تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 5155-5194

الباب السادس والسبعون باب التّصريف

صفحات 5155-5194

................................  قلب الياء التي هي لام الكلمة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ويدخل تحت هذا الضابط صورتان: إحداهما: ما كان على وزن فاعلة نحو: جارية وناصية، فيقال فيهما: جاراة وناصاة 1، وسواء أكانت اللام أصلها الياء، أم تكون واوا فانقلبت ياء لكسر ما قبلها، وسمع من كلامهم: أنا امرأة من أهل الباداة 2، وقال الشاعر: 4318 - وما الدّنيا بباقاة لحيّ... ولا حيّ على الدّنيا بباق 3 وقالوا في أودية جمع واد: الأوداة. وقال الشيخ: وهل يقاس عليه الأكسية والأرسية؟ فيه نظر 4. الصورة الثانية. الفعل الماضي يقولون في بقي: بقى، وفي فني: فنى، وفي رضي: رضا وفي زهي: زها. قال الشاعر: 4319 - أفي كلّ عام مأتم تبعثونه... على محمر شوّبتموه وما رضا 5 وقال آخر: 4320 - زها الشّوق حتّى ظلّ إنسان عينه... يفيض بمغمور من الماء متآق 6 وقال آخر: 4321 - نعى لي أبو المقدام فاسودّ منظري... من الأرض واستكّت عليّ المسامع 7

................................  يريد نعي.
وحكم هذه الألف في الماضي المبني للمفعول حكم الماضي المبني للفاعل في الحذف والعود إلى الأصل، قال الشاعر: 4322 - نستوقد النّبل بالحضيض ونص... طاد نفوسا بنت على الكرم 1 وتقول المنزلان بنا.
قال الشيخ: ولا يحفظ هذا من الأفعال إلا في الثلاثي المجرد، وطيئ لا يفعلون ذلك على سبيل الوجوب بل إنما يجوزون ذلك (وغيرهم من العرب) 2 لا يجيزه إلا فيما كان المجموع على مثال مفاعل، كقولك في جمع مدار: مداري؛ وذلك لثقل الكسرة قبل الياء وثقل البناء مع أمنهم اللبس إذا خففوا، تقلب الكسرة فتحة والياء ألفا؛ لأنه لا يكون شيء من المجموع التي هي على مثال مفاعل أصل بنائه فتح ما قبل آخره، وليس كذلك: رام وغاز؛ لأنهما إذا فعل ذلك بهما اشتبها في اللفظ برامى وغازى 3. واعلم أن المصنف أطلق هذه المسألة، ولم يقيد حركة الياء بأن تكون غير إعرابية؛ فيقتضي هذا أن لا فرق بينهما عنده، ويؤيد أن هذا مراده قوله في الكافية الشافية: بنحو راضى وبنت في راضي... وبنيت لطيّئ تراضي 4 قال الشيخ بعد أن ذكر عنه هذا البيت: وذلك خطأ لا يوجد في كلام طيئ راضى في: راضي، ولا تغاضا في تغاض 5 واقتضى كلامه أن حركة الياء التي تقع قبلها كسرة بدلا أن تكون فتحة، وأن تكون الفتحة غير إعرابية، وعلى هذا فلا يتأتى هذا الحكم في نحو: لن يرمي ولن يستدني، ولا في نحو: رأيت القاضي والرامي، ولا شك أن هذا أمر موقوف على نقل لغة هؤلاء.
وقد قال الشيخ: إن ذلك لا يوجد في كلامهم.
ولا يبعد أن الأمر كما ذكره.

[قلب الواو والياء ألفا إذا وقعتا عينين

1] قال ابن مالك: (فصل: إن كانت الياء أو الواو عين فعل، لا لتعجّب ولا موافق لفعل الّذي بمعنى افعلّ ولا مصرّف منهما، أو عين اسم يوافق المضارع في وزنه الشّائع دون زيادته غير جار على فعل مصحّح أو يوافقه في زيادته، وعدد حروفه وحركاته دون وزنه أو عين مصدر على إفعال أو استفعال، ممّا اعتلّت عينه نقلت حركتها إلى السّاكن قبلها إن لم يكن حرف لين ولا همزة، ولم تعتلّ اللّام أو تضاعف، وأبدل من العين مجانس الحركة إن لم تجانسها وتحذف واو مفعول مما اعتلّت عينه، ويفعل بعينه ما ذكر، وإن كانت ياء وقيت الإبدال بجعل الضّمّة المنقولة كسرة، وتصحيحها لغة تميمية.
وربّما صحّحت الواو كمصوون، ولا يقاس على ما حفظ منه خلافا للمبرّد).
قال ناظر الجيش: اعلم أن مقصود هذا الفصل أن يذكر فيه نقل حركة الحرف المعتل الواقع عينا إلى ما قبله من ساكن وقد جعل المصنف ذلك حكما مستقلّا بنفسه؛ لذلك استأنف ذكره في فصل، وأما ابن الحاجب - رحمه الله تعالى - فإنّه وصل الكلام في ذلك بالكلام على أحكام الفصل الذي فرغ منه، وهو أنه قال: إن الواو والياء إذا كانتا عينين يقلبان ألفا إذا تحركتا ومفتوحا ما قبلهما، أو في حكمه في اسم ثلاثي أو فعل ثلاثي أو محمول عليه [6/ 186]، أو اسم محمول عليهما، فالاسم الثلاثي باب وناب والفعل الثلاثي: قام وبان 2. وقد فتح ما قبلهما، وما في حكم المفتوح ما قبله، أقام وأبان، والمحمول على الثلاثي: مقام، والمحمول على المحمول على الثلاثي: إقامة واستقامة، ولمّا سلك هذه الطريقة احتاج أن يعتذر عن نحو: تقوم وتبيع 3، وكونهما لم يعلّا بقلب حرف العلة فيهما ألفا، وتكلف لذلك ولا شك أن فيما سلكه قلقا، والذي فعله المصنف أولى، وإنما جعل المصنف هذا الفصل من جملة فصول الإبدال؛ لأن الإبدال لا بد منه في شيء من صور مسائله، كما في: يقيم ويخاف ويهاب، كما سيبين - إن شاء الله تعالى - -

................................  وحاصل ما سيق هذا الفصل لأجله: أن عين الكلمة التي هي واو متحركة وياء متحركة تنقل حركتها إلى ما قبلها من ساكن إلا في الكلمات التي تستثنى، وإلا أن يمنع من النقل مانع، بأن يكون الساكن قبلها حرف لين أو همزة، أو تكون لام الكلمة قد أعلت أو تكون اللام مضاعفة، واعلم أنه إذا حصل النقل فتارة يبقى الحرف الذي نقلت حركته عنه بحاله، وتارة يبدل الحرف بحرف من جنس الحركة المنقولة.
قال المصنف في إيجاز التعريف: من الإعلال الواجب تحريك الفاء الساكنة بحركة العين التي هي ياء أو واو، نحو: يبيع ويقول، أصلهما: يبيع ويقول، فإن جانست الحركة العين كما اتفق في يبيع ويقول، فلا يزاد على ما فعل بهما من تحريك ما كان ساكنا وإسكان ما كان متحركا، وهو المسمى نقلا، فإن لم تكن الحركة مجانسة نقلت ووليها مجانسها بدل العين نحو: يهاب ويخاف ويقيم، أصله: يهيب ويخوف ويقوم، ففعل بهن ما ذكر، فإن كانت الحركة ضمة والعين ياء في غير مفعول أبدلت الضمة كسرة وسلمت الياء في قول الأخفش.
انتهى.
والإشارة بقوله: فإن كانت الحركة ضمة والعين ياء في غير مفعول إلى نحو: مفعلة إذا بنيت مما عينه ياء كمبيعة، فإن القياس عند سيبويه: مبيعة، وعند الأخفش: مبوعة، ومن ثم كان مضوفة شاذّا عند سيبويه 1 قياسا عند الأخفش 2، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في هذا الباب، فلا حاجة إلى إعادته.
وقال في شرح الكافية الشافية: إذا كان عين فعل واوا أو ياء وقبلهما ساكن صحيح فانقل حركتها إليه، واجعلها تابعة للحركة، أي إن كانت الحركة فتحة فاقلب العين ألفا، وإن كانت كسرة والعين واو فاقلبها ياء، وإن كانت ضمة والعين واو أو كسرة والعين ياء فلا تغيرهما بأكثر من التسكين نحو: أقام وأبان و: يقيم ويبين 3. انتهى.
وبقي من الأقسام أن تكون الحركة ضمة والعين ياء، وهو الذي ذكر في إيجاز التعريف أن فيه خلاف الأخفش مع سيبويه، وقد تقدم تمثيله؛ فإن قيل: الذي ذكره في شرح الكافية مقيّد بكونه غير فعل ولا يتصور في الفعل صيغة فعل بضم العين مما عينه ياء -

................................  فيجيء له مضارع ساكن الفاء مضموم العين مع كونها ياء، والذي ذكره في إيجاز التعريف لم يقيده بفعل؛ فلهذا استوفى الأقسام كلها.
فالجواب: أن ذلك يجيء في الأفعال أيضا، لكنه إنما جاء في كلمة واحدة، وذلك أنه قد أتى في الأفعال فعل فيما عينه ياء، وهو: هيؤ، قالوا: ولم يأت على هذه الصيغة فعل متصرف غير هذا الفعل 1، وعلى هذا فإذا أتي بمضارع الفعل المذكور فالأصل فيه أن يقال: يهيؤ، فإما أن تبدل الضمة كسرة مع نقلها إلى الساكن قبلها، فتسلم الياء، فيقال: يهيي كيبيع، وإما أن تبقى الضمة وتبدل الياء واوا فيقال: يهيو كيقوم فقد تصور في الفعل والعين فيه ياء وحركتها ضمة، وإذ قد تقرر هذا فاعلم أن هذا العمل الذي هو نقل حركة المعتل إلى ما قبله من ساكن يكون في أربعة أشياء: فعل وثلاثة أسماء؛ وهي اسم يوافق المضارع في ما سيذكر، واسم هو مصدر، واسم على صيغة مفعول، وقد أورد المصنف ذلك في هذا الكتاب بهذا الترتيب، فأشار إلى الفعل بقوله: إن كانت الياء والواو عين فعل، وعطف عليه الاسم الموافق للمضارع، والاسم الذي هو مصدر، فقال: أو عين اسم يوافق المضارع ثم قال: أو عين مصدر الاسم على إفعال أو استفعال مما اعتلت عينه، ثم أتى بجواب الشرط، فقال: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، أي: إن كانت الياء والواو عينا نقلت حركتها إلى الساكن قبلها في الثلاثة المذكورة إذا انتفت الموانع التي ستذكر، ثم إنه شرع في ذكر الموانع، فذكر هنا مانعين: الأول: أن يكون الفعل فعل تعجب نحو: ما أطوله، وأطول به، وما أبينه، وأبين به.
والعلّة في تصحيحه حمله على نظيره من الأسماء في الوزن والدلالة على المزية، وهو أفعل التفضيل، ولأنه لا يتصرف ولا مصدر له فأشبه بجموده الاسم.
الثاني: أن يكون الفعل ما أشار إليه بقوله: ولا موافق لفعل الذي بمعنى افعلّ، ومثّل الشيخ لذلك بعور وصيد قال: لأنهما بمعنى -

