الباب الخامس والأربعون باب عطف البيان
[تعريفه، أغراضه، موافقته ومخالفته متبوعه]
قال ابن مالك: (هو التّابع الجاري مجرى النّعت في ظهور المتبوع، وفي التّوضيح والتّخصيص جامدا أو بمنزلته.
ويوافق المتبوع في الإفراد وضدّيه وفي التّذكير والتأنيث، وفي التعريف والتّنكير، خلافا لمن التزم تعريفهما، ولمن أجاز تخالفهما، ولا يمتنع كونه أخصّ من المتبوع على الأصحّ).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: التابع يعم التوكيد، والنعت، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل، والجاري مجرى النعت يخرج النعت وعطف النسق والبدل.
وفي التوضيح والتخصيص يخرج التوكيد لأن من النعت ما يجاء به للتوكيد كـ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ 2 فهذا النوع من النعت يصدق عليه أنه جار مجرى التوكيد ويصدق على التوكيد أنه جار مجراه فإذا ذكر التوضيح والتخصيص انعزل كل واحد منهما عن الآخر لأن التوكيد لا يحصل به تخصيص وإن كان يحصل به توضيح أي زيادة تبيين وشارك عطف البيان النعت في ظهور المتبوع فلا يتبعان ضميرا.
وقياس مذهب الكسائي جواز إتباع عطف البيان ضمير الغائب قياسا على النعت 3. وذكرت جامدا أو بمنزلته توكيدا لإخراج النعت، فإنه من جهة المعنى أشبه شيء بعطف البيان وذلك أنك تقول لمن له ابنان طويل وقصير واسم الطويل محمد مررت بابنك الطويل فيحصل التخصيص بالنعت.
ولو ذكرت محمدا موضع النعت لتبين به ما تبين بالنعت لكن النعت مشتق أو منزل منزلته وعطف البيان جامد أو منزل منزلته.
والمراد بالمنزل الصعق ونحوه من الأعلام الحاصلة لها -
الجزء: 7 - الصفحة: 3377
................................
العلمية بالغلبة وهي في الأصل صفات، لكن وصفيتها بعد الغلبة غير مقصودة وإنما المقصود بها ما يقصد بالأعلام المرتجلة من تعيين المسمى، ولا خلاف في موافقة عطف البيان متبوعه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث ويتوافقان أيضا في التعريف والتنكير.
وزعم الشيخ أبو علي الشلوبين أن مذهب البصريين التزام تعريف التابع والمتبوع في عطف البيان 4، ولم أجد هذا النقل من غير جهته.
وعلى تقدير صحة النقل فالدليل أولى بالانقياد إليه والاعتماد عليه، وذلك أن الحاجة داعية إلى استعمال عطف البيان في النكرتين كما هي داعية إليه في المعرفتين بل هي في النكرتين أشد لأن النكرة يلزمها الإبهام وهي أحوج إلى (ما يبيّنها) من المعرفة فتخصيص المعرفة بعطف البيان خلاف مقتضى الدليل، واستعماله مطلقا مذهب الفراء وغيره من الكوفيين 5، وهو [4/ 134] أيضا مذهب الزمخشري فإنه حكم بذلك في مواضع من الكشاف 6، وهو أيضا مذهب أبي علي الفارسي فإنه أجاز العطف والإبدال في «طعام» من قوله تعالى: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ 7، وزعم الزمخشري أن «مقام» من قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ 8 عطف بيان مع كونه معرفة «وآيات» نكرة 9، وقوله في هذا مخالف لإجماع البصريين والكوفيين فلا يلتفت إليه.
وزعم أكثر المتأخرين أن متبوع عطف البيان لا يفوقه في الاختصاص بل يساويه -
الجزء: 7 - الصفحة: 3378
................................
أو يكون أعم منه، والصحيح جواز الأوجه الثلاثة لأنه بمنزلة النعت، وقد تقدم في بابه أن النعت يجوز أن يكون في الاختصاص فائقا ومفوقا ومساويا، فليكن العطف كذلك وهذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى فإنه أجاز في ذا الجمة من «يا هذا ذا الجمة» أن يكون عطف بيان وأن يكون بدلا 10، وقد تقدم الكلام على أن اسم الجنس الجامد في مثل: رأيت ذلك الرجل: عطف بيان مع أنه أقل اختصاصا من اسم الإشارة وتبين دليل ذلك هناك.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
ولكن قوله في المتن: «ولا يمتنع كونه أخصّ من المتبوع» غير ظاهر فإن أحدا لا يمنع أن يكون عطف البيان أخصّ من متبوعه، كيف ومنهم من أوجب أن يكون أعرف من المتبوع.
