان معرّفا بالألف واللام، فهو في حال الجمع من باب «أفعل» الذي مؤنثه «الفعلى»، وفي حال الإفراد من باب «أحمر وحمراء»، وأشبه «أجمع»، «أحمر» حتى جعلوا مؤنثه على «فعلاء» من حيث لا يقال فيه: هو أجمع من كذا» انتهى.
وهو كلام عجيب ويظهر أنه مدفوع من جهات: أحدها: أن كلمة واحدة كيف يكون إذا جمعت يكون مفردها من باب، وإذا لم تجمع يكون ذلك المفرد من باب آخر وهذا لا يعرف له نظير؟ ثانيها: أنه يلزم مما قاله من أن قياس «جمع» أن يكون بالألف واللام أن يكون «أجمعون» كذلك فيقال فيه: الأجمعون كما قيل: الآخرون، أو يدعى فيه أنه معدول مما فيه اللام ولا قائل بذلك.
ثالثها: [5/ 79] أنه نقل القولين المشهورين في تعريف هذه الكلمة هل هو بالعلمية أو بنية الإضافة؟ ولا ينافي القول بذلك مع كون الكلمة معدولة عما فيه اللام، فكان الواجب أن يقول عند ذكر هذين القولين: إن التعريف إنما هو بنية اللام كما يقال في تعريف «سحر» فسكوته عن ذلك تقرير منه لما ذكروه من أن التعريف إما بالعلمية أو بنية الإضافة، ومع ذلك يتعذر القول عما فيه اللام.
والحق أنني لم يظهر لي ما قاله في هذه المسألة وقد يكون له توجيه صحيح خفي عني.

[حكم سحر ووزن فعل ووزن فعال علما وغيره]

قال ابن مالك: (ومع العلميّة في سحر الملازم للظّرفيّة وفيما سمّي به من المعدولات المذكورة، ومن «فعل» المخصوص بالنّداء، وفي «فعل» المعدول عن «فاعل» علما، وطريق العلم به سماعه غير مصروف عاريا من سائر الموانع، وفي حكمه عند تميم «فعال» معدولا علما لمؤنّث كـ «رقاش»، ويبنيه الحجازيّون كسرا، ويوافقهم أكثر تميم فيما لامه راء، واتّفقوا على كسر «فعال» أمرا أو مصدرا أو حالا أو صفة جارية مجرى الأعلام، أو ملازمة للنّداء، وكلّها معدول عن مؤنّث فإن سميّ ببعضها مذكّر فهو كـ «عناق» وقد يجعل كـ «صباح» فإن سميّ به مؤنّث فهو كـ «رقاش» على المذهبين، وفتح «فعال» أمرا لغة أسديّة).
قال ناظر الجيش: هذا شروع في ذكر العدل المانع مع العلمية، فتقدير كلامه: والمانع مع العلمية واقع في كذا وفي كذا، وقد تقدم لنا أن العدل مع العلمية نوعان: عدل عن مثال إلى غيره، وعدل عن مصاحبة الألف واللام إلى المجرد عنها، وأن الأول أقسام أربعة: المعدول من «فاعل» علما إلى «فعل» كعمر ومضر وثعل وزحل.
وما جعل علما من المعدول إلى «فعل» في النداء كغدر وفسق.
و «فعل» الذي في التوكيد كجمع وتوابعه.
و «فعال» كرقاش.
وأن الثاني كلمتان وهما: سحر وأمس.
فأما «جمع» الواقعة توكيدا وأخواتها فقد أفردها بالذكر؛ لأنه جعل المانع فيها مع العدل شبه العلمية أو الوصفية وتقدم الكلام عليها.
وأما «أمس» فقد تقدم له الكلام عليها في باب «المفعول المسمى ظرفا ومفعولا فيه».
بقي الكلام الآن موجها إلى ثلاثة الأقسام الباقية وإلى كلمة «سحر» وقد أشار إليها المصنف هاهنا وذكر أمرا زائدا وهو الذي أشار إليه بقوله: وفيما سمي به من المعدولات المذكورة، وأراد بالمعدولات المذكورة التي تقدم ذكره لها في هذا الفصل وهي: أخر -

................................  وأسماء العدد التي هي: مفعل وفعال وجمع وتوابعها، أعني: كتع وبصع وبتع التي عبر عنها بقوله: «في فعل توكيدا» لأن هذه هي التي تقدم له ذكرها، ولا شك أن الأمر كما ذكره، أعني إذا سمي بشيء من هذه الكلمات وجب منع صرفه، لكن ليس الكلام الآن إلّا في العدل الذي لا يمنع الصرف إلّا مع العلمية، أما العدل الذي يمنع الصرف مع غير العلمية فلا مدخل لذكره مع المذكور في هذا الموضع، نعم يذكر ذلك على أنه مسألة مستقلة، وقد ذكره في فصل متقدم حيث قال: «ما منع صرفه دون علميّة منع معها» وتقدم الكلام على ذلك أيضا، وإذ قد تقدم الكلام فيه فلا يتعرض للكلام عليه هنا.
وإذا عرف فلنرجع إلى حل ألفاظ الكتاب فنقول: قدم المصنف الكلام على ما عدل عن مصاحبة الألف واللام إلى المجرد عنها وهو «سحر» ثم ثنى بذكر ما عدل عن مثال إلى غيره وهو الأقسام الثلاثة التي أشرنا إليها آنفا.
أما «سحر» فله حالات وإنما يمتنع صرفه في حالة واحدة منها، وذلك أنه إما أن لا يراد به معين، وإما أن يراد به معين، وإذا أريد به معين، فإما أن لا يستعمل ظرفا، وإما أن يستعمل ظرفا.
فالحالات ثلاث.
مثال ذلك في الحالة الأولى: قوله تعالى: نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ 1. ومثاله في الحالة الثانية: السحر وقت طيب، وسحر ليلة الجمعة مبارك، ولا بد له في هذه الحالة أن يكون معرفا بالألف واللام أو بالإضافة.
ومثاله في الحالة الثالثة: صليت يوم الجمعة سحر، ولا بد له في هذه الحالة أن يكون مجردا من الألف واللام والإضافة؛ لأنه لا بد أن يكون معرفا بالعلمية أو بما يشبه العلمية، وذلك إنما يكون بالنية لا بأداة في اللفظ، وهذه هي الحالة التي يمتنع صرفه فيها، وتصرّفه في هذه الحالة ممتنع أيضا فـ «سحر» في هذه الحالة لا يتصرّف ولا ينصرف، أما عدم تصرفه فلكونه لم تستعمله العرب غير ظرف، وأما عدم انصرافه فللعدل والتعريف إما بالعلمية أو بغيرها كما سيذكر، قال المصنف في شرح الكافية 2 ومما منع صرفه للعدل والتعريف «سحر» إذا قصد به سحر يوم بعينه وجعل ظرفا كقولك: خرجت يوم الجمعة سحر، والأصل أن يذكر معرفا -

