تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 1007-1046

الباب الثاني عشر باب المبتدأ

صفحات 1007-1046

................................  وذهب الأكثرون 1 إلى أن الضمير نقل من المحذوف إلى الموجود، وأن الظرف في موضع الخبر، وقد استدل على نقله بتأكيده في قول كثير: 642 - فإن يك جثماني بأرض سواكم... فإنّ فؤادي عندك الدّهر أجمع إذا قلت هذا حين أسلو ذكرتها... فظلّت لها روحي تتوق وتنزع 2 ووجه الدليل: أن أجمع يلي العوامل، والتأكيد لا يكون لمحذوف.
قالوا: ولولا نقله لما امتنع: قائما في الدار زيد؛ لأن الحال حينئذ تكون من فاعل ذلك المقدر، وهو متصرف؛ لأنه إما فعل أو اسم فاعل، فوجب ألا يمتنع [1/ 368] وفي امتناعه دليل على المقصود، وأيضا لو لم ينقل لما عطف عليه في قوله: 643 - [ألا يا نخلة من ذات عرق]... عليك ورحمة الله السّلام 3 ولا يمكن دعوى أن رحمة الله معطوف على السّلام، وقدم لأنه يلزم منه تقديم -

................................  المعطوف على العامل في المعطوف عليه؛ لأنه قدم على المبتدأ والعامل فيه الابتداء، وتقديم المعطوف على عامل المعطوف عليه لا يجوز.
ولكن يشكل على ذلك مسألة 1 وهي: أن يقال: إذا قدرتم الظرف في موضع، وقدرتم فيه ضميرا يعود على المبتدأ وجب أن تجيزوا: في الدار نفسه زيد، وفيها أجمعون إخوتك، وهذا لا يجيزه أحد.
وقد أجيب عن ذلك بأنه إنما قبح توكيد الضمير؛ لأن الظرف في الحقيقة ليس هو الحامل للضمير، إنما هو متعلق بالاسم الحامل للضمير، وذلك الاسم غير موجود في اللفظ حتى يقال: إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وإذا لم يكن ملفوظا به فهو في المعنى والرتبة بعد المبتدأ والمجرور المقدم قبل المبتدأ دال عليه.
والدال على الشيء غير الشيء، فلهذا قبح: فيها أجمعون الزيدون؛ لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد.
قال الشيخ: «والمنقول عن البصريين أنّ الظرف يتحمّل ضمير المبتدأ سواء تقدّم على المبتدأ أم تأخّر، وأنّه يرفع ذلك المضمر ويرفع الظّاهر أيضا إذا خلف المضمر نحو: زيد خلفك أبوه، ويجوز أن يكون خلفك أبوه مبتدأ وخبرا، والجملة خبر عن زيد، والوجه الأول أولى؛ لأنه إخبار بمفرد، وقال: هكذا تلقّينا هذا الإعراب من شيوخنا» انتهى 2. ومنع السهيلي ارتفاع الظاهر الواقع بعد الظرف بالظرف، وأوجب رفعه بالابتداء، وفرق بين الظرف واسم الفاعل بأن اسم الفاعل مشتق وفيه لفظ الفعل موجود، والظرف لا لفظ للفعل فيه 3. وقال ابن عمرون: «وإذا ثبت رفعه الضمير فهو غير رافع للظّاهر في صورة؛ خلافا لمدعيه مطلقا، وإذا جرى صفة أو خبرا أو حالا أو صلة لأنه أضعف في العمل من أفعل من، وأفعل من لا يرفع الظّاهر، فالظّرف أولى».
-

[حكم وقوع ظرف الزمان خبرا عن اسم العين والمعنى]

قال ابن مالك: (ولا يغني ظرف زمان غالبا عن خبر اسم عين ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتا دون وقت أو تعمّ إضافة معنى إليه، أو يعمّ.
واسم الزّمان خاصّ أو مسؤول به عن خاصّ [1/ 369]).
قال: «ولو كان يرفع الظّاهر لما عملت إنّ في زيدا في قولك: إنّ عندك زيدا» قال: «ولو كان عاملا في ظاهر ما جاز إلغاؤه مع تقدّمه في نحو: في الدّار زيد قائم» انتهى.
ولا يخفى ضعف ما ذكره؛ لأن (أفعل من) لم ينب عن عامل يرفع الظاهر، وهذا الظرف قد ناب عن شيء يرفع الظاهر، فهو يعمل عمله بالنيابة.
وأما نحو: إن عندك زيدا فالطلب فيه لإنّ لا للظرف، فكيف يترك عمل ما هو طالب ويعدل إلى غير الطالب؟ وأما نحو: في الدار زيد قائم فإنما لم يعمل فيه الظرف لعدم الاعتماد؛ لأن الظرف إنما يعمل بالنيابة عن اسم الفاعل مثلا، والمنوب عنه إنما يعمل إذا اعتمد، فكذلك النائب حكمه حكمه.
والحق أن الظرف والمجرورات إذا اعتمدت جاز أن يرتفع ما بعدها بها على الفاعلية، وجاز فيها أن تكون أخبارا، وما بعدها مبتدآت، والوجه الأول أولى كما علمت.
قال ناظر الجيش: شرع المصنف في ذكر وقوع الظروف أخبارا، وذكر ما يجوز أن يخبر عنه بشيء منها وما لا يجوز، وذكر ما يجوز في الظرف الواقع خبرا من رفع أو نصب ونحوه.
والحاصل أن ظرف الزمان لا يخبر به عن اسم العين، وإنما يخبر به عن المعنى، وأما ظرف المكان فإنه يخبر به عن كل منهما، كما يأتي ذلك كله مفصلا وأنا أذكر كلام المصنف أولا: قال رحمه الله تعالى 1: لا يفيد الاستغناء بظرف زمان عن خبر اسم عين غالبا إلا إذا كان العين مثل المعنى في حدوثه وقتا دون وقت كالرطب والكمأة؛ فإن الاستغناء عن خبر هذا النوع بظرف الزمان مفيد كقولك: الرّطب في شهر كذا، والكمأة في فصل الرّبيع، وكذا إذا دل دليل على إضافة معنى إلى العين كقولك: -

................................  أكلّ يوم ثوب تلبسه؟ وأكلّ ليلة ضيف يؤمّك؟ ومنه قول الراجز: 644 - أكلّ عام نعم تحوونه... يلقحه قوم وتنتجونه؟ 1 أي: أكل يوم تجدّد ثوب تلبسه؟ وأكل ليلة إتيان ضيف يؤمك؟ وأكل عام إحراز نعم؟ وكذا إذا عم المبتدأ وكان اسم الزمان خاصّا أو مسئولا به عن خاص كقولك: نحن في شهر كذا، وفي أي الفصول نحن؟. وأشرت بقولي: غالبا إلى أنه قد يخبر عن اسم عين بظرف زمان في غير ذلك إن ثبت دليل كقول امرئ القيس: اليوم خمر وغدا أمر 2. وكقول الشاعر: 645 - جارتي للخبيص والهرّ للفأ... ر وشاتي إذا أردت نجيعا 3

................................  انتهى كلام المصنف 1. وفيه أمور: منها: أن قوله: غالبا مع قوله في شرحه إنه أشار بذلك إلى أنه قد يخبر عن اسم عين بظرف زمان في غير ذلك، يعني في غير ما ذكره غير ظاهر؛ فإن المضاف الذي قدره في: أكل يوم ثوب تلبسه - يقدر مثله في: اليوم خمر أي اليوم شرب خمر كما قدر المضاف في اللّيلة الهلال.
ومنها: أن قوله في المتن: أو يعمّ إضافة معنى إليه لم يفهم معناه، والظاهر أن المراد: أو تنو إضافة معنى، بل يتعين ذلك لأن لفظ تنو ثابت في بعض النسخ، ولقوله في الشرح: وكذا إذا دل دليل على إضافة معنى إليه.
ومنها: قوله: أو يعمّ واسم الزّمان خاص وتمثيله لذلك بقوله: نحن في شهر كذا؛ فإن العموم لا يعقل في نحن إلا أن يكون أراد بذلك أمرا بخصوصه، وحاصل الأمر أن كلام المصنف في هذا المكان غير واضح متنا وشرحا.
وقد أورد ابن أبي الربيع الكلام في الإخبار بظرف الزمان عن العين أحسن إيراد فقال 2: «متى جاء الزمان خبرا عن الشخص فلا يكون إلّا على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون على حذف مضاف نحو: الهلال اللّيلة التقدير: حدوث الهلال الليلة، وعلى هذا يتصور أن يقال: زيد غدا أي ولادته غدا إذا كان معك ما يدلّ على ذلك.
الثاني: أن يكون الشخص موصوفا فتخبر عنه بظرف الزمان فتقول: أكلّ يوم رجل مضروب لك وعليه قوله: 646 - أكلّ عام نعم تحوونه...... 3 وكأنه قال: أكلّ يوم ضرب رجل؟ [1/ 370] لأن الصفة والموصوف كالشيء - - وليس في التذييل والتكميل ولا في معجم الشواهد.

