تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4875-4914

الباب السادس والسبعون باب التّصريف

صفحات 4875-4914

[تعريف التصريف]

قال ابن مالك: (التّصريف علم يتعلّق ببنية الكلمة، وما لحروفها من أصالة وزيادة وصحّة وإعلال وشبه ذلك).
قال ناظر الجيش: التصريف في اللغة 1: التقليب من حال إلى حال، وهو مصدر صرفه، أي: جعله يتقلب في أنحاء كثيرة، قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا 2 أي: لم يكن ضربا واحدا، بل جعلناه على أنحاء وجهات متعددة.
وأما في الاصطلاح: فقد عرفه المصنف في شرح الكافية بأنه: تحويل الكلمة من بنية إلى غيرها لغرض لفظي أو معنوي 3، فاللفظي كتغيير: قول، وبيع، ورمي، وأأيمة إلى: قال، وباع، ورمى، وأئمّة، والمعنوي كتغيير المفرد إلى المثنى والمجموع، وتغيير المصدر إلى بناء الفعل واسمي الفاعل والمفعول، وهذا التعريف يوافق التفسير اللغوي، إلا أن ذلك عام، وهذا تغيير خاص بالكلمة وعرّفه هنا - أعني في التسهيل -: بأنه علم يتعلق ببنية الكلمة... إلى آخره، وكذا عرّفه به في إيجاز التعريف له، ولا اختلاف بين التعريفين؛ لأن ذلك تعريف له باعتبار العمل، وهذا التعريف له باعتبار العلم، فلم يتواردا على محل واحد، واعلم أن المصنف قصر هذا الباب على ذكر الأمور الراجعة إلى الغرض اللفظي؛ وذلك لأنه أورد الكلام فيما يتعلق بما يرجع إلى الغرض المعنوي في أبواب متفرقة في الكتاب، وقد فعل الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور كما فعل المصنف معتذرا بأن هذا النّحو من التصريف جرت -

................................  عادة النحويين أن يذكروه مع ما ليس بتصريف 1، يعني أنهم يدرجون أبوابه مع أبواب علم الإعراب، بقي أن يقال: فهل التعريف الذي ذكره هنا شامل للأمرين الراجعين إلى الغرضين، أو هو مقصور على الأمر الراجع إلى الغرض اللفظي فقط، كما أن الباب مقصور عليه والجواب الذي يقتضيه التبويب والترتيب ظاهر أن التعريف يكون مقصورا على ما قصر عليه الباب، وهو الأمر الذي يرجع إلى الغرض اللفظي، ولم يكن قصره إياه على ذلك؛ ليخرج القسم الآخر - أعني المتعلق بالغرض المعنوي من التصريف - كيف وقد صرح بأنه منه؛ بل لأنه قد أورد ذلك في أبواب أخر كما تقدم فصار الكلام حينئذ موجها إلى قصد ذكر ما يرجع إلى الغرض اللفظي، ويمكن أن يقال: إن التعريف المذكور يكون شاملا للأمرين؛ لأن معرفة المثنى والمجموع وأبنية الأفعال ومصادرها، والصفات والمصغر والمنسوب والإمالة، يمكن دخولها تحت قوله: علم يتعلق ببنية الكلمة، ولا يضر شمول التعريف للأمرين مع قصر الباب على ذكر أحدهما إذا عرف ذلك فلنرجع إلى الكلام على مفردات التعريف، فقوله: علم جنس يدخل تحته علم التصريف وغيره من العلوم، وقوله: ببنية الكلمة فصل أخرج به ما عدا علم التصريف حتى علم الإعراب؛ لأن علم الإعراب علم بحال الكلمة حال التركيب بالنسبة إلى ما لها من الأحكام، لا علم ببنية، إن كان العلمان داخلين تحت علم النحو.
ويدخل في قوله: ببنية الكلمة ما تقدمت الإشارة إليه من الصيغ المختلفة لاختلاف المعاني وما تغير من الأبنية؛ لا لاختلاف المعاني بل للتخفيف، وهو الراجع إلى الغرض اللفظي، كقال، وباع، ورمى وأئمّة ورسائل وأواصل، ونحو ذلك ويدخل فيه - أيضا - أوزان الأبنية فإن معرفة الأوزان من علم التصريف، وكذا يدخل ما لا يضطر إليه في الكلام مما يستعمله التصريفي على سبيل التدرب والامتحان، كما إذا بنيت من كلمة مثل أخرى، كضربت من دحرج 2، وقوله: وما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال وشبه ذلك، قيل: أشار بقوله: وشبه ذلك إلى الحذف، والنقل، والإدغام، -

[ما يدخله التصريف]

قال ابن مالك: (ومتعلّقه من الكلم: الأسماء المتمكّنة والأفعال المتصرّفة ولها الأصالة فيه).
والقلب، ثم قال الشيخ: هذا يعني قوله: وما لحروفها... إلى آخره كأنه شرح لقوله: علم يتعلق ببنية الكلمة؛ إذ العلم الذي يتعلق بالبنية هو النظر فيها من حرف أصلي أو زائد، وصحيح أو عليل 1. انتهى.
ولقائل أن يقول: عطفه على ما قبله يأبى أن يكون كالشرح له، ولو أراد ذلك لقال: علم يتعلق ببنية الكلمة مما لحروفها من أصالة... إلى آخره، ولا شك أن حمل هذا الكلام على إفادة معنى زائد أولى من جعله تفسيرا لما تقدمه؛ وذلك بأن يقال: إنه لا يتوصل إلى معرفة الأصلي من الزائد في الأبنية، إلا بعد معرفة الحروف الزوائد ومعرفة أدلة الزيادة، ومعرفة الأماكن التي هي محل لاطراد زيادتها فيها، وكذا لا يتوصل إلى معرفة التصحيح والإعلال، إلا بعد معرفة ما يوجبها، وكذا لا يتوصل إلى معرفة النقل، والحذف، والإدغام، والقلب إلا بعد معرفة ما يوجبها أو يجوزها أو يمنعها، وذلك متوقف على معرفة القواعد المؤدية إلى ذلك؛ فإذن معرفة الحروف الزوائد، ومعرفة أدلة زيادتها، ومعرفة الأماكن التي تطرد زيادتها فيها ومعرفة ما يوجب التصحيح، والإعلال، ومعرفة ما يوجب الحذف والنقل والإدغام والقلب أو يجوّزها أو يمنعها، كل ذلك من علم التصريف، بل هو معظمه وغالبه، فكأن المصنف قصد بقوله: وما لحروفها من أصالة... إلى آخره، الإشارة إلى ذلك جميعه، ومما يوضح ذلك أن قوله: وما لحروفها معطوف على بنية الكلمة، فيكون التقدير: علم يتعلق ببنية الكلمة وبما لحروفها من أصالة وكذا وكذا، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بمعرفة ما أشير إليه، وعلى هذا فيكون المصنف قد أوقع المسبب موقع السبب فتبين أن قوله: وما لحروفها... إلى آخره ليس كالشرح لما قبله؛ بل هو مفيد فائدة مقصودة، لا بد من التعرض لها.
قال ناظر الجيش: أفاد هذا الكلام أنه لا حظّ للحروف في التصريف، وكذا الأسماء غير المتمكنة، والأفعال الجامدة 2 نحو: ليس، وعسى، ونعم.
وقد قال -

................................  ابن عصفور: ولا يدخل التصريف في أربعة أشياء وهي: الأسماء الأعجمية التي عجمتها شخصية، كإسماعيل ونحوه؛ لأنها نقلت من لغة قوم ليس حكمها كحكم هذه اللغة، والأصوات، كغاق ونحوه؛ لأنها حكاية أصوات، وليس لها أصل معلوم، والحروف وما شبه بها من الأسماء المتوغلة في البناء نحو: من وما؛ لأنها لافتقارها بمنزلة جزء من الكلمة التي تدخل عليها فكما أن جزء الكلمة الذي هو حرف الهجاء لا يدخله تصريف فكذلك ما هو بمنزلته 1. انتهى.
أما الأصوات والحروف وما شبّه بها من الأسماء، فقد [6/ 104] تعرّض لها المصنف؛ لأنه أخرج الحروف بقوله: الأسماء وأخرج الأخيرين بقوله: المتمكنة، وأما الأسماء الأعجمية فقد اعترض بها الشيخ عليه، قال: لأنها متمكنة غير مبنية 2، ويدفع هذا الاعتراض أن الكلام في التصريف إنما هو بالنسبة إلى اللغة العربية لا بالنسبة إلى غيرها من اللغات فلا حاجة إلى إخراج الأعجمية؛ لأنها غير مرادة، قال ابن عصفور: ومما يدل على أن الحرف لا يدخله تصريف وجود: ما ولا ونحوهما من الحروف يعني بالألف؛ لأنها لا يصح أن تكون منقلبة كألف: عصا ورحى؛ إذ لو كانتا ياء أو واوا لظهر تا لسكونهما كما ظهرتا في نحو: كي وأي ولو، ولا يجوز أن يقال: إن حرف العلة تحرك فقلب ألفا لانفتاح ما قبله؛ لأن الحروف مبنية وهي لا تبنى إلا على السكون، ولا تبنى على حركة إلا إذا كانت حرفا واحدا، كواو العطف، وأيضا لا يمكن الحكم على ألف ما وأمثالها بالزيادة؛ لأن ذلك إنما يعرف بالاشتقاق أو بدليل من الأدلة التي ستذكر، ولا يوجد شيء من ذلك في الحروف 3. انتهى.
وقد علم مما ذكر أن تصغير المبهمات على غير قياس، وأهمله المصنف هنا؛ لقلته ولأنه نبه عليه في باب التصغير 4، قال ابن عصفور: وقد جاء بعض المبنية مشتقّا نحو: قط؛ لأنها من قططت، أي: قطعت؛ لأن قولك: ما فعلته قطّ، معناه: فيما انقطع من عمري 5، ورد ابن هشام الخضراوي أن الحروف وما أشبهها - - تفصيل ذلك في: المقرب (2/ 145)، والأشموني (4/ 237).