................................  ما يصحح نحو: اعور واصيدّ 1، والتمثيل مطابق لما تعطيه عبارة المصنف، لكنني لم يتضح لي كلامه، فإن العين من: عور وصيد لم يكن قبلهما ساكن فينقل حركتها إليه، ولم تكن هذه العبارة مطابقة لما سبق الكلام له من نقل حركة العين إذا كانت ياء أو واوا إلى ساكن قبلهما، والظاهر أن مراده أن يستثنى من نحو: أعوره ويعوره فإن نحو ذلك لا تقلّ فيه، ولكن هذا لا يعرف من العبارة التي ذكرها، وعلى ما قلناه كان ينبغي أن يقول: ولا المنقول بهمزة من فعل الذي بمعنى افعلّ، ويمثّل لذلك حينئذ بأعوره، فيطابق العبارة والتمثيل ما هو المقصود من هذا الفصل، وكلام المصنف في الكافية يرشد إلى ما قررته، فإنه لمّا ذكر الموانع التي تمنع هذا الإعلال الذي هو النقل قال: أو يك ممّا صححوه من فعل، وقال في شرح ذلك: فلو كان ما فيه سبب الإعلال المذكور من تصاريف فعل المستحق للتصحيح وجب تصحيحه أيضا كيعور وأعوره الله 2. هذا كلامه وهو مطابق للمقصود بخلاف عبارة التسهيل ولا يمكن أن يقال: إن أعور يوافق عور حتى يقول: إنه هو المراد من قوله: ولا موافق لفعل لأن أعور لا يوافق عور بحال، على أن لقائل أن يقول: لا حاجة بالمصنف إلى استثناء ذلك؛ لأن القاعدة التصريفية أن ما يصرف مما صح صحيح، ولا شك أن اعورّ متفرع من عور، وعور يجب تصحيحه لما مرّ، فاعور واجب التصحيح - أيضا - لتصحيح أصله، وحينئذ لا يستثنى من الأفعال من هذا الإعلال إلا فعل التعجب؛ لأنه كان يستحق [6/ 187] الإعلال لإعلال ما هو متفرع عنه، وقد صحح ذلك.
أما اعورّ فغير مستحق لذلك لتصحيح أصله الذي هو: عور، وأما بقية الموانع - هذا الثقل - فقد ذكرها المصنف بعد أن أتى بجواب الشرط وهو قوله: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، وأوردها على سبيل الشروط وهي المشار إليها بقوله: إن لم يكن حرف لين ولا همزة ولم تعتل اللام أو تضاعف، وأنا أقدم الكلام عليها لتكون الموانع بجملتها قد نظمت في الذكر فأقول: الموانع التي ذكرها أربعة: الأول: أن يكون الساكن حرف لين، وذلك نحو: بايع وطاوع وقوّم وبيّن 3، فعلم من هذا أن الساكن الذي ينقل إليه لا بد أن يكون صحيحا، -

................................  وإلى ذلك أشار بقوله: إن لم يكن حرف لين أي: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، إن لم يكن الساكن حرف لين، وإنما امتنع النقل في ذلك أما في نحو: بايع وطاوع فلتعذر قبول الألف الحركة، وأما في نحو: قوّم وبيّن، فلأنه لو نقلت الحركة فيه لقلبت الواو أو الياء ألفا فيلتقي ساكنان، فيلزم حذف أحدهما، وإذا حذف أدى ذلك إلى الإلباس.
الثاني: أن يكون الساكن همزة.
ومثل لذلك بقولهم: يأيس مضارع أيس 1، وإلى ذلك أشار بقوله: ولا همزة.
قال الشيخ: فهذا لا يجوز فيه النقل والحذف بل يصح حرف العلة فيه؛ لأن قبله همزة وهي معرضة للإعلال بأن تبدل ألفا فكأنها ألف، فكما لا يجوز إعلال مثل: بايع لا يجوز إعلال ذلك 2. انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التعليل، ثم إن في المسألة من أصلها نظرا، وذلك أن: يأيس لا يستحق إعلالا؛ لأن المضارع تابع للماضي في الصحة والإعلال، وإذا كان الماضي الذي هو: صحيحا وجب كون المضارع صحيحا - أيضا - وعلى هذا فقد يقال: إن امتناع النقل في أيس ليس لأن الساكن الذي قبل حرف العلة همزة؛ لأن الفعل يستحق التصحيح من حيث إن الماضي قد صحح، وإذا كان كذلك لا يثبت كون الساكن همزة من جملة الموانع، ويدل على أن كون الساكن همزة لا يكون مانعا أن النقل قد حصل في يؤوب ويؤول مضارعي آب وآل.
الثالث: أن تعتل لام الكلمة وذلك نحو: أعيا وأهوى واستحى واستغوى، فلا يجوز النقل في شيء من ذلك؛ لئلا يلزم توالي إعلالين، فعلم بهذا أن شرط إعلال عين الفعل هذا الإعلال الخاص أن تكون اللام صحيحة، وإلى ذلك أشار بقوله: ولم تعتل اللام، هكذا ذكر المصنف هذه المسألة في جميع كتبه والأمر كما قال غير أن لقائل أن يقول: إنما صحت هذه الأمثلة المذكورة لصحة الثلاثي منها، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى أن يجعل إعلال اللام مانعا من إعلال العين؛ لأن الموجب لصحة العين إنما هو صحتها في الثلاثي.
الرابع: أن يضاعف لام الكلمة، وذلك نحو: اسودّ وابيضّ، واسوادّ وابياضّ 3، وسنذكر علّة ذلك، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: -

................................  أو تضاعف عطفا على تعتل في قوله: ولم تعتل اللام.
قال المصنف في إيجاز التعريف: ومن موانع هذا الإعلال اعتلال اللام وتضعيفها نحو: يقوى ويزورّ فلا بد من تصحيح هذين النوعين؛ لأن إعلال الأول يلزم منه توالي اعتلالين على الوجه الذي لا يغتفر ولا سبيل إليه وإعلال الثاني يلزم منه التباس مثال بمثال، فإنه لو نقلت حركة العين من: ازورّ إلى فائه لانقلبت هي ألفا، فاستغني عن همزة الوصل لتحرك الزاي فقيل: زارّ، فيتوهم أنه فاعل من الزّرّ فاجتنب لذلك.
انتهى.
والعلة التي ذكرها لامتناع إعلال: اسودّ وازورّ هي بعينها العلة في امتناع إعلال: اسوادّ وابياضّ؛ لأن النقل لو حصل لانقلب حرف العلة ألفا لانفتاح ما قبله، ويجتمع حينئذ ألفان فيجتمع حذف أحدهما فيؤول وزن الكلمة إلى: ساد وباض - أيضا - فيتوهم أنه فاعل 1 وقد أفاد كلام المصنف أولا وآخرا أن الموانع التي تمنع هذا الإعلال الذي هو النقل ستة، وفي بعضها البحث الذي تقدم ولا أعلم الموجب لتفرقة المصنف بينها في الذكر، وقد أوردها في الكافية الشافية منتظمة فقال: لساكن صحّ انقل التّحريك من... زي لين آت عين فعل كأبن إن لم تضاعف لامه أو تعتلل... أو تك ممّا صحّحوه من فعل أو ما تعجّبا أفاد نحو ما... أجود كفّيه، وأجود بهما 2 وقال في الألفية: لساكن صحّ انقل التحريك من... ذي لين آت عين فعل كأبن ما لم يكن فعل تعجّب ولا... كابيضّ أو أهوى بلام علّلا 3 وأما قول المصنف: ولا مصرف منهما؛ فقال الشيخ: مثال ما صرف من فعل التعجب: أطول بزيد وأعجب به ومثال ما صرف من عور وصيد: يعور ويصيد وأعوره الله 4. انتهى ولا نرتضي من الشيخ هذا بل ولا من المصنف، فإن فعل التعجب لا يتصرف منه شيء ولا شك أن قوله: لا لتعجب شامل لصيغتي -

................................  التعجب وهما: ما أفعله وأفعل به فكيف يقال: إن أفعل به مصرف مما أفعله؟ وأما قوله: إن أعوره مصرّف من عور فهو كلام مبني على كلامه الأول، وتمثيله بنحو: عور وصيد لقول المصنف: ولا موافق لفعل الذي بمعنى افعل، وقد عرفت ما فيه، والحق أن لا حاجة إلى قول المصنف: ولا موافق لفعل الذي بمعنى افعلّ ولا مصرف منهما هذا آخر الكلام على الفعل، وأما الأسماء التي تعل هذا الإعلال فثلاثة كما عرفت: الأول: الاسم الذي يوافق المضارع وقد أشار إلى ذلك بقوله: أو عين اسم يوافق المضارع في وزنه الشائع دون زيادته غير جار على فعل مصحح أو يوافقه في زيادته وعدد حروفه وحركاته دون وزنه، واعلم أن الأصل المقرر في هذا الموضع أن الاسم الذي يعلّ هذا الإعلال - أعني نقل حركة عينه المعتلة إلى فائه شرط إعلاله أن يوافق ذلك الاسم الفعل المضارع في شيء ويخالفه في شيء والشيئان اللذان يعتبر فيهما الموافقة والمخالفة، هما الوزن والزيادة، أعني وزن الفعل وزيادته، فإن كانت الموافقة في الوزن وجبت المخالفة في الزيادة، وإن كانت الموافقة في الزيادة وجبت المخالفة في الوزن الأول نحو: مقام أصله مقوم وهو كيعلم في الوزن، لكن الحرف المزيد جيم، وهو لا يزاد في المضارع، واليائي نحو: تبيع وهو مثال: تحلئ من البيع 1، وافق الفعل المضارع في الزيادة التي هي التاء، وخالفه في الوزن الذي هو: تفعل بكسر الأول، أما إذا وافقه في الزيادة والوزن معا نحو: ابيضّ واسودّ، وخالف فيهما معا نحو: سواك ومخياط يجب التصحيح 2 وقبل الخوض في شرح ألفاظ الكتاب أورد [6/ 188] كلام المصنف في شرح إيجاز التعريف ليستعان على حل كلامه بكلامه.
قال رحمه الله تعالى مشيرا إلى الإعلال الذي الكلام فيه الآن: ويستحق هذا الإعلال أيضا كل اسم غير جار على فعل مصحح إن وافق الفعل في وزنه وخالفه بزيادته أو بالعكس.
فالأول نحو: مقام ومقيم ومقام أصلهن: مقوم، ومقوم، ومقوم، فهن على وزن يعلم ويعلم ويعلم، وإنما حصلت المخالفة بالمزيد قبل الفاء، وأما عكس ذلك وهو أن يوافقه في الزيادة ويخالفه في الوزن نحو أن تبني من -

................................  بيع وقول مثال تحلئ، فيقال: تبيع وتقيل، وأصلهما: تبيع وتقول، ثم فعل بهما ما ذكر؛ لأنهما وافقا الفعل في الزيادة؛ لأن التاء زيادة مشتركة، وخالفاه في الوزن لأن تفعلا مفقود في الأفعال ولو بني من بيع مثال: تفعل لقيل على مذهب سيبويه: تبيع، وعلى مذهب الأخفش: تبوع 1 فلو كان الاسم موافقا للفعل في زيادته ووزنه معا وجب أن يصحح ليمتاز من الفعل، فإن اسودّ - مثال - لو أعل فقيل فيه: أساد، ظنّ أنه فعل، وذلك مأمون في نحو: مقام وتبيع فإنهما قد امتازا من الفعل بالزيادة التي لا تكون فيه وهي الميم، وبالوزن الذي لا يكون فيه وهو تفعل، فلا حاجة إلى الإخلال بالإعلال، فإن في استعماله إجراء النظائر على طريقة واحدة، فلا يعدل عنه إلا لمانع من خوف لبس أو غيره، فلو كان الاسم منقولا من فعل نحو: يزيد لم يغير عما كان عليه من الإعلال إذا كان فعلا.
انتهى.
وقد تضمن هذا الكلام شرح كلامه في التسهيل غير كلمة واحدة وهي الشائع في قوله: في وزنه الشائع يعني أن الوزن المشترط موافقة الاسم المضارع فيه شرطه أن يكون وزنا شائعا للمضارع، فإن كان ذلك الوزن غير شائع، فلا أثر لموافقة الاسم له فيه، وقد شرح الشيخ ذلك بأن قال: وقوله: في وزنه الشائع احتراز من أن يوافقه لكن لا في الوزن الشائع وذلك نحو: مغيل من أغيل، فقياس مضارع أفعل مما عينه ياء أو واو أن يعلّ، فلا يعل مغيل؛ لأنه لم يوافق وزن المضارع الشائع 2. هذا كلامه، وهو غير واضح؛ لأن معناه أن مغيلا إنما لم يعل؛ لأنه لم يوافق المضارع في وزنه الشائع وعنى بالوزن الشائع: ما يستحقه ذلك المضارع بالقياس وإن لم يعط ما يستحقه، فالذي يستحقه المضارع من الإعلال مثلا هو الوزن الشائع، والذي أعطيه من غير استحقاق من التصحيح هو غير الشائع، وهذا الذي ذكره عجيب بعيد عن أن يكون مراد المصنف، على أن فعيلا إنما صح لصحة الفعل الجاري هو عليه والمصنف قد شرط في إعلال الاسم أن يكون غير جار على فعل مصحح، فمغيل إنما صحّ لصحة: أغيل، وكذا يغيل إنما صح لصحة ماضيه، وإذا كان المضارع تابعا الماضي في الصحة فلا يقال: إن إعلاله هو الشائع؛ بل الشائع صحته، والذي يظهر لي أن -