[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ونصبه وجره]

قال ابن مالك: (ويغني عن خبر اسم معنى مطلقا؛ فإن وقع في جميعه أو أكثره وكان نكرة رفع غالبا ولم يمتنع نصبه ولا جرّه بفي، خلافا للكوفيين، وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه).
الواحد، ولذلك جاز أنت رجل صالح، ولا يجوز أنت رجل؛ لأن هذا لا فائدة به.
الثالث: أن يكون الكلام مخرجا عن حده كقول القائل: في أيّ يوم نحن؟ وفي أي شهر نحن؟ وفي أي عام نحن؟ وقولك في الجواب: نحن في يوم الجمعة، ونحن في شهر المحرّم، ونحن في عام كذا، فأنت بلا شكّ تعلم أن السؤال إنما وقع عن تعيين اليوم أو الشّهر أو العام.
فأمّا كوننا في يوم أو في شهر أو في عام فمما لا يجهل؛ فكان الأصل أن يقال في السؤال: أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ فتقول: يوم كذا أو شهر كذا أي يومنا يوم الجمعة وشهرنا شهر المحرّم.
ومنه أن يقال: زيد حين طرّ شاربه 1 لكن لمّا كان هذا الوصف لا يكون إلا في زمان تجوز واتّسع، وقيل: في زمان كذا ولم يرد أن يخبر عنه بأنّه، في زمان إنّما المراد الإخبار عنه بالصفة، قال: «وكان الأستاذ أبو علي يأخذ بهذه الثلاثة ويرتضيها» انتهى 2. وعلى هذا الذي ذكره يخرج جميع ما قاله المصنف.
فقولهم: الرطب في شهر كذا يكون تقديره: حدوث الرطب في شهر كذا، وحدوث الكمأة في فصل الربيع، وكذا أكل يوم ثوب تلبسه تقديره: أكل يوم لبس ثوب، وأكلّ ليلة أمّ ضيف.
قال ناظر الجيش: الضمير في: ويغني عائد على ظرف الزمان أي: ويغني ظرف الزمان عن خبر اسم المعنى يعني أنه لا يتقيد الإخبار عن اسم المعنى بحال دون حال كما كان ذلك في الإخبار به عن اسم العين، وذلك لحصول الفائدة.
-

................................  قال المصنف 1: «اسم المعنى يغني عن خبره ظرف الزمان الموقوع في جميعه، والموقوع في بعضه، لكن الموقوع في جميعه إن كان نكرة فرفعه أكثر من نصبه كقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً 2 وكقوله (عزّ وجل) 3: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ 4، وكذا الموقوع في أكثره كقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ 5. ولو جر هذا النوع بفي أو نصب على مقتضى الظرفية - لم يمتنع عند البصريين، وامتنع عند الكوفيين، وحجتهم في المنع من ذلك صون اللفظ عما يوهم التبعيض فيما يقصد به الاستغراق، وهذا مبني على قول بعضهم: إن في للتبعيض 6 حكاه السيرافي، وليس ذلك بصحيح 7. وإنما في حرف مفهومه الظرفية بحسب الواقع في مصحوبها. فإن كان الواقع يستلزم استغراقا كالصوم بالنسبة إلى النهار فلا يمنع منه معنى في ولا لفظها. وإن كان صالحا للاستغراق وغيره فصلاحيته لذلك موجودة قارنته أو لم تقارنه؛ ولذلك صح في الاستعمال أن يقال: في الكيس درهم، وأن يقال: في الكيس ملؤه من الدراهم؛ فعلم بهذا أن القول ما قاله البصريون، والله تعالى أعلم. ومثال رفع الزمان الموقوع في بعضه [1/ 371] كقولك: الزّيارة يوم الجمعة. ولا فرق في هذا بين المعرفة والنكرة، وروي قول النابغة: 647 - زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود 8

................................  بنصب غدا ورفعه، ذكر ذلك السيرافي 1. والوجهان في هذا النوع جائزان بإجمال، إلا أن النصب أجود لأن الحذف معه أقيس واستعماله أكثر، وإلى هذا أشرت بقولي: وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه.
انتهى 2. وإنما قيد الظرف الموقوع في جميعه أو أكثره بكونه نكرة؛ لأنه إذا كان معرفة جاز فيه الرفع والنصب باتفاق من الكوفيين والبصريين، نحو: سيرك يوم الخميس وصومك اليوم، إلا أن النصب هو الأصل والغالب.
ثم ها هنا بحثان: الأول: مقتضى كلام المصنف مما استشهد به من الآيات الشريفة أن المرفوع الواقع خبرا خبر عن اسم المعنى نفسه، فيكون أشهر معلومات خبرا عن الحج، وشهر خبرا عن غدوها ورواحها، وثلاثون شهرا خبرا عن حمله وفصاله، وفي ذلك نظر: فإن الخبر المفرد غير الظرف إذا لم يقصد التشبيه كان نفس المبتدأ في المعنى.
ولا شك أن الخبر في هذه الآيات الشريفة نفس المبتدأ الذي قبله في المعنى.
أما قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ 3 فلا بد فيه من تقدير مبتدأ محذوف، وهو وقت أو زمن، وإذا كان كذلك فأشهر معلومات خبر عن ذلك - - وكله جائز؛ لأن غدا ظرف زمان وقع الحدث في بعضه.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 321) وفي التذييل والتكميل (4/ 65) وفي معجم الشواهد (ص 107).

................................  المقدر الذي حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، وكذا قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً 1 التقدير: زمن حمله وفصاله، وإذا كان كذلك فلم يقع الإخبار في الآيتين الشريفتين بظرف إنما وقع باسم ليس بظرف.
وفي الحقيقة أن الإخبار في قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ 2 وفي: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً بزمان عن زمان، فيكون ذلك نظير الإخبار بقائم عن زيد في قولنا: زيد قائم؛ إذ الخبر في ذلك كله هو نفس المبتدأ لا غيره 3. ومقتضى كلام المصنف أن الحج واقع في الأشهر، وأن الحمل والفصال واقعان في ثلاثين شهرا، ولا يظهر أن هذا هو المراد، بل الظاهر أن المراد الإخبار بأن زمن الحج هو هذه الأشهر، وأن زمن الحمل والفصال هو هذه المدة المذكورة.
وأما قوله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ 4 فالظاهر أنه ليس من هذا الباب؛ لأن الغدوّ والرواح ليسا واقعين في الشهر المذكور كما يقع الحج في الأشهر ولا كما يقع الحمل والفصال في الثلاثين شهرا، بل المعنى أنها تقطع في غدوها مسافة شهر وكذا في رواحها، وإذا كان كذلك فيكون التقدير: مسافة مسير غدوها قدر مسافة مسير شهر، وكذا مسافة مسير رواحها قدر مسافة مسير شهر، ثم حصل الحذف وإقامة ما أضيف إليه المحذوف مقامه.
البحث الثاني: قال الشيخ - كالمستدرك على المصنف -: «إنّ ظرف الزمان كما يقع خبرا عن الجثة وعن [1/ 372] المصدر يقع خبرا لزمان أيضا» قال: «فإن كان على قدر المبتدأ فالرفع فقط تقول: زمان خروجك السّاعة، وإن كان أعمّ جاز الرفع والنصب، تقول: زمان خروجك يوم الجمعة، فيوم الجمعة بالنصب حقيقة ويوم بالرفع مجاز يجعل الخروج طويلا قد استغرق اليوم أجمع، هذا في غير أيام الأسبوع» انتهى 5. -

[جواز رفع ظرف المكان الواقع خبرا ونصبه]