................................  من الأسماء لا يدخلها تصريف - بأن سيبويه ذكر أنك إذا سميت بعلى قلت في التثنية: علوان؛ لأنه من علوت 1، وجاء الحذف في سوف وإن، والقلب، والإبدال في على ولعن، وأجيب عن ذلك بأن سيبويه إنما حكم بذلك بعد انتقال: على إلى الاسمية 2 وجعلها اسما متمكنا، وحكم على الألف بأنها عن واو لما فيها من معنى العلو، وبأن الحذف والإبدال شاذ، ويمكن أن يدّعى أن لا حذف ولا إبدال في الحروف، وأن هذه الكلمات الواردة ليس فيها حذف ولا إبدال، وإنما هي لغات في ذلك الحرف، وأما قوله: ولها الأصالة فيه فقد علل ذلك الشيخ بأن قال: إنما كان لها الأصالة فيه؛ لظهور ذلك فيها، ألا ترى أن ضرب وضارب وضرب وتضارب واضطرب، كيف تبين بغير فكر؟ ورجوع هذه الألفاظ إلى معنى الضرب وكذلك الصفات الجارية عليها، واسما الزمان والمكان والمصادر والآلات؛ لظهور التصرف فيها 3. انتهى.
ولم أتحقق هذا التعليل الذي ذكره، وقد يقال: إنه إنما كانت الأصالة للأفعال في التصريف؛ لأنه عبارة عن تغيير الكلم وتقليبها وتحويلها من حالة إلى حالة، وهذا لا يتأتى في الأسماء الجامدة؛ إنما يأتي في الأفعال وفي الأسماء الجارية عليها، ولأمر آخر؛ وهو أنهم بالاستقراء وجدوا الاسم يصح بصحة الفعل كاستحواذ؛ لقولهم: استحوذ، ويعل بإعلاله كاستقامة؛ لقولهم: استقام فدلهم تبعية الاسم للفعل في الإعلال على فرعية الاسم وأصلية الفعل فيه؛ ولكن على هذا إنما يتجه أن يحكم بأصالة الأفعال في التصريف بالنسبة إلى أحد قسميه، وهو الأمر الراجع إلى الغرض اللفظي، وأما ما يرجع إلى الغرض المعنوي، كالتغيير بسبب التثنية، والجمع، والتصغير، والنسب ونحو ذلك، فلا شك أنه من خصائص الأسماء.

[عدد حروف المجرد]

قال ابن مالك: (وما ليس بعضه زائدا يسمّى مجرّدا، ولا يتجاوز خمسة أحرف إن كان اسما، ولا أربعة إن كان فعلا، ولا ينقصان عن ثلاثة).
قال ناظر الجيش: أشار بهذا الكلام إلى ثلاثة أمور واضحة: أحدها: أن ما ليس بعضه زائدا يسمى مجردا، يعني لكونه جرّد عن أحرف الزيادة فحروفه كلّها أصول.
ثانيها: أن الاسم المجرد من الزيادة، يكون ثلاثيّا ورباعيّا وخماسيّا، ولا يتجاوز الخمسة، والفعل المجرّد منها يكون ثلاثيّا ورباعيّا.
ولا يتجاوز الأربعة ودليل ذلك الاستقراء، وذكر الأئمة أن البناء الثلاثي في الكلام أكثر من البناء الرباعي، وأن البناء الرباعي أكثر من البناء الخماسي.
ثالثها: أن الاسم المتمكن المجرد والفعل المجرد لا ينقصان عن ثلاثة أحرف، وقد قيد المصنف في غير هذا الكتاب البعض بكونه في الوضع يعني أنهما لا ينقصان في الوضع عن الثلاثة؛ وذلك لأن الاسم في الاستعمال قد ينقص عن الثلاثة كيد ودم وفم 1، وليس بالكثير وما يلحقه هاء التأنيث من ذلك عوضا عن المحذوف أكثر مما يلحقه نحو: شية وثبة وشفة وسنة ولثة وعضة، والمحذوف قد يكون الفاء وقد يكون العين وقد يكون اللام ولا ينتهي الاسم بالحذف منه إلى حرف واحد أبدا، وقولهم: م الله، حرف قسم جاء على حرف واحد كالباء وليس أصله أيمن، وأما ما حكي من قولهم: شربت ما، يريدون ماء؛ فنادر لا يعتد به، هذا في الاسم، وأما الفعل فقد يبقى منه بعد الحذف حرفان نحو: بع وقل وكل، وقد يبقى منه حرف واحد نحو: عه وقه، أمرين من: وعى ووقى، وذلك لمقتضيات أوجبت ذلك، على ما أحكم في التصريف، قال المصنف في غير هذا الكتاب: إن الاسم والفعل لا ينقصان في الوضع عن ثلاثة أحرف، حرف مبدوء به وحرف موقوف عليه، وحرف مفصول به بينهما 2، وكأن هذا الكلام إشارة إلى ما يذكر من التعليل، -

[مبلغ الاسم والفعل بالزيادة]

قال ابن مالك: (والمزيد فيه إن كان اسما لم يتجاوز سبعة إلّا بهاء التّأنيث أو زيادتي التّثنية أو الجمع أو النّسب، وإن كان فعلا لم يتجاوز ستّة إلّا بحرف التّنفيس أو تاء التأنيث أو نون التّوكيد).
وهو أن الحرف المبدوء به واجب الحركة، والحرف الموقوف عليه واجب السكون، فكرهوا الانتقال من وجوب إلى وجوب، فجعلوا بين الوجوبين فاصلا يجوز فيه الأمران أو أن بعض الكلم يحتاج إلى ثالث في بعض الأحكام كالتصغير مثلا؛ فإن ياءه إنما تقع ثالثة وحرف الإعراب بعدها، وهذا هو مذهب البصريين وذكر بعضهم أن مذهب الكوفيين أن أقل ما يكون عليه الاسم حرفان 1. قال ناظر الجيش: ذكر أن أقصى ما ينتهي الاسم إليه بالزيادة سبعة أحرف، وهذا كالمطبق عليه عند النحاة؛ لما اشتملت عليه نصوصهم من ذلك 2، قال الشيخ: وقد [6/ 105] بلغ الاسم بالزيادة ثمانية أحرف، ولم يذكر في هذا الموضع شيئا، غير أنه لما ذكر بعد ذلك أن الزوائد في الثلاثي قد تكون واحدة واثنين وثلاثا وأربعا، قال: وقد تكون خمسا نحو: كذّبذبان 3 بتشديد الذال ووزنه فعّلعلان، وقال: إن غير هذا الوزن لا يحفظ 4. انتهى.
ولا يخفى أن بمثل هذا لا ينقض الإجماع، وينبغي أن يعلم أن البالغ من الأسماء بالزيادة سبعة إنما هو الثلاثي منها والرباعي، وأما الخماسي فإنما ينتهي إلى ستة؛ لأنه لا يلحقه إلا زيادة واحدة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فمثال المنتهي إلى سبعة من الثلاثي: اشهيباب واحميرار في المصادر وعاشوراء وكذبذبان ومعيوراء في غيرها، ومثال الرباعي: اعزيزام -

[أبنية الثلاثي المجرد

1] قال ابن مالك: (فصل: الاسم الثّلاثي المجرّد مفتوح الأوّل ساكن الثّاني أو مفتوحه أو مكسوره أو مضمومه ومكسور الأوّل ساكن الثّاني أو مفتوحه أو مكسوره، ومضموم الأوّل ساكن الثّاني أو مفتوحه أو مضمومه وندر مكسوره).

  • واحرنجام في المصادر وعريقصان وعبوثران وبرناساء في غيرها، قال الشيخ: وذكر أبو القاسم السعدي 2 في مزيد الخماسي فعلا ليلا وهو مغناطيس لغة في مغنطيس، قال: فهذا خماسي قد زيد فيه زيادتان 3. انتهى.
    قلت: وفي نقض ما قررته الأئمة بكلمة واحدة، نادرة مع أنها نائبة عن غيرها نظر لا يخفى، ثم أشار المصنف بالاستثناء الذي ذكره إلى أن الاسم لا يتجاوز سبعة أحرف إلا بهاء التأنيث نحو: قرعبلانة، وهي دويبة عظيمة البطن عريضة وأصله: قرعبل زيد فيه ثلاثة أحرف، وكذلك: اصطفلينة أو زيادتي التثنية والجمع نحو: عرطليلان تثنية عرطليل هو (الطويل) 4 وكذا: عرطليلون وعرطليلات إذا سمي به مذكر أو مؤنث ثم جمع، أو ياءي النسب نحو: خنفساوي وعندليبي، في النسب إلى خنفساء وعندليب، قال الشيخ: وهذا الاستثناء الذي ذكره ليس بشيء؛ لأنه لم يرد شيء مما ذكر في بنية الاسم، وكأن الشيخ يريد بذلك أن الاسم إنما تعتبر بنيته إذا لم يتصل به شيء من هذه الأمور الأربعة، وكأنه بهذه الأمور يخرج عن الأبنية المعتد بها، وما ذكره غير ظاهر فإن الإفراد صادق على المؤنث بهاء التأنيث والملحق به علامتا التثنية والجمع وعلامة النسب، وكما لا يتجاوز الاسم سبعة أحرف إلا بما ذكر، لا يتجاوز الفعل ستة أحرف إلا بحرف التنفيس أو تاء التأنيث أو نون التوكيد نحو: سيستخرج واستخرجت ولا يستخرجن وقد رد الشيخ هذا الاستثناء كما رد الأول والجواب ما تقدم 5. قال ناظر الجيش: هذا الفصل معقود لذكر أوزان الاسم المجرد، أعني الذي تكون -

................................  حروفه كلها أصولا وقد عرفت أن المجرد ثلاثي، ورباعي، وخماسي، فبدأ بالثلاثي وذكر أنّه على عشرة أوزان؛ وذلك أنه: إما مفتوح الأول، أو مكسوره، أو مضمومه، والمفتوح الأول: إما ساكن الثاني نحو: كعب وصعب، وإما مفتوح الثاني نحو: حسن ورسن، وإما مكسور الثاني نحو: نمر وحذر، وإما مضموم الثاني نحو: سبع وطمع، والمكسور الأول إما ساكن الثاني نحو: ظلف وجلف، وإما مفتوح الثاني نحو: زيم 1، وإما مكسور الثاني نحو: إبل وبلز 2، والمضموم الأول: إما ساكن الثاني نحو: برّ، ومرّ، وإما مفتوح الثاني نحو: نعز وغدر، وإما مضموم الثاني، نحو: طنب وجنب، وقد بقي من أوزان الثلاثي التي تقتضيها القسمة العقلية 3 وزنان وهما: ما اجتمع فيهما الضم والكسر، فأما مكسور الأول مضموم الثاني فمهمل 4؛ لأن الكسرة ثقيلة، والضمة أثقل منها؛ فكرهوا الانتقال من مستثقل إلى أثقل منه، وأما مضموم الأول مكسور الثاني فلم يهملوه 5 أصلا؛ لأن الانتقال من ضمة إلى كسرة فيه تخلص من زيادة الثقل، ولكنهم خصوه بالفعل الذي لم يسم فاعله، ثم نبهوا على أن إخراجه في الأسماء ليس لمانع فيه؛ لقولهم: دئل 6 لدويبة، ووعل 7 في الوعل -

................................  ورئم للسّه 1، وإلى هذه الأمثلة الثلاثة أشار المصنف بقوله: ونذر مكسوره، أي ونذر مكسور الثاني من مضموم الأول، قال المصنف: لأن أكثر النحويين لم يعتدّوا بهذا البناء في الأسماء؛ لعلمهم أنه في الأصل مقصود به اختصاص الفعل الذي لم يسم فاعله، بقي هاهنا التنبيه على شيئين: أحدهما: أن فعلا لم يأت صفة إلا في كلمة واحدة وهي عدى قال الشاعر: 4283 - إذا كنت في قوم عدى لست منهم... فكل ما علفت من خبيث وطيّب 2 قال سيبويه: ولم نعلمه جاء صفة إلا في حرف معتل يوصف به الجمع وهو: قوم عدى 3، وقد استدرك على سيبويه قراءة من قرأ: دينا قيما 4 أي: قيّما، ومكان سوى قال الله تعالى: لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً 5 وأجيب بأن قيما مصدر في الأصل مقصور من قيام، ولولا ذلك لقيل: قوما؛ لأنه من ذوات الواو ولا تقلب الواو ياء إذا كانت متحركة عينا في مفرد؛ لانكسار ما قبلها إلا بشرط أن يكون بعدها ألف، وتكون في مصدر لفعل قد اعتلت عينه، نحو: قام قياما وعاذ عياذا، فدل انقلاب الواو ياء في قيم على أنه مصدر في الأصل وصف به، كما وصف بعدل وزور وبأن سوى اسم في الأصل للشيء المستوي وصف به؛ بدليل أنه كان صفة أصلية ليمكن في الوصفية فكان يذكر مع المذكر ويؤنث مع المؤنث، وهم يقولون: بقعة سوى كما يقولون: مكان سوى 6، - - أوله وكسر ثانيه، والثالثة: ضم أوله وكسر ثانيه والأخيرة نادرة، والوعل: تيس الجبل.
انظر: اللسان «وعل» والمصباح (ص 666)، ونزهة الطرف (ص 81)، وتوضيح المقاصد (5/ 215 - 216).