وكلامه في الشرح موافق لما ذكره في المتن، فإنه قال: وزعم أكثر المتأخرين أن متبوع عطف البيان لا يفوقه في الاختصاص بل يساويه أو يكون أعم منه، لأن هذا الكلام منه يفهم منه أنه لا يرى ما زعمه الأكثرون بل يرى أن المتبوع يفوق التابع الذي هو عطف البيان في الاختصاص والفائق في الاختصاص هو أخص من المفوق بلا شك، وإذا كان الأمر كما قلناه فكان الواجب أن يقول أعني في المتن: ولا يمتنع كون متبوعه أخص منه.
وأما استدلاله على جواز الأوجه الثلاثة في هذا الباب بأنه قد تقدم في باب النعت أنه يجوز أن يكون في الاختصاص فائقا ومفوقّا ومساويا فأنت قد عرفت أن كون النعت يكون فائقا المنعوت لم يثبت، وقد تقدم البحث في ذلك.
ثم اعلم أن المصنف قال في شرح الكافية: «عطف البيان تابع يجري مجرى النعت في تكميل متبوعه ومجرى
التوكيد في تقوية دلالته ومجرى البدل في صلاحيته للاستقلال وليس نعتا لأن تكميله بشرح وتبيين لا بدلالة على معنى في المتبوع أي شيء من سببه وليس بتوكيد لأنه لا يرفع توهم مجاز ولا وضع عام موضع خاص وليس بدلا لأن متبوعه مكمل به غير معنوي الاطراح بخلاف البدل فإن الغالب كون متبوعه منوي الاطراح أو في حكم منوي الاطراح 11. انتهى.
-
الجزء: 7 - الصفحة: 3379
................................
وهو كلام حسن.
وبعد أن ذكر ابن أبي الربيع أن عطف البيان هو الاسم الجامد الجاري على ما قبله جريان النعت يعني من غير تكرير عامل محترزا بذلك عن البدل فإنه اسم جامد جار على ما قبله لكن ليس جريانه جريان النعت لأن البدل على نية تكرير العامل.
قال: «والأصل في الجوامد كلها أن تلي العوامل فمتى جاءت تابعة فتقدر ولايتها للعامل كما في البدل فإن لم يمكن تقدير ولايتها للعامل كما في عطف البيان كان ذلك على غير قياس كما أن الأصل في المشتقات أن تكون تابعة فمتى وليت العامل كان ذلك على غير قياس وكان على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه.
قال: فقد تقرر مما ذكرته أن عطف البيان ليس بالقياس بخلاف البدل فلا ينبغي أن يقال به إلا بدليل وحيث لا يمكن البدل وذلك إنما جاء في بابين وهما اسم الفاعل نحو:
3181 - أنا ابن التارك البكري بشر 12... [عليه الطير ترقبه وقوعا]
والآخر: النداء نحو يا أخانا زيدا فلو كان بدلا لكان مبنيّا على الضم لأن البدل على تقدير تكرير العامل أو على تقدير طرح الأول وإحلال الثاني محله على حسب الخلاف في ذلك 13. انتهى.
وليعلم أن ابن عصفور تابع للشلوبين في القول بالتزام التعريف في عطف البيان ومتبوعه بناء على أن ذلك مذهب البصريين 14. ولم يذكر في مقربه غير ذلك 15.
لكنه قال في شرح الجمل أن كونهما معرفتين هو الأكثر 16، ثم قال: وقد يكون في النكرات.
وقد أجاز الفارسي في زَيْتُونَةٍ من قوله تعالى: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ -
الحديث: 3181 - الجزء: 7 - الصفحة: 3380
................................
زَيْتُونَةٍ 17 أن تكون عطف بيان على الشجرة.
وكلامه في الشرح المذكور يقتضي اشتراط كون عطف البيان أشهر من متبوعه، لكنه قال في المقرب 18: عطف البيان جريان اسم جامد معرفة على اسم دونه في الشهرة، أو مثله 19. وحاصل الأمر من كلامه وكلام المغاربة أن عطف البيان لا بد أن يكون أعرف من المنعوت أو مساويّا وهذا هو الظاهر بل المتعين.
وأما ما اقتضاه كلام المصنف من إجازة كونه أقل تعريفا من متبوعه فغير ظاهر بل يجب الحكم فامتناعه لأن ذلك خلاف ما يقصد بالبيان إلا أن يقال قد يحصل البيان بانضمام أمر إلى آخر وإن كان التابع أقل تعريفا فكان البيان يحصل بالمجموع.