................................  المصنف احترز بقوله: الشائع من أن يدعي مدع في تبيع وتقيل وهما مثال: تحلئ من البيع والقول أنهما يصححان ولا يعلان؛ لأنهما يوافقان المضارع في الزيادة ولا يخالفانه في الوزن.
وذلك أنهما يوافقان في الوزن: تحسب على لغة من يكسر حرف المضارعة فيقال: قد وافق الاسم المضارع في الزيادة والوزن والقاعدة أنه إذا وافق فيهما لا يعلّ، بل لا بد من المخالفة في أحدهما، فأخرج المصنف الموافقة لنحو: تحسب بكسر التاء بقوله: الشائع؛ لأن تفعل، وإن جاء المضارع عليه ليس وزنا شائعا له؛ لأن حرف المضارعة إنما يكسره بعض العرب بالشرط المقرر المعروف في موضعه 1، ولكن يعكر على هذا الذي قررته شيء، وهو أن المصنف يعتذر من تصحيح نحو: مخيط، بأنه لما أشبه مخياطا لفظا ومعنى حمل عليه، ومقتضى هذا أن مخيطا عنده يستحق الإعلال، ولا شك أنه مخالف للفعل في الزيادة، وأما في الوزن فقال الإمام بدر الدين ولد المصنف: إنه يوافق تعلم في الوزن 2. فكان يستحق الإعلال لوجود المخالفة والموافقة، وهو إنما يوافق في الوزن غير الشائع، ومع هذا اعتبر، ولو غير المصنف اعتذر عن تصحيح مخيط بهذا الاعتذار لسهل الأمر؛ فإن غير المصنف وابنه لا يقول: إن مخيطا يستحق الإعلال بل يقول مخيط لا يستحق الإعلال كما لا يستحقه مخياط، وبعد فعلى الناظر أن يحقق ما قصد المصنف الاحتراز عنه بقوله: الشائع، وأما قوله: غير جار على فعل مصحح فهو احتراز من نحو: مقاول ومبايع، فإن حرف العلة لا يعل في هذا الاسم؛ لجريانه على: قاول وبايع 3، وأما قوله: أو يوافقه في زيادته وعدد حروفه وحركاته دون وزنه فظاهر وهو قسيم لقوله: يوافق المضارع في وزنه الشائع دون زيادته، والمراد به الحركات نوع الحركات لا جنسها كما عرفت من بناء مثل: تحلئ من البيع والقول؛ فإنك لا بد أن تقابل كسرة التاء واللام من تحلئ بكسرتين من المثال الذي يبنيه، لكن قال الشيخ: إنهم يعنون بالموافقة في الحركات جنس الحركات لا خصوصية الحركة من ضمة أو فتحة أو كسرة، وفيه نظر.
-

................................  وبعد تقرير كلام المصنف في هذه المسألة فلنورد كلام غيره فيها، قال الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب رحمه الله تعالى 1: وشرط إعلال العين في الاسم غير الثلاثي والجاري على الفعل مما لم تذكر حركة الفعل موافقا وسكونا مع مخالفة بزيادة أبنية مخصوصين به فلذلك لو بنيت من البيع مثل مضرب وتحلئ قلت: مبيع وتبيع معتلّا، ومثل تضرب قلت تبيع مصححا.
انتهى.
واحترز بغير الثلاثي من نحو ناب وباب، فإنه يعل قطعا، وإن لم يكن مشتملا على الشرط المذكور، وكذا احترز بغير الجاري على الفعل من الجاري على الفعل فإنه يعل لجريانه على الفعل المعتل، وإن لم يكن مشتملا على الشرط المذكور أيضا.
وبقية كلامه واضح موافق لما قاله غيره.
وإنما احتاج ابن الحاجب إلى استثناء ناب وباب؛ لأنه لم يعتمد ما اعتمده المصنف من إفراد الكلام على هذه المسألة المتضمنة لنقل حركة العين المعتلة إلى ما قبلها من ساكن صحيح بل جعل القياس واحدا وهو أنه جعل الحكم الذي هو إبدال العين ألفا نحو: باع وقام - منسحبا على إبدالها في نحو: أباع وأقام، وجعل القاعدة في البابين واحدة وهي أن يكون ما قبل حرف العلة مفتوحا أو في حكمه أو محمولا على ما هو كذلك كما تقدم.
وأما المصنف فقد عرفت كيف فعل، وما قصده من التمييز بين البابين، وقال ابن عصفور 2: وإن كان الاسم على أزيد من ثلاثة أحرف؛ فلا يخلو: إما أن يكون موافقا للفعل في وزنه، أو لا يكون؛ فإن كان موافقا للفعل في وزنه وأعني بذلك أن يكون عدد حروفه موافقا لعدد حروف الفعل، وحركاته كحركاته، وسكناته كسكناته؛ فلا يخلو من أن يكون موافقا للفعل في وزنه جنس الزيادة، أو تكون زيادته مخالفة لزيادة الفعل فإن كان موافقا للفعل في جنس الزيادة لم يعل؛ لئلا يلتبس الاسم بالفعل، وذلك نحو قولك: هذا أطول منك، ألا ترى أنك لو أعللت فقلت: أطال بلفظ الفعل، وكذا لو بنيت مثل تفعل أو تفعل من القول والبيع -

................................  لقلت: تقول وتبيع، وتقول وتبيع، وكذلك أيضا لو ألحقت التاء لم يعتد بها وصححت الاسم، فكنت تقول: يقولة ويبيعة، وتقولة وتبيعة وكذلك حكم ما هو على وزن الفعل وزيادته كزيادته.
قال الشاعر: 4323 - جاؤوا بتدورة يضيء وجوهنا... دسم السّليط على فتيل ذبال 1 فأما يزيد اسم رجل فإنما اعتل من قبل أنه كان فعلا فأعلّ لزوما، ثم نقل من الفعل فسمي به وإن كان مخالفا في جنس الزيادة، [6/ 189] فإنه يعل إعلال الفعل الذي يكون على وفقه في الحركات وعدد الحروف؛ لأنه قد أمن التباسه بالفعل، فتقول في مفعل من القول والقيام: مقال ومقام والأصل: مقول ومقوم، فأعللتهما كما أعللت: يخاف وكذلك: مفعلة من البيع تقول فيها: مبيعة، فتنقل الكسرة من حرف العلة إلى الساكن قبله، كما فعلت ذلك في نظيره من الفعل وهو يبيع، وكذلك تقول في مفعلة من البيع على مذهب سيبويه 2؛ لأنك إذا نقلت الضمة من الياء إلى الساكن قبلها صارت الياء الساكنة بعد ضمة قريبة من الطرف، فعلى مذهب سيبويه تقلب الضمة كسرة، لتصح الياء وعلى مذهب الأخفش تقلب الياء واوا؛ لأنه مفرد ولا تقلب الضمة عنده كسرة لتصح الياء إلا في الجمع، فتقول على مذهبه: مبوعة 3، وتقول في مفعلة من القول: مقولة فتعلها كما تعل: يقول، وكذا تفعل بما خالفت زيادته زيادة الفعل إلا مفعلا فإنك لا تعلّه وذلك نحو: مقول ومتيح؛ وذلك لأنه مقصور من مفعال، فلم يعل كما لم يعل مفعال نحو: مقوال، كما لم يعل عور؛ لأنه في معنى اعورّ، ومما يبين أن مفعلا يمكن أن يكون مقصورا من مفعال كونهما في معنى واحد من المبالغة، تقول: رجل مطعن ومطعان إذا وصفته بكثرة الطعن، وكونهما قد يتعاقبان على معنى واحد، نحو: مفتح ومفتاح، وقد شذت ألفاظ فجاءت صحيحة وبابها أن تعتل وهي: مزيد ومريم ومكوزة -

................................  ومقورة، حكى أبو زيد: وقع الصيد في مصيدتنا، وشراب مبولة: يبال به، وهي مطيبة للنفس، وقرأ بعض القراء 1: (لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) 2 وذهب أبو العباس 3 إلى أن نحو: مقام ومباع إنما اعتل؛ لأنه مصدر لفعل أو اسم مكان، لا لأنه على وزن الفعل، وجعل مزيد ومريم ومكوزة على القياس؛ لأنها ليس لها أفعال فتحمل في الإعلال عليها إنما هي أسماء أعلام.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنه إن زعم أن الذي يعل ما هو جار على الفعل، أعني مشتقّا منه، بقياس مطرد فباطل؛ لأنهم قد أعلوا مثل معيشة وليس مفعلة مما عينه ياء مما يقال فيه باطراد، وإن زعم أن الذي يعلّ ما هو بالجملة مأخوذ من الفعل، فهذه الأسماء وإن كانت أعلاما فإنها منقولة في الأصل مما أخذ من الفعل؛ فمزيد في الأصل مصدر قد شذّ في تصحيحه وحينئذ سمي به، وكذلك مريم ومكوزة وهذا هو المذهب الصحيح في الأعلام، أعني أنها كلها منقولة سواء أعلم لها أصل نقلت منه أم لم يعلم؛ لأن الأعلام كلها يحفظ لها في النكرات أصول نقلت منها، وما لا يحفظ له أصل منها يحمل على الأكثر فيقضى بأن له أصلا، وإن لم يحفظ.
قال أبو علي: ومما يبين أن الإعلال قد يكون في الاسم بمجرد كونه على وزن الفعل إعلالهم نحو: باب ودار ولا مناسبة بينه وبين الفعل أكثر من الوزن، فإذا تبين أن الوزن يوجب الإعلال وجب أن يحمل مزيد وأخواته على الشذوذ لكونها لم تعل وهي على وزن الفعل 4. انتهى كلام ابن عصفور.
وكلامه مطابق في المعنى لكلام المصنف وكذا كلام ابن الحاجب - أيضا - ثم في كلامهم أمر ينبغي التنبيه عليه، وهو أن ابن عصفور استثنى مفعلا كما عرفت حيث قال: وكذلك يفعل بما خالفت زيادته زيادة الفعل إلا مفعلا، فإنك لا تعله، وذلك نحو: مقول؛ وذلك لأنه مقصور من مفعال؛ فلم يعل كما لم يعل مفعال كمقوال.
وقال ابن الحاجب: وصحّ مقوال ومخياط للّبس، ومقول ومخيط محذوفان منهما أو بمعناهما 5. وقال المصنف في شرح الكافية: مفعال مستحق للتصحيح -

................................  كمسواك؛ لأنّه غير موازن للفعل لأجل الألف التي قبل لامه، ومفعل شبيه به لفظا ومعنى فصحّح حملا عليه 1. قلت: ولا شك أن مفعلا، وإن كان مخالفا للفعل في الزيادة؛ لم يوافقه في الوزن فإن أوّله مكسور، فهو مخالف للفعل في الأمرين، أعني الزيادة والوزن، وإذا كان مخالفا له فيهما استحق التصحيح، وإذا كان مستحقّا للتصحيح لم يحتج إلى أن يعتذر عن تصحيحه بأنه إنما صحّ؛ لأنه مقصور من مفعال؛ لأن مفعالا كما يستحق التصحيح لمخالفته الفعل في الزيادة والوزن يستحقه مفعل أيضا لذلك، لكن قال الإمام بدر الدين في شرح قول والده - رحمهما الله تعالى - في الألفية: ومفعل صحّح كالمفعال المفعال كمسواك ومخياط، ولا حظّ له في الإعلال لمخالفته الفعل في الوزن والزيادة، وحق مفعل أن يعل؛ لأنه على وزن: تعلم - يعني في لغة من يكسر حرف المضارعة - وزيادته خاصة بالأسماء، لكنه حمل على: مفعال لشبهه به لفظا ومعنى في التصحيح 2. انتهى.
فبقول الإمام بدر الدين: لأنه على وزن تعلم، سهل الأمر، وافهم أن مخيطا لا يوافق الفعل في الوزن على الإطلاق، إنما يوافق وزنه في مكان خاص بقيد خاص، وأنه لو لم يتفق وجود هذه اللغة أعني لغة كسر أوله نحو: تعلم لم يكن نحو: مفعل مستحقّا للإعلال.
وقد نوقش بدر الدين بأنه لو صحّ ما قاله للزم ألا يعل مثال: تحلئ؛ لأنه لا يكون مشبها لتحسب في وزنه وزيادته 3، فإن صحت هذه المناقشة وثبت هذا الإلزام (اندفع) 4 التعليل الذي علل به، وهو قوله: وحق مفعل أن يعلّ؛ لأنه على وزن تعلم، وإذا اندفع التعليل الذي علل به تم البحث الذي تقدّم، وهو أن نحو: مخيط يستحق التصحيح لمخالفته -