................................  وأما زيم 1: وهو المثال الذي مثل به المصنف وشاهده قول النابغة: 4284 - باتت ثلاث ليال ثمّ واحدة... بذي المجاز تراعي منزلا زيما 2 أي: متفرق النبات.
الثاني 3: أن سيبويه لم يحفظ في فعل غير: إبل 4، وحكى غيره: أتان إبد للوحشية، فأما إطل، وهو الخصر فلا حجة فيه؛ لأن المشهور فيه: إطل بسكون الطاء، فإطل يمكن أن يكون مما اتبعت فيه الطاء الهمزة للضرورة؛ لأنه لا يحفظ إلا في الشعر كقوله: 4285 - له إطلا ظبي وساقا نعامة 5 وأما حبرة، وهي الصفرة التي على الأسنان، فالأصح المشهور فيها إنما هو حبرة بفتح الحاء وسكون الباء 6، وأما: بلز - وهي الضّخمة [6/ 106] السمينة - فالأشهر فيه: بلزّ بالتشديد 7، فيمكن أن يكون: بلز مخففا منه، وقد ذكرت - - والكسر والضم مع القصر عربيّا وقد قرئ بهما.
وقال الأخفش (سوى) إذا كان بمعنى غير أو بمعنى العدل يكون فيه ثلاث لغات: إن ضممت السين أو كسرت قصرت، وإذا فتحت مددت تقول: مكانا سوى وسوى وسواء».
انظر معاني القرآن (2/ 181 - 182)، واللسان «سوا»، والمصنف (1/ 17 - 19).

[أبنية الرباعي المجرد

1] قال ابن مالك: (والرّباعي المجرّد مفتوح الأوّل والثّالث أو مكسورهما أو مضمومهما، ومكسور الأوّل مفتوح الثّاني أو الثّالث، وتفريع فعلل على فعلل أظهر من أصالته، وفرّع فعلل على فعنلل وفعلل، على فعالل وفعلل وفعلل على فعليل لا على فعالل وفاقا للفرّاء وأبي عليّ).

  • ألفاظ غير هذه ويمكن أن تكون المنازعة في كونها أصلا بنفسها، ويمكن كونها أصلا 2، ولما ذكر المصنف مجيء دئل ووعل، وأنهم لم يهملوا هذا الوزن بل خصوه بالفعل قال: إلا أن أكثر النحويين لم يعتدّوا بهذا البناء في الأسماء؛ لعلمهم أنه في الأصل مقصود به اختصاص الفعل الذي لم يسم فاعله، واعتدّوا بموازن فعل على قلّته؛ لأنه لم يوجد في غير الأسماء، ولأنه لا مانع له من نفسه، إذ الكسرتان أقل ثقلا من الضمتين، وذو الضمتين في الكلام كثير، فذو الكسرتين حقيق بكثرة النظائر، إلا أنه قلّت نظائره اتفاقا؛ فلم يسع إلا التسليم.
    قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على الثلاثي المجرد شرع في الرباعي 3، وذكر أنه على خمسة أوزان؛ وذلك: إما أنه مفتوح الأول والثالث: كجعفر 4 وقرهب - وهو الثور المسن - هذا مثال هذا الوزن اسما، وأما مثاله صفة فنحو: شجعم وسلهب، ومعنى كل منهما طويل، وقيل: إن الميم في المثال الأول، والهاء في -

................................  المثال الثاني زائدان 1 ومن أمثلة الصفة: شهربة وشهبرة للعجوز الكبيرة، و (بهكنة) 2 للضخمة، وأما مكسور الأول والثالث؛ فالاسم: زبرج 3 وزئبر 4 وهجرس 5، والصفة: زهلق 6، وعنفص 7 وخرمل، والخرمل: الحمقاء من النساء، وأما مضموم الأول والثالث؛ فالاسم: برثن 8 وفلفل، والصفة: جرشع 9 وكندر 10، وأما مكسور الأول مفتوح الثاني؛ فالاسم: فطحل 11 وقمطر 12، والصفة: هزبر وسبطر وهو الطويل، وهبلع للأكول، ثم أشار المصنف بقوله: وتفريع فعلل على فعلل أظهر من أصالته، إلى أن من النحاة من أثبت للرباعي وزنا سادسا؛ وهو مضموم الأول مفتوح الثالث 13 كبرقع وجرشع، قال المصنف: لم يروه سيبويه لكن رواه الأخفش من أئمة البصرة والفراء من أئمة الكوفة، وزيادة الثقة مقبولة، قال: ومما يؤيّد رواية هذين الإمامين قول العرب: ما لي من ذلك عندد أي 14 بدّ، فجاؤوا به مفكوكا غير مدغم، ولا يفعلون ذلك بذي مثلين متحركين، لا يوازن فعلا نحو: كلبب، ولا فعلا نحو: كلل، ولا فعلا كذلل، ولا فعلا كصفف، إلا إذا كان أحدهما مزيدا للإلحاق نحو: ألندد بمعنى -

................................  الألدّ، ومعلوم أن عنددا ليس موازيا لفعل وأخواته، فيتعين كونه ملحقا بفعلل؛ إما بزيادة أحد الدالين فيكون من العنود، وإما بزيادة النون من الأعداد، ثم قال: وأيضا إذا ثبت فعلل كان للضمة ثلاثة مواقع في الرباعي وللكسرة أربعة وللفتحة خمسة فثبتت المزية للفتحة بموضع خامس؛ فلو لم يكن فعلل مثبتا كان للفتحة أربعة مواضع: فاء فعلل، ولامه الأولى، وعين فعل، ولام فعلل الأولى، على عدد مواقع الكسرة وهن: فاء فعلل، ولامه الأولى، وفاء فعلل وفعلّ، فكان يفوت التنبيه على كون الفتحة أخف في الاستعمال وأحق بسعة المجال، ثم قال: وقد ينتصر لسيبويه - رحمه الله تعالى - فعللا بأن يقال: سلّمنا صحة نقله عن العرب، إلا أنه فرع على فعلل؛ لأن كل ما نقل فيه الفتح نقل فيه الضم، ولا ينعكس؛ فلو كان فعلل أصلا كغيره من الرباعي، لجاز أن ينفرد عن فعلل؛ فعلم بذلك أن فتح ما فتح لم يكن إلا فرارا من توالي ضمتين ليس بينهما إلا ساكن، وهو حاجز غير منيع؛ فكان عدولهم عن فعلل إلى فعلل شبيها بعدولهم في جمع جديد ونحوه من فعل إلى فعل، ومخلصا من توالي الضمتين، وكان مقتضى الدليل أن يفروا إلى السكون إلا أنه منع في فعلل خوف التقاء الساكنين، وفي جدد ونحوه؛ خوف إدغام اسم لا يشبه الفعل فلجئ إلى شبيه السكون في الخفة، وهو الفتح، وذكر ابن عصفور ثلاثة أوزان أخر، إلا أنه حكم بندرة اثنين منها ولم يثبت الآخر، فالنادران: فعلل، قال: ولم يجئ منه إلا طحربة 1، وفعلل والمحكي منه: زئبر وضئبل، قال: وذلك شاذ لا يلتفت إليه، والذي لم يثبته فعلّ فإنه قال: وأما الفتكرين 2 بضم الفاء على ما حكاه يعقوب وكأنه فتكر ثم جمع فلا حجة فيه على إثبات فعلّ، إلا أن يحفظ بالواو والنون رفعا والياء والنون نصبا وجرّا ولكن المسموع من هذا إنما هو بالياء، وإذا كان كذلك فيمكن أن يكون فتكرين اسما مفردا كقذعميل 3، ثم ذكر المصنف ثلاثة أوزان غير ما تقدم له ذكره وهي فعلل وفعلل وفعلل، ونبّه على أنها ليست أصولا في نفسها فتعد من أصول الرباعي المجرد، بل هي فروع من غيرها، فمثال -

[أبنية الخماسيّ المجرّد

1] قال ابن مالك: (والخماسي المجرّد مفتوح الأوّل والثّاني والرّابع، أو مفتوح الأوّل والثّالث مكسور الرّابع، أو مكسور الأوّل مفتوح الثّالث، أو مضموم الأوّل مفتوح الثّاني مكسور الرّابع).

  • الأول: عرتن 2 وليس فيه دليل على إثبات فعلل في الرباعي؛ لأنه لم يجئ منه إلا هذا وقد قالوا فيه: عرنتن، فكان عرنتن هو الأصل كقرنفل، وكان عرتن فرعا عنه 3. ومثال الثاني: علبط وهو الضخم، وعجلط، وعكلط؛ وهما اللبن الشديد الانعقاد، فأصلها علابط وعجالط وعكالط؛ لأنّه لم يرد من هذا النوع شيء دون ألف إلا وروي مستعملا بألف 4، فعلم أن ما فيه الألف أصل وأن ما ليس هي فيه فرع عن ذلك الأصل.
    ومثال الثالث: جندل (لمكان الحجارة، وخنثر للشيء الخسيس من متاع القوم، والأصل فيهما: إما جنادل وخناثر؛ فيكون جمعا، وهو قول البصريين، وإما جنديل وخنثير؛ فيكون مفردا، وهو قول الكوفيين، ووافقهم أبو علي 5، وقد اختار ذلك المصنف.
    وإذا ثبت أن الأصل أحد هذين الوزنين ثبتت فرعية جندل وخنثر عليه) 6. قال ناظر الجيش: شرع في ذكر الخماسي المجرد وذكر أن له أربعة أوزان؛ وذلك لأنه [6/ 107]: إما مفتوح الأول والثاني والرابع كسفرجل اسما وشمردل صفة، وإما مفتوح الأول والثالث مكسور الرابع، قالوا: ولم يجئ إلا صفة نحو: جحمرش 7 -

..............................  وقهبلس 1، وإما مكسور الأول مفتوح الثالث، كقرطعب 2 اسما وجردحل 3 صفة، وإما مضموم الأول مفتوح الثاني مكسور الرابع نحو: خبعثن 4 اسما وقذعمل 5 صفة، واعلم أنه قد ذكر للخماسي وزنان آخران أحدهما فعللل نحو: الهندلع اسم بقلة، وزعم ابن السراج أن نونه أصلية وأن وزنه فعللل 6، قال المصنف: فجعل للخماسي وزنا خامسا، قال: وهذا مردود؛ لأنه يلزم على قوله أن يكون نون كنهبل أصلا؛ لأن زيادتها لم تثبت إلّا لأن الحكم بأصالتها موقع في وزن لا نظير له، وذلك لازم من أصالة نون: هندلع، مع أن نون: هندلع ساكنة ثانية فأشبهت نون: عنبس وحنظل وسنبل وقنفخر، والنون في هذه زوائد بدليل الاشتقاق، ولا يكاد يوجد نظير كنهبل في زيادة نون ثانية متحركة، وقد حكم مع ذلك عليها بالزيادة؛ فالحكم على نون: هندلع بالزيادة أولى 7، الوزن الثاني: فعلّل نحو: صنبّر، قالوا: ولم يجئ إلا في قوله: 4286 - حين هاج الصنبّر 8 قال ابن عصفور: وهذا لجواز أن يكون لما سكن الراء للوقف كسر الباء لالتقاء الساكنين 9.