قال ابن مالك: (ويفعل ذلك بالمكانيّ المتصرّف بعد اسم عين: راجحا إن كان المكانيّ نكرة، ومرجوحا إن كان معرفة، ولا يخصّ رفع المعرفة بالشعر، أو بكونه بعد اسم مكان خلافا للكوفيّين).
وأقول: إن المصنف مستغن عن ذكر ذلك.
أمّا القسم الأوّل: فظاهر لأنه لم يكن الخبر فيه ظرفا موقوعا فيه، إنما الخبر هو نفس المبتدأ ولا ظرفية هناك، وإذا كان كذلك فلا يقال: إن ظرف الزمان وقع خبرا لزمان، إنما وقع زمان غير ظرف خبرا لزمان، وهذا أمر واضح.
فحكم قولنا: زمان خروجك السّاعة حكم قولنا: زيد قائم في المبتدأية والخبرية.
وأما القسم الثّاني: وهو ما يكون الظرف فيه أعم نحو: زمان خروجك يوم الجمعة؛ فإن رفعت كان الزمان مخبرا به عن زمان كما في القسم الأول، ولكن أردت بيوم الجمعة بعض يوم الجمعة مجازا، وإن نصبت فلا بد من التأويل 1 ولأنك إذا أخذت الأمر على ظاهره لزم أن يكون الزمان ظرفا للزمان.
وقد ذكر الشيخ فروعا في مسائل الإخبار بظرف الزمان عن المصدر تركتها خوف الإطالة، مع أن الذي ذكره المصنف فيه غنية عن أكثرها 2. قال ناظر الجيش: قال المصنف: «ذلك من قولي: ويفعل ذلك إشارة إلى الرفع المفهوم من قولي: وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه.
وراجحا ومرجوحا حالان من ذلك المشار به إلى الرفع.
-

................................  ومثال ما قصد مما يكون الرفع فيه راجحا لتنكير الظرف المكاني مع كونه مؤقتا متصرفا 1 مخبرا به عن اسم عين قولهم: المسلمون جانب والمشركون جانب ونحن قدّام وأنتم خلف، والنصب جائز عند البصريين وعند الكوفيين، ومن زعم أن مذهب الكوفيين في مثل هذا التزام الرفع فقد وهم.
فإن كان اسم المكان معرفة متصرفا اختير النصب، وجاز الرفع عند البصريين، ولم يجز عند الكوفيين إلّا في الشعر، وإذا كان المخبر عنه اسم مكان كقولك: داري خلفك ومنزلي أمامك».
انتهى 2. واحترز بالمتصرف من الذي لا يتصرف نحو عند، وكأن هذا الحكم الذي ذكره يختص بالظرف المكاني المبهم لا الظرف المختص 3 على ما يدل عليه تمثيله.
وقد ذكر الشيخ تقسيما في هذا الموضع فقال 4: «الظرف المكاني المتصرف إما أن يقع خبرا عن أسماء الأماكن، أو عن المصادر أو عن الأسماء غير الأماكن والمصادر: فإن وقع خبرا عن أسماء المكان المبهمة جاز فيه الرفع والنصب، نحو مكاني خلفك، ومن كلام العرب: منزله شرقيّ الدّار [1/ 373] برفع شرقي ونصبه.
فإن كان اسم المكان من الظروف المختصة؛ فالرفع نحو موعدك ركن الدار والمسجد أو المقصورة».
قال: «فأما قولهم: موعدك باب البرادن أو باب الطّاق فقد روي النصب قليلا على معنى ناحية باب البردان وناحية باب الطاق، ولا يقاس على ذلك».
قلت: واستثناؤه الظروف المختصة من جواز النصب يدلّ على أنه أراد بالظّرف الواقع خبرا في أصل التقسيم إنّما هو الظرف المبهم، كما قلنا: إن ذلك هو -

................................  الظاهر من كلام المصنف.
ثم كمل الشيخ التقسيم، فقال 1: «وإن وقع خبرا عن المصادر فالنصب نحو: القتال خلفك والضّرب قدامك.
وإن وقع خبرا لغير الأماكن والمصادر وكان مضافا إلى نكرة نحو: زيد خلف حائط وبكر وراء جبل، فالاتفاق على جواز الرفع والنصب، أو إلى معرفة فالرفع والنصب عند البصريين مطلقا والنصب عند الكوفيين إن لم يملأه فإن ملأه فالرفع عندهم أحسن من النصب، أو كان غير مضاف وكان مصحوبا بمن فالنصب والرفع نحو: زيد قريبا منك، وقريب منك وناحية من الدّار وناحية من الدار.
وقال سيبويه 2: قال يونس: العرب تقول: هل قريبا منك أحد، وقال الكسائي والفراء وهشام 3: يقال: عبد الله قريب منك وقريبا منك وبعيد منك، ويقلّ في كلامهم: بعيدا منك، وإنما قلّ لأنهم لما قالوا: عبد الله قربك وبقربك حسن ذلك مذهب المحلّ في قريبا منك.
وإن كان غير مصحب بمن وفيه أل فالرّفع والنّصب عند البصريين والرفع فقط عند الكوفيين نحو: زيد الأمام أو اليمين أو الشمال.
وإن كان بغير أل وعطف عليه منكور مثله فالاختيار عند الكوفيين الرفع، والبصريون يسوّون بينهما نحو: القوم يمين وشمال، وزيد مرأى ومسمع رفعا ونصبا، أو لم يعطف عليه مثله رفعه الكوفيّون لا غير، وجوّز البصريّون رفعه ونصبه، قالوا: زيد خلفا وخلف وأماما وأمام.
فإن كان الظرف مختصّا لم يجز أن يقع خبرا لا برفع ولا بنصب نحو: زيد دارك إلا في ما سمع نحو قولهم: زيد جنبك يعنون ناحية جنبك ولا يقاس عليه: زيد ركن الدّار لا برفع ولا بنصب 4. وقالت العرب 5: زيد قصدك نصبوا على المحلّ، المعنى: مكان قصدك، ولم يقولوا: زيد قيامك ولا عمرو قعودك وهم يعنون المكان، وقصدك لا يقاس عليه غيره.
-

................................  وأجاز سيبويه 1: زيد قصدك بالرّفع من حيث أجاز زيد خلفك ولم يجزه الفرّاء 2. وقال سيبويه: يقال: هو صددك وسقبك وقربك، صددك وسقبك وقربك، والرّفع جائز عنده على قول من يقول: زيد خلفك» انتهى كلام الشيخ.
وقد تبين منه أن البصريين يجوزون الرفع والنصب في المكاني المتصرف المبهم إذا وقع خبرا عن اسم عين سواء أكان الظرف نكرة أم معرفة بأل أم بالاضافة، وسواء أكانت النكرة مضافة أم لا مذكورا معها من أم غير مذكور 3. وهذا الذي ذكره يؤخذ [1/ 374] من كلام المصنف حيث قال: ويفعل ذلك بالمكانيّ المتصرّف بعد اسم عين إلى آخره؛ لأنه بإطلاقه يدخل تحت كلامه الأقسام كلها.
ثم إذا تأملت علمت أن بين كلام المصنف وكلام الشيخ مخالفة ما بالنسبة إلى أرجحية النصب ومرجوحيته، فإن الشيخ حكم بالتساوي في صور اقتضى كلام المصنف فيها أرجحية أحد الأمرين على الآخر 4.

[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ووجوب نصبه]

قال ابن مالك: (ويكثر رفع المؤقّت المتصرّف من الظّرفين بعد اسم عين مقدّر إضافة بعد إليه، ويتعيّن النّصب في نحو: أنت منّي فرسخين، بمعنى أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين).
قال ناظر الجيش: المؤقت من الظروف هو المحدود كيومين وثلاثة أيام في الزمان، وفرسخ وميل في المكان.
والمتصرف هو الذي لم يلتزم فيه النصب على الظرفية، والذي التزم فيه النصب نحو ضحوة معينا في الزمان وعند في المكان، وحاصل ما أشار إليه المصنف أن الوقت المتصرف من ظرفي الزمان والمكان يجوز أن يرفع خبرا بعد اسم عين نحو قولهم: زيد منّي يومان أو فرسخان، وحينئذ يتعين تقدير اسم معنى إلى اسم العين؛ ليكون الظرف خبرا عنه، ولذلك قال: مقدّر إضافة بعد إليه أي إلى اسم العين 1. بقي أن يقال: فإذا نصبنا فرسخين هل يقدر المضاف الذي هو بعد كما قدر حال الرفع؟ الظاهر أنه يقدر؛ لأن حرف الجر الذي هو من لا بد له من شيء يتعلق به، وليس ثم إلا المصدر المقدر.
قال المصنف - لما ذكر هذه المسألة ومثل لها بقوله: زيد مني يومان وفرسخان -: «أي 2 بعد زيد منّي يومان أو فرسخان» وقريب منه قولك: دارك خلف داري فرسخان».
ثم قال: «ونصب فرسخين في نحو: دارك خلف داري فرسخين وشبهها في مثل هذا أجود منه في نحو: زيد مني فرسخان، ونصب فرسخين في نحو: دارك خلف داري فرسخين على التمييز أجود من نصبه ظرفا».
وأشار بقوله: ويتعيّن النّصب إلى أنك إذا قلت: أنت مني فرسخين على تأويل أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين تعين النصب، وكان أنت مبتدأ ومتى خبره، وفرسخين ظرف، ومعنى منّي من أشياعي وأصحابي وأهلي كقول الله تعالى حاكيا عن إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي 3 انتهى 4. -