فإن قيل: كيف يمتنع أن يكون عطف البيان دون متبوعه في التعريف وقد أجاز سيبويه في: يا هذا، ذا الجمة أن يكون عطف بيان 20، وكذا قال الجمهور إن الرجل في يا هذا الرجل عطف بيان.
فالجواب أن يقال: لا شك أن اسم الإشارة معدود من المبهمات فهو مفتقر إلى ما يبين جنسه مع أنه متعين في نفسه بالإشارة إليه لا يحتاج في تعيينه إلى مبين فكان المذكور بعده عطف بيان لا لأنه بين المراد به بل لأنه بينه وأوضح إبهامه بتعين الجنس إذا لم يكن محتاجا إلى ما يعين ذاته لأنها متعينة بالإشارة إليه فكان أمر تابع اسم الإشارة [4/ 135] من الأسماء الجوامد مفارقا للتابع في قولنا: جاء زيد أبو عبد الله» لأن زيد لما لم تتعين ذاته للمخاطب أردف بما يعينه فالمقصود من هذا التابع التعريف لا بيان الجنس فوجب كونه أعرف من متبوعه أو مساويّا له لأن التعريف عند التساوي قد يحصل بمجموع الاسمين كما تقدم، وأما تابع اسم الإشارة فالمقصود منه بيان جنس ما أشير إليه لا التعريف.
واعلم أنه كما خصص أكثر النحاة عطف البيان بالمعارف خصصه بعضهم بالأعلام ولكني والحق أن وروده في ما ذكر أكثر من وروده في غيره.
الجزء: 7 - الصفحة: 3381
[جواز جعل عطف البيان بدلا وعدمه]
قال ابن مالك: (ويجوز جعله بدلا إلّا إذا قرن بأل بعد منادى أو تبع مجرورا بإضافة صفة مقرونة بأل وهو غير صالح لإضافتها إليه، وكذا إذا أفرد تابعا لمنادي فإنّه ينصب بعد منصوب وينصب ويرفع بعد مضموم، وجعل الزائد بيانا عطفا أولى من جعله بدلا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 21: قد تقرر أن عطف البيان لا بد من موافقته المتبوع في التعريف والتنكير والبدل قد يكون كذلك وقد لا يكون، فكل عطف بيان قد يجوز جعله بدلا إلا إذا قرن بأل بعد منادى نحو: يا أخانا الحارث أو عطف على مجرور بإضافة صفة مقرونة بأل وهو غير صالح لإضافتها إليه كقول الشاعر:
3182 - أنا ابن التّارك البكريّ بشر... عليه الطّير ترقبه وقوعا 22
فلا يجوز جعل الحارث ولا بشر بدلا؛ لأن البدل في تقدير مستقل فيلزم من جعله بدلا تقدير مباشرة الحارث بحرف النداء وتقديره مباشرة بشر التارك وذلك ممتنع والمفضي إلى ممتنع ممتنع فتعين جعلهما عطفي بيان ونصب الحارث لأن متبوعه منصوب كما ينصب النعت والواقع موقعه.
فلو كان الحارث تابعا لمنادى مضموم جاز نصبه على الموضع ورفعه على اللفظ كما يجوز في النعت المفرد.
ولو كان موضع بشر اسم صالح لإضافة التارك إليه جاز فيه العطف والإبدال نحو: أنا ابن التارك البكري غلام القوم فيجوز في غلام القوم الإبدال لأنه يجوز أن يضاف إليه التارك لأن الصفة المقرونة بأل تضاف إلى المضاف إلى المقرون بأل كما تضاف إلى المقرون.
فتقول: عرفت الضارب غلام الرجل كما تقول: عرفت الضارب الرجل، وإذا أفرد عطف البيان وتبع منادى نصب بعد المنصوب نحو: يا أخانا زيدا ونصب ورفع بعد المضموم نحو: يا غلام بشرا وبشر كما تفعل بالنعت لأنهما يجريان مجرى واحد.
ولو قصد الإبدال تعين ضم زيد وبشر فإنهما عند قصد الإبدال في حكم ما باشر حرف النداء.
وكل ما يصلح للعطفية والبدلية وكان فيه زيادة بيان فجعله عطفا أولى من جعله بدلا كقوله تعالى: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ 23، -
الحديث: 3182 - الجزء: 7 - الصفحة: 3382
................................
وكقوله تعالى: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ 24 ومِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ 25، ومن هذا قول ذي الرمة:
3183 - لمياء في شفتيها حوّة لعس... كالشّمس لمّا بدت أو تشبه القمرا 26
فإن الحوة السواد مطلقا، واللعس سواد يسير.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.