................................  الفعل في الزيادة والوزن، ولا يحتاج إلى الاعتذار [6/ 190] عن تصحيحه؛ لأنه لم يكن مستحقّا للإعلال، وعلى هذا يتم ما قررناه قبل: أن الشائع في قول المصنف: أو عين اسم يوافق المضارع في وزنه الشائع، إنما يحترز به من الموافقة في الوزن غير الشائع كموافقة تحلئ لتحسب في لغة من يكسر حرف المضارعة، فإنه يعلّ مع أنه وافق الفعل في الزيادة والوزن، لكنه إنما وافق في الوزن غير الشائع، والموافقة إنما تعتبر إذا كانت في الوزن الشائع، فإذا لم يوافق في الشائع عدّ مخالفا، مع أنه موافق في الزيادة، فيكون تحلئ قد وافق في الزيادة وخالف في الوزن فاجتمع فيه الأمران، وحينئذ يستحق الإعلال كما هو مقرر في علم التصريف، هذا آخر الكلام على القسم الأول من الأسماء التي تعلّ هذا الإعلال.
وأما الثاني، وهو الاسم الذي هو مصدر فإليه أشار بقوله - عطفا على ما تقدم -: أو عين مصدر على إفعال أو استفعال مما أعلّت عينه.
قال المصنف في إيجاز التعريف بعد أن ذكر إعلال مفعول مما أعلت عينه: يجب الإعلال المذكور أيضا لما اعتلت عينه من مصدر على إفعال أو استفعال؛ حملا على فعله فتسكن العين حين تنقل حركتها، وتنقلب ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها فتلتقي مع الألف الزائدة قبل اللام فتعاملان معاملة الواوين من مفعول الذي عينه واو ولامه صحيحة، ويعوض من المحذوف هاء التأنيث كإقامة واستقامة، وهما في الأصل: إقوام واستقوام، ثم فعل بهما من النقل والقلب والحذف والتعويض ما ذكر.
وإنما ترك التعويض في مفعول؛ لأنه صفة معرضة لأن يقصد بها مذكر ومؤنث، فلو لحقته الهاء تعويضا أوهمت قصد التأنيث عند إرادة التذكير، وذلك منتف من المصدرين المذكورين لانتفاء الوصف بهما، انتهى.
واعلم أن المصدر يتبع في الصحة والإعلال فعله، ولا شك أن: إقامة واستقامة يتبعان في الإعلال أقام واستقام، فقد يقال: الاستغناء بذكر إعلال فعليهما عن ذكر إعلالهما حاصل فلأي معنى نص عليهما؟ والجواب: أن الفعل إنما يعل بالنقل والقلب خاصة، وأما المصدر فيعل بذلك، وتحذف الألف أيضا، فلما كان في إعلاله زيادة على إعلال فعله تعين ذكره ليعلم ذلك، وقد أخر المصنف الكلام على حذف الألف من هذين المصدرين والتعويض عنها، فذكره بعد ذكر اسم المفعول، واحترز بقوله: مما اعتلت عينه مما صحت عينه نحو: أغيال واستحواذ، -

................................  وهو ظاهر، وأما قول المصنف: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها إلى قوله: إن لم تجانسها فهو جواب الشرط المذكور أول الفصل، وهو قوله: إن كانت الياء أو الواو عين فعل وقد تقدم الكلام على ذلك كله، فلا حاجة إلى إعادته.
وأما الثالث وهو الاسم الذي على صيغة مفعول فإليه الإشارة بقوله: وتحذف واو مفعول ما اعتلت عينه... إلى آخر كلامه، وحاصله: أن اسم المفعول من الفعل الذي اعتلت عينه يعلّ، وإعلاله بالنقل أي بنقل حركة عينه إلى فائه الساكنة، وتحذف الواو منه، كما أن إعلال: إفعال واستفعال بالنقل والحذف أيضا.
فأشار إلى الحذف بقوله: وتحذف واو مفعول ما اعتلت عينه وأشار إلى النقل بقوله: ويفعل بعينه ما ذكر يعني من النقل الذي تضمنه قوله: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، ثم العين إما أن تكون واوا، فلا يكون ثمّ عمل آخر، كقولك: مقول ومصون ومعود.
وعلم هذا من قوله: وإن كانت ياء؛ لأنه قسيم لما قبله، فإن كانت ياء كسرت الضمة المنقولة من العين إلى الفاء لتسلم الياء من إبدالها واوا، وهذا معنى قوله: وقيت الإبدال بجعل الضمة المنقولة كسرة أي: وقيت إبدالها واوا بجعل الضمة التي قبلها كسرة كمبيع، قال المصنف في إيجاز التعريف: يجب الإعلال المذكور أيضا لما اعتلت عينه من مفعول حملا على فعله فتسكن عينه، وبعده الواو ساكنة فتحذف هي في قول سيبويه؛ لزيادتها، وقربها من الطرف، وتحقق الاستثقال معها، ومذهب الأخفش 1 عكس ذلك؛ فإن كان مفعول من ذوات الواو فلا مزيد على ما ذكرته من النقل والحذف، وإن كان من ذوات الياء ضم إلى ذلك إبدال الضمة كسرة لتسلم الياء كمبيع.
انتهى.
ولما ذكر ابن الحاجب النقل والحذف في صيغة مفعول ومثل بمقول ومبيع، قال: والمحذوف عند سيبويه واو مفعول، وعند الأخفش العين وانقلبت واو مفعول عنده ياء للكسرة مخالفا أصليهما 2. وقال في شرح ذلك: إنه لما حصل نقل حركة العين إلى ما قبلها اجتمع ساكنان: العين وواو مفعول فسيبويه -

................................  يحذف واو مفعول فيبقى: مقول على لفظه، وتقلب الضمة في مبيع كسرة لتصح العين التي هي ياء على أصله وعند الأخفش المحذوف منها العين، ويبقى: مقول على حاله وتكسر الفاء من ذوات الياء فتنقلب واو مفعول ياء للكسرة قبلها قصدا إلى الفرق بين ذوات الياء وذوات الواو وعلى هذا فإن خالفا - يعني سيبويه والأخفش - أصليهما، أما مخالفة سيبويه؛ فلأنه إذا اجتمع ساكنان، والأول منهما حرف لين حذف الأول، وخالف أصله هنا فحذف الثاني 1، وأما مخالفة الأخفش أصله، فلأن الفاء إذا وقعت مضمومة وبعدها ياء أصلية باقية قبلها واو لانضمام ما قبلها، محافظة على الضمة.
وقد تقلب الضمة - ها هنا - كسرة مراعاة للعين التي هي ياء مع حذفها، ومراعاتها موجودة أجدر وكأن كل واحد منهما حافظ على أصله من وجه آخر فراعى سيبويه أصله في أن الياء التي هي عين إذا انضم ما قبلها قلبت الضمة كسرة، فلما رأى الفاء في مبيع كسرت غلب على ظنه أن الكسرة لأجل الياء، فرأى أن المحذوف واو مفعول وراعى الأخفش أصله في أن الياء الأصلية لو بقيت لانقلبت واوا لانضمام ما قبلها على أصله، فرأى أن الكسر للفرق بين ذوات الواو وذوات الياء، ورأى أن حذف الياء الأصلية أولى؛ لأنه قياس لالتقاء الساكنين 2. انتهى.
قال الإمام بدر الدين - فيما كتبه على تصريف ابن الحاجب -: اختلف في المحذوف من نحو: مقول ومبيع ما هو؟ فذهب سيبويه إلى أن المحذوف واو مفعول والباقي عين الكلمة.
وذهب الأخفش إلى أن المحذوف هو العين، والباقي واو مفعول، ولكن قلبت في نحو: مبيع ياء؛ لأنهم لما نقلوا حركة العين [6/ 191] جاءت ساكنة بعد ضمة، فقلبت الضمة كسرة، ثم حذفت؛ لالتقاء الساكنين، فجاءت واو مفعول بعد كسرة فقلبت ياء، والصحيح من ذلك ما ذهب إليه سيبويه، والدليل عليه من وجوه: أحدها: أن دعوى حذف الزائد أسهل من دعوى حذف الأصل؛ لأنه أكثر، فالمصير إليه أقرب.
الثاني: أن واو مفعول أقرب إلى الطرف فهي أولى بالحذف من العين؛ لأن الطرف محل التغيير غالبا، -

................................  فالأقرب إليه أشبه به. الثالث: أن الساكن (اللذين) 1 من نوع ما يصح تحريكه إذا اجتمعا في كلمة تحرك الثاني منهما دون الأول، فكذلك الساكنان إذا اجتمعا في كلمة ينبغي أن يحذف الثاني منهما دون الأول قياسا على التحريك. الرابع: أنهم قالوا من الشوب، وهو الخلط: مشوب ومشيب، ومن النول وهو الإعطاء منول ومنيل 2: فالمحذوف من مشيب ومنيل إن كان العين لزم عدم النظير في قلب الضمة كسرة، وقلب واو مفعول ياء؛ إذ لم يثبت مثل ذلك في واو مفعول إلا في باب نحو: مرمي ومعدي، وإن كان المحذوف واو مفعول لم يلزم عدم النظير في قلب الضمة كسرة وقلب العين ياء لثبوت مثله للإتباع في قوله: 4324 - عيناء حوراء من العين الحير 3 وما لا يلزم منه عدم النظير راجح على ما يلزم منه ذلك فإن قيل: حذف الزائد أسهل من حذف الأصل - وحذف الأقرب من الطرف أولى من حذف الأبعد منه، إن أردتم به أن حذف الزائد والأقرب إلى الطرف أولى من حذف الأصل، والأبعد من الطرف مطلقا فممنوع، وإن أردتم أنه أولى بشرط كون الزائد، والأقرب إلى الطرف غير مزيد لمعنى فمسلم، ولكن لماذا يلزم منه أن يكون المحذوف من مقول ومبيع واو مفعول فإنها زائدة لمعنى، فالمحافظة عليها وإن كانت أقرب إلى الطرف أولى من المحافظة على الأصل والأبعد من الطرف بدليل قولهم: تقي يتقي في اتّقى يتّقي، قال عبد الله بن همّام: 4325 - زيادتنا نعمان لا تنسينّها... تق الله فينا والكتاب الّذي تتلو 4

................................  فحذفوا فاء العمل وأبقوا الزائد بعدها لدلالته على معنى وقولكم: إنه ينبغي أن تحذف ثاني الساكنين في كلمة إذا كانا من نوع ما يصح حذفه، قياسا على تحريك ثاني (الساكنين في كلمة) إذا كانا من نوع ما يصح تحريكه (فإذا ليس القياس على تحريك ثاني الساكنين في كلمة إذا كانا من نوع ما يصح تحريكه) بأولى من القياس على حذف أوّل الساكنين في كلمتين إذا كانا من نوع ما يصحّ حذفه.
كقولهم ياهذوجل دون يا هذا جل 1، بل هو أولى؛ لأن قياس الحذف على الحذف أولى من قياس الحذف على التحريك.
وقولكم: إن كان المحذوف في نحو: مشيب ومنيل واو مفعول لم يلزم عدم النظير في قلب الضمة كسرة، وقلب العين ياء ممنوع؛ لأنه لم يجئ مثل ذلك إلا للإتباع كما ذكرتم، ولا إتباع في مشيب ومنيل ثم ما ذكرتم من الأدلة إن دلت على ما زعمتم فمعه ما يأباه من وجوه: أحدها: أن كون المعل بالحذف في نحو: مقول ومبيع العين أولى من كونه الزائد قياسا على إعلال العين في الماضي بقلبها ألفا، وفي المضارع بنقل حركتها، وفي الأمر بحذفها، وفي اسم الفاعل بقلبها همزة وبحذفها أيضا في نحو: هذا شاكي السلاح.
والثاني: أن المحذوف لالتقاء الساكنين في كلمة من نحو: خف وبع، وقل، هو الأول، فكذلك ينبغي أن يكون في نحو: مقول ومبيع.
الثالث: أن المحذوف من نحو: مبيع ولو كان واو مفعول لالتبس اسم الفاعل بالمصدر الذي على مفعل نحو: مقيل ومحيص.
فالجواب: أما قوله: إن المحافظة على الزائد لمعنى وإن كان أقرب إلى الطرف أولى من المحافظة على الأصل، فلا يخلو: إما أن يريد المحافظة على ذلك أولى مطلقا، أو بشرط كون الزائد مستقلّا بالدلالة على معنى؛ لأن حذفه مفوّت للدلالة، والأول ممنوع والثاني مسلّم، ولكن لماذا يلزم عليه أن يكون المحذوف من نحو: مقول هو العين؟ فإن واو مفعول غير مستقلة بالدلالة على معنى؛ لأنها والميم - - وأدغمت وأبدلت في الثانية تاء وأدغمت ولم تحذف لعدم انكسار ما بعدها فلما كثر الاستعمال كذا حذفوا التاء الساكنة منها وهي فاء الفعل فصارا: تقي يتقي بتخفيف التاء المفتوحة وحذفت الهمزة من الماضي لعدم الحاجة إليها فصار: تقي بزنة تعل محذوف الفاء، فأخذ الأمر وهو تق من يتق بدون همزة وصل؛ لأن ما بعدها حرف مضارعة محرك.
راجع نوادر أبي زيد (ص 4، 27) والخصائص (2/ 286، 3/ 89) والمحتسب (2/ 372) وشرح شواهد الشافية للبغدادي (ص 496).