[أبنية الاسم المجرد الثلاثي والرباعي والخماسي الشاذة]

قال ابن مالك: (وما خرج عن هذه المثل، فشاذّ أو مزيد فيه أو محذوف منه أو شبه الحرف أو مركّب أو أعجميّ).
قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على أوزان المجرد من الأسماء، وجملتها على ما هو المعتبر تسعة عشر بناء منها للثلاثي عشرة، وللرباعي خمسة، وللخماسي أربعة، وكان من الأبنية ما يخالف الأبنية المذكورة، أراد أن ينبه على المقتضي لعدم ذكرها معها، وجعل المقتضي لذلك ستة أشياء، وهي: الشذوذ، والزيادة، والحذف، وشبه الحرف، والتركيب، والعجمة؛ فالشاذ نحو: دئل في الثلاثي وطحربة وزئبر في الرباعي، وصنبّر، إن ثبت في الخماسي، والمزيد منه يشمل ما فيه زيادة من الثلاثي والرباعي والخماسي، والمحذوف منه نحو: شية وسه ودم، ويدخل فيه نحو: علبط أيضا، وشبه الحرف نحو: من وكم، والمركب نحو: بعلبك وحضرموت، والأعجمي كالأسماء الأعجمية، وإدخاله شبه الحرف والأعجمي مع هذه الأقسام لا حاجة إليه؛ لأنهما لا يدخلهما تصريف، ولأنه قد قال بعد ذكر حدّ التصريف: ومتعلقه من الكلم الأسماء المتمكنة، وما أشبه الحرف ليس بمتمكّن، وقد تقدم لنا أن الكلام في علم التصريف إنما هو بالنسبة إلى اللغة العربية؛ فإذا لا مدخل للكلمة الأعجمية في ذلك، واعلم أن الشيخ لما انقضى الكلام في شرحه على هذا الموضع شرع في ذكر أبنية الأسماء والأفعال المجرد منها والمزيد فيه وقرن ذلك بالأمثلة فكتب أوراقا عدّة، ولا شك أن أبنية الأفعال قد تقدم ذكرها؛ فلا حاجة لإيرادها هنا، وأما أبنية الأسماء فذكرها على التفصيل 1، وربما يضجر الناظر ويملّ الخاطر، ومراجعة كتاب سيبويه وغيره من الكتب في هذا الفن مغنية، والذي ذكره الزبيدي أن جملة أبنية الأسماء المجردة والمزيدة ثلاثمائة بناء وثمانية أبنية 2، منها للثلاثي مائتان وثمانية وثلاثون بناء، للمجرد منها عشرة أبنية أو أحد - - ضعف، وذلك أن الساكنين إذا التقيا من كلمة واحدة حرّك الآخر منهما، نحو: أمس، وجير... وإنما يحرّك الأول منهما إذا كانا من كلمتين، نحو: قد انقطع، وقم اللّيل، وأيضا فإن الساكنين لا ينكر اجتماعهما في الوقف».

[المضاعف من الثلاثي

ّ 1] قال ابن مالك: (فصل: استثقل تماثل أصلين في كلمة وسهّلة كونهما عينا ولاما، وقلّ ذلك فيهما حرفي لين، أو حلقيّين وأهمل كونهما همزتين وعزّ كونهما هاءين.
ونحو: قلق قليل، وقلّ كون الفاء واللّام حلقيّين وأقلّ منه نحو: كوكب، وأقلّ منه نحو: ببر وأقلّ منه نحو: ببّ، والأظهر كون الياء والواو نظيرتيه في التّأليف من ثلاثة أمثال).

  • عشرة بناء إن ثبت نحو: دئل والبقية للمزيد فيه منه، وللرباعي واحد وستون بناء، للمجرد منها خمسة أبنية والبقية للمزيد فيه منه 2، وللخماسي تسعة أبنية للمجرد منها أربعة أبنية والبقية للمزيد فيه منه، ولم يجئ من مزيد الخماسي غير خمسة أبنية وهي: فعلليل كسلسبيل ودردبيس، وفعلّيل كخزعبيل وقذعميل وفعللول كعضرفوط ويستعور، وفعلّلى كقبعثرى، وفعللول كقرطبوس 3، وحاصله: أنه لم يزد في الخماسي سوى حرف مدّ إما قبل آخر الكلمة أو بعده، وسيذكر المصنف ذلك بعد قليل.
    قال ناظر الجيش: اعلم أنه قد تجتمع ثلاثة أمثال أصول في كلمة كما سيأتي، -

................................  وقد تشتمل الكلمة على مثلين أصليين وذلك على ثلاثة أقسام: ما تماثلت فيه الفاء والعين، وما تماثلت فيه الفاء واللام، وما تماثلث فيه العين واللام.
فالأول: إما بغير فاصل بين المتماثلين نحو: ببر 1 وببّ 2 وددن 3، وإما بفاصل بينهما نحو: كوكب وقوقل.
والثاني: لا يمكن أن يكون إلا بفاصل وهو العين نحو: سلس وقلق، ويدخل فيه نحو: سندس 4 - أيضا -. والثالث: إما بغير فاصل نحو: طلل ولبب، وإما بفاصل نحو: حدرد، وقد عرف مما ذكرناه أنه ليس من شرط وجود الأصلين المتماثلين في الكلمة اجتماعهما وأن ذلك لا يتقيد بكون الكلمة ثلاثية، إذا تقرر ذلك فليعلم أن تماثل أصلين في كلمة مستثقل كما أشار إليه المصنف، وقد علل ذلك: بأن مخرج المتماثلين واحد فربّما يحتبس اللسان عند النطق بهما 5، وكذلك يفرّون إلى الإدغام؛ حيث يتفق اجتماعهما في كلمة إلا ما استثني كما عرف في باب الإدغام، وهذا إنما يتجه التعليل به حيث لا فاصل بين المثلين، أما مع وجود فاصل فهو غير متّجه، ثم اعلم أن باب نحو: طلل، وهو ما تماثلت عينه ولامه، أكثر من باب نحو: سلس، وهو ما تماثلت فاؤه ولامه، وباب نحو: سلس أكثر من باب نحو: كوكب، وهو ما تماثلت فاؤه وعينه بفاصل بينهما، وباب نحو: كوكب أكثر من باب نحو: ببر، وهو: ما تماثلت فاؤه وعينه دون فاصل، ودلّ على كون باب نحو: طلل أكثر؛ قول المصنف: (وسهّله كونهما عينا ولاما)، ويدخل فيه نحو حدرد - أيضا - وأما كون باب نحو: سلس أكثر من باب نحو: كوكب، فلم يصرح به المصنف، بل لو لم يكن في كلامه نصّ على أن الفاء واللام يتماثلان، ولكن ذلك يؤخذ من كلامه حيث قال: وقلّ كون الفاء واللام [6/ 108] حلقيين، فإنه يفهم من هذا الكلام: أن الفاء واللام يتماثلان، وأفاد قوله: أنه يقلّ كونهما حلقيين - أنه لا يقل -

................................  كونهما غير حلقيين، فكأنه قال: يجوز تماثل الفاء واللام، ولكن يقل ذلك إذا كانا حلقيين، ودلّ قوله قبل: وسهّله كونهما عينا ولاما أن باب نحو: طلل أكثر؛ لذكره مقدّما، ولنسبته التسهيل إليه؛ فيكون باب نحو: سلس أقلّ منه؛ لذكره إياه بعد، وعلى هذا فالضمير في قوله: وأقلّ منه نحو: كوكب يرجع إلى ما تماثلت فيه الفاء واللام غير حلقيّتين وهو: سلس، فيكون مراده وتماثل الفاء والعين إذا كان بينهما فاصل، وأما كون باب كوكب أكثر من باب نحو: ببر؛ فقد عرف من قوله بعد ذكر كوكب: وأقلّ منه نحو: ببر، ثم إن المصنف نبّه بقوله: وقلّ ذلك فيهما حرفي لين... إلى آخره على أن تماثل اللام والعين يكثر على غيره من المذكورات بعده على الإطلاق، بل بقيد كون الحرفين المتماثلين صحيحين غير حلقيين ولا همزتين، أما كونهما همزتين فغير وارد في كلام العرب، ولذلك قال: وأهمل كونهما همزتين، وأما كونهما حرفي لين أو حلقيين فقليل، وذلك نحو: قوّة وعيّ وغيّ وحيّ وصحّ وشحّ ولححت عينه 1 وشعاع وبخ 2 ومهه 3، وأما قوله: وقلّ كون الفاء واللام حلقيين فقد تقدم الكلام عليه، ومثاله: أجاء وخباح وآء، وهو شجر، والواحدة آءة 4، ولا يظن أن باب نحو: سلس أقلّ من باب نحو: قوّ بل إنما هو أقلّ من باب نحو: طلل كما تقدم، وهو أكثر من باب نحو: قوّ ومهه، وقد نصّوا على ذلك 5. وسبب سهولة تماثل العين واللام أن اللام معرضة لتغيّر حركات الإعراب ولسكونها في الوقف؛ فتخالف حينئذ حركة العين فيسهل النطق بها، هكذا ذكروا، ثم لما أنهى المصنف الكلام على ما اشتمل من المتماثل على أصلين؛ أخذ في -