................................  وإنما تعين النصب على الظرفية في أنت مني فرسخين؛ لأن قوله: أنت مني مبتدأ وخبر، أي أنت من أشياعي، بخلاف أنت مني فرسخان وأنت تريد بعدك مني؛ فإن مني متعلق بذلك المقدر المحذوف وليس في موضع الخبر، وإنما الخبر فرسخان؛ فمن رفع فالتقدير: بعد مكانك مني فرسخان، ومن نصب فعلى الظرف وهو في موضع الخبر، وانتصاب فرسخين في أنت مني فرسخين بالخبر الذي يتعلق به مني، أي أنت تابع من أتباعي في فرسخين أي في سيرنا فرسخين.
قال الشيخ 1: «وظاهر كلام المصنف أنّ فرسخين منصوب بذلك الّذي قدّره وهو ما سرنا فرسخين، وليس بجيّد؛ لأن ما سرنا: ما فيه مصدرية ظرفية، وسرنا صلة ما، وفرسخين معمول لصلة ما، ولا يجوز حذف الموصول والصلة وإبقاء معمولها».
وقال سيبويه 2: «أنت مني فرسخين تقديره: أنت منّي ما دمت تسير فرسخين».
قال الشيخ: «وهو شبيه بتقدير المصنّف؛ إلا أن سيبويه جعل صلة ما دام النّاقصة، وحذف ما ودام وخبرها وأبقى معمول الخبر، فهو أبعد من تقدير المصنف.
وقد رد أحمد بن يحيى 3 على سيبويه قوله، فقال 4: ليس على هذا الإضمار دليل ولا يدعو إليه [1/ 375] اضطرار، ولا ينبغي أن يطلب الإضمار إذا قام الكلام الظّاهر بنفسه».
والذي ينبغي أن يخرّج عليه كلام سيبويه وتقديره - أنه تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ لأنه إذا كان تابعا من أتباعه في فرسخين دلّ على أنه لا يكون تابعه في أكثر منها، فهذا معنى قول سيبويه: ما دمت تسير فرسخين، وإذا كان تفسير معنى بطل ردّ ابن يحيى.

[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ونصبه]

قال ابن مالك: (ونصب اليوم إن ذكر مع الجمعة ونحوها ممّا يتضمّن عملا - جائز لا إن ذكر مع الأحد ونحوه ممّا لا يتضمّن عملا؛ خلافا للفراء وهشام، وفي الخلف مخبرا به عن الظّهر رفع ونصب وما أشبههما كذلك، فإن لم يتصرف كالفوق والتّحت لزم نصبه).
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن ظرف الزمان يقع خبرا عن الزمان، لكن الزمان المخبر عنه قد يكون غير أيام الأسبوع، ولم يتعرض المصنف إلى ذكره لوضوحه، وقد تقدم الكلام عليه.
وقد يكون المخبر عنه أيام الأسبوع، وها هو قد شرع في ذكر ذلك.
وإنما ذكر المصنف هذا القسم دون الأول لينبه على أن النصب جائز في بعض هذه الصور بتأويل، فلو كان الرفع على الخبرية لازما في الصور كلها لم يحتج إلى ذكره، كما أنه لم يحتج إلى ذكر القسم الأول.
قال المصنف 1: إذا قلت: اليوم الجمعة واليوم السّبت جاز نصب اليوم؛ لأن الجمعة بمعنى الاجتماع، والسبت بمعنى الراحة، وكذا اليوم العيد واليوم الفطر واليوم النيروز كلّ هذه يجوز معها نصب اليوم بلا خلاف؛ لأن ذكرها منبه على عمل يقع في اليوم بخلاف قولك: اليوم الأحد واليوم الاثنان واليوم الثلاثاء واليوم الأربعاء واليوم الخميس، فإنها بمنزلة اليوم الأول واليوم الثاني واليوم الثالث واليوم الرابع واليوم الخامس؛ فلذلك لا يجوز في اليوم معها إلا الرفع، هذا مذهب النحويين إلا الفراء وهشاما؛ فإنهما أجازا النصب على معنى الآن الأحد والآن الاثنان 2 ومعنى هذا أن الآن أعم من الأحد والاثنين، فيجعل الأحد والاثنان واقعا في الآن كما تقول: في هذا الوقت هذا اليوم.
وقد قال سيبويه ما يقوي ذلك؛ لأنه قد أجاز: اليوم يومك بنصب اليوم بمعنى الآن، وقال: لأن الرجل قد يقول: أنا اليوم أفعل ذلك ولا يريد يوما بعينه 3 فهذا مما يقوي قول الفراء.
وللمحتج لسيبويه أن يقول: إن قول القائل: اليوم يومك بمعنى اليوم شأنك وأمرك -

................................  الذي تذكر به، فأجريا مجرى واقع وموقوع فيه بخلاف: اليوم الأحد، انتهى 1. والتأويل الذي أول المصنف به كلام سيبويه تأويل حسن غير بعيد عن الصواب، والذي ينبغي مراجعة الكتاب واعتبار ما ساق سيبويه هذا الكلام لأجله وحمله على ما يقتضيه السياق.
وأما قول المصنف: وفي الخلف مخبرا به إلى آخره فقد ذكر 2 شرحه بأن قال 3: وتقول: ظهرك خلفك بنصب الخلف على الظرفية، ويجوز رفعه لأنه الظهر في المعنى مع أنه متصرف، ومثله في جواز الوجهين: رجلاك أو نعلاك أسفلك وأسفلك، وقرئ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ 4 وأسفل منكم [1/ 376]. فلو كان الظرف غير متصرف تعين نصبه، وإن كان هو الأول في المعنى؛ ولذلك قال أبو الحسن 5 الأخفش: «اعلم أن العرب تقول: فوقك رأسك فينصبون الفوق؛ لأنهم لم يستعملوه إلّا ظرفا، والقياس أن يرفع لأنه هو الرأس، وهو جائز؛ غير أن العرب لم تقله، قال: تقول: تحتك رجلاك لا يختلفون في نصب التّحت» 6 انتهى.
وفي شرح الشيخ 7: «قال بعض النّحويين: إنّه يجوز هذا فيما كان في الجسد كقولك: فوقك رأسك، وخلفك ظهرك، وأمامك صدرك، وتحتك رجلاك.
فهذا كله مبتدأ وخبر، ويعنون بالخلف الظهر، وبالأمام الصدر، وبالفوق الرأس، وبالتحت الرجلين.
والأكثر أن تكون ظروفا في الجسد كانت أو في غيره، وهذا قول الأخفش» 8. ثم قال: قال خطّاب المارديّ 9: إن أخبرت عن شيء من هذه الظروف بخبر -