................................  مشتركان فيه، بل الميم أقعد بالدلالة عليه من الواو لاستبداد الميم به في الرباعي والمزيد فيه، وإذا كان كذلك لم يكن حذف الواو مفوّتا للدلالة؛ لأن في الميم إشعارا به، وليس كذلك تاء افتعل؛ لأنها مستقلة بالمعنى فحذفها مفوت للدلالة عليه، فلذلك حوفظ عليها في: تقي يتقي، وإن لم يحافظ على واو مفعول في: مقول ونحوه.
وأما قوله: إن قياس الحذف على الحذف فيما ذكر أولى من قياس الحذف على التحريك فممنوع، بل ينبغي أن يكون الأمر بالعكس لاستلزام قياس الحذف على الحذف خلاف مقتضى الأصل من ثلاثة أوجه: أحدها: قياس الأبعد من الطرف على المتطرف.
والثاني: حمل الالتقاء اللازم على الالتقاء العارض.
والثالث: إجراء المتصل مجرى المنفصل.
وقياس الحذف على التحريك فيما ذكرنا سالم من ذلك كله فوجب المصير إليه.
وأما قوله: إن ما ذكرنا في نحو: مشيب ومنيل لازم لعدم النظير؛ لأنه لم يجئ مثله إلا للإتباع في نحو: العين الحير 1، فإن أراد بذلك لازم لعدم النظير من كل الوجوه، فمسلم ولكن أي شيء يلزم، وإن أراد لازم لعدم النظير مطلقا فممنوع؛ لأن ما ذكرنا من نحو: مشيب ومنيل شبيه بما فعلوه في: الحير من جهة أن نحو: مشيب قلبت فيه الضمة كسرة والعين ياء، بمعنى مناسب وهو الإتباع للعين.
وأما قوله: إن ما ذكرنا من الأدلة وإن دلت على أن المحذوف من نحو: مقول ومبيع فمعه ما يأباه من وجوه: فالجواب عن الأول منها: أن مقتضى قياس اسم المفعول على الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل في الإعلال أن لا تسلم عينه من الإعلال، وقد عمل به فأعلت عينه بالنقل كما أعلّ المضارع ولم تعل عينه بأمر آخر كما أعلت في الأمر واسم الفاعل؛ لانتفاء المقتضي له.
وعن الثاني: أن قضية الدليل أنه متى احتيج إلى الحذف لالتقاء الساكنين أن يحذف الثاني منهما، لكن منع منه في باب: خف وبع أن الثاني حرف صحيح، والأول حرف معتل ولا يمكن حذف الصحيح وإبقاء المعتل؛ لأنه كالحركة، فالإقدام على حذفه أسهل، فتعين العكس وليس كذلك باب: مقول ومبيع.
والجواب عن الثالث من وجهين: الأول: أن الالتباس قدر مشترك بين المذهبين فلا حجة فيه؛ [6/ 192] وهذا لأنه لا فرق في كون مبيع الذي هو اسم مفعول مفعلا، أو مقيلا؛ لأنه شبيه -

................................  في اللفظ بمبيع الذي هو مصدر.
الثاني: أن التباس اسم المفعول بالمصدر مغتفر فيما زاد على الثلاثة؛ تقول: أخوك المكرم، ومالك المستخرج، وعدلك المدحرج، وأكرمت زيدا مكرما، واستخرجت المال مستخرجا، ودحرجت العدل مدحرجا، فكما اغتفر الالتباس في مثل هذا؛ للاعتماد على القرائن، فليغتفر مثله في المعتل من الثلاثي.
انتهى كلام الإمام بدر الدين، ولا يخفى ما تضمنه من المباحث الحسنة اللطيفة.
وفي الممتع لابن عصفور 1 ما يتضمن الإشارة إلى بعضها؛ وإنما تركت إيراده خوف الإطالة.
ثم قال الإمام بدر الدين: واعلم أن قول ابن الحاجب: مخالفا أصليهما في معرض استشكال كل من المذهبين ليس عندي بمرضي؛ لأنه يعني أن الأصل عند سيبويه في الساكنين إذا اجتمعا وأوّلهما حرف لين أن يحذف الأول منهما، وهو هنا قد حذف الثاني فخالف أصله، ولقائل أن يقول: يمنع الأصل سيبويه في الساكنين إذا اجتمعا وأوّلهما حرف لين، أن يحذف الأوّل منهما مطلقا، بل بشرط أن يكون الثاني صحيحا كما في خف وبع، أو من كلمة منفصلة كما في [يا هذوجل] 2، أو حذفه مفوت للدلالة على معناه كما في: المصطفون، فإن لم يكن الثاني شيئا من ذلك؛ فأصل سيبويه أن يحذفه بدليل قوله به في باب: مقول ومبيع مع أنه لم يقل بخلافه في نظير هذا الباب كالإقامة والاستقامة 3، وأما أن أصل الأخفش: أن الفاء إذا كانت مضمومة وبعدها ياء ساكنة، أن تقلبها واوا محافظة على بقاء الضمة فلا إشكال فيه، ولكن لا يستقيم معه أن يقال: إن الأخفش خالف أصله في نحو: مبيع لوجهين: أحدهما: أنه ليس له أن يسمع أن العرب قالوا: مبيع ومهيب ومعيب، فيخالفهم ويقول: مبوع ومهوب ومعوب؛ رعاية لأصله حتى يكون هو قد عدل عن الاستعمال على وفق أصله إلى الاستعمال على خلافه فلا ينبغي أن يقال: خالف الأخفش أصله في نحو: مبيع، بل جاء على خلاف أصل الأخفش 4. الثاني: قول ابن الحاجب: إن الأخفش خالف أصله ليس إلا في معرض الانتقاد عليه في أنه خالف سيبويه، وقال: المحذوف في نحو: -

................................  مقول ومبيع هو العين، لا واو مفعول، وقد لزم عليه في ذلك مخالفته لأصله.
وهذا كما ترى فاسد؛ لأن مبيع جاء على خلاف أصل الأخفش في ما فاؤه مضمومة وبعدها ياء ساكنة على تقدير مخالفته لسيبويه وعلى تقدير موافقته، فليس تحت ما قاله في ذلك طائل.
انتهى.
قال أبو الحسن بن عصفور: ومما يدل على صحة مذهب سيبويه والخليل، وفساد مذهب الأخفش أنك نقلت الضمة من العين الضمة من العين إلى الفاء من مفعول من ذوات الياء اجتمع لك ساكنان، واو مفعول والياء فتحذف واو مفعول فتجيء الياء ساكنة بعد ضمة قريبة من الطرف؛ فتقلب الضمة كسرة على مذهب سيبويه في الياء الساكنة بعد الضمة إذا كانت تلي الطرف، فإنه تقلب الضمة كسرة مفردا كان الاسم أو جمعا نحو: بيض جمع أبيض، وكذا لو بنيت من البياض اسما على فعل لقلت: بيض 1، فالأصل في: مبيع على أصله مبيوع، ثم مبيوع ثم مبيع وأما أبو الحسن الأخفش فلزم على مذهبه أن يقول: مبوع، وذلك أن الأصل مبيوع، فإذا نقلت الضمة اجتمع له ساكنان فتحذف الياء، فيلزمه أن يقول: مبوع، فإن قال: لا أحذف إلا بعد قلب الضمة كسرة، فالجواب: أن يقال له: لم تقلب الضمة كسرة وأنت تزعم أن الياء إذا جاءت ساكنة بعد ضمة في مفرد فإن الياء هي التي تقلب واوا بشرط القرب من الطرف، فأما مع البعد فلا يجوز قلب الضمة كسرة في مذهب أحد من النحويين، فإن قلت: إنما قلبت الضمة كسرة لتصح الياء لأني لو لم أفعل ذلك وقلت: مبوع لالتبست ذوات الياء بذوات الواو.
فالجواب: أن هذا القدر لو كان لازما لوجب أن يقول في موقن: ميقن؛ لئلا يلتبس بذوات الواو، فكما أن العرب لم تفعل وذلك في موقن، فكذلك لا تفعله في: مبيع وأمثاله 2. انتهى.
واعلم أن ثمرة الخلاف بين سيبويه وأبي الحسن تظهر في تخفيف مسوء وأمثاله.
قال ابن جني: سألني أبو علي عن تخفيف مسوء، فقلت: أما على قول أبي الحسن فأقول: رأيت مسوّا، كما أقول في مقروء: مقروّ؛ لأنها عنده واو مفعول.
وأما على مذهب سيبويه فأقول: رأيت مسوا 3 كما أقول في خب: خب، فتحرك الواو؛ لأنها في مذهبه العين: فقال لي -

................................  أبو علي: كذلك هو: ثم إنّ بني تميم يصححون مفعولا من ذوات الياء، فيقولون: مبيوع، قال بعضهم: 4326 - وكأنّها تفّاحة مطيوبة 1 قال آخر: 4327 - يوم رذاذ عليه الدّجن مغيوم 2 قال آخر: 4328 - قد كان قومك يحسبونك سيّدا... وأخال أنّك سيّد معيون 3 وإلى ذلك أشار المصنف بقوله - بعد ذكر ما عينه ياء -: وتصحيحها لغة تميمية 4، وأما تصحيح مفعول من ذوات الواو فقليل، ولا يجوز الإتمام فيه إلا ما سمع 5، نحو -

................................  قولهم: مسك مدووف، وقال الراجز: 4329 - والمسك في عنبره المدووف 1 والأشهر: مدوف.
وقالوا: رجل مقوود، وفرس مقوود، وثوب مصووف، وقول مقوول، وإنما لم يجز الإتمام في مفعول من ذوات الواو إلا فيما شذ؛ لأن الواو أثقل من الياء، وإلى قلّة ذلك أشار المصنف بقوله: وربما صححت الواو كمصوون ثم قال: ولا يقاس على ما حفظ منه خلافا للمبرد 2. قال ابن عصفور: خالف المبرد كافة النحويين فأجاز الإتمام في ذوات الواو قياسا على ما ورد منه وقال: ليس بأثقل من سرت سوورا وغارت عينه غوورا؛ لأن في: سوور وغوور واوين وضمتين وليس في مصوون مع الواوين إلا ضمة واحدة، قال: وهذا الذي ذهب إليه باطل؛ لأن ما ورد من الإتمام في ذوات الواو من القلّة بحيث لا يقاس عليه، وأما احتجاجه بسوور وغوور فباطل؛ لأن مثل: سوور شاذ، ولو لم يسمع لما قيل، وأيضا، فإن الضرورة دعت إلى ذلك في مثل: صوور؛ لأنهم لو أعلوا فأسكنوا الواو الأولى وبعدها واو ساكنة لوجب حذف إحداها فيصير لفظ فعول واحدا فيقع اللبس، وكذلك أيضا لو أعلوا الواو في مثل: قوول فقلبوها ألفا لالتقى ساكنان، الألف والواو فيجب حذف أحد الساكنين، فيصير فعول وفعل في اللفظ واحدا فيقع اللبس، ولا يلزم شيء من ذلك في إعلال مفعول 3. انتهى.
وقال سيبويه: ولا نعلمهم أتمّوا في الواو؛ لأنها أثقل 4، وقال الفراء: لم يأت من الواو [6/ 193]- - والمنصف (1/ 283 - 287) والرضي (3/ 149).