................................  بالألف واللام فعدل عن الألف واللام وقصد تعريفه فاجتمع فيه العدل والتعريف، فمنع من الصرف ولا يكون هذا إلّا مفعولا فيه، ويمنع قصد تعيينه مصاحبة الألف واللام، فلو لم تقصد ظرفيته وقصد تعيينه لم يستغن عن الألف واللام أو الإضافة كقولك: استطبت السحر وطاب السحر، وقمت عند السحر، وزعم صدر الأفاضل 1 أن سحر المشار إليه مبني على الفتح لتضمنه معنى حرف التعريف، وما ذهب إليه مردود بثلاثة أوجه: أحدها: أن ما ادعاه ممكن وما ادّعيناه ممكن، لكن ما ادعيناه أولى، فإنه خروج عن الأصل بوجه دون وجه؛ لأن الممنوع الصرف باقي الإعراب بخلاف ما ادّعاه؛ لأنه خروج عن الأصل بكل وجه.
الثاني: أنه لو كان مبنيّا لكان غير الفتحة أولى به؛ لأنه في موضع نصب فيجب اجتناب الفتحة فيه لئلّا يتوهم [5/ 80] الإعراض كما اجتنبت في «قبل» و «بعد» والمنادى المبني.
الثالث: أنه لو كان مبنيّا لكان جائز الإعراب جواز إعراب «حين» في قوله: 3739 - على حين عاتبت المشيب على الصّبا 2 لتساويهما في ضعف سبب البناء لكونه عارضا، وكان يكون علامة إعرابه ثبوته في بعض المواضع، وفي عدم ذلك دليل على عدم البناء وأن الفتحة إعرابية، وأن عدم التنوين إنما كان من أجل منع الصرف فلو نكر «سحر» وجب التصرّف والانصراف كقوله تعالى: نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا 3 انتهى.
وقد جعل المانع للصرف مع العدل في هذه الكلمة التعريف بنية الألف واللام، وفي التسهيل صرح كما رأيت بأن المانع منها العدل والعلمية، والظاهر ما ذكره في الشرح وهو والذي ذهب إليه ابن عصفور 4، وكلام ابن أبي الربيع موافق لكلام المصنف، فإنه قال عند ذكره «سحر»، أرادوا إلى واحد مخصوص لم يريدوا -

................................  شائعا 1 فكان القياس أن يعرفوه باللام أو بالإضافة، فعدلوا عن هذا إلى أن جعلوه علما لهذا الزمان فقالوا: سحر، فلزم هذا القصد من العلمية إلى أن عدلوا من لفظ إلى لفظ بعد أن قصدوا اللفظ الأول ثم تركوه إلى غيره، قال: وهذا بخلاف العدل في عمر، فإنهم أرادوا أن يسموا الرجل بـ «عامر» فعدلوا عنه إلى عمر، وكذلك زفر وقثم وما أشبههما فإنما عدلوا من: عامر وزافر وقاثم من غير شيء كان ذلك».
وقد ذكر الشيخ 2 عن بعضهم 3 أن ترك تنوينه إما هو من أجل نية الألف واللام كما جاء عن العرب: سلام عليكم بترك التنوين على نية الألف واللام في سلام، وعن بعضهم 4 أن ترك تنوينه إنما هو على نية الإضافة، قال: «وعلى هذين القولين لا يكون سحر من باب ما لا ينصرف في شيء».
وثم سؤال ها هنا وهو أن يقال: ما الفرق بين «سحر» و «أمس» المستعمل غير ظرف على لغة من يبنيه؟ وأما ما عدل من مثال إلى غيره فهو ثلاثة أقسام كما عرفت: الأول: فعل المخصوص بالنداء، قال المصنف في شرح الكافية 5: «ومن الممنوع من الصرف للعدل والتعريف ما جعل علما من المعدول إلى «فعل» في النداء كغدر، وفسق، فحكمه حكم عمر وهو أحق من عمر بمنع الصرف؛ لأن عدله محقق وعدل عمر مقدر» انتهى.
ومن ذلك: خبث ولكع، وذكروا 6 أنها كلمات تحفظ ولا يقاس عليها وهي معدولة عن: فاسق، وغادر، وخبيث، وألكع، وهي مختصة بالنداء فلم تعدل إلّا فيه فإذا سمي بشيء منها امتنع صرفه للعلمية ومراعاة اللفظ المعدول، ومن ثم قال ابن خروف: «ولا فرق بينه وبين أحاد وجمع، فإن سيبويه يمنعهما الصرف عند التسمية؛ لأن تلك إن كانت معدولة في حال الوصف والتأكيد، فكذلك هذه -