................................  رفعته بالابتداء، وكانت أسماء لا تتضمّن شيئا كسائر الأسماء، فنقول: خلفك واسع وأمامك ضيّق كما تقول: زيد قائم انتهى 1. وهذا الذي ذكره عن بعض النحويين وعن خطاب لا يبعد عن الصواب، فإن الذي يلتزم فيه النصب كالفوق والتحت مثلا إنما هو إذا كان ظرفا.
أما إذا كان اسما غير ظرف فهذا يمنعه من التصرف.
وهنا مسائل ذكرها الشيخ في شرحه 2: الأولى 3: أجاز يونس وهشام: زيد وحده، ومنعه الجمهور، أجراه يونس وهشام مجرى عنده، وتقديره: زيد موضع التفرد، وعلى هذا يجوز تقديمه، فيقال: وحده زيد كما يقال: في داره زيد، وقد أوله هشام تأويلا آخر، وهو أن الأصل: زيد وحد وحده، فنصب وحده بفعل مضمر محذوف إقامة لمعموله وهو وحده مقامه كما قيل: زيد إقبالا وإدبارا، أي يقبل إقبالا ويدبر إدبارا.
وعلى هذا لا يجوز تقديمه، فلا يقال: وحده زيد كما لا يقدم إقبالا في زيد إقبالا وإدبارا، وحجة الجمهور أن وحده اسم جرى مجرى المصدر، وهو منصوب على الحال، وإذا كان كذلك فلا يصح وقوعه خبرا عن زيد، ولكن قد نقل عن العرب أنهم يقولون: زيد وحده، وذلك فيه رد لقول الجمهور وتقوية ليونس وهشام 4. الثانية: قال الكسائي: «العرب تقول: القوم 5 خمستهم وخمستهم، وكذلك عشرتهم، من رفع رفع بالقوم ومن نصب ذهب بها مذهب وحدهم».
وقال سيبويه 6: «مررت بالقوم خمستهم وخمستهم؛ فالأول على معنى: مررت بالقوم كلّهم لم أدع فيهم أحدا إلّا مررت به، والثاني على معنى: مررت بهم وحدهم أي إفرادا، التقدير: أفردتهم بالمرور دون غيرهم».
-

................................  قال الشيخ 1: «وعلى ما قدّره سيبويه لا يصح أن تكون خمستهم خبرا سواء كان بمعنى كلّهم أو بمعنى وحدهم على مذهب سيبويه في وحدهم من جهة أنه لا يصحّ أن تقول: زيد وحده، والقوم خمستهم بالرفع يعني في خمستهم.
وقد نقلوا أن العرب قالت: زيد وحده والقوم خمستهم بالرّفع والنّصب، فوجب قبوله وإن خالف رأي سيبويه أو غيره».
الثالثة: لا يجوز: زيد [1/ 377] دونك بالرفع عند سيبويه وأنت تريد المكان وأجازه غيره.
قال ابن إصبع 2: وقال الفرّاء: سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك لا تجعل أسماء مرفوعة، فإذا قالوا: قاموا سواك وبدلك ومكانك ونحوك ودونك نصبوا ولم يرفعوا على اختيار وربّما رفعوا 3». وقال سيبويه 4: «أما دونك فلا يرفع أبدا؛ لأنّه مثل، وإن قيل: هو دونك في السّنّ والنّسب؛ لأن هذا مثل كما أن قولهم: هذا مكان هذا في البدل ذكر مثلا».
الرابعة: لا يجوز: زيد مثل عمرو بالنصب عند أحد من البصريين، وأجازه الكوفيون 5، وذلك أن مثلك عندهم من القسم الثاني من قسمة الحال، وهو قرنك وسنّك وشبهك ولدتك ومثلك إذا وقع طلبا أو نعتا جاز أن يعرب إعراب الأسماء، وجاز أن ينصب، تقول: زيد سنّك وسنّك، ومررت برجل مثلك ومثلك؛ فإذا وقع فاعلا رفع ولم ينصب نحو: قام مثلك وسنك؛ ولتجويزهم أن مثلك يكون محلّا أجازوا أن يقع صلة لموصول، ولا ينصب شيء من ذلك عند البصريين إلا إذا كان تابعا لمنصوب أو معمولا لناصب، وليس نصبه نصب الظرف.
-

................................  والخامسة: الظرف المقتطع نحو قبل وبعد لا يخبر به، ولا يوصف به، ولا يوصل به، ولا يكون حالا، ولم يعتلوا لذلك إلّا بضعفها 1 حسب، وشبهها سيبويه بالأصوات 2. قال ابن الدهان 3: والصّحيح عندي أنّهم لم يجمعوا عليها حذف العامل فيها ومعمولها وجعلها معتمد الفائدة.
فأما قول القائل: 648 - فأمست زهير في السّنين الّتي خلت... وما بعد لا يدعون إلّا الأشائما 4 فما زائدة وبعد منصوب الموضع عطفا على موضع الجار والمجرور.
قال الشيخ 5: «ووهم الزّمخشري في جعل ما فَرَّطْتُمْ 6 مبتدأ وما مصدرية، و (من قبل) في موضع الخبر تقديره: ومن قبل تفريطكم في يوسف 7.

[جواز رفع المصدر الواقع خبرا ونصبه]

قال ابن مالك: (ويغني عن خبر اسم عين باطّراد مصدر يؤكّده مكرّرا، أو محصورا، وقد يرفع خبرا، وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر من مصدر أو مفعول به أو حال).
قال ناظر الجيش: الاستغناء عن خبر اسم عين بمصدر مكرر نحو قولهم: زيد سيرا سيرا، وبمصدر محصور كقولهم: إنّما أنت سيرا، والأصل زيد يسير سيرا، فحذف الفعل واستغني عنه بمصدره، وجعل تكريره بدلا من اللفظ بالفعل، فامتنع إظهاره لئلا يجتمع عوض ومعوض عنه، وكذلك الأصل إنما أنت تسير سيرا، فحذف الفعل واستغني عنه بمصدره، وقام الحصر مقام التكرار في سببية التزام الإضمار.
وقد يجعل هذا النوع من المصادر خبرا قصدا للمبالغة فيرفع نحو: 649 - ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت... فإنّما هي إقبال وإدبار 1 هذا كلام المصنف 4. وتمثيل المصنف الحصر بإنما مشعر بأن الحذف واجب مع ما وإلا نحو: ما أنت إلّا سيرا من طريق الأولى.
والمصدر المعرف فيما ذكره كالمصدر المنكر كقولك: ما أنت إلّا الضّرب، وما أنت إلّا ضرب النّاس، وما أنت إلّا سيرا لزيد.
واعلم أن الفعل إنّما يجب إضماره إذا كان الإخبار عن سير متصل بزمان -23

................................  الإخبار لم ينقطع [1/ 378] وإذا أريد أنه سار ثم انقطع السير، أو أخبر أنه يسير في المستقبل - فإن الفعل يظهر نحو ما أنت إلّا تسير سيرا، ذكر ذلك سيبويه 1 وإذا كان كذلك فكلام المصنف يحتاج إلى التقييد بما ذكر.
وأشار المصنف بقوله: وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر إلى آخره - إلى ثلاث مسائل: الأولى: ما أغنى فيه عن الخبر مصدر يعني من غير تكرير ولا حصر نحو: زيد سيرا أي يسير سيرا.
الثانية: ما أغنى فيها عنه مفعول به كقول بعض العرب: إنّما العامريّ عمامته أي: إنما العامري يتعهد عمامته؛ فأما من روى: إنّما العامريّ عمّته فنصب على المصدر، التقدير: إنما العامري يتعمم عمامته، فيكون نظير: إنما أنت سيرا، فلا يكون من القليل بل من الكثير المطرد 2. قال المصنف 3: «ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بالمفعول به أن يكون الخبر قبل قول محذوف، ويستغنى عنه بالمفعول كقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى 4 أي يقولون: ما نعبدهم فيقولون خبر وما نعبدهم في موضع نصب به فأغنى عنه وحذف، ومثله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ 5. أي فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟».
ثم قال: «ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بالمفعول به ما رواه الكوفيون من قول العرب: حسبت العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور فإذا هو إيّاها أي: فإذا هو يساويها، -

................................  ولا يجوز أن يكون إياها قد شذ وقوعها في موضع رفع كما شذّ في موضع جر قول العرب: مررت بإيّاك، حكاها الفراء عنهم، ثم قال: وأنشد الكسائي: 650 - وأحسن وأجمل في أسيرك إنّه... ضعيف ولم يأسر كإيّاك آسر 1 انتهى 2. وهذه المسألة التي ذكرها أعني: فإذا هو إياها هي المسألة التي جرت بين الكسائي والفراء وبين سيبويه بحضرة هارون الرشيد وقيل: بل بحضرة يحيى بن خالد البرمكي 3 وتسمى المسألة الزنبورية وقضيتها عجيبة.
وقد أوردها الشيخ بهاء الدين ابن النحاس في تعليقه على المقرب، ومن وقف عليها عرف ما حصل من التحامل على سيبويه، وأنه كيد وغبن، نعوذ بالله من قهر الرجال 4. والمشهور أن سيبويه أجاب بقوله: فإذا هو هي، وأن الكوفيين قالوا: فإذا هو إياها، وهذا هو الظاهر وهو نقل البصريين، ولهذا لما ذكر المصنف فإذا هو إياها أسند ذلك إلى رواية الكوفيين، لكن قال الشيخ بعد ذكر المسألة: «وقد اختلف القول فيها فقيل: أجاب سيبويه بقوله: فإذا هو إيّاها، وقال الكوفيون: فإذا هو هي.
-