................................  الكلام على ما اشتمل على ثلاثة أمثال أصول، وأشار إليه بعد قوله: وأقل منه نحو: ببر الذي هو أقلّ من نحو: كوكب، الذي هو أقلّ من نحو: سلس، الذي هو أقلّ من نحو: طلل؛ فهو حينئذ في الرتبة الخامسة، فنحو: ببّ تماثلت فيه الفاء والعين واللام، وقد ذكروا أن التأليف من ثلاثة أمثال قليل، وأن الذي جاء منه في الصحيح خمسة تآليف وهي: ببّ الصبي فهو ببّه أي: سمين، وههّ يههّ ههّا وههّة أي: لثغ واحتبس لسانه، وززّه يززّه ززّا أي: صفعه، وقعد الصبي على صصّه وققّه أي حدثه، وفعلهما صصّ يصصّ صصّا، وققّ يققّ ققّا، وأما الذي جاء منه في المعتل فكلمتان لا غير وهما ياء وواو، ودلّ كلام المصنف على أن في ذلك خلافا؛ حيث قال بعد ذكر بب: والأظهر كون الواو والياء نظيرتيه في التأليف من ثلاثة أمثال، لكن قال الإمام بدر الدين ولده: إن الياء من ثلاثة أمثال اتفاقا والدليل عليه قولهم: ييّيت الياء وأصلها: ييّ فقلبت العين واللام ألفين؛ لتحرك كل منهما وانفتاح ما قبله، فالتقى ألفان؛ فقلبت الثانية همزة لتطرفها بعد ألف فصار: ياء 1، وفي هذا العمل الذي ذكره نظر، فإن القاعدة المعروفة: أنه لا يتوالى إعلالان في كلمة، وأن القياس أنه إذا وجد في كلمتين عين ولام يستحقان هذا الإعلال إنما تعلّ اللام وتصحح العين نحو: الحيا، والهوى والحوى مصدر: أحوى إذا اسودّ، والأصل: حيي وهوي، وحوو، وقد يعكس هذا العمل شذوذا نحو: غاية وطاية وثاية، وأيضا فإن حرف العلّة الواقع بعد ألف إنما يبدل همزة إذا كانت الألف زائدة، أما إذا كانت الألف أصلية، فإن حرف العلة يبقى بحاله نحو: آية وراية، والأولى في التعليل أن يقال: تحركت الياء المتوسطة التي هي العين، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وقلبت الياء الأخيرة همزة، لوقوعها طرفا تشبيها للألف المنقلبة عن الأصل بالألف الزائدة، ثم قال الإمام بدر الدين: وأما الواو فقيل: هو من باب 2: سلس وقلق، وعينه ياء؛ لأن باب: سلس في كلامهم أكثر من باب: ببّ، فالحمل عليه أولى، وقال الأخفش هو من باب: ببّ وعينه واو، وهو قول صحيح 3، ويدل على صحته أمور ثلاثة: أحدها: قولهم في التصغير: أويّة بقلب فائه همزة؛ لكونها أوّل -

[اجتماع حرفي علّة في كلمة]

قال ابن مالك: (وإن تضمّنت كلمة ياء وواوا أصليّين لم تتقدّم الياء إلّا في: يوح ويوم وتصاريفه، وواو حيوان ونحوه بدل من ياء على رأي الأكثرين، وقلّ باب: ويح، وكثر باب: طويت).
واوين مصدّرتين ولو كانت عينه ياء لقيل في التصغير: وييّة 1. والثاني: أن كون العين واوا كما في نحو: حال، وجال أكثر من كونها ياء كما في: باع ومال ونحوه، والحمل على الأكثر عند التردد أولى (2). الثالث: أن كون الواو من باب: ببّ يستلزم شذوذا واحدا ارتكب مثله في ستة تآليف، يعني في الخمسة الصحيحة وفي الياء، وكونه من باب: سلس يستلزم شذوذين: أحدهما: ارتكب مثله في أربعة تآليف لا غير، وهو كون الواو فاء والياء عينا والأربعة: ويح وويب وويس وويل.
والآخر: لم يرتكب مثله في شيء وهو كون الياء عينا، والواو لاما، وما يستلزم الشذوذ من وجه واحد أولى بالمصيّر إليه مما يستلزم الشذوذ من وجهين، لا سيما على الوجه المذكور.
انتهى.
هو كلام جيد، واعلم أن أصل واو على هذا: ووو 2، كما أن أصل ياء: ييي 3 تحركت الواو المتوسطة وما قبلها مفتوح فانقلبت ألفا وصحت الواو آخرا فلم تعتل بإبدالها همزة، وهذا بخلاف ما فعلوا في ياء؛ حيث أبدلوا الياء همزة، وكأنهم جروا في واو على القياس، فلم يبدلوا الواو همزة؛ لوقوعها بعد ألف أصلية، كما كان قياس: ياء: أن يقولوا فيها: ياي.
قال ناظر الجيش: لما ذكر اجتماع الياء مع مثلها، واجتماع الواو مع مثلها في الكلمة الثلاثية شرع الآن ذكر اجتماع إحداهما مع الأخرى في الكلمة الثلاثية - أيضا - فذكر أنهما إذا اجتمعتا لا تتقدم الياء على الواو إلا في: يوح ويوم، ويوح: اسم الشمس وسواء أكانت الياء فاء أم عينا؛ فالحاصل أن الياء -

................................  لا تكون فاء والواو عينا إلا في ما استثناه 1، [6/ 109] وكذا لا تكون الواو لاما والياء عينا، وأورد على ذلك: حيوان، وأجيب عنه بأن واوه بدل من ياء على رأي الأكثرين وأصله: حييان، ولذلك قالوا في حيوة: إن أصله: حيّة ولا شك أن البدل المذكور فيهما شاذ قالوا: وهذا مذهب سيبويه 2، ووجهه: أنهم كرهوا إظهار الياءين فأبدلوا من الثانية واوا كما فعلوا في النسب حيث قالوا: غنويّ، وزعم المازني ومن وافقه أن باب: حيّ مما عينه ياء ولامه واو، واستدل على ذلك بقول العرب: حيوة وحيوان، وقد ردّ ذلك بأنه قد ثبت إبدالهم الياء واوا شذوذا، ولم يثبت من كلامهم ما عينه ياء ولامه واو، ولأجل خلاف المازني في هذه المسألة قيد المصنف كلامه بقوله: على رأي الأكثرين.
واعلم أن القياس الأصلي أن يقال في حيوان: حايان؛ لأن الياء الأولى تحركت وانفتح ما قبلها فقياسها أن تقلب ألفا، ولكنهم من أصلهم - أيضا - إذا كان اسم لمعنى يدل على تحرك واضطراب؛ صححوا حرف العلة فيه ليكون مطابقا لمدلوله في المتحرك، وكذلك قالوا: جولان وميلان؛ إجراء له مجرى الصحيح، حيث كان كذلك كالخفقان، وأورد على هذا التعليل: موتان، وأجيب بأنه من هذا الباب؛ لأنهم يحملون الشيء على نقيضه، ولما قالوا: حيوان حملوا عليه نقيضه في الصحة فقالوا: موتان فلما وجب بهذا السبب بقاؤها متحركة كرهوا اجتماع الياءين فقلبوا الثانية واوا كما تقدم، وأراد المصنف بالتصاريف في قوله: ويوم وتصاريفه، صيغة الجمع نحو: أيام أصله أيوام ونحو: قولهم: يوم أيوم، وياومه مياومة ويواما، وقد كان الاقتصار على ذكر يوم كافيا، فإن الفروع تابعة للأصول، ثم اعلم: أن الواو تقدمت فاء على الياء عينا، وتقدمت - أيضا - عينا على الياء لاما، لكن الثاني كثير والأول قليل، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: وقلّ -

بناء فعل من باب قوّ

قال ابن مالك: (واستغنوا في باب قوّ بفعل عن فعل وفعل، فإن اقتضى ذلك قياس رفض).
باب: ويح، وكثر باب: طويت، وهما عكس المسألتين المتقدمتين؛ لأن ويحا عكس يوحا، وطويت عكس حيوان، إن لم يكن واوه مبدلا عن ياء، قيل: ولم يحفظ من الأوّل إلا: ويل وويح وويس وويب 1، كما أنه لم يحفظ من عكسه إلا: يوح ويوم، وأما باب: طويت، فالمحفوظ منه كثير، منه: شوي وكوي ولوي 2 ونوي وحوي وغوي وعوي وثوي، وقد ثبت في بعض النسخ، قال الشيخ: في نسخة البهاء الرّقي زيادة بعد قوله: وكثر باب طويت وهي قوله: وأنيت 3، فالحمل عليهما أولى من بابي: قوّ وأجإ؛ فباب: قوّة راجع إلى طويت يعني أن تكون العين واوا واللام ياء أولى من كونهما واوين 4، وقوله: وأجإ؛ راجع إلى أنيت، يعني أن تكون فاء الكلمة همزة ولامها ياء؛ أولى من كونهما همزتين 5. قال ناظر الجيش: يريد أنه إذا كانت العين واللام واوين نحو: باب حوّة 6 وقوّة، فإن الفعل منه إنما تبنيه العرب على فعل بكسر العين، فيقولون: قوي، وأصله: قوو، فقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، ولزم مجيء مضارعه على يفعل، فقيل: يقوى، وأصله: يقوو، ولم يبنوه على فعل ولا على فعل لما يلزم منه من مجيء مضارعه على يفعل فقيل: يقوى؛ لأن مضارع فعل إنما يأتي كذلك، ومضارع فعل الواويّ العين كذلك - أيضا -، فكان يجيء على: يقوو، فاستثقلوا مجيء واوين في آخر الفعل، فرفض ما أدى إليه وكذا كان يجتمع في آخر الماضي واون 7 إذا قلت: قووت -

[المضارع من الرباعي]

قال ابن مالك: (ويماثل كثيرا ثالث الرّباعيّ أوّله، ورابعه ثانيه، وأهمل ذلك مع الهمزة فاء، وقلّ مع الياء مطلقا، ومع الواو عينا، فإن كانت في فعل لم تقلب ألفا، وما أوهم ذلك فأصله الياء كحاحيت خلافا للمازنيّ).
أو قووت، فإن اقتضى ذلك قياس رفض وذلك أن يقال لك: ابن من قوّة مثل سبعان، فيقول في أحد المذاهب التي سيأتي ذكرها: قويان، أصله: قووان، لكنك رفضت هذا الأصل، وصيرته على وزن فعلان، وقلبت الواو الآخرة ياء؛ لكسر ما قبلها فقلت: قويان.
قال ناظر الجيش: قد ذكر المصنف هذه المسألة - أعني التي حصل فيها التماثل - في فصل يأتي بعد ذكر فصول أربعة من هذا الفصل 1، وذلك الفصل أمر بذكرها فيه، وإنما تعرض لذكرها هنا لأمرين: أحدهما: أنه لما تكلم على تماثل الأصول في الكلمة الثلاثية أردف ذلك بالكلام على تماثلها في الكلمة الرباعية.
ثانيهما: التنبيه على أن هذا التماثل مهمل بالنسبة إلى بعض الحروف، وقليل بالنسبة إلى بعض آخر، ومراده أن مماثلة الثالث للأوّل والرابع للثاني يكون في كلمة واحدة، لا أن كل تماثل في كلمة؛ وذلك نحو: سحسح وسمسم وجمجم وبربر وربرب وزلزل وقلقل وصلصل، ثم هذا التماثل قد يكون مهملا، وقد يكون قليلا؛ فأما كونه مهملا ففي الهمزة إذا كانت فاء؛ فلم يسمع من كلام مثل: أجأج ولا أزأز، ولم يهمل ذلك فيها إذا كانت عينا فقد سمع من كلامهم: بأبأ 2 وزأزأ 3 وضئضئ 4، وأما كونه قليلا فمع الياء مطلقا أي: فاء كانت أو عينا، ومع الواو إذا كانت عينا فالياء نحو: يؤيؤ 5 وصيصية 6 والواو نحو: ضوضى -