................................  معدولة في حال النداء، فلا يزول حكم العدل إلّا بزوال البناء، وكذلك فعال في المؤنث» 1 انتهى كلام ابن خروف، وهو كلام حسن.
ونقل الشيخ 2 عن ابن السيد وعن آخر 3، أنهما يريان صرف نحو: فعل المعدول في النداء إذا سمي به قالا: لأنه لم يعدل إلّا في النداء، قال 4: وحكي ذلك عن الأخفش 5 أيضا.
وأقول: إن هذا مما لا يعول عليه، وقد رأيت كلام ابن خروف، ولا شك أن الذي قاله هو الحق.
القسم الثاني: «فعل» المعدول عن «فاعل» علما، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا القسم، وذكر أن علامة العدل فيه منع العرب صرفه مع انتفاء التأنيث؛ ولهذا جعل عدله تقديريّا، فإن صرف حكم بأنه غير معدول كـ «أدد» أو أمكن تأنيثه فكذلك أيضا نحو: طوى في لغة من لم يصرف، فإن تأنيثه باعتبار كونه اسم بقعة ممكن فهو أولى من ادعاء العدل؛ لأن العدل قليل والتأنيث كثير، ولأن ما ثبت عدله وتعريفه فمنعه لازم ما لم ينكر، و «طوى» ذو وجهين فلا يكون معدولا، وهذا هو كلام المصنف في شرح الكافية 6، وإنما أعدت ذكر ذلك قصدا لإراحة الناظر من أن يراجع ما قبل.
ولما كانت علامة العدل في هذا القسم منعه الصرف مع انتفاء التأنيث قال المصنف: وطريق العلم به - يعني بعدله - سماعه غير مصروف عاريا من سائر الموانع.
ولا شك أن قوله عاريا من سائر الموانع أحسن وأشمل من قوله في شرح الكافية «مع انتفاء التأنيث».
وليعلم أن صيغة «فعل» تكون غير معدولة، وعنها احترز المصنف بقوله المعدول -

................................  عن فاعل، وغير المعدولة إما اسم جنس كـ «ثغر» 1 و «صرد» 2 أو صفة كـ «حطم» 3 و «لبد» 4 أو مصدر كـ «هدى» و «تقى» أو جمع كـ «غرف» 5، وجعل الشيخ 6 قول المصنف «عن فاعل» احترازا من: فعل المعدول عن غير فاعل كأخر وجمع، وقوله «علما» احترازا عن فعل المعدول عن فاعل في النداء؛ لأنه ليس بمعدول في حال كونه علما.
ثم إنه 7 استدرك عليه «ثعل» فإنه لا ينصرف كـ «عمر» وهو معدول عن: أثعل لا عن ثاعل.
وأقول: إن ذكر هذه المسألة وهي «ثعل» قد تقدم 8، ولقائل أن ينازع في ذلك إلّا إن كانت الأئمة متفقين على أنه معدول «أفعل» فلا كلام.
القسم الثالث: «فعال» علما لمؤنث، فإنه ممنوع الصرف للعلمية والعدل، ولكن هذا في لغة التميميين، وأما الحجازيون فيبنونه على الكسر، قال المصنف في شرح الكافية 9: «ومن الممنوع للعدل والتعريف: رقاش ونحوه من أعلام المؤنث الموزونة بهذا المثال، فهذا النوع في لغة بني تميم معرب ممنوع من الصرف، وهو في لغة الحجازيين مبني على الكسر 10، ووافقهم [5/ 81] التميميون 11 إلّا قليلا في بناء ما آخره «راء» كـ «ظفار» و «وبار» 12، وما التزم إعرابه من موازنات «فعال» فليس بمعدول كـ «دلال» اسم امرأة، ولا يكون المعدول إلّا اسم مؤنث، فإن توهّم تذكير قدّر تأنيث كما قدر سيبويه 13 مسمّى «سفار» وهو ماء 14: -

................................  ماءة ومسمى «حضار» وهو اسم كوكب: كوكبة.
ولما سمي به مؤنث من نحو: نزال وفساق ويسار وكفاف ما لرقاش في اللغتين من بناء على اللغة الحجازية ومنع صرف على اللغة التميمية، قال: وإنما قيدت ذلك بكونه اسم أنثى؛ لأن المسمى به مذكر من «فعال» كله لا يكون إلّا معربا غير منصرف 1، ومن العرب من يصرف «فعال» المسمى به ذكر تشبيها بـ «صباح» حكى ذلك سيبويه 2 رحمه الله تعالى.
انتهى.
وقد قصر كلامه في التسهيل على ذكر أحكام «فعال» المعدول، ولم يتعرض إلى ذكر غير المعدول مما صيغته موازنة لصيغة المعدول، والجماعة المغاربة كابن عصفور وابن أبي الربيع ذكروا تقسيم الصيغة من رأس، فذكروا 3 غير المعدول وهو أربعة: اسم مفرد كـ «جناح» و «عناق».
وصفة كـ «جواد» و «جبان».
ومصدر كـ «ذهاب».
واسم جنس تفصل بينه وبين واحدة تاء التأنيث كـ «سحاب».
والذي اعتمده المصنف من الاقتصار على ذكر المعدول هو الواجب؛ لأن غير المعدول مما صيغته موازنة لصيغة المعدول لا يحتاج إلى ذكره؛ لأنه حكم بقية الأسماء في الإعراب والصرف ما دام نكرة 4، وإن سمي به فالأمر فيه كذلك أيضا؛ لأنه إن كان مسماه مؤنثا لم ينصرف للتأنيث والعلمية، وإن كان مسماه مذكرا انصرف إلا أن يكون أصله التأنيث كـ «عناق» اسم رجل 5. ولما كان الأمر في غير المعدول كذلك وجه المصنف كلامه إلى المعدول خاصة وقسمه قسمين: ما عدل علما لمؤنث كـ «رقاش» و «حذام» و «قطام».
-