................................  وقيل: أجاب سيبويه بقوله: فإذا هو هي، وقال الكوفيون: فإذا هو إياها 1، وكلا الجوابين له توجيه من العربية؛ فمن قال: فإذا هو إياها فإياها مفعول بفعل محذوف يدل عليه المعنى، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، ومن قال: فإذا هو هي فليس المعنى أن الزنبور هو العقرب حقيقة، وإنّما هو من باب: زيد زهير أي: فإذا هو مثلها في اللسع» انتهى 2. و [الثالثة] 3: أشار المصنف [1/ 379] بقوله: أو حال إلى أنه قد يستغنى عن خبر المبتدأ بحال مغايرة لما تقدم ذكره كما روى الأخفش من قول العرب: زيد قائما، والأصل زيد ثبت قائما 4 والأسهل منه ما حكاه الأزهري من قول بعض العرب: حكمك مسمّطا أي حكمك لك مثبتا فحكمك مبتدأ خبره لك ومسمطا حال استغني بها وهي عارية عن الشروط المعتبرة في نحو: ضربي زيدا قائما 5 وعلى مثل هذا يحمل على الأجود قول النابغة الجعدي: 651 - وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا... سواها ولا عن حبّها متراخيا 6

[تعدد الخبر وأنواعه]

قال ابن مالك: (وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا بعطف وغير عطف، وليس من ذلك ما تعدّد لفظا دون معنى، ولا ما تعدّد لتعدّد صاحبه حقيقة أو حكما).  أي لا أنا أرى باغيا، فحذف الفعل الذي هو أرى وهو خبر أنا، وجعل باغيا دليلا عليه، وهذا أولى من جعل لا رافعة لأنا اسما ناصبة لباغيا خبرا، فإن إعمال لا في معرفة غير جائز بإجماع. انتهى 1. وعن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه و) 2 رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ونحن عصبة 3 بالنصب. قال ناظر الجيش: تعدد الخبر على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعدد لفظا ومعنى لا لتعدد المخبر عنه كقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ 4 ومنه قول الراجز: 652 - من يك ذا بتّ فهذا بتّي... مقيّظ مصيّف مشتّي 5

................................  وقول الآخر: 653 - ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع 1 وعلامة هذا النوع صحة الاقتصار على واحد من الخبرين أو الأخبار.
والثاني: أن يتعدد لفظا ومعنى لتعدّد المخبر عنه حقيقة كقولك: بنو زيد فقيه ونحويّ وكاتب ومنه قول الشاعر: 654 - يداك يد خيرها يرتجى... وأخرى لأعدائها غائظة 2 أو لتعدد المخبر عنه حكما كقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ 3 ومنه قول الشاعر: 655 - والمرء ساع لأمر ليس يدركه... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل 4

    • وقت القيظ.
      مصيّف مشتّي: أي يصلح للاستعمال في الصيف والشتاء.
      وقد استشهد بالبيت على تعدد الخبر لمبتدأ واحد لفظا ومعنى بلا عاطف.
      والبيت في: شرح التسهيل (1/ 326) وفي التذييل والتكميل (4/ 88) وفي معجم الشواهد (ص 450).

................................  والثالث: أن يتعدد لفظا دون معنى لقيامه مقام خبر واحد في اللفظ والمعنى كقولك: هذا حلو حامض، بمعنى مزّ، وكقولك: هو أعسر أيسر بمعنى أضبط أي عامل بكلتا يديه، فما كان من النوع الأول صح أن يقال فيه خبران وثلاثة بحسب تعدده، وما كان من النوع الثاني والثالث فلا يعبر عنه بغير الواحدة إلا مجازا؛ لأن الإفادة لا تحصل فيه عند الاقتصار على بعض المجموع، ويجوز استعمال الأول بعطف ودون عطف بخلاف الثاني، فلا يستعمل دون عطف.
وأما الثالث: فلا يستعمل فيه العطف؛ لأن مجموعه بمنزلة مفرد؛ فلو استعمل فيه العطف لكان كعطف بعض كلمة على بعض.
وقد أجاز العطف أبو علي، فعنده أن قول القائل: هذا حلو وحامض جائز 1، وليس كذلك لما ذكرته.
هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو [1/ 380] في غاية النظافة 2. بقيت هنا الإشارة إلى أمرين: الأول: أن من النحاة من منع تعدد الخبر دون حرف العطف.
قال ابن عصفور في المقرب 3: «ولا يقتضي المبتدأ أزيد من خبر واحد من غير عطف؛ إلّا أن يكون الخبران فصاعدا في معنى خبر واحد» 4، وقال في شرحه لذلك: وإذا قلت: زيد ذاهب راكب كان الاسمان في معنى اسم واحد، وكأنك قلت: زيد جامع بين الذّهاب والرّكوب بخلاف إذا قلت: زيد ذاهب وراكب؛ فإنه يجوز لأنك أخبرت عن زيد بخبرين مستقلّين».
وتبعه على ذلك الشيخ، وقال 5: «هذا هو اختيار من عاصرناه من الشّيوخ».
-

................................  قال: «وقد أجاز سيبويه: هذا رجل منطلق على أنّهما خبران على الجمع، وكذلك أجاز: هذا زيد منطلق على الجمع 1». انتهى.
وعلى هذا إذا أخبر عن المبتدأ بأزيد من واحد، فإن قلنا بجواز تعدد الخبر كان كل واحد من الخبرين أو الأخبار بانفراده خبرا عن المبتدأ المذكور، وإن منعنا جواز التعدد فقد ذكروا أن في إعرابه وجهين: أحدهما: أن يكون كل واحد منهما أو منها خبر مبتدأ محذوف، فإذا قلت: زيد نحوي كاتب شاعر كان التقدير: هو شاعر هو كاتب.
الثاني: أن يجعل المجموع خبرا واحدا كأنك قلت: زيد الجامع لهذه الأوصاف.
وإذا حقق الناظر نظره لا يجد على منع تعدد الخبر دون عطف لمبتدأ واحد دليلا؛ فالحق أنه جائز كما قال المصنف.
وإذا قلنا بجواز التعدد مع كون المبتدأ واحدا جاز في المتعددين أن يتفقا في الإفراد وغيرها، وجاز أن يختلفا، فيكون أحدهما من قبيل المفرد والآخر من قبيل الجملة، وهو الذي يقتضيه إطلاق النحويين ولكن أبا علي منع ذلك، وقد يستدل على الجواز بقوله تعالى: فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ 2 وقوله تعالى: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى 3. الأمر الثاني: للناس بحث في مثل: هذا حلو حامض هل فيهما ضميران، أو الثاني هو -

................................  المتحمل للضمير دون الأول، ونقل عن الفارسي 1 أنه ليس إلا ضمير واحد تحمله الثاني؛ لأن الأول تنزل من الثاني منزلة الجزء منه، وصار الخبر إنما هو بتمامها.
والذي عليه المحققون أن كل واحد منهما فيه ضمير من جهة كونه مشتقّا؛ قالوا: ولا يلزم من تحمل المشتق ضميرا أن يكون ذلك المشتق مستقلّا؛ لأن ضمير المشتق ليس معتدّا به كل الاعتداد، بل هو شيء يثبت تقديرا، ولذا ثنوا اسم الفاعل وجمعوه وإن كان فيه ضمير.
ولو روعي الضمير فيه لم يثن ولم يجمع كما لو رفع ظاهرا، ومقتضى هذا التقرير أن العائد على المبتدأ هما الضميران معا، والفائدة حصلت بالرافعين والمرفوعين 2. لكن الذي يقتضيه كلام ابن عمرون أن العائد على جهة الاستقلال هو من طريق المعنى.
وكان الشيخ بهاء الدين بن النحاس أوضح كلامه، فقال في تعليقه على المقرب: «إن العائد على جهة الاستقلال هو في طريق المعنى ضمير آخر غير الضّميرين اللّذين تحمّلهما المشتقّ من طريق المعنى؛ لأن المعنى: هذا مزّ، قال 3: ولا يكون ذلك الضمير العائد في حلو [1/ 381] على انفراده؛ لأنه حينئذ يكون مستقلّا بالخبريّة وليس المعنى عليه، ولا في حامض على انفراده لذلك أيضا، ولا فيهما لأنهما حينئذ يكونان قد رفعا ذلك الضّمير، فيلزم اجتماع العاملين على معمول واحد، وإنّه لا يجوز» انتهى.
وقوله 4: ولا فيهما لأنهما حينئذ يكونان قد رفعا ذلك الضمير فيلزم... إلى آخره ممنوع؛ لأن كلّا منهما قد رفع الضمير الذي هو مستتر فيه، والضميران عائدان معا إلى المبتدأ، ويمتنع أن ثم ضميرا ثالثا يعود على المبتدأ؛ ليلزم منه ما ذكره.
وأما إذا قلت: هذا حلو حامض طعمه فهل يكون الظاهر مرفوعا بالثاني أو بالأول فالحق أن طعمه مبتدأ مخبر عنه بما تقدم؛ لأن التنازع في سببي مرفوع غير جائز، -