وعلم منه: أنه متى امتنع إحلال التابع في هذا الباب محل متبوعه تعين أن يكون عطف بيان وامتنع أن يكون بدلا، ولا يخفى أن من أجاز الضارب زيد وهو الفراء 27 يجيز البدلية في أنا ابن التّارك البكريّ بشر... وإنما قيد التابع للمنادى بالإفراد في المسألة التي ذكرها تحرزا من أن يكون مضافا فإنه إن كان مضافا وجب نصبه وإن كان المنادى الذي هو متبوعه مضموما كما عرف ذلك في باب النداء وتوابعه.
وما يمتنع فيه البدلية قول الشاعر:
3184 - فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا... سألتكما بالله لا تحدثا حربا 28
فلا يجوز في عبد شمس ونوفل أن يجعلا بدلين لأن أحدهما مفرد والآخر مضاف وتقدير حرف النداء يوجب نصب المضاف وبناء المفرد والبدل والمجموع لا أحدهما وشيء واحد لا يكون بعضه منصوبا وبعضه مبنيّا.
وقد علمت أن المصنف ذكر أن عطف البيان يجوز جعله بدلا إلا في المسألتين اللتين ذكرهما.
وقد زاد الشيخ على المصنف وعلى غيره تسع مسائل 29 يتعين فيها العطف ولا يجوز البدل.
الأولى:
أن يكون الكلام يفتقر فيه إلى رابط ولا رابط إلا التابع على عطفية البيان نحو: -
الحديث: 3183 - الجزء: 7 - الصفحة: 3383
................................
هند ضربت الرجل أخاها، ومررت بهند القائم الرجل أخوها.
قال: لا جائز أن يكون نعتا لأنه أعرف مما جرى عليه ولا بدلا لئلا تعرو الجملة من رابط فتعين عطف البيان.
الثانية:
أن يضاف أفعل التفضيل إلى عام ويتبع بقسمي ذلك العام ويكون المفضل أحد قسمي ذلك العام نحو: زيد أفضل الناس الرجال والنساء أو النساء والرجال.
فالرجال والنساء عطف بيان ولا يكون أن يكون بدلا من الناس؛ لأن البدل على نية تكرير العامل فيكون التقدير: زيد أفضل الرجال والنساء أو النساء والرجال وذلك لا يسوغ.
قال: فأما قول من قال: أنا أشعر الجن والإنس فقد غلط في ذلك، وتأوله أبو علي على أنه أراد أشعر الخلق 30. قال: وهو قبيح لا يجوز القياس عليه 31.
الثالثة:
أن يتبع موصوف أي بمضاف نحو: يا أيها الرجل غلام زيد، فغلام زيد لا يكون بدلا من الرجل لأنه ليس في تقدير جملتين ولا وصفا لأن ما فيه أل لا يوصف بالمضاف [4/ 136] إلى العلم.
الرابعة:
أن يفصل مجرور أي نحو قولهم: «أي الرجلين زيد وعمرو أفضل».
الخامسة:
أن يفصل مجرور كلا نحو: كلا أخويك زيد وعمرو قال ذلك.
السادسة:
أن يتبع المنادى المضموم باسم الإشارة نحو: يا زيد هذا.
السابعة:
أن يتبع المنادى المضاف على سبيل التفصيل بما هو مضاف وبما هو مفرد نحو: -
الجزء: 7 - الصفحة: 3384
................................
قوله: فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا 32.
الثامنة:
أن يتبع موصوف أي في النداء بمنون نحو: يا أيها الرجل زيد.
التاسعة:
أن يتبع اسم الجنس ذو «أل» المنادى المضموم نحو: يا زيد الرجل ويا غلام الرجل الصالح.
انتهى.
فعلى ما ذكره الشيخ تكون المسائل التي يكون التابع فيها عطف بيان ولا يكون بدلا إحدى عشرة مسألة.
واعلم أن هذه المسائل التي ذكرها الشيخ كلاما.
أما المسألة الأولى: فقد ذكرها المصنف في باب البدل كما ستقف على ذلك.
وذكرها ابن عصفور في شرح الإيضاح أيضا.
وأما المسألة الثانية: وهي زيد أفضل الناس الرجال والنساء أو النساء والرجال.
فلقائل أن يمنع امتناع البدلية فيها وذلك أن أفعل التفضيل المخبر به عن المذكر لم يضف إلى النساء فقط بل إنما أضيف إلى الرجال والنساء معا سواء أقدّم لفظ الرجال أم أخر وإذا كان مضافا إليهما معا فهو كإضافته إلى الناس وقد أجيز ذلك، فما المانع من إجازة ما هو بمعناه.