[الحذف والتصحيح في الإفعال والاستفعال]

قال ابن مالك: (وتحذف ألف إفعال واستفعال، ويعوّض منها في غير ندور هاء التّأنيث، وربّما صحّح الإفعال والاستفعال وفروعهما ولا يقاس على ذلك مطلقا، خلافا لأبي زيد إذا أهمل الثّلاثي كاستنواق).
إلا حرفان: مسك مدووف، وثوب مصوون 1، وكفى بكلام هذين الإمامين شاهدا بالقلة المقتضية لعدم القياس.
قال ناظر الجيش: قد تقدمت الإشارة إلى أن المصنف أخّر الكلام على حذف الألف من هذين المصدرين والتعويض عنها فها هو قد شرع في ذكر ذلك واستغنى المصنف هنا عن تقييد المصدرين بكونهما معتلّي العين؛ لأن كلامه إنما هو في إفعال واستفعال المتقدمي الذكر في هذا الفصل، وقد ذكر في إعلال العين منهما وعلم من كلام المصنف أن المحذوف الألف الزائدة التي تضمنها صيغة المصدر لا الألف التي هي بدل من عين الكلمة، والذي قاله المصنف هو مذهب الخليل وسيبويه، ومذهب الأخفش أن المحذوف الأصلية 2، فالخلاف هنا كالخلاف في صيغة مفعول المعتل العين، وقد تقدم ترجيح مذهب سيبويه في كلام مفعول فيما رجح به مذهب سيبويه هناك ترجح به مذهبه هنا؛ إذ الأمر فيهما واحد، وأما تعويض هاء التأنيث عن المحذوف 3 فقد تقدمت الإشارة إليه أيضا، ثم إن هذه المسألة قد سبق للمصنف ذكرها في آخر باب مصادر غير الثلاثي 4 ومثال الحذف قوله تعالى: وَإِقامَ الصَّلاةِ 5. وأشار بقوله: وربما صحح الإفعال والاستفعال وفروعهما -

................................  يعني الأفعال والصفات إلّا أنه قد ورد عن العرب أفعال من هذه المصادر غير معلّة وقد ذكروا من ذلك ألفاظا وهي 1: أجود إجوادا، وأعول إعوالا، وأغيمت السماء إغياما وأغيلت المرأة إغيالا وأطيب وأطول.
قال: 4330 - صددت فأطولت الصّدود وقلّما... وصال على طول الصّدود يدوم 2 وأخيلت، واستغيل الصبي، واستروح الريح، واستحوذ عليهم، أي: غلب، واستنوق استنواقا واستصوبت رأيه.
واستتيست الشاة.
قال ابن الضائع: وقد ذكر منها أغيل وأجود وأطول وأغيم وأغيا، وأخيل واستغيل واستروح واستحوذ، قال: جميعها شاذ، وقد جاء الإعلال في جميعها إلا استحوذ واستروح، ولم يحفظ سيبويه أغالت المرأة ورواها يعقوب وغيره 3. انتهى.
وقال ابن عصفور: وأما أغيل فلا يحفظ جميع النحويين فيه إلا التصحيح، إلا أبا زيد فإنّه حكى فيه الإعلال أيضا 4، وبعد فهذه الألفاظ الواردة غير معلّة شاذة عند الجمهور، فلا يقاس عليها، وسوغ أبو زيد القياس على ما سمع من ذلك.
وحكى الجوهري: أن تصحيح هذه الأشياء لغة صحيحة والصحيح المنع من القياس لقلة الوارد من ذلك 5، قال الشيخ: وقول المصنف: بل إذا أهمل الثلاثي كاستنوق قول بالتفصيل، وهو قول ثالث خارق لمقالة المتقدمين؛ لأن منهم من قاس وهو أبو زيد، ومنهم من قصر الأمر على السماع وهم سائر النحويين 6، وحاصل ما قال المصنف: أن استفعال إذا لم يكن له ثلاثي يعني فعلا ثلاثيّا كاستنوق فإنه ليس كاستقام الذي له ثلاثي وهو -

[مسألتان في فروع ما تقدم]

قال ابن مالك: (وربّما أعلّ ما وافق المضارع في الزّيادة والوزن، ولا يشترط في إعلال نحو: مقام مناسبة الفعل في المعنى فيكون تصحيح مدين ونحوه مقيسا خلافا لبعضهم).
قام كان تصحيحه عنده مطردا كاستحوذ واستنوق واستتيس، لم يأت من ذلك فعل ثلاثي، فلم يقولوا: حاذ وناق وتاس، فتصحيح هذا عنده مقيس.
قال الشيخ: وكون إعلال هذا منوطا بوجود فعل ثلاثيّ لا معنى له، وكان المصنف يقول: استقرأنا ما ورد من هذا مصححا فوجدناه ليس له فعل ثلاثي؛ فعرفنا أن ذلك علّة لتصحيحه فطرناده فيه 1. وقال المصنف في إيجاز التعريف: لمّا كان الباعث على إعلال ما أعل طلب التخفيف وكان الثقل الحاصل بترك هذا الإعلال أهون من غيره لسكون ما قبل حرف العلة ترك في كثير مما يستحقه تنبيها على ذلك، وأكثر ما ترك في الإفعال مصدرا والاستفعال وفروعهما كالإغيال والاستحواذ حتى رآه أبو زيد الأنصاري مقيسا 2، وشذ العمل به مع وجود مانع كقولهم في جمع: فواق أفيقة، واللائق به: أفوقة حتى يصح كما صحت نظائره كأحوية وأسورة؛ لأنه موافق الفعل في وزنه وزيادته لكن السماع لا يرد 3. قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان هما من فروع ما تقدّم في هذا الفصل: أما الأولى: فقد عرفت مما تقدم أن إعلال الاسم المشبه للمضارع شرطه أن يوافقه في الوزن ويخالفه في الزيادة أو يوافقه في الزيادة ويخالفه في الوزن، وأما أنه إذا وافقه في الأمرين لا يعل؛ فأشار هنا إلى أنه قد يعل ما وافق المضارع في الوزن والزيادة معا.
ومثال ذلك قولهم في جمع فواق: أفيقة، فيكون شرح هذه المسألة -

[إبدال التاء من فاء الافتعال وحروفه]

قال ابن مالك: (فصل: تبدل في اللّغة الفصحى التّاء من فاء الافتعال وفروعه إن كانت واوا أو ياء غير مبدلة من همزة، وقد تبدل وهي بدل منها، وتبدل تاء الافتعال وفروعه ثاء بعد الثّاء أو تدغم فيها، ودالا بعد الدّال أو الذّال أو الزّاي، وطاء بعد الطّاء أو الظّاء أو الصّاد أو الضّاد.
وتدغم [6/ 194] في بدلها الظّاء والذّال ويظهران.
وقد تجعل مثل ما قبلها من ظاء أو ذال أو حرف صفير، وقد تبدل دالا بعد الجيم).
ما نقلناه عنه آنفا من إيجاز التعريف، وهو قوله مشيرا إلى هذا الإعلال الذي هو النقل والإبدال وشذ العمل به مع وجود مانع؛ كقولهم في جمع: فواق أفيقة، واللائق به: أفوقة حتى يصحّ كما صحت نظائره 1، إلى آخر كلامه.
أما المسألة الثانية: فقد تقدمت الإشارة إليها في كلام ابن عصفور الذي نقلناه 2 حيث قال: وذهب أبو العباس إلى أن نحو: مقام ومباع إنما أعل؛ لأنه مصدر لفعل أو اسم مكان، لا لأنه على وزن الفعل، وجعل مزيدا ومريم ومكوزة على القياس؛ لأنها ليس لها أفعال فتحمل في الإعلال عليها، إنما هي أسماء أعلام وتقدم من كلام ابن عصفور إفساد قوله وتقدّم استدلال أبي علي بأن الإعلال قد يكون في الاسم بمجرد كونه على وزن الفعل، بدليل إعلالهم نحو دار وناب ولا مناسبة بينه وبين الفعل أكثر من الوزن، فقول المصنف: ولا يشترط في إعلال نحو: مقام مناسبة الفعل في المعنى هو هذا الذي يدعيه المبرد بعينه، يعني أن مقاما إنما أعل؛ لأنه مصدر أو مكان فبينه وبين الفعل مناسبة بخلاف مدين ومكوزة ونحوهما؛ فإنهما ليستا مصدرا ولا مكانا، وبعضهم الذي نسب الخلاف إليه 3 هو المبرد.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على إبدال أربعة الأحرف - أعني الهمزة والياء والواو والألف، وهي التي يكثر إبدالها، ولهذا كان جل الكلام ومعظمه في الإبدال إنما هو فيها كما قدمنا - شرع في ذكر أربعة الأحرف الباقية التي هي أقل الأحرف -

................................  إبدالا، وهي التاء والطاء والدال والميم.
وقد تقدم لنا أن المصنف ذكر الثلاثة الأول في فصل، وهذا هو الفصل الذي ذكرها فيه، وأما الميم فسيذكرها في الفصل الذي قلنا: إنه ذكرها ضمنه، وحاصل الأمر: أن التاء تبدل من فاء الافتعال 1 إذا كانت واوا أو ياء، وأن الدال والطاء تبدل كل منهما من تاء الافتعال، فالدال تبدل منها بعد الدال والذال والزاي، والطاء تبدل منها بعد الطاء والظاء والصاد والضاد.
وقد ذكر أن الثاء تبدل منها أيضا بعد الثاء، وقد أورد المصنف هذه المسائل في إيجاز التعريف إيرادا حسنا مشتملا على فوائد وتعاليل، أعتقد أنها مستخرجة من خاطره - رحمه الله تعالى وجزاه أحسن الجزاء بمنّه وكرمه - فأنا أورد كلامه فيه أوّلا ثم أعود إلى ألفاظ الكتاب.
قال - رحمه الله تعالى -: يجب في اللغة الفصيحة إبدال التاء من فاء الافتعال وفروعه إن كانت واوا نحو: اتّصل اتصالا فهو متّصل، أو ياء نحو: اتّسر اتّسارا فهو متّسر 2. أما إبدالها من الواو، فلأنهم استثقلوا الواو أولا دون تاء تليها لتعرضها؛ لأن تبدل همزة، كما فعل بأحد وإحدى، وأقتت مع استثقال الهمزة وبعدها منها مخرجا ووصفا، فحاولوا إبدال الواو حرفا صحيحا يقاربها وصفا ومخرجا، وذلك إما: من حروف الشفة، أو حروف الثنايا، فلم يكن ياء ولا فاء ولا تاء ولا دالا ولا ظاء؛ لأنهن لسن من حروف البدل المجموعة في قولي: وجدا من طيبه.
ولم يكن ميما؛ لأنها تكثر زيادتها أولا فخيف توهما مزيدة غير مبدلة، ولم تكن طاء ولا دالا؛ لأن فيهما قلقلة يستثقلان بها، فتعينت التاء، فقالوا: تراث وتجاه وتكأة وتقوى وتوراة وتالله ولحمه وتولج وغير ذلك، فلما ثبت إبدال التاء من الواو في هذه المواضع وأشباهها مع انتفاء تعذر التصحيح وتطرق التغيير قبل الإبدال واجتماعها مع ما يضاد وصفه وصفها، واستلزام مخالفة بعض الفروع الأصل، تعين إبدالها منها في الافتعال الذي فاؤه واو لثبوت هذه الأمور كلها فيها، أما تعذر التصحيح فبين؛ لأن الواو ساكنة وقبلها كسرة.
وأما تطرق التعيين فبين أيضا؛ لأن فعل أصل لافتعل، فلو لم يكن فيه تغيير إلا تسكين، فإنه يكفي في تطرق التغيير وأما اجتماع الواو مع -