................................  وما عدل غير علم وهو أربعة أشياء: اسم فعل كـ «نزال» وو مصدر كـ «فجار»، وحال كـ «بداد» من قولهم: جاءت الخيل بداد أي متبددة، وصفة إما مستعملة في غير النداء كـ «حلاق» للمنية وإما مخصوصة بالنداء كـ «فساق».
فإن قيل: كيف جعل نحو: «فجار» مع كونه علما للفجرة - قسيما للمعدول الذي هو علم أيضا كـ «رقاش»؟ قلت: الظاهر أن المراد بالعلمية الشخصية، ولا شك أن علمية نحو: «فجار» جنسية فلم يكن داخلا في المعدول الذي علميته شخصية.
وإذا عرف أن المعدول المذكور قسمان، فلنذكر القسم الأول ثم الثاني فنقول: قد أشار المصنف إلى الأول بقوله: وفي حكمه أي وفي حكم «فعل» المذكور في منع الصرف عند تميم «فعال» معدولا علما لمؤنث كـ «رقاش» فبنو تميم 1 يمنعونه الصرف، وعلة منعهم إيّاه الصرف العدل والعلمية فهو جار مجرى «عمر» لأن «رقاش» - مثلا 2 - معدول عن علم، كما أن عمر كذلك، هذا مذهب سيبويه 3 ومذهب المبرد 4 أن علة منع صرفه العلمية والتأنيث، ولكن المشهور في المسألة هو مذهب سيبويه، وإن كان ما ذهب إليه المبرد هو الظاهر، وقد رجّح 5 مذهب سيبويه بأن مذهب المبرد يلزم منه أن يكون «حذام» وأمثالها أسماء مرتجلة لا أصل لها في النكرات، والغالب على الأعلام أن تكون منقولة فتكون هذه الأسماء على رأي سيبويه لها أصول في النكرات قد عدلت عنها بعد أن صيّرت تلك الأصول [أعلاما].
وأما قوله: «معدولا» فيحترز به عن الصيغة الموازنة «فعال» ولكنها غير معدولة كـ «جناح» وشبهه من أمثلة الأقسام غير المعدولة المتقدم ذكرها.
وقوله: «لمؤنّث» نبّه به على ما ذكره في شرح الكافية بقوله 6 «ولا يكون المعدول -

................................  إلا اسم مؤنث حتى إن توهم تذكير قدّر تأنيث كما قدّر سيبويه 1 مسمى «سفار» وهو ماء: ماءة، ومسمى «حضار» وهو اسم كوكب: كوكبة.
وأشار إلى لغة الحجازيين بقوله: «ويبينه الحجازيون كسرا» قال سيبويه: «هي اللغة الأولى والقدمى»، وسيأتي الكلام على علة بنائه.
وأما موافقة أكثر تميم للحجازيين فيما لامه «راء» فقد ذكر الأئمة 2 لذلك علة وهي أن الراء توجب من الإمالة ما لا يوجبه غيرها إذا كانت مكسورة، ويمنع من الإمالة ما لا يمنع غيرها إذا كانت مفتوحة أو مضمومة فهم يحافظون عليها.
وإنما قال ««أكثر تميم» لأن بعضهم يعربه كما يفعل في «حذام» وقد جمع الشاعر 3 بين اللغتين قال: 3740 - ومرّ دهر على وبار... فهلكت جهرة وبار 4 والقوافي مرفوعة، وأول القصيدة: 3741 - ألم تروا إرما وعادا... أودى بها اللّيل والنّهار 5 وقد قيل 6: إن «وبار» التي في آخر البيت ليس اسما وإنما الواو عاطفة و «بار» فعل ماض مسند إلى ضمير الجماعة، والمعنى: أن الدهر أهلك أهل وبار، ولا يريد -

................................  بذلك المكان وإنما يريد: أهله، فأعاد الضمير في «هلكت» مؤنثا على «وبار» مراعاة للفظ «وبار» ثم أعاد الضمير جمعا على «الأهل» المحذوف أي: وبار أهلها أي: هلكوا على جهة التأكيد من حيث المعنى، ونظير ذلك قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ 1. وإذا سمي مذكر بـ «حذام» و «رقاش» و «قطام» ونحوها فإنه يعرب ممنوع [الصّرف] 2 كان في آخره «راء» أو لم يكن 3، وذكر سيبويه 4 أن من العرب من يصرفه؛ لأنه معدول عن مؤنث وتسمية المذكر به يذهب التأنيث.
ثم أشار إلى القسم الثاني وقد عرفت أنه أربعة أشياء بقوله: واتّفقوا على كسر فعال أمرا أو مصدرا أو حالا أو صفة».
فمثال الأمر 5: «نزال» و «نعاء» و «حذار» و «نظار» و «مناع» وقولهم للضّبع: دباب أي: دبّي 6. ومثال المصدر 7: «فجار» و «حماد» و «يسار» و «جماد» و «عباب» و «أباب» و «مساس» و «كفاف» و «بوار» و «بلاء» وقال حميد الأرقط [5/ 82]: 3742 - فقلت امكثي حتّى يسار لعلّنا... نحجّ معا قالت: أعاما وقابله؟ 8 كأنه قال: حتى الميسرة 9، وقال الآخر: -

................................  3743 - جماد لها جماد ولا تقولن... طوال الدّهر ما ذكرت حماد 1 يريد الدعاء على امرأة موصوفة بالجمود والبخل كأنه قال: جمدا لها لا حمدا 2. وقالوا: للظّباء إذا وردت الماء: فلا عباب 3، وإذا لم ترد: فلا أباب 4، وقالوا: أنت لا مساس 5، وقالوا: دعني كفاف 6 أي: دع [المكافّة]، وقال رؤبة: 3744 - يا ليت حطّي من جداك الصّافي... والفضل أن تتركني كفاف 7 ويقال: نزلت بوار على الكفار 8، ونزلت بلاء على أهل الكتاب 9. -