وعلى هذا لا أقدح في قول القائل: أنا أشعر الجن والإنس لأن معناه أنا أشعر المخلوقين.
ولا شك أن قول القائل: أنا أشعر المخلوقين جائز على أن في: أنا أشعر الجن والإنس تخريجا آخر وهو أن يكون التقدير فيه: أنا أشعر شعر الجن والإنس.
وأما المسألة الثالثة: فلم أفهم التعليل الذي علل به امتناع البدلية فيها وهو قوله:
لأنه ليس في تقدير جملتين.
فإن كان مراده بذلك أن غلام زيد من قولنا: يا أيها الرجل غلام زيد إذا كان بدلا كان حرف النداء مقدرا قبله وإذا كان كذلك فالكلام حينئذ جملتان والغرض أنه جملة واحدة - فالجواب: أن تقدير العامل في البدل ليس محكوما له بحكم اللفظ إذ لو كان كذلك لا ينفي كون البدل تابعا وكان يتعين استقلاله.
وإنما المراد بتقدير العامل أنه يفرض كونه كذلك ليترتب على ذلك -
الجزء: 7 - الصفحة: 3385
................................ الأحكام التي ذكروها. ويدل على هذا قول المصنف في حدّه أنه المستقل بمقتضى العامل تقديرا. وقد صرح سيبويه رحمه الله بأن العامل فيه هو العامل في المبدل منه 33 وإذا كان كذلك فليس قولنا: يا أيها الرجل غلام زيد إذا جعل غلام زيد بدلا في تقدير جملتين بل الكلام جملة واحدة. وأما المسألتان الرابعة والخامسة: وهما أيّ الرجلين زيد وعمرو أفضل، وكلا أخويك زيد وعمرو قال ذلك، فمباشرة أي لزيد وعمرو وكلا لزيد وعمرو أيضا ممتنع من غير جهة البدلية كما هو ممتنع من جهتها. فإضافة أي وكلا لزيد وعمرو ممتنعة على الإطلاق لما علم في باب الإضافة وإنما يذكر هنا ما يكون امتناعه من جهة البدلية خاصة أما ما كان ممتنعا لغير ذلك فلا مدخل له في هذا الباب. وأما المسألة السادسة: وهي يا زيد هذا فلم يظهر لي وجه امتناع البدلية فيها. وأما المسألة السابعة: فقد تقدم بيان وجه امتناع البدلية فيها. وإذا حقق علم أن الامتناع إنما هو من جهة أخرى غير جهة البدلية. وأما المسألة الثامنة: وهي أن يتبع موصوف أي في النداء بمنون نحو: يا أيها الرجل زيد فلم يظهر لي تخصيصه ذلك بكون المتبوع موصوف أي لأنك لو قلت: يا زيد زيد بالتنوين لم يكن زيد بدلا أيضا ثم هذه المسألة تعرف من قول المصنف: إلّا إذا قرن بأل بعد منادى فإن العلة فيه إنما هي عدم صحة مباشرة مصحوب «أل» حرف النداء وكما أن حرف النداء لا يباشر مصحوب أل هكذا. لا يباشر المنون. وأما المسألة التاسعة: فهي داخلة تحت قول المصنف (إلّا إذا قرن بأل بعد منادى) وأنشد المصنف في شرح الكافية البيت المشهور وهو: 3185 - إنّى وأسطار سطرن سطرا... لقائل يا نصر نصرا نصرا 34
الحديث: 3185 - الجزء: 7 - الصفحة: 3386
................................
وقال: أكثر النحويين يجعلون التابع المكرر به لفظ المتبوع عطف بيان.
يعني كما في هذا البيت.
قال: والأولى عندي جعله توكيدا لفظيّا؛ لأن عطف البيان حقه أن يكون للأول به زيادة وضوح، وتكرير اللفظ لا يتوصل به إلى ذلك فلا يكون عطفا بل توكيدا فنصر المرفوع توكيد على اللفظ والمنصوب توكيد على الموضع ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الدعاء كسقيا له.
انتهى، وما ذكره في هذه المسألة هو الحق.
وقد اعتذر ابن عصفور عن جعل نصر الثاني عطف بيان مع أن الشيء لا يبين نفسه بأن البيان يقع بتكرار اسم المنادى وأنت تخاطبه وتقبل عليه مرتين 35 وما قاله لا يتحقق.
الجزء: 7 - الصفحة: 3387