................................  ما يضاد وصفه وصفها فبين أيضا؛ لأن الواو مجهورة والتاء مهموسة.
وأما استلزام مخالفة بعض الفروع الأصول فبين أيضا؛ لأن المصدر أصل للفعل، ولاسم الفاعل ولاسم المفعول، فلو لم تبدل فاء الاتصال تاء لقيل فيه: ايتصال بقلب الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وكان يوافقه في ذلك الفعل الماضي والأمر؛ لوجدان الكسرة، فيقال: ايتصل وايتصل، ويخالفه المضارع واسم الفاعل والمفعول لعدم الكسرة، فيقال: يوتصل أو موتصل وموتصل إليه، فكرهوا المخالفة حين أمكن التخلص منها ولم يبالوا بها في نحو: أوجد إيجادا؛ إذ ليس بعد الواو هنا ما يضاد وصفه وصفها، ومع هذا فقد حملتهم النفرة عن هذه المخالفة على أن أبدلوا في: أثلجه وأتكأه بمعنى: أولجه وأوكأه 1. وأما إبدال التاء من الياء إذا كانت فاء في الافتعال وفروعه؛ فحمل على الافتعال الذي فاؤه واو، فإن كانت الواو والياء التي قبل تاء الافتعال بدلا من همزة لم يجز إبدالها تاء إلا على لغة رديئة نحو: اتّمن في أوتمن، واتّزر في: ايتزر 2، هذا ما أورده في فصل، ثم افتتح الكلام في فصل يليه، فقال: الثاء حرف رخو والتاء حرف شديد وهما مشتركان في الهمس، ومخرجاهما متقاربان، فإذا اجتمعا في الافتعال وفروعه وتقدمت التاء ثقل تلاقيهما؛ لأنهما مثلان من وجه وضدان من وجه فخففا بجعل التاء ثاء والثاء تاء وإدغام أحدهما في الآخر كالاثّراد، والاتّراد وهو اتخاذ الثريد، وأصله: اثتراد، غلب جانب الثاء لأصالتها 3 وتقدمها.
ومن قال: اتّراد غلب جانب التاء لشدتها ولكونها مزيدة لمعنى.
فلو كان فاء الافتعال دالا كالافتعال من الذكر ثقل أيضا اجتماعهما سالمين؛ لأن الدال حرف مجهور، والذال حرف مهموس، فعدل أمرهما بأن أبدل من التاء شريكتها في المخرج وعدم الاستعلاء وهو الدال، فخف النطق لزوال بعض التنافي، ولكن بقي بعضه؛ لأن الذال رخوة والدال شديدة فكمل التخفيف بجعلهما ذالين إن روعيت الأصالة والسبق ودالين إن روعيت القوة -

................................  والدلالة على معنى، فقيل: اذّكار وادّكار، ويجوز فك الذال من الدال فيقال: إذدكار.
ولو كانت فاء الافتعال دالا كالافتعال من الدّلجة كان استقلال سلامة التاء أشد؛ لأن اجتماع متضادين في الوصف يهون عند تباعد المخرجين، ويصعب عند تقاربهما، ويكاد يعجز عند اتحاد المخرج؛ كالدال والتاء ويظهر ذلك بتكلف النطق بادّلاج على أصله، وهو الادتلاج، فوجب التخلص من هذا الثقل بإبدال التاء دالا وتعين الإدغام فقيل: ادّلاج.
ولو كانت فاء الافتعال زايا كالافتعال من الزجر كان استقلال سلامة التاء أشدّ؛ لأن اجتماع متضادين في الوصف يهون عند تباعد المخرجين ويصعب عند تقاربهما أبدلت التاء - أيضا - دالا فقيل: ازدجار؛ لأن التّاء مهموسة والزّاي مجهورة والدّال مجهور واجتماع مجهورين أخفّ من اجتماع مجهور ومهموس، ويتبين ذلك بتكليف أصل ازدجار وهو ازتجار.
فلو كانت فاء الافتعال جيما: كالاجتماع؛ فمن العرب من يستثقل سلامة التاء فيجعلها دالا كالاجدماع.
وعلى ذلك قول الشاعر: 4331 - فقلت لصاحبي لا تحبسانا... بنزع أصوله واجدزّ شيحا 1 أراد: واجتز، فلو كانت الفاء سينا لم تحتج إلى الإبدال لمساواتها التاء في الهمس وعدم الاستعلاء والإطباق، ولكن بينهما بعض منافاة، فإن السين رخوة والتاء شديدة، إلا أن في السين صفير يقاوم الشدة ويفضل عليها، ولذلك أدغمت التاء في السين، نحو: بت سالما، وجاز أن تبدل التاء سينا في استمع ونحوه مع التزام الإدغام [6/ 195] وامتنع العكس نحو: احتبس تلك؛ لأن الصفير يشبه المدّ فساواه في جعله مانعا من الإدغام إلا في صفيريّ 2، فلو كانت فاء الافتعال طاء كالافتعال من الطلوع كانت سلامة التاء بعدها أشق من سلامتها بعد الدال؛ لاتحاد -

................................  المخرج وزيادة التضاد، وذلك أن الدال أن الدال إنما باينت التاء بالجهارة والطاء تباينها بها وبالاستعلاء والإطباق فإبدالها بعد الطاء أكثر، فقيل: اطلاع، وأصله: اطتلاع، وكذلك تفعل بها إذا كانت الفاء ظاء كالافتعال من الظلم، وإذا كانت الفاء ضادا كالافتعال من الضرب، لكن إذا أبدلت طاء بعد الظاء جاز الفك والإدغام على أن تجعل الطاء ظاء أو بالعكس، فيقال: اظّلام واطّلام واضطلام، وإذا أبدلت طاء بعد الضاد جاز الفك والإدغام على أن تجعل الطاء ضادا فيقال: اضطراب وشذّ العكس، فيقال في اضطجع: اطّجع، ولو كانت فاء الافتعال صادا استثقلت سلامة الفاء أيضا؛ لأن الصاد وإن ساوتها في الهمس، فإن الصاد تضادها بالإطباق والاستعلاء مع تقارب المخرجين، فالتزموا التخفيف بإبدال التاء طاء كالاصطبار، أو بجعل التاء صادا كالاصّلاح لغة في الاصطلاح، وامتنع إبدال الصاد تاء لأجل صفيرها وترجحها بالاستعلاء والإطباق.
هذا آخر كلامه - رحمه الله تعالى - ولنرجع إلى لفظ الكتاب فنقول: قوله: في اللغة الفصحى احتراز من اللغة غير الفصحى، وهي الإقرار وعدم الإبدال، وتنسب هذه اللغة إلى بعض الحجازيين 1 فيقرون الياء والواو، ولكنهم يبدلونها حرفا من جنس حركة ما قبلها عند مخالفة الحرف لجنس الحركة التي قبله، فيقولون: ايتصل ياتصل فهو موتصل، وايتسر ياتسر، فهو موتسر، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه اللغة عند الكلام على قول المصنف: واطرد ذلك في نحو: يوتعد وييتسر عند بعض الحجازيين.
قوله: وفروعه أراد به فروع الافتعال، وهي الإفعال واسم الفاعل واسم المفعول؛ لأنها مشتقة من المصدر على الأصح، فهي فروع عنه وقوله: غير مبدلة من همزة احتراز من نحو: بناء افتعل من الأكل، فيقال: ايتكل من غير إبدال؛ لأن الياء بدل من همزة.
وقوله: وقد تبدل وهي بدل منها.
مثاله قولهم: اتّزر في: ايتزر إذا لبس إزارا، وقد تقدم قول المصنف: إنها لغة رديئة لكن قال في الإفصاح: والبغداديون يبدلونها من الهمزة، ويقولون: اتزر من الإزار، ومنه عندهم اتخذ من الأخذ 2، وفي حديث عائشة - -

................................  رضي الله تعالى عنها - كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمرني إذا حضت أن أتّزر 1 كذا بالإدغام، وحكوا: اتّمر من الأمر، واتّمنه من الأمانة، واتّهل الرجل من الأهل.
قال أبو علي: وهذا على قياس أصحابنا خطأ، وعلل ذلك بأن الياء ليست بلازمة، قال: إن صحت رواية هذه الألفاظ، يعني: اتمر واتمن واتهل، فإنها سمعت من قوم غير فصحاء، لا ينبغي أن يؤخذ بلغتهم.
وقال ابن طاهر 2: يجوز إجراء العارض مجرى اللازم، ويدل عليه أن بعض العرب في: رويا المخفف 3، يقلب ويدغم، وقوله: وتبدل تاء الافتعال وفروعه.
شروع في إبدال التاء ثاء أو دالا أو طاء، فذكر أنها مع الثاء تبدل ثاء، فيقال في افتعل من الثريد: اثّرد؛ لأن إبدال التاء ثاء توجب اجتماع المثلين والأول ساكن فيجب الإدغام، وأشار بقوله: أو تدغم فيها إلى أن الثاء تدغم في تاء الافتعال، وحينئذ تقلب الثاء تاء لتماثل ما بعدها، فيقال: اثرد، وهذان الوجهان هما اللذان ذكرهما في إيجاز التعريف كما عرفت، وقد ذكروا وجها ثالثا هو الإظهار فيقال: اثترد.
قال سيبويه: والبيان عربي جيد 4. عنى بالبيان الإظهار، وقوله: ودالا بعد الدال أو الذال أو الزاي - واضح، وتقدم ذكر أمثلة ذلك، وقوله: وطاء بعد الطاء أو الظاء أو الصاد أو الضاد - واضح.
وتقدم ذكر أمثلته.
وقوله: وتدغم في بدلها الظاء والذال، ويظهران، وقد يجعل مثل ما قبلها من ظاء أو ذال أو (حرف) 5 صغير، وقد تقدم ما يستفاد منه شرح ذلك بأمثلته.
قال الشيخ في شرحه: والذي تلخص من هذا كله: أن في مثل.
اثترد ثلاثة أوجه: البيان والإدغام بوجهيه وفي مثل: ادّان الإدغام فقط؛ لاجتماع المثلين، وفي مثل: اذ ذكر ثلاثة أوجه: البيان والإدغام بوجهيه، وفي مثل: ازدجر وجهان: البيان والإدغام -

................................  بقلب الثاني إلى الأول، ولا يجوز العكس، وفي مثل: اطّلع الإدغام فقط للمثلين وفي مثل: اظطلم ثلاثة أوجه: البيان والإدغام بوجهيه، وينشد بيت زهير وهو: 4332 - هو الجواد الّذي يعطيك نائله... عفوا ويظلم أحيانا فيظّلم 1 بالأوجه، وفي مثل: اصطبر وجهان: البيان والإدغام، بقلب الثاني إلى الأول، وفي مثل: اضطرب ثلاثة أوجه: البيان والإدغام بوجهين.
انتهى.
وقد تقدم من كلام المصنف في إيجاز التعريف أن الإدغام في نحو: اضطرب إنما هو بجعل الطاء ضادا، فيقال: اضّراب في: اضطراب، وأن العكس شاذ.
قالوا في اضطجع: اطّجع، وعلى هذا فوجها الإدغام في مثل اضطراب ليسا على السواء، بل الوجه الواحد وهو قلب الثاني إلى الأول هو المعول عليه والمعمول به.
وأما الوجه الآخر فشاذ محكوم بمنعه، إلا فيما سمع ومن ثم قال ابن الحاجب لما ذكر اصطبر واضطراب، وأن الإدغام فيهما جائز: إنه يقال: اصّبر و: اضّرب، لامتناع: اطّبر و: اطّرب 2، وقال ابن هشام الخضراوي: لا يقولون: اطرب، يعني في: اضطراب؛ لئلا تذهب الاستطالة التي في الضاد.
ثم ذكر: اطجع، وقال: إنه شاذ، وكلام هذين الإمامين واضح 3، موافق لكلام المصنف - رحمهم الله تعالى أجمعين - وأما قوله: وقد تبدل دالا بعد الجيم فمثاله قولهم: اجدمعوا في اجتمعوا وقولهم في اجتزّ: اجدزّ، وقد تقدم ذكر المسألة فيما نقلناه عنه من إيجاز التعريف.