................................  ومثال الحال: بداد 1، قال الشاعر 2: 3745 - وذكرت من لبن المحلّق شربة... والخيل تعدو بالصّعيد بداد 3 قال السيرافي: «بداد حال» 4. ومثال الصفة الجارية مجرى الأعلام 5: «حلاق» 6 و «جباذ» 7 للمنية، و «ضرام» 8 للحرب، و «كلاح» 9 و «جداع» 10 و «أزام» 11 للسنة الشديدة، و «حناذ» 12 للشمس، و «طمار» للمكان المرتفع، يقال: هوى من طمار 13، و «لزام»، يقولون: سببته سبّة تكون لزاما أي: لازمة 14، و «كرار» خرزة يأخذ بها النساء أزواجهنّ فيقلن: يا كرار 15، و «بلال» يقال: -

................................  لا تبلّ فلانا عندي بلال أي بالّة، و «وقاع» يقال: كويته وقاع 1 وهي سمة على الجاعرتين، وقيل في طول الرأس من مقدمه إلى مؤخره 2، قال الشاعر 3: 3746 - وكنت إذا منيت بخصم سوء... دلفت له فأكويه وقاع 4 و «قطاط» قال الشاعر: 3747 - أطلت فراطهم حتّى إذا ما... قتلت سراتهم كانت قطاط 5 أي كانت قطاط، أي كانت الفعلة قاطّة لثأري أي قاطعة له.
6 و «صمام» للدّاهية 7، قال ابن أحمر 8: -

................................  3748 - وردّوا ما لديكم من ركابي... ولمّا تأتكم [صمّي] صمام 1 كنى بها عن الدّاهية؛ لأنها تصمّ الأسماع، ويكون على هذا من: أصمّ كـ «دراك» من: أدرك، والأجود أن يكون من: صمّ الكوّة بحجر، والقارورة: سدّ فمها، فيكون من ثلاثي غير مزيد، وصمام أيضا للحية؛ لأنها لا تعمل الرّقي لخبثها فلا تجيب كأنها صماء.
أوردت ذلك حسبما أورده الشيخ في شرحه 2. ومثال الصفة الملازمة للنداء: «يا فساق» و «يا خباث» و «يا لكاع» 3، و «يا رطاب» 4 و «يا دفار» 5 و «يا خضاف» 6 و «يا حباق» 7 و «يا خزاق» 8. وليعلم أن هذه الأربعة منها ما كثر وروده عن العرب فوجب القياس عليه وهما: اسم فعل الأمر من الثلاثي كـ «نزال»، والصفة المختصة بالنداء، وقد تقدم التنبيه على ذلك في باب المنادى.
ومنها: ما لم يكثر فوجب الوقوف فيه مع السماع وهما: المصدر والصفة في غير النداء، وهي التي عبّر عنها المصنف «بالجارية مجرى الأعلام».
-

................................  وأما قوله: وكلّها معدول عن مؤنّث فهو أمر كالمجمع عليه عند النحاة، ولكن يتعين التعرض لبيان المعدول عنه في كل من الأربعة المذكورة.
أما الصفة المختصة بالنداء: فالظاهر أن فساق معدول عن: فاسقة، وخباث عن خبيثة، ولكاع عن: لكعاء، وكان العدل في مثلها لقصد المبالغة في الذم 1. وأما الصفة الجارية مجرى الأعلام 2: فذكروا أنها معدولة عن صفات غلبت فاستعملت أسماء كـ «نابغة» في قوله: 3749 - ونابغة الجعديّ بالرّمل بيته... عليه صفيح من تراب منضّد 3 فهو نعت في الأصل إلّا أنه غلب حتى صار اسما 4، قالوا: ولذلك لا يجوز في شيء منها أن يتبع موصوفا، لأنها صارت لغلبتها تشبه الأعلام، والعلم لا يوصف به، هذا ما أشار إليه الشيخ في شرحه 5. ولا يخفى أن غلبة الاسمية على الوصفية في بعض الكلمات لا يكون عدلا؛ لأن العدل عبارة عن تبديل لفظ بلفظ للدلالة على المبالغة في ذلك المعنى الذي أفاده اللفظ المعدول عنه، ولم يتحقق لي وجه العدل في هذه المسألة.
وأما المصدر: فقالوا: هو معدول عن مصدر مؤنث وإن كانوا لم يستعملوا في كلامهم ذلك المصدر للمعرفة المؤنث الذي عدل عنه، كما أن «مشابه» و «ملامح» و «مذاكر» جمع لمفرد لم يستعمل في الكلام.
6 انتهى.
وفهمت من هذا أن ذلك ليس بعدل حقيقي وإنما هو عدل تقديري.
وأما الحال: كـ «بداد» فقالوا: إنه عدل عن مصدر مؤنث معرفة، وقد فسر -