................................  وقوقى؛ فهما من باب: صلصل وقلقل ولم يحكم بزيادة الواو في: ضوضى فيقال: إن وزنه فوعل كجوهر؛ لأن ذلك يدخل الكلمة في باب: ددن، وهو قليل، والحكم بأنها أصل يدخل الكلمة في المضعف الرباعي وهو كثير، ويقيد القلة بكون الواو عينا يفهم منه أن الواو إذا كانت فاء لا يقل التماثل معها، وذلك نحو: وسوس، ووعوع.
قوله: فإن كانت في فعل، أي: فإن كانت الواو عينا في فعل لم تقلب ألفا، مثال ذلك: قوقى وضوضى، وما أوهم كون العين واوا قلبت ألفا، فأصل الألف الياء لا الواو وكحاحيت، ومثله هاهيت وعاعيت 1؛ فإن الأخفش لم يأت في هذا الباب - في ما علمناه - غير هذه الثلاثة 2، وأصل الألف فيها الياء، وإنما ذهبنا إلى أنه فعللت لا فاعلت؛ لقولهم في المصدر: الحيحاء والعيعاء 3، ولو كان فاعل لكان مصدره فعالا، وإنما قيل: إن أصل الألف ياء في هذه الكلمات الثلاث؛ لأنه لم تجئ كلمة منها على الأصل الذي لها قط؛ فلو كان أصلها واوا لجاء كما قالوا: قوقيت، قالوا: وإنما لم تبدل الواو ألفا في قوقيت ونحوه، ليفرّقوا بين ذوات الواو وذوات الياء، وكان الإبدال في ذوات الياء أولى لقرب الألف من الياء ولما في ذلك من اجتماع الأمثال ويدل على أنهم يبدلون؛ كراهة اجتماع الأمثال قولهم: وهديت، والأصل فيه: وهدهت، وخالف المازني في ذلك وجعل الألف في حاحيت ونحوه منقلبة عن واو، واحتج على ذلك بأن الألف لمّا لم ينطق بها بأصل لا ياء ولا واو كان حملها على ما نطق له بأصل وهو: قوقيت أولى 4، قال الشيخ: وكونها منقلبة عن ياء أحسن للعلّتين المتقدمتين 5.

[الميزان الصرفي

1] قال ابن مالك: (ويسمّى أوّل الأصول فاء، وثانيها عينا، وثالثها ورابعها وخامسها لامات؛ لمقابلتها في الوزن بهذه الأحرف مسوّى بينهما في الحال، والمحلّ ومصاحبة زائد سابق أو لاحق).
قال ناظر الجيش: لما راموا وزن الكلمة قابلوا أوّل أصولها بفاء وثانيها بعين وثالثها ورابعها وخامسها بلامات فلهذه المقابلة يسمى أول الأصول فاء، وثانيها عينا، وثالثها لاما، وكذا رابعها وخامسها إن كانا، وأشار بقوله: مسوّى بينهما، إلى أنه يسوي بين الوزون والزنة في الحال والمحل ومصاحبة زائد.
أما الحال: فالمراد به الحركة والسكون فيعطى المقابل به ما للمقابل منهما فيوزن عصر من قول الشاعر: 4287 - لو عصر منه البان والمسك انعصر 2 بفعل بسكون العين، وإن كان أصله: عصر بكسرها؛ لأن حالها عند الوزن السكون، وكذا يوزن جلد من قول الشاعر: قول الشاعر: 4288 - ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا 3 بفعل بكسر العين، وإن كان أصله الجلد بسكونها؛ لأن حالها عند الوزن الحركة، والمعتبر من مشكلات الحروف ما استحق قبل طروء التغيير الحادث بإعلال حالها؛ -

................................  فلذا يقال في وزن معدّ: مفعل؛ لأن أصله معدد، ويقال في وزن بيع: فعل؛ لأن أصله بيع.
وأما المحل: فالمراد به أنه إذا حصل في الموزون تقديم بعض حروفه على بعض فعل مثل ذلك في الزنة فيوزن: آرام: أعفال، وحادي: بعالف، وكذا ما أشبههما من المقلوب، وأما مصاحبة المزيد: فالمراد به أن الموزون إذا كان فيه زائد أتي بنظيره في الزنة فيوزن جوهر: بفوعل، وقسور: بفوعل، وعثير: بفعيل، ومراد المصنف أن الزائد يصاحب الزنة كما يصاحب الموزون؛ أما مقابلته في الوزن بلفظه أو بغير لفظه فيذكره، وأما قوله: سابق أو لاحق - فأبدى الشيخ في المراد به احتمالين: أحدهما: أن الزائد السابق ما كان في بنية الكلمة من أول وضعها كياء يرمع؛ وتاء تنضب والزائد اللاحق ما لحق الكلمة لمعنى عرض كألف ضارب، وياء التصغير، وألف الجمع 1 وهم الأدلة.
الثاني: أن السابق ما كان سابقا على ماهية الكلمة كالسين من: سيضرب، والتاء الساكنة من: ضربت، والألف واللام من الضارب، واللاحق 2 ما كان لاحقا للماهية كالتنوين من: زيد مثلا لو قيل: ما وزنه؟ فتقول: فعلن 3. انتهى.
ولا شك في بعد الاحتمال الثاني، وكان المصنف في غنى عن تقييد الزائد بكونه سابقا أو لاحقا؛ إذ لا فائدة في ذلك، واعلم أن الفائدة في وزن الكلمة بالفعل هي الإعلام بمعرفة الزائد من الأصل على طريق الاختصار؛ لأن قولك في وزن أحمر: إنه أفعل؛ أخصر من قولك: الهمزة منه زائدة.
وإنما كنّوا عن الأصول بالفاء والعين واللام؛ لأن حروف الفعل أصول 4، فجعلوها لذلك في مقابلة الأصول، ولم -5

[حروف الزيادة ودليلها وأنواعها]

قال ابن مالك: (وما لم تبن زيادته بدليل فهو أصل، والزّائد بعض سألتمونيها، أو تكرير عين أو لام أو عين ولام مع مباينة الفاء، أو فاء وعين مع مباينة اللّام، وإذا كان الزّائد من سألتمونيها قوبل بمثله في الوزن، وإلّا فبما يقابل الأصل من فاء وعين ولام، خلافا لمن يقابل بالمثل مطلقا).
يكنوا عن الأصول بغير هذه الحروف؛ لأنهم إنما كنوا بما عادة العرب أن تكني به وهو الفعل، ألا ترى أن القائل يقول: هل ضربت زيدا، فتقول: فعلت، وتكني بقولك: فعلت عن الضرب، وللكوفيين في كيفية الوزن بالنسبة إلى مقابلة ما زاد من الكلم على ثلاثة، بما إذا تقابل تفصيل وبينهم اختلاف في ذلك، والظاهر أنه مبني على غير أصل، تم الكلام في ذلك، وإيراد تقاسيمهم لا يفيد شيئا فتركته خوف الإطالة (2). قال ناظر الجيش: دعوى الزيادة لا تقبل إلا بدليل يدل على أن ذلك الحرف مزيد في تلك الكلمة؛ لأن الأصل عدم الزيادة، فمن ثم قال المصنف: وما لم تبن زيادته بدليل فهو أصل، وسيأتي ذكر الأدلة التي تدل على الزيادة، ثم الزيادة إما بتكرير أو بغير تكرير، أما زيادة التكرير: فغير مختصة بشيء من الحروف، وأما الزيادة بغير تكرير: فلا يخرج عن شيء من هذه الحروف العشرة وهي: الألف، والياء، والواو، -1 - 2 - «الفعل» هو الذي يكثر فيه التغيير دون سائر الكلمات فأوثرت مادته المشتملة على الفاء، والعين واللام لوزن جميع الكلمات.

................................  والهمزة، والميم، والنون، والتاء، والسين، والهاء، واللام، ويجمعها قولك: سألتمونيها، يقال: إن بعض النحاة سئل عن أحرف الزيادة، فقال: سألتمونيها، قالوا: نعم، قال: قد أجبتكم 1. وقد جمعها المصنف في بيت واحد أربع مرات، وهو: هناء وتسليم تلا يوم أنسه... نهاية مسؤول أمان (وتسهيل) 2 والمراد من كونها أحرف الزيادة أنه إذا وجد حرف زائد لغير الإلحاق والتضعيف فلا يكون إلا منها، لا أن المعنى أنها لا تقع إلا زوائد، وأما المزيد للإلحاق والتضعيف، فقد يكون من غيرها كما يكون منها، وهذا الذي قلناه هو مراد المصنف بقوله: والزائد بعض سألتمونيها، أو [6/ 110] تكرير عين... إلى آخره، ولكنه يجوز في قوله: أو تكرير؛ لأن التكرير زيادة والزائد إنما هو المكرر، ثم ذكر المصنف: أن التكرير أربعة أقسام: تكرير عين فقط نحو: سلّم وقطّع، وتكرير لام فقط نحو: مهدد وجلبب، وتكرير عين ولام مع مباينة الفاء لهما ووزنهما، نحو: دمكمك وصمحمح 3 فالميم والكاف في الأول.
والميم والحاء في الثاني، وقد تكررتا مع مباينة الفاء لهما، ووزنهما: فعلعل، فأصول كل من الكلمتين ثلاثة أحرف لا غير، والدليل على ذلك أنهم أجمعوا على أنهم يقولون في جمعها: دمامك وصمامح 4، -