[تعدد المبتدأ ونوعاه]

قال ابن مالك: (وإن توالت مبتدآت أخبر عن آخرها مجعولا هو وخبره خبر متلوّه، والمتلوّ مع ما بعده خبر متلوه إلّا أن يخبر عن الأوّل بتاليه مع ما بعده، ويضاف غير الأول إلى ضمير متلوّه، أو يجاء بعد خبر الآخر بروابط المبتدآت أوّل لآخر وتال لمتلوّ).
كما ستعرفه في بابه إن شاء الله تعالى 1. قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: «توالي المبتدآت على ضربين: أحدهما: بتجرد.
والآخر: بإضافة.
فمع التجرد يخبر عن آخرها، ويجعل هو وخبره خبر متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويؤتى بعد خبر الآخر بروابط مجعولا أولها للأقرب وتاليه لمتلو الأقرب إلى أن يكون آخرها لأول المبتدآت نحو بنوك الزيدان هند عمرو الدراهم أعطيته بها عندهما في دارهم.
ومع الإضافة يخبر عن الآخر، ويجعل هو وخبره خبر متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه؛ إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده نحو: زيد عمه خاله أخوه أبوه قائم؛ فقائم خبر الأب، والأب وخبره خبر الأخ، والأخ وخبره خبر الخال، والخال وخبره خبر العم، والعم وخبره خبر زيد، والمعنى أبو أخي خال عم زيد قائم» انتهى 3. -

[اقتران الخبر بالفاء وجوبا وجوازا الأحكام وشروط ذلك]

قال ابن مالك: (فصل - تدخل الفاء على خبر المبتدأ: وجوبا بعد أمّا إلّا في ضرورة أو مقارنة قول أغنى عنه المقول. وجوازا بعد مبتدأ واقع موقع من الشّرطيّة أو ما أختها وهو أل الموصولة [1/ 382] بمستقبل عامّ، أو غيرها موصولا بظرف، أو شبهه، أو بفعل صالح للشّرطيّة، أو نكرة عامّة موصوفة بأحد الثّلاثة، أو مضاف إليها مشعر بمجازاة، أو موصوف بالموصول المذكّر، أو مضاف إليه).  وعلم منه أن الحكم في كلا الضربين اللذين ذكرهما واحد بالنسبة إلى أن الخبر يكون عن المبتدأ الآخر، ثم يجعل هو وخبره خبر ما قبله إلى أن يخبر عن المبتدأ الأول بتاليه مع ما بعده، وكذا إذا أردت بيان المعنى في الضربين جعلت مكان كل ضمير الظاهر الذي يعود عليه ذلك الضمير، فكما قلنا في نحو: زيد عمه خاله أخوه أبوه قائم؛ لأن المعنى أبو أخي قال: عم زيد قائم، هكذا في نحو: بنوك الزيدان هند عمرو الدراهم أعطيته بها عندها في دارهم يكون المعنى: الدراهم أعطيت عمرا بهند عند الزيدين في دار بنيك. قال الشيخ 1: «وهذه من المسائل الموضوعة للاختبار، ولا يوجد لها نظير في لسان العرب». قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: «نسبة خبر المبتدأ من المبتدأ كنسبة الفعل من الفاعل، فحق الخبر ألا تدخل عليه الفاء كما لا تدخل على الفعل؛ فإذا أدخلت فلا بد لدخولها من سبب، والسبب على ضربين: موجب ومجوز: فالموجب تقدم أما كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ 3. ولا يحذف بعد أما إلّا في ضرورة كقول الشاعر: 656 - فأمّا القتال لا قتال لديكم... ولكنّ سيرا في عراض المواكب 4

................................  أو مع قول مخبر به مستغنى عنه بمقوله كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ 1 أي فيقال لهم: أكفرتم؟ والمجوز لدخول الفاء على الخبر كون المبتدأ واقعا موقع من الشرطية أو ما أختها 2 صاول ذلك أل الموصولة بما يقصد به الاستقبال والعموم كقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 3. فلو قصد به مضي أو عهد فارق أل شبه من وما، فلم يؤت بالفاء.
ومثال غير أل موصولا بظرف قول الشاعر: 657 - ما لدى الحازم اللّبيب معارا... فمصون وماله قد يضيع 4 ومثال الموصول بشبه الظرف قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ 5. ومثال الموصول بفعل صالح للشرطية قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما - - في ذكر روابط جملة الخبر بالمبتدأ.
وأما شاهده هنا: فهو سقوط الفاء من خبر المبتدأ الواقع جوابا لأمّا ضرورة.
والبيت في: شرح التسهيل (1/ 328). وفي معجم الشواهد (ص 56).

................................  كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ 1. وقرأ نافع وابن عامر بما كسبت أيديكم بحذف الفاء 2، فدل ذلك على أمرين: أحدهما: أن ما هذه موصولة لا شرطية؛ إذ لو كانت شرطية للزمت الفاء؛ لأن بما كسبت لا يصلح أن يكون شرطا؛ فإن الفاء لا تفارقه إلا في الضرورة.
والثاني: أن اقترن الفاء بخبر المبتدأ الذي نحن بصدده جائز لا لازم؛ لأنها لم تلحقه إلا لشبهه بالجواب، فلم تساوه في لزوم لحاقها؛ ليكون للأصل على الفرع مزية.
وقد خلا الخبر المشار إليه من الفاء بإجماع القراء في قوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ 3. وقيدت الصلة التي تقع بعدها الفاء بكونها فعلا صالحا للشرطية؛ ليعلم أنها لو كانت فعلا خالص المضي لم تدخل الفاء، وكذا لو اقترن بما لا يدخل عليه من الشرطية ولا ما أختها نحو: الّذي إن حدّث صدق مكرم، والّذي ما يكذب أو لن يكذب مفلح.
ومثال النكرة العامة الموصوفة بأحد الثلاثة: رجل عنده حزم فسعيد، وعهد لكريم فما يضيع، ونفس تسعى في نجاتها فلن تخيب.
ومثال المضاف إلى النكرة العامة مشعرا بمجازاة: كلّ رجل عنده حزم فسعيد، وكلّ غلام لكريم فما يضيع، وكلّ نفس تسعى في نجاتها فلن تخيب.
ومثال دخول الفاء على خبر موصوف بالموصول بالمذكور قوله تعالى: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً [1/ 383] فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ 4. ومنه قول الشاعر: -

................................  658 - صلوا الحزم فالخطب الّذي تحسبونه... يسيرا فقد تلفونه متعسّرا 1 وقد دخلت على خبر الموصوف بالموصول بعد دخول إن في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ 2. فدخولها عليه مع عدم إن أحق.
ومثال دخولها على غير مضاف إلى الموصول قول امرأة ترثي أخاها: 659 - يسرّك مظلوما ويرضيك ظالما... وكلّ الّذي حمّلته فهو حامله 3 انتهى 4. وفي كلامه أمران: الأول: أنه أثبت سببا موجبا لدخول الفاء على الخبر، وهو تقدم أما، وهذا لا يتحقق؛ -