................................  سيبويه هذا 1 في البيت المتقدم الإنشاد 2 فقال 3: تعد وبددا، إلّا أن «بداد» ليست معدولة عن بدد لأن بددا نكرة، وإنما هي معدولة عن البدّة أو المبادّة.
انتهى.
وهذا العدل أيضا إنما هو تقديري.
وأما اسم فعل الأمر: فلم يذكروا ماذا عدل عنه؟ والعجب أنهم يجعلون اسم الفعل أصلا في العدل والتأنيث حتى قال ابن أبي الربيع: «وبني اسم الفعل على الكسر؛ لأنه مؤنث، والكسرة تناسب التأنيث، ولما ذكر الصفات المبنية على الكسر كحباق وحلاق قال: «وبني لشبهه بنزال، ووجه الشبه بينهما أن كلّا منهما معدول عن علم وهو مؤنث مع اتفاقهما في الوزن» وقال في المصدر أيضا كيسار وفجار: «إنه بني لشبهه بنزال في الوجوه المذكورة» هذا كلامه في شرح الإيضاح.
وقال ابن عصفور 4: «إن سبب بناء فعال الذي هو علم كرقاش، وفعال المعدول المصدر المعرفة، وفعال المعدول عن الصفة الغالبة شبهها بفعال الذي هو اسم الأمر، ووجه الشبه بينها وبينه هو تساويهما في التعريف والتأنيث والعدل والوزن وقال: «وهذا هو المذهب الصحيح وهو مذهب سيبويه».
انتهى.
ودلّ كلامه على أن اسم فعل الأمر هو الأصل في العدل والتأنيث والتعريف، ولا أعلم توجيه واحد من الثلاثة - أعني العدل والتأنيث والتعريف - وما برحت أتطلب بيان ما عدل عنه «نزال» وبيان كونه مؤنثا، ولم أقف من كلامهم على ما يوضح لي ذلك، والذي يظهر أن القول بالعدل والتأنيث في «نزال» ونحوه من أسماء فعل الأمر ليس على وجه التحقيق، بل على وجه التقدير، وقد قال صاحب الإفصاح 5: «نزال» عند سيبويه علم معرفة على الجنس، وكل ما عدل منها فهو معرفة، وكذلك فجار علم على المعنى كسبحان ومثله: حلاق وحماد في اسم المنيّة والسنة -

................................  المجدبة 1، وضرام للحرب، وقد يكون هذا المعدول علما على الشخص كحذام ورقاش، ويرى سيبويه 2 أن هذه الأشياء بنيت حملا على نزال، ونزال بني حملا على الفعل انتهى.
ويظهر من كلامه هذا أن العدل في هذه الأمور إنما هو تقديري، وأما قوله: إن نزال عند سيبويه علم فلم يتسع لي كون نزال علما.
وإذ قد انقضى الكلام على عدل هذه الأشياء فلنذكر سبب بنائها، وحكم الأربعة منها، أعني اسم فعل الأمر والمصدر والحال والصفة [5/ 83] قبل التسمية بها وبعد أن تصير أسماء.
أما سبب البناء: فقد تقدم من كلام صاحب الإفصاح أن هذه الأشياء بنيت حملا على نزال، ونزال بني حملا على الفعل، وتقدم من كلام ابن عصفور 3 أن سبب البناء فيها شبهها بفعال الذي هو اسم الأمر في العدل والتأنيث والتعريف والوزن، قال: وهذا مذهب سيبويه وهو الصحيح، وبعد ذكره هذا قال 4: «ومنهم من قال: إنما بنيت لتوالي العلل عليها، وذلك أنها قد كانت ممنوعة الصرف قبل العدل للتأنيث والتعريف، فلما زاد العدل - وليس بعد منع الصرف إلا البناء - بنيت، وهو مذهب أبي العباس المبرد 5، ومنهم من قال: إنما بنيت لتضمنها معنى الحرف وهو تاء التأنيث وهو مذهب الرّبعيّ 6. قال 7: وهذان المذهبان ليسا بصحيحين؛ لأن الأمر لو كان كما قال الرّبعيّ لم -

................................  يجز في الاسم العلم المؤنث إلّا البناء خاصة كما لم يجز في المعدول عن المصدر وعن الصفة الغالبة إلا البناء؛ لأن الاسم المتضمن معنى الحرف لا يجوز فيه إلّا البناء خاصة، وباطل أيضا أن يكون موجب البناء كثرة العلل؛ لأن هذه العلل إذا وجدت في الاسم كان الاسم بها شبيها بالفعل، وشبه الفعل لا يوجب البناء إنما يوجب منع الصرف.
قال: و [أمّا] من ردّ ذلك بأن كثرة العلل لا توجب البناء 1 مستدلّا على ذلك بـ «بعبلك» وبأنك إذا سميت امرأة بـ «سلمان» فإنك تمنع الصرف ولا يجوز البناء، ففي «بعبلك» التأنيث والتعريف والتركيب وفي «سلمان» الزيادة والعلمية والتأنيث فباطل؛ لأن المبرد إنما ذهب إلى أن الاسم إذا كان لا ينصرف فحدثت عليه علة فإنه يبنى؛ لأنه ليس بعد منع الصرف إلّا البناء، وأما ما دخلته علل كائنة ما كانت في أحواله ولم يثبت له منع الصرف قبل ذلك لا يوجب بناءه؛ لأنها دخلت عليه وهو مصروف فنقلته إلى منع الصرف.
ثم قال 2: فإن قيل: فـ «سلمان» قبل التسمية به لا ينصرف، فالجواب: أنه لم يستقر فيه منع الصرف وهو اسم لمؤنث، فأشبه ما حدثت فيه العلل في أول أحواله ولم يكن قبل ذلك ممنوع الصرف انتهى كلام ابن عصفور.
وأما حكم الكلمات المذكورة بالنسبة إلى الإعراب والبناء فهو أنها قبل أن يسمى بها مبنية على الكسر، وعرف هذا من قبل المصنف: واتّفقوا على كسر فعال أمرا إلى آخره، وأما بعد التسمية بها فإن سمي بها مذكر كانت معرفة غير منصرفة، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: فإن سمّي ببعضها مذكّر فهو كعناق ثم أشار إلى أن من العرب من يصرفه بقوله وقد يجعل كصباح قال سيبويه: «ومن العرب من يصرفه» 3 وهي لغة خيثية خارجة عن القياس.
وإن سمّي بها مؤنث جاء فيها اللغتان - أعني البناء على الكسر في لغة الحجازيين والإعراب إعراب ما لا ينصرف في لغة التميميين - وإلى ذلك الإشارة بقوله: وإن -