................................  والعرب لا تجمع الخماسي إلا على: استكراه؛ وإنما يجمعونه بحذف الآخر، فيقولون في سفرجل: سفارج، فلو كان: دمكمك، وصمحمح خماسيين، لكانوا يحذفون الآخر فيقولون: دماكم، وصماحم، قلت: الذي حذف من قولهم: دمامك، وصماحم، إنما هو لام الكلمة، وهي الكاف من الأول، والحاء من الثاني، وقد يستشكل حذف الحرف الأصلي، ويقال: حذف أحد الزائدين المكررين أولى وهو من دمكمك: إما الميم وإما الكاف فكان يقال: دماكك ودماكم، ومن صمحمح، إما الميم، وإما الحاء، فكان يقال: صماحح أو صماحم، قيل: لكنهم لم يقولوا: صماحم لفقد فعالع، ولم يقولوا: صماحح للاستثقال 1، قلت: وفي التعليل بفقد فعالع نظر؛ فإنه قد يقال: الغرض أن الميم والحاء الآخرتين مزيدتان تكريرا للعين واللام فحذفت إحداهما توصلا إلى الإتيان بصيغة الجمع، وبقيت الأخرى وهي مكررة عن عين الكلمة، فقوبلت في الوزن مما يقابل به العين، ولا يضرّ كون الحرف الذي تقابل به العين آخرا؛ لأن الحرف مزيد لا أصل؛ ولأن المزيد الآخر المحذوف الذي يقابل اللام في حكم الموجود، فالواقع آخرا إنما هو الحرف الذي يقابل اللام، والقسم الرابع: تكرير فاء وعين مع مباينة اللام نحو: مرمريت وهو العصر، ومرمريس وهو الداهية 2، والدليل على ذلك الاشتقاق فإنهما من المرت، والمراس فالميم، والراء الأخريان مزيدتان، وزنة الكلمتين: فعفعيل، ولم تتكرر الفاء والعين إلا في هذين الاسمين، قال المصنف في شرح الكافية بعد ذكر مرمريس ومرمريت: وزنهما فعفعيل، وهو وزن غريب 3. ثم لمّا ذكر المصنف أن الزيادة في الكلمة بأحد طريقين إما بالتكرير، وإما ببعض الأحرف العشرة، قال: وإذا كان الزائد من سألتمونيها قوبل... إلى آخره، يعني أن الزائد إذا كان من سألتمونيها - ويريد بذلك أن زيادته لم يقصد بها التكرير - قوبل في الوزن بمثله وهذا ظاهر كقولك: وزن ضارب ومضروب: فاعل ومفعول، وقد تقدم ذلك، قال في شرح الكافية: إلا أن يعرض له في الموزون سبب تغيير، يعني فيؤتى به في -

................................  الوزن على أصله من غير تغيير، وذلك كما تقول: وزن مصطبر، ومزدجر: مفتعل فتأتي بالتاء في الزنة؛ لأن الموجب لقلبها طاء ودالا في الموزونين مفقود في الزنة 1، قوله: وإلا فيما يقابل الأصل، يعني وإن لا يكن الزائد من سألتمونيها، ويريد بذلك أنه قصد بزيادتها التكرير قوبل في الوزن بما يقابل به الأصل من فاء، وعين، ولام، فتقول: وزن سلّم فعّل، وجلبب: فعلل، ودمكمك: فعلعل، ومرمريس: فعفعيل، ويقول: وزن اغدودن: افعوعل 2. والحاصل: أن المزيد المكرر لا يوزن بلفظه، وإنما يوزن بالحرف الأصلي الذي قبله، فصل بينه وبينه زيادة أو لم يفصل، كان التكرير من غير حروف الزيادة أو منها، وسواء كان زيادة التكرير للإلحاق 3 أم لغير الإلحاق، أما المقابلة إنما يقابل به الأصل في الإلحاق، فلأن غرضهم بالزيادة جعل الكلمة على مثال ما موزونها فيه أصل 4، فأرادوا في الزنة أن ينبهوا على ذلك وأما في غير الإلحاق، فأرادوا أن ينبهوا على أن هذه الزيادة قصدوا بها تكرير ما قبلها، وما قبلها أصل؛ فقصدوا بوزنها بما قبلها التنبيه على هذا الغرض، بخلاف الزيادة التي ليست للإلحاق، والتي لقصد التكرير، ثم أشار المصنف بقوله: خلافا لمن يقابل بالمثل مطلقا 5، يعني يقابل بمثل الزائد في التكرير كما يقابل به في غير التكرير، إلى أن من الناس من يقابل في التكرير الزائد بمثله إذا نطق بوزنه فيقول في اغدودن: افعودن فيقابل بالمثل، كما تقول في وزن: جوهر: فوعل، وكذا يقول: وزن جلبب: فعلب 6 إن كان المزيد عنده هو الثاني، وإن كان المزيد عنده الأول، قال: وزنه: فعبل هكذا قال الشيخ، وفي ذلك نظر؛ فإن جلبب ملحق بدحرج.
والحرف الذي حصل به الإلحاق إنما هو الثاني، فالظاهر أنه هو المزيد فلا يتأتى في -

[الزيادة قبل فاء الفعل والاسم]

قال ابن مالك: (فصل: لأصالة الفعل في التّصريف، زيد قبل فاء ثلاثيّه إلى ثلاثة، وقبل فاء رباعيّه إلى اثنين، ومنع الاسم من ذلك ما لم يشاركه لمناسبة.
أو يكن ثلاثيّا والمزيد واحد وشذّ: إنقحل وإنزهو، وينجلب، وإستبرق.
ومنتهى الزّيادة في الثّلاثيّ من الأفعال ثلاثة، ومن الأسماء أربعة، وفي الرّباعيّ من الأفعال اثنان، ومن الأسماء ثلاثة، وقد يجتمع في آخر الاسم الثّلاثيّ ثلاثة وأربعة.
وفي آخر الرّباعي ثلاثة ولم يزد في الخماسيّ غير حرف مدّ قبل الآخر أو بعده مجرّدا أو مشفوعا بهاء التّأنيث، وندر: قرعبلانة، وإصطفلينة، وإصفعند).
نحو: جلبب الخلاف 1 الذي في نحو: كرّم، قال المصنف: ويلزم من المقابلة بالمثل في المكرر أمران مكروهان: أحدهما: تكثير الأوزان مع إمكان الاستغناء بواحد في نحو صبّر وقتّر وكثّر، فإن وزنها وما شاكلها على القول المشهور: فعّل، ووزنها على القول الآخر المرغوب عنه: فعبل وفعتل 2، وهكذا إلى آخر الحروف، وكفى هذا الاستثقال منفّرا.
والثاني: التباس ما يشاكل مصدره تفعيلا بما يشاكل مصدره فعللة، وذلك أن الثلاثي المعتل العين قد تضعّف عينه؛ للإلحاق، ولغير الإلحاق، ويتحد اللفظ به كبيّن مقصودا به الإلحاق، ومقصودا به التعدية؛ فعلى القصد الأوّل مصدره: بيّنة، مثل دحرجة، وعلى القصد الثاني تبيين، ولا يعلم امتياز المصدرين إلا بعد العلم باختلاف وزني الفعلين، واختلاف وزني الفعلين على ما نحن بصدده ليس إلا على المذهب المشهور فتعيّن رجحانه 3. قال ناظر الجيش: قد تقدم أن للأفعال الأصالة في التصريف، وتقدم تعليل ذلك؛ فلا حاجة إلى إعادته، وقد رتب المصنف على كون الفعل أصيلا في التصريف الحكم الذي ذكره وهو تعدد الزيادة في أوله، واختصاصه بذلك دون الاسم، ودلّ ذلك على أن تعدد الزيادة في أول الكلمة فيه دلالة على تمكن تلك الكلمة في باب -

................................  التصريف بخلاف الزيادة في آخرها، وحاصل ما تضمنه هذا الفصل: الإشارة إلى محل وقوع الزيادة في الفعل والاسم، وقد اشترك الفعل والاسم في تعدد المزيد 1، وانتهاء الزيادة إلى أقصى ما يزاد في كل منهما؛ لكونهما افترقا في أن تعدد المزيد وانتهاءه إلى أقصى ما يزاد، إذا كان في الفعل إنما يكون في أوله، وإذا كان في الاسم إنما يكون في آخره، وأنه مع ذلك لم يكثر فيه كثرته في الفعل، ويدلّ على عدم الكثرة قوله: وقد يجتمع في آخر الاسم.
فأتى بـ «قد» المفيدة للتقليل، وقد علمت أن الفعل ثلاثي ورباعي، فأما الثلاثي فزيد قبل فائه زيادة، وزيادتان، وثلاث.
الأول: نحو: أكرم، والثاني: نحو: انطلق، والثالث: نحو: استخرج.
وهذه نهاية زيادة الثلاثي؛ وأما الرباعي فزيد قبل فائه زيادة نحو: تدحرج، وزيادتان نحو: يتدحرج، وهذه نهاية زيادة الرباعي، وأما الاسم فمنع من ذلك أي: من مثل هذه الزيادة على النهج الذي ذكره، وهو أن يزاد قبل فاء ثلاثيّه إلى ثلاثة، وقبل فاء رباعيّه إلى اثنين إلا أن يشرك الاسم الفعل لمناسبة؛ فإنّه يوافقه في تلك الزيادة نحو: منطلق، ومستخرج، ومتدحرج، والاشتراك بينهما هو رجوعهما إلى أصل واحد في الاشتقاق، وإلا أن يكون الاسم ثلاثيّا، والمزيد حرف واحد فإنّه لم يمنع الاسم من ذلك نحو: أفكل 2، ويرمع 3 وهو كثير، وعلم من اقتصاره والاستثناء على ما ذكره - أنّه لا يزاد قبل فاء الاسم الثلاثيّ، إذا لم يكن مشاركا للفعل زيادتان فصاعدا فمن ثمّ قال المصنف بعد ذلك: وشذّ: إنقحل، وإنزهو، وينجلب، وإستبرق؛ أما إنقحل وإنزهو، فمن القحل 4 والزّهو 5، فالهمزة والنون فيها زائدتان، وليس إنقحل وإنزهو مشاركين للفعل لمناسبة فكانا شاذين 6. قال الشيخ: وقد جاء غير هاتين الكلمتين قالوا: انقلس وانقلس لضرب من السمك يشبه الحيات، وأمّا ينجلب 7؛ فإنّه قد زيد قبل فائه زيادتان: وهما الياء والنون؛ فشذوا فيه شذوذهم -

................................  في: إنقحل وإنزهو، وما قاله المصنف غير ظاهر، فإن: ينجلب منقول من الفعل 1. وقد ناقشه الشيخ في ذلك وقال: إنما غرّه فيه كونه من أسماء الأجناس لا الأعلام، فاعتقد أنه ليس بمنقول من الفعل، قال: وقد ذكر النحويون أن النقل يكون في أسماء الأجناس وفي الأعلام.
ونصوا على أن ينجلبا منقول من الفعل، وإن كان اسم جنس، وكذلك قالوا في تنوّط - اسم طائر -: إنه منقول من الفعل وهو اسم جنس؛ وأما دخول تاء التأنيث [6/ 111] على: ينجلب، وقولهم: الينجلبة فإنما ساغ؛ لنقله من الفعلية إلى الاسمية، وأما إستبرق فهو مأخوذ من البريق، وقد زيد قبل فائه ثلاثة حروف وليس من الأسماء المستثناة فيكون شاذّا.
والإستبرق غليظ الديباج 2، ثم لما انقضى الكلام على الفعل بالنسبة إلى الزيادة التي ذكرها شرع في الكلام على الاسم بالنسبة إلى هذه الزيادة فقال: وقد يجتمع في آخر الاسم الثلاثي ثلاثة وأربعة، وفي آخر الرباعي ثلاثة، مثال زيادة الثلاثة في آخر الثلاثي: عنفوان، فالواو والألف والنون زوائد، ومثله: أربعاوى، فالألف والواو والألف زوائد، وكذا الهمزة في أوله أيضا، ومثال زيادة الأربعة فيه: سلمانين اسم موضع، ومثال زيادة الثلاثة في آخر الرباعي: قردمانى: لدواء معروف 3، فالألف والنون والألف في آخره زوائد، قال الشيخ: وكذا عقربّان لدخّال الأذن؛ 4 إذا قلنا بأن الحرف الأخير من المضعف هو الزائد، وأما قول 5 المصنف: ومنتهى الزيادة في الثلاثي إلى قوله: ومن الأسماء ثلاثة - فغير محتاج إليه، بل هو تكرار منه؛ لأن هذا قد عرف من قوله قبل: والمزيد فيه إن كان اسما لم يتجاوز سبعة.
بقي الكلام على قوله: ولم يزد في الخماسي... إلى آخره، فنقول: قد تقدّم لنا أن الذي ينتهي من الأسماء بالزيادة إلى سبعة إنما هو الثلاثي منها والرباعي، أما الخماسي فإنما ينتهي إلى ستة؛ لأنه لا يلحقه إلا زيادة واحدة، ولم تبيّن تلك الزيادة ما هي؛ فذكر المصنف ما ذكره غيره وهو أن الخماسيّ لم يزد فيه إلا حرف مدّ قبل الآخر أو بعده مجردا من هاء التأنيث، أو مشفوعا بها، فمثال المجرد من الهاء: -