[الإعلال بالحذف]

قال ابن مالك: (فصل: من وجوه الإعلال الحذف، ويقلّ في غير لام وغير حرف لين أو همزة أو هاء أو حرف متّصل بمثله).
قال ناظر الجيش: اعلم أن الحذف قسمان: إعلالي، وغير إعلالي.
ثم إن من المصنفين من (أفرد) غير الإعلالي بباب وجعله قسيما لباب الإعلال، والمصنف لم يعتمد ذلك، بل جعل الحذف كله إعلالا فأدرجه في باب الإعلال، ومن ثم قال: من وجوه الإعلال [6/ 196] الحذف، وأشار إلى المقيس منه والشاذ، وبدأ بالمقيس فذكره في هذا الفصل، وأول الفصل الذي يليه، ثم ختم الفصل الثاني بالشاذ، ثم إنه قدّم على ذلك ما هو كالأصل فقال: إنه يقل الحذف في غير لام وأنه يقل في اللام إذا كانت غير حرف لين، وكذا يقل فيها - أيضا - حيث هي همزة أو هاء أو حرف متصل بمثله فقوله: أو همزة أو هاء أو حرف متصل بمثله معطوف على قوله: وغير حرف لين لا على المجرور بغير، قال الشيخ في تقرير هذا الموضع ما نصّه: لما قرر يعني المصنف أن الحذف يقل في غير لام، أشعر أن اللام يكثر فيها الحذف، ثم قرر أن الحذف أيضا يقل في اللام إذا كانت غير حرف لين، فأشعر أنه يكثر حذف حرف اللين إذا كان لاما، ثم عطفت، أو همزة على غير لا على حرف لين؛ لأنه لو كان معطوفا على ما بعد غير للزم أن يقلّ الحذف إذا كانت اللام غير همزة، وغير هاء وغير حرف متصل، وأشعر أنه يكثر الحذف إذا كانت اللام همزة أو هاء أو حرفا متصلا بمثله، ولا تساعد الأحكام على ذلك؛ لأن ذلك لم يكثر، وكان إذ ذاك يناقض قوله في آخر الفصل الذي يلي هذا الفصل: وشذ في الأسماء حذف اللام... إلى آخره، وفيه وبقلة إن كان هاء أو همزة فلذلك يقال: إن هذه الثلاثة معطوفة على غير لا على ما أضيف إليه غير، فيصير التقسيم إلى معنى قولنا: حذف الفاء والعين قليل، وحذف اللام كثير، ثم اللام إن كانت حرف لين فهو فيها كثير، وإن كانت غيره فهو قليل، ثم عطف على هذا العام خاصّا وهو الهمزة والهاء والحرف المتصل بمثله ولو أسقط لفظة (أو) فكان يقول: في غير حرف لين همزة أو هاء، أو حرف متصل بمثله لكان أحسن؛ إذ كان لم يترك من المحذوف -

[حذف الواو من المثال في المضارع كيعد]

قال ابن مالك: (فمن مطّرده حذف الواو، من مضارع ثلاثي فاؤه واو استثقالا ولوقوعها في فعل بين ياء مفتوحة وكسرة ظاهرة كيعد أو مقدرة كيقع ويسع، وحمل على ذي الياء أخواته والأمر والمصدر الكائن على فعل محرّك العين بحركة الفاء معوّضا منها هاء تأنيث وربّما فتحت عينه لفتحها في المضارع).
اللام غير حرف اللين شيئا من الحروف (إلا الحاء) 1. انتهى.
ومثال حذف الفاء: ناس في أناس على أحد القولين فيه 2، ومثال حذف العين سه في سته، وأما مثال اللام فكثير نحو: أب وأخ ودم، ومثال حذف غير حرف اللين: حرفي حرج 3، وأما حذف الهمزة والهاء والحرف المتصل بمثله فسيأتي الكلام عليه في آخر الفصل الذي يلي هذا الفصل، حيث ذكره المصنف 4. قال ناظر الجيش: يشير بهذا الكلام إلى حذف الواو من نحو: يعد ويلد، وهو مضارع كل فعل ثلاثي فاؤه واو فاحترز بقوله: ثلاثي من مضارع رباعي نحو: يوعد من أوعد، فإن الواو لا تحذف لوجهين: أحدهما: أنها وليت حركة تجانسها.
والثاني: أنها لم تقع بين ياء وكسرة؛ لأن الهمزة المحذوفة فاصلة بينهما؛ إذ الأصل يأوعد، وناقش الشيخ المصنف في قوله: فاؤه واو يعني أنه لا حاجة إلى ذلك؛ لأن قوله: قبل حذف الواو، مغن عنه 5، واحترز بقوله: في فعل من وقوعها في اسم فإنها لا تحذف كما سنذكره؛ لأن الاستثقال الذي في الفعل ليس في الاسم، وقوله: بين ياء مفتوحة احتراز من أن تكون الياء مضمومة، ولو وجدت الكسرة بعد -

................................  الواو نحو: يوعد، وقد ذكرت العلة في ذلك، ومن أن تكون الياء مضمومة وبعد الواو فتحة نحو: يوعد 1 لانتفاء الأمرين معا، وهما فتحة الياء والكسرة بعد الواو، وكذا لو وجدت الياء المفتوحة قبل الواو لم توجد الكسرة بعدها بل وجدت ضمة، فإن الواو لا تحذف نحو: وسم يوسم، ووقح يوقح، ووضؤ يوضؤ، ووطؤ يوطؤ 2. وأما قولهم: وجد يجد بضم الجيم وحذف الواو فشاذ كما سينبه عليه المصنف 3، ثم إن الكسرة إما ظاهرة كما مثلها المصنف بنحو: يعد، وإما مقدّرة كما في المثالين اللذين ذكرهما وهما يقع ويسع، وبيان أن الكسرة فيهما مقدرة: أما وقع، فقياسه أن يكون مضارعه على يفعل بكسر العين نحو: وعد، فعدل به عما اقتضاه القياس لعلة أخرى، وهي أن ما كانت لامه أو عينه حرف حلق فقياسه أن يكون مضارعه على يفعل بفتح العين، ففتح العين إنما جاء من جهة كون اللام حرف حلق، ولولا حرف الحلق لكانت العين مكسورة؛ لأن قياس كل مضارع للفعل المعتل الفاء بالواو أن يكون على يفعل بكسر العين، وإنما فتحت لأمر آخر فأجري المفتوح العين مجرى المكسور العين في حذف الواو، وأما يسع فإنه على القياس؛ لأن ماضيه فعل وقياس فعل أن يأتي مضارعه على يفعل نحو: وجل يوجل ووجل لكنهم شذوا في أفعال قليلة، فأتوا بمضارعها على يفعل بكسر العين نحو: ومق يمق ووثق يثق 4. ودلّ حذف الواو من يسع على أن وسع حكمه حكم ومق في أنهم أتوا بمضارعه على يفعل غير أنهم فتحوا العين لأجل حرف الحلق.
فصار حكم الفتحة في يسع حكم الفتحة في يقع، فمن ثم حكم فيهما بأن الكسرة في العين مقدرة بمعنى أن العين تستحقها، أما في نحو: يقع فبحق الأصالة، وأما في يسع، فلأن حذف الواو منه دلّ على أنهم أجروه مجرى: يمق ويثق، وما أحسن قول ابن الحاجب عند ذكر حذف الواو من يعد ويلد: وحملت فتحة يسع ويضع على العروض ويوجل على الأصل وشبهتا بالتجاري والتجارب 5، يعني أن أصل -

................................  يسع ويوسع فتحت العين بحرف الحلق، وأما يوجل مضارع وجل فإن الفتحة فيه مثلها في يوجل على أصل البناء، والفتحة في يسع عارضة مجتلبة لحرف الحلق، وشبهت الفتحة في يسع بالكسر في التجاري حيث كانت عارضة؛ لأن أصله تجاري فقلبت الضمة كسرة؛ لأنها متطرفة وشبهت الفتحة في يوجل بالكسرة في التجاري حيث كانت الكسرة أصلية؛ لأنه جمع تجربة فقياس جمعه تفاعل بكسر العين وقول المصنف: وحمل على ذي الياء أخواته ظاهر، والمقتضي لذلك أن تجري الباب مجرى واحدا، ونظير هذا الحمل حملهم تكرم وتكرم ويكرم في حذف الهمزة على أكرم، وقوله: في الأمر والمصدر الكائن على فعل محرك العين بحركة الفاء ظاهر أيضا ومثال الأمر عد وزن وزد، مثال المصدر الكائن على فعل محرك العين [6/ 197] بحركة الفاء معوضا منها هاء التأنيث: عدة وزنة وهبة، وسيأتي بسط ذلك، وأما قوله: وربما فتحت العين لفتحها في المضارع، فأشار به إلى نحو: ضعة ودعة وسعة وزنة 1 والمضارع من هذه الكلمات: يضع ويدع ويسع ويزن، وأنا أورد الآن كلام المصنف الذي أورده في إيجاز التعريف فإنه يفيد شرح مسائل هذا الفصل، وفيه إشارة إلى تعليل الأحكام التي يذكرها.
قال رحمه الله من وجوه الإعلال الحذف، وهو مطرد وغير مطرد؛ فالمطرد كحذف الواو الكائنة فاء في يصف ويعد ونحوهما؛ لاستثقالهما بين ياء مفتوحة وكسرة لازمة فلو كانت الياء مضمومة لثبتت الواو لتقويمها بأن وليت ما يجانسها من الحركات نحو: يوعد، فلو كان بدل الكسرة ضمة أو فتحة أيضا نحو: يوضؤ ويوجل؛ لأنها في يوضؤ من أجنبي ومجانس، وفي يوجل مستثقل، وبنو عامر رهط جميل بن معمر يقولون في مضارع وجد: يجد 2، فلو وليتها فتحة في موضع كسرة حذفت الواو أيضا -

................................  نحو: يضع، وأصله يوضع 1 فحذفت الواو؛ ولا بد لحذفها من سبب؛ فإما أن تكون الياء وحدها أو مع الفتحة الموجودة أو مع ضمة منوية، أو مع كسرة منوية، منع من الأول والثاني ثبوت الواو في يوجل ونحوه، ومنع من الثالث ثبوتها مع الضمة الموجودة في يوضؤ ونحوه؛ لأن الموجود أقوى من المنوي، فتعين الرابع وهو أن يكون سبب حذف الواو والياء والكسرة المنوية، فكان وضع يضع في الأصل من باب: أضرب يضرب، ففتحت عين مضارعه لأجل حرف الحلق كما صنع بمضارع يقع وشبهه، وأما وسع يسع فكان في الأصل من باب: حسب يحسب، ففتحت عينه أيضا ونوي كسرها؛ فلذلك حذفت واوها، ولولا ذلك لقيل: يوسع كما قيل: يوجع، ثم افتتح فصلا ثانيا فقال: لما وجب حذف الواو المذكورة من المضارع في الياء حمل عليه ذو الهمزة وذو النون وذو التاء، فقيل: أعد ونعد وتعد كما قيل: يعد إجراء لبعضهن على حكم بعض، ولأن ذي الياء كالأصل لسائرها إذ يعبر به عما يعبر عنه بكل منهما نحو أن يقول: ما يفعل إلا أنا وإلا نحن وإلا أنت؛ فوجب أن تكون أخواته ملحقة به فيما وجب له.
ولما كان مواقع ذي الياء الأمر نحو قولك: ليعد فلان فلانا، حمل عليه الموضوع للأمر لتوافقهما معنى ووزنا نحو قولك: عد فلانا، ولولا الحمل على المضارع لقيل: أيعد، ولما أعل المضارع والأمر بالإعلال المذكور حمل المصدر المكسور الفاء الساكن العين، فحذفت فاؤه وحركت العين بحركتها، ولزم آخره هاء للتأنيث عوضا من الفاء المحذوفة وذلك نحو: زنة وعدة وكانا في الأصل وزنا ووعدا، ثم فعل بهما ما ذكر؛ لأن المصدر يصح لصحة فعله ويعتل لاعتلاله، وربما فعل ذلك بالمفتوح الفاء نحو: سعة ودعة، وقد ألحق الياء بالواو في هذا الإعلال من قال في يئس: يئس 2 فلو توسطت الواو - - لو شئت قد تقع الفؤاد بشربة... تدع الصّوادي لا يجدن غليلا وانظر: الأشموني (4/ 341)، والتصريح (2/ 396)، وتوضيح المقاصد (6/ 96).

جارٍ التحميل