................................  سمّي به مؤنّث فهو كرقاش على المذهبين.
وقد ذكر ابن عصفور خلافا في المسألتين - أعني في تسمية مذكر بها وفي تسمية مؤنث - فقال 1: وفعال المعدولة إذا سميت بها مذكرا امتنعت من الصرف للتأنيث والتعريف، وما قاله ابن بابشاذ 2 من أنها يجوز فيها الإعراب والبناء حملا على الاسم المؤنث المعدول العلم فباطل؛ لأنه لا يشبهه؛ لأن ذلك مؤنث وهذا مذكر، وإن سميت بها مؤنثا فيجوز فيها وجهان: البناء والإعراب إعراب ما لا ينصرف، وذلك أنها صارت اسما علما لمؤنث فأشبهت حذام فجاز فيها ما جاز في حذام.
قال 3: وزعم أبو العباس 4 أن نزال إذا سمي بها ليس فيها إلّا البناء، واستدل على ذلك بأنه يبقى على ما كان عليه من البناء؛ لأنه نقل من اسم إلى اسم، كما أنك إذا سميت بـ «انطلاق» لم تقطع الهمزة؛ لأنك نقلته إلى بابه، ولو كان المسمى فعلا قطعت الهمزة؛ لأنه خروج عن بابه.
قال 5: وهذا الذي قاله باطل؛ لأن الإعراب ليس بمنزلة همزة الوصل، ألا ترى أن الفعل إذا سمي به أعرب، فإذا أعرب الفعل لأجل التسمية به مع أن بابه لا يعرب كان إعراب هذا أولى، لأن بابه الإعراب، انتهى.
وأشار المصنف بقوله: وفتح فعال أمرا لغة أسديّة إلى أن بني أسد يبنون نحو: نزال وتراك على الفتح، ولا شك أن أصل الحركة لالتقاء الساكنين الكسر، وبنو أسد فتحوا لمناسبة الألف وقصدا للخفة، وللشيخ كلام مع المصنف في قوله: واتّفقوا، هل المراد به الحجازيون والتميميون فيكون بقية العرب مسكوتا عنهم؟ أو المراد به كل العرب فبنوا أسد لا يكسرون؟ 6 وهذا عجب من الشيخ فإن تخصيص العموم لا يدفع، فالمصنف أفاد العموم بقوله أولا: واتّفقوا يعني جميع العرب، ثم خصص ذلك العموم بقوله بعد: وفتح فعال أمرا لغة أسديّة.

[حكم الصرف وعدمه بالنسبة إلى الاسم مكبرا ومصغرا]

قال ابن مالك: (فصل: يصرف مصغّرا ما لا يصرف مكبّرا إن لم يكن مؤنّثا أو أعجميّا أو مركّبا أو مضارعا لـ «فعلاء» مكبّرا ومصغّرا، أو ذا شبه بالفعل المضارع سابق للتّصغير أو عارض فيه وقد يكمل موجب المنع في التّصغير فيمتنع مصغّرا ما صرف مكبّرا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 1: «ما لا ينصرف بالنسبة إلى التكبير والتصغير أربعة أقسام: ما لا ينصرف مكبرا [ولا مصغرا، وما لا ينصرف مكبرا وينصرف مصغرا، وما لا ينصرف مصغرا وينصرف مكبرا]، وما يجوز فيه الوجهان مكبرا ويتحتم منعه مصغرا.
فالأول: نحو: بعلبك، وطلحة، وزينب، وحمراء، وسكران، وإسحاق، وأحمر، ويزيد مما لا يعدم سبب المنع في تكبير ولا تصغير.
والثاني: نحو عمر، وشمّر، وسرحان 2، وعلقى 3، وجنادل أعلاما مما يزول بتصغيره سبب المنع فإن تصغيرها: عمير، وشميّر، وسريحين، وعليق، وجنيدل [5/ 84] بزوال مثال العدل، ووزن الفعل، وألفي سرحان وعلقى، وصيغة منتهى التكسير.
والثالث: نحو: تحلئ 4، وتوسّط 5 وترتب 6 وتهبّط 7 أعلاما مما يكمل فيه بالتصغير سبب المنع، فإن تصغيرها: تحيلئ، وتويسط، وتريتب، وتهيبط، على وزن مضارع بيطر، فالتصغير كمل لها سبب المنع فمنعت من الصرف فيه دون التكبير، فلو جيء في التصغير بياء معوضة مما حذف تعيّن الصرف لعدم وزن الفعل.
-