................................  عضرفوط وقبعثرى، ومثال المشفوع بها عندليبة وقبعثراة، وانتقد الشيخ على المصنف كلامه من وجهين: أحدهما: أنه قد زيد في الخماسي حرفان، قالوا: مغناطيس، والألف والياء زائدتان.
الثاني: أنه قال: قبل الآخر، وقد وجدنا المزيد فيه قبل الحرف الذي يلي الآخر نحو قولهم: مغنيطس 1، وأجاب عن هذا الثاني بأنه يصدق على الياء أنها قبل الآخر إن لم تل الآخر 2. انتهى.
قلت: وأما مغناطيس، فبعد ثبوته يدعى شذوذه أو أنه غير عربي، ثم ذكر المصنف أنه قد ندر ثلاث كلمات، وهي: قرعبلانة 3، وإصطفلينة 4، وإصفعند 5، أما قرعبلانة فلأنه قد زيد بعد لام الكلمة زيادتان وهما: الألف والنون، وقد ذكر أنه لا يزاد إلا حرف مدّ.
قال الشيخ: فإن كان قصد الجنس فالندور في الكلمة لأجل النون؛ لأنها ليست من حروف المدّ، وإن كان قصد الوحدة؛ فالندور لأجل كون المزيد حرفين، وأما إصطفلينة؛ فلأنه قد زيد بعد أصولها الياء والنون فالندور فيها على الوجهين المذكورين في: قرعبلانة 6، وقد جعلها الشيخ من الرباعيّ الذي زيد فيه ثلاثة أحرف وهي الهمزة، والياء، والنون، قال: ووزنها: إفعلّينة، ووزنها على قول المصنف: فعللينة، وأصله فعللّ نحو: جردحل ثم زيد في [6/ 112] آخره ياء ونون، وأما: إصفعند؛ فندوره لأنه زيد قبل آخره غير حرف مدّ وهو النون، وأما الهمزة فأصلية 7.

[الأوزان المهملة من المزيد فيه]

قال ابن مالك: (فصل: أهمل من المزيد فيه فعويل وفعولى، إلا: عدولى وقهوباة، وفعلال، غير مضعّف، إلّا الخزعال، وفيعال غير مصدر، إلّا ناقة ميلاعا، وفعلال مضعّف الأوّل، والثّاني غير مصدر إلّا الدّيداء، وفوعال وإفعلة وفعلى أوصافا، إلّا ما ندر كضيزى وعزهى، وفيعل في المعتلّ دون ألف ونون، وفيعل في الصّحيح مطلقا إلا ما ندر كعيّن، وبيئس، وطيلسان في لغة، وندر فعيل وفعيل، وكثر فعيل).
قال ناظر الجيش: ذكر المصنف في هذا الفصل من المزيد فيه من الثلاثي، وغيره ثلاثة عشر وزنا منها عشرة أوزان مهملة لم توجد إلا فيما استثناه، وزنان نادران، ووزن لم يندر، وإنما تعرض لذكر هذه الأوزان المهملة دون غيرها من المهملات؛ لأنها لم تهمل على الإطلاق؛ بل وجد منها بعض ألفاظ، وإن كانت في غاية القلة فاقتضى وجود هذه الألفاظ التعرض لذكر الأوزان المذكورة ليحصل التنبيه على الموجود منها وأنه قليل، ولو لم توجد هذه الألفاظ لم يكن لذكر الأوزان المذكورة فائدة؛ إذ المهملات تشذ عن الحصر فلا فائدة إذا في التعرض إلى ذكرها، ولكنّ المصنف افتتح ذكر الأوزان بـ: فعويل ولم يتعرض (لذكر) 1 مجيء شيء على هذا الوزن بخلاف ما فعل في بقية الأوزان وقد كان ينبغي له ألا يذكره لما قررناه من أنه لا فائدة في ذكر الأوزان المهملة؛ لعدم دخولها تحت الحصر، ثم إن الشيخ استدرك هذا على المصنف وقال: قد وجد هذا الوزن قال: ومنه سرويل 2، والثاني من الأوزان التي ذكرها: فعولى، واستثنى منه عدولى 3، وقهوباة 4، وعدولى: اسم واد بالبحرين، وقهوباة: النّصل، وبعضهم لم يثبت هذا الوزن مطلقا، وقال: -

................................  إن وزن الكلمتين المذكورتين فعولل: كفروكس 1. قال الشيخ: فيكون الألف - يعني في عدولى وقهوباة - منقلبة عن واو دون الحكم أصلا في بنات الأربعة 2. انتهى.
ولم أعلم الموجب لحكمه بأن الألف منقلبة عن واو، دون الحكم بأنها تكون عن ياء، ومستند المنكر لهذا الوزن قول سيبويه: ليس في الكلام فعولى 3، والظاهر في هاتين الكلمتين ما قاله المصنف، وذكر الشيخ كلمة ثالثة وهي: حبونا، قال: ويحتمل أن يكون المكان سمي بجملة 4. والثالث من الأوزان: فعلال غير مضعف واستثنى منه: الخزعال، تقول العرب: ناقة بها خزعال أي: ظلع، حكاه الفراء 5، قال الشيخ: وأكثر النحويين لا يثبتونه قال: وزاد بعضهم قسطالا للغبار، وقشعاما للعنكبوت 6، وقد قيد المصنف ذلك بكونه غير مضعف؛ لأن هذا الوزن في المضعف كثير نحو: الزلزال، والقلقال، والوسواس، والصلصال.
والرابع من الأوزان المهملة: فيعال غير مصدر، واستثنى منه: ناقة ميلاعا 7 وهي السريعة، وقيد ذلك بكونه غير مصدر؛ لأن هذا الوزن يوجد في المصادر نحو: قتيال.
والخامس من الأوزان المهملة: فعلال مضعف الأول والثاني، غير مصدر، واستثنى منه الديداء وهو آخر الشهر، وفيه لغة أخرى وهي: الدّاداء، وقيده بكونه غير مصدر 8؛ لأن فعلال مضعف الأول والثاني يوجد في المصادر نحو: الزّلزال.
-

................................  والسادس والسابع والثامن من الأوزان المهملة: فوعال، وإفعلة، وفعلى أوصافا، إلا ما ندر كضئزى وعزهى، وحاصل الأمر: أن هذه الأوزان الثلاثة لم تهمل مطلقا؛ إنّما أهملت صفات وجاءت أسماء فمثال: فوعال: توراب 1، ومثال إفعلة: إنفحة في لغة من لا يشدد الحاء 2، ومثال فعلى: ذكرى وسيمى، وقد استثنى من فعلى: ضئزى وعزهى.
وتعقب الشيخ على المصنف ثلاثة تعقبات: الأول: أن بعضهم حكى مجيء فوعال صفة قالوا: رجل هوهاءة للأحمق، نقله ابن القطاع 3، قال الشيخ: ويحتمل عندي أن يكون وزنه فعلالا، ويكون من المضاعف نحو: الوسواس، وتكون الهمزة فيه مبدلة من واو كما في: ضوضاء وغوغاء فلا تعقب إذا.
الثاني: نفي الوصفية عن إفعلة؛ لأن ظاهره التخصيص بما فيه تاء التأنيث، وليس الحكم كذلك بل إفعل وإفعلة فيه سواء نحو: إصبع وإثّرة، وإنفحة، قال: وقد ذكرنا إمّعة 4 وكونه وصفا.
الثالث: أنه لم يستثن من فعلى غير ضئزى 5 وعزهى.
وقد نقل: رجل كيصى للنازل وحده، ورجل عزهاة 6، وامرأة سعلاة 7. ولا يخفى ضعف هذه التعقبات، ولقد كان ترك التعرض لها أجمل.
-

................................  والتاسع من الأوزان المهملة: فيعل في المعتل دون ألف ونون، يعني أنه لا يوجد فيعل في المعتل، وأراد المعتل العين، وسيذكر أنه لم يأت منه إلا كلمة واحدة، وهذا بخلاف الصحيح العين، فإنه يأتي على فيعل كثيرا نحو: ضيغم وصيرف وسواء في المعتل العين اعتلاله بواو أو بياء، فلو قيل: ابن من البيع والقول مثل فيعل، لوجب التنكب عنه إلى فيعل فكنّا نقول: بيّع كليّن، وقيل: كسيّد، وقيّد ذلك بكونه دون ألف ونون فعلم أنه إذا وجدت الألف والنون في بناء جاز كونه على فيعل وذلك نحو: تيّحان وهو الكثير الكلام العجول 1، وهيّبان وهو الجبان 2. والعاشر من الأوزان المهملة: فيعل في الصحيح مطلقا، يعني أن فيعلا مهمل في الصحيح 3 كما أن فيعلا مهمل في المعتل، إلا أن فيعلا إنما أهمل في المعتل العين، إذا لم تقترن بالكلمة ألف ونون، أما مع الاقتران بهما فهو غير مهمل، وأما فيعل في الصحيح فإنّه أهمل مطلقا سواء كان آخر الكلمة ألف ونون أو لم يكن، يستثنى منه كلمتين جاءتا، فعلى هذا لا يوجد في كلامهم مثل: ضيغم ولا ضيغمان بكسر الغين، وقوله: إلا ما ندر كعيّن وبيئس وطيلسان 4، أما عيّن فراجع إلى قوله: وفيعل في المعتل دون ألف ونون، ولا يحفظ غيره، فانحصر فيه النادر من هذا الوزن 5. قال الشيخ: وإنما دخلت عليه الكاف [6/ 113] وإن كان لا يوجد غيره باعتبار ما عطف عليه، فكأنه قال: إلا ما ندر ككذا وكذا، فالتشبيه دخل باعتبار المجموع لا باعتبار عيّن وحده، فإنه أراد أن يستثني ما ندر من المجموع، وأما بيئس 6 فراجع إلى قوله: وفيعل في الصحيح.
وهي إحدى القراءات في قوله تعالى: بِعَذابٍ بَئِيسٍ 7، قال الشيخ: وفيها اثنتان وعشرون قراءة، وقد قالت العرب: صيقل في اسم امرأة علم لها 8، وأما طيلسان فراجع إلى مفهوم -

جارٍ التحميل