................................  والرابع: نحو: هند وهنيدة، فلك فيه مكبرا وجهان، وليس فيه مصغرا إلّا منع الصرف.
انتهى.
فقوله في التسهيل: يصرف مصغّرا ما لا يصرف مكبّرا إشارة منه إلى القسم الذي ذكره في شرح الكافية ثانيا وهو: ما لا ينصرف مكبرا وينصرف مصغرا، وذلك نحو: عمر، وشمّر، وسرحان، وعلقى، وجنادل.
أعلاما، فإن التصغير فيها يزيل سبب المنع وهو العدول في عمر، ووزن الفعل في شمّر، والألف في سرحان، وعلقى وصيغة الجمع في جنادل.
وقوله: إن لم يكن مؤنّثا أو أعجميّا أو مركّبا أو مضارعا لفعلاء مكبّرا، ومصغّرا، أو ذا شبه بالفعل المضارع سابق للتّصغير أو عارض فيه إشارة منه إلى القسم الذي ذكره أولا 1 وهو: ما لا ينصرف مكبرا ولا مصغرا، وذلك نحو: زينب وإبراهيم، وإسماعيل، وبعلبك، وسكران، وتغلب، وأجادل أعلاما، فإنها لا تعدم سبب المنع في تكبير ولا تصغير، فتصغير زينب: زيينب وفيه العلمية والتأنيث وتصغير إبراهيم وإسماعيل: بريهيم، وسميعيل، أو: أبيره وأسيمع على مذهب من يرى تصغيرهما كذلك 2، وعلى كلا القولين هما ممنوعان الصرف للعلمية والعجمة، وتصغير بعبلك، ومعدي كرب: بعيلبك ومعيدي كرب وفيها العلمية والتركيب، وتصغير سكران: سكيران، فالألف والنون الزائدان مع الوصف كما يمنعان في التكبير يمنعان في التصغير.
وعدل المصنف عن التعبير بالمزيد آخره ألف ونون إلى قوله: «أو مضارعا لفعلاء مكبّرا ومصغّرا» لأمرين: أحدهما: عدم الاحتياج إلى ذكر العلة الأخرى وهو الوصف.
ثانيهما: الاحتراز من نحو: سرحان أن يدخل تحت عبارته، وسرحان إذا صغر صرف، وأراد المصنف بذلك أن الألف والنون في «سكران» مضارعتان لألفي التأنيث في «حمراء» في الحالين - أعني التكبير والتصغير 3 - فيقال في تصغير -

................................  سكران: سكيران، كما يقال في تصغير حمراء: حميراء فمصغر كل منهما كمكبره، وسرحان ليس مصغره كمكبره، وتقول في تصغير تغلب ويشكر: تغيلب ويشيكر وفي تصغير أجادل علما: أجيدل فتمنعها الصرف؛ لأن شبه المضارع في تغيلب ويشيكر سابق للتصغير فيمنعان الصرف مصغرين كما يمنعانه مكبرين، وشبه الفعل المضارع في «أجيدل» عارض بعد التصغير إذا صار على وزن، أبيطر فيمنع الصرف مصغرا كما يمنع مكبرا 1، لكن في التصغير منعه للعلمية ووزن الفعل، وفي التكبير منعه إما للعلمية وشبه العجمة، أو للصيغة التي هي منتهى الجموع على القولين المتقدمي الذكر.
ولقائل أن يقول: قول المصنف: أو ذا شبه بالفعل المضارع سابق للتّصغير يقتضي ظاهره أن: تغيلب ويشيكر منعا الصرف للعلمية ووزن الفعل السابق على التصغير وذلك غير ظاهر؛ لأن وزن الفعل المضارع الذي [هو] تفعل في تغلب ويفعل في يشكر قد زال بالتصغير، ومع زوال السبب يزول المسبب عنه.
والذي يظهر أن «تغيلب» المصغر على وزن: تبيطر، ويشيكر المصغر على وزن يبيطر، فهما إنما منعا الصرف فيهما من وزن الفعل بعدد التصغير لا للوزن الذي كان لهما حال التكبير.
واحترز بقوله «المضارع» من الماضي كـ «شمّر» مسمّى به، فإنه إذا صغر صرف كما تقدم.
وقوله - أعني المصنف -: وقد يكمل موجب المنع في التّصغير فيمنع مصغّرا ما صرف مكبّرا إشارة منه إلى القسمين الباقيين اللذين ذكرهما في شرح الكافية ثالثا ورابعا 2 وهما: ما لا ينصرف مصغرا وينصرف مكبرا، وما يجوز فيه الوجهان: مكبرا ويتحتم منعه مصغرا؛ لأن الذي صرفه مكبرا إما أن يكون صرفه متحتما واجبا، وإما أن يكون صرفه جائزا، وكلاهما يصدق عليه أنه صرف مكبرا.
فالأول: هو الذي مثل له في شرح الكافية بنحو: تحلئ وتوسط وترتب مسمّى -

أسباب صرف ما لا ينصرف وحكم منع المصروف

قال ابن مالك: (فصل: يصرف ما لا ينصرف للتّناسب أو للضّرورة، وإن كان أفعل تفضيل خلافا لمن استثناه ويمنع صرف المنصرف اضطرارا خلافا لأكثر البصريين، لا اختيارا خلافا لقوم، وزعم قوم أنّ صرف ما لا ينصرف مطلقا لغة، والأعرف قصر ذلك على نحو سلاسل وقوارير).
بها، فهذه يكمل فيها بالتصغير سبب المنع 1. والثاني: هو الذي مثل له في الشرح أيضا بنحو: هند؛ لأن في هذا الاسم مكبرا وجهين: وإذا صغر وجبت التاء فتحتم المنع من الصرف حينئذ 2. قال ناظر الجيش: من المعلوم أن الصرف هو الأصل في الأسماء، ولا شك أن ما كان فيه رجوع إلى الأصل أقرب وأولى مما يكون فيه خروج عن الأصل، فلذلك أجمعوا على جواز صرف ما لا ينصرف لتناسب أو ضرورة 3، واختلفوا في منع المنصرف للضرورة كما سيذكر ذلك.
فأما الصرف للتناسب فيكفي وإثباته وروده في كتاب الله تعالى، فمن ذلك قراءة 4 نافع والكسائي سلاسل 5 وقواريرا 6، ومنه قراءة الأعمش 7 -

................................  ولا يغوثا ويعوقا 1 بالصرف ليناسبا: ودّا، وسواعا. ونسرا 2. وأما الصرف للضرورة [5/ 85] فكثير، منه قول الشاعر 3: 3750 - ممّن حملن به وهنّ عواقد... حبك النّطاق فشبّ غير مهبّل 4 وقول الآخر: 3751 - تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن... سوالك نقبا بين حزمي شعبعب؟ 5 وقول الآخر: 3752 - فأتاها أحيمر كأخي السّه... م بعضب فقال كوني عقيرا 6

جارٍ التحميل