................................  لأن الفاء لم تباشر الخبر في نحو أما زيد فقائم لكونه خبرا، وإنما الفاء واجب دخولها بعد أما على الإطلاق خبرا كان أو غير خبر، ولو اعتبر دخول الفاء على الخبر بعد أما لاعتبر دخولها على المبتدأ بعدها أيضا في نحو أما قائم فزيد، فكان يقال: ويجب دخول الفاء على المبتدأ عند تقدم أما وتأخر المبتدأ عما يليها، وذلك لا يقال بخصوصية المبتدأ.
وحاصل الأمر: أنه لا بد من الفاء داخلة على ما يلي أمّا، مبتدأ كان أو خبرا، أو فعل أمر ونهي، أو غير ذلك، وإذا كان كذلك فلم يكن لذكر دخول الفاء على الخبر عند تقدم أما مناسبة، وحينئذ لا يكون لدخول الفاء على الخبر سبب موجب 1. الأمر الثاني: أنه أدرج في الموصول الذي يجوز دخول الفاء في خبره أل الموصولة، وصدر بها الباب، ومثّل لذلك بقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 2 وهذا الذي ذكره هنا مخالف لما ذكره في باب الاشتغال، فإنه ذكر هناك حكما، ومثل له، ثم قال: وكقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 3. وهذا الذي ذكره هنا مخالف تقدير سيبويه؛ لأن تقديره عنده: وفيما يتلى عليكم السارق والسارقة 4. ولولا ذلك لكان النصب مختارا؛ لأن الفعل المشتغل إذا كان أمرا أو نهيا يترجح النصب، فلم يجعل: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما - جملة واحدة، بل جعل الكلام جملتين والفاء عاطفة، وها هنا أعني في هذا الفصل جعل الكلام جملة واحدة، والفاء رابطة كالفاء في جواب الشرط، والمسألة فيها خلاف بين النحاة أعني دخول الفاء في خبر اسم الفاعل إذا كان صلة أل وكان -

................................  مبتدأ؛ فذهب المبرد إلى جواز ذلك، قيل: وهو مذهب الكوفيين 1. لأن اسم الفاعل في صلة أل في تأويل الفعل؛ ولذلك عمل وإن كان ماضيا، وعطف الفعل عليه في قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً 2 وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 3 وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ 4. وذهب جمهور البصريين إلى أن ذلك لا يجوز؛ لأن المسوغ لدخول الفاء في خبر الذي والتي غير موجود فيما دخلت عليه أل بمعنى الذي والتي، ولهذا حمل سيبويه الآيتين الشريفتين على تقدير خبر محذوف [1/ 384] وجعل التقدير: فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمهما، وفيما فرض عليكم الزانية والزاني أي حكمهما.
ودل على ذلك قوله تعالى قبل: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها 5. وقد عرفت أن الذي يدل على أن التقدير كذلك رفع أكثر القراء لهما، ولولا أن التقدير كما قال سيبويه لكان المختار النصب، والظاهر أن المصنف جنح هنا في هذه المسألة إلى قول المبرد، ووافق سيبويه في باب الاشتغال.
والظاهر أن المختار في هذه المسألة مذهب سيبويه وعليه التعويل.
وقد انتقد الشيخ على المصنف أمرين: أحدهما 6: أنه قال: بعد مبتدأ، ثم قال: وهو أل الموصولة، قال: وليس أل هو المبتدأ، بل هو وصلته هو المبتدأ، ولذلك ظهر الإعراب في الصلة.
الثاني 7: أنه قال: بمستقبل عام، قال: والعموم في الوصف إنما استفيد من أل وقد وصف أل بقوله: الموصولة بمستقبل عام؛ فتوقفت معرفة أل على وصفها بما ذكر، وتوقف معرفة وصف مستقبل بالعموم على قوله: عام؛ فلا يعرف عموم المستقبل إلا بدخول أل، ولا يعرف أل إلا بوصفه بالمستقبل، وهو المستفاد عمومه من أل، فلزم كل منهما أن تتوقف معرفته على معرفة ما يتعرف به، وذلك لا يصح.
-

................................  إذا عرفت هذا فنقول: الجواز دخول الفاء في خبر المبتدأ على مذهب البصريين غير المبرد شروط: أحدها: أن يكون المبتدأ موصولا لا يراد به الخصوص أو نكرة عامة.
الثاني: أن تكون الصلة أو الصفة للموصول والموصوف المذكورين ظرفا أو جارّا ومجرورا أو فعلا.
الثالث: أن يكون الفعل الواقع صفة أو صلة غير مقرون بأداة شرط.
الرابع: أن يكون الفعل المذكور على هيئة لا تنافي أداة الشرط.
الخامس: أن يكون الخبر مستحقّا بالصلة أو الصفة، وقد يعبر بغير ذلك فيقال: أن تكون الصلة أو الصفة متضمنة للشرط، ويكون الخبر متضمنا للجزاء، والمقصود من العبارة الأولى والعبارة الثانية واحد، وهو أن تكون الصلة أو الصفة سببا والخبر مسببا عن الصلة أو الصفة.
ومن هذا الشرط الخامس يعلم أن من شرط الفعل الواقع صلة أو صفة أن يكون مستقبل المعنى.
واعلم أن هذه الشروط تؤخذ عن كلام المصنف: أما الموصولية والموصوفية فقد صرح بهما، وقيد الموصوف بكونه عامّا، وأما الموصول فهو عام بالوضع.
وأما كون الصلة أو الصفة أحد الأمور الثلاثة فقد صرح به أيضا.
وأما كون الفعل غير مقرون بأداة شرط وكونه على هيئة لا تنافي أداة الشرط فمستفاد من قوله: صالح للشّرطية؛ لأنه إذا قرن بأداة شرط لا يكون صالحا للشرطية كما إذا كان على هيئة تنافي أداة الشرط.
وأما كون الخبر مستحقّا بالصلة أو الصفة فيستفاد من قوله: بعد مبتدأ واقع موقع من الشرطية أو ما أختها؛ لأن من وما الشرطيتين [1/ 385] شأنهما ذلك مما وقع من الأسماء موقع شيء منهما فحكمه حكمه.
والموجب لالتزام هذه الشروط المذكورة تحقق شبه المبتدأ لاسم الشرط وشبه صلته أو صفته بفعل الشرط، وشبه الخبر لجواب الشرط.
فإذا حصلت هذه الأشباه الثلاثة -

................................  ساغ دخول الفاء في الخبر؛ لإفادة الربط كما يحصل بالفاء ربط الجزاء بالشرط، ومن ثم وجب كون المبتدأ عامّا، وأن تكون صلته أو صفته فعلا؛ لأن اسم الشرط لا يوصل بجملة اسمية.
وإنما ساغ الوصل أو الوصف بالظرف وشبه الظرف؛ لأنهما يؤولان بالفعل، وأن يكون الخبر مستحقّا بالصلة أو الصفة بمعنى أن المتكلم لا يدخل الفاء حتى يقصد ترتب الخبر على الصلة أو الصفة كما يترتب الجزاء على الشرط.
وأما كون الفعل على هيئة لا تنافي أداة الشرط فظاهر؛ لأن الفاء إنما تدخل لشبه هذا الفعل بفعل الشرط فكأنه شرط.
وإذا كان كذلك فلا بد من صلاحيته لأن يكون شرطا.
وأما كونه غير مقرون بأداة شرط فقد علل بتعليلين: أحدهما: أن المبتدأ إذا دخلت الفاء في خبره كان منزلا منزلة اسم الشرط، واسم الشرط لا يجوز دخوله على أداة الشرط، فكذلك ما كان منزلا منزلته.
الثاني: أنك إذا قلت: الذي إن يكرمني يكرمك فمحسن كان الخبر أيضا مستحقّا بالصلة وجوابا لها في المعنى، وإن يكرمني من الصلة فيلزم أن يكون فمحسن جوابا لإن يكرمني، وهو قد أخذ جوابه، فيلزم من ذلك أن يكون للشرط جوابان، وذلك غير جائز.
وقال ابن عمرون: فإن كانت الصلة شرطا فلا تدخل الفاء في الخبر؛ لأنه قد أخذ الشرط جوابه في الصلة، فلا حاجة إلى جزاء آخر.
وقد بقي التنبيه على أمور: الأول 1: زعم هشام 2 أن الموصول إذا وصف أو أكد لم يجز دخول الفاء في خبره مع استيفاء الشروط فلا يجوز عنده أن تقول: الذي يأتيك هو نفسه فله درهم، قال: لأنك لا تريد أن تخص رجلا بعينه، وإنما تريد كل من كان منه إتيان إليك فله درهم، فإذا قلت: نفسه، ذهب معنى الجزاء، وكذلك الذي يأتيك الظريف فأكرمه لا يجوز عندهم.
-

................................  وقال ابن عصفور: «وهذا الّذي ذهب إليه يعضده أنّه لا يحفظ دخول الفاء مع التّأكيد أو النّعت في كلام العرب» 1. الأمر الثاني: ذهب بعضهم إلى أن الاسم الموصوف بالموصول لا يجوز دخول الفاء في خبره، وتأول الآيات الشريفة تأويلا بعيدا 2، والظاهر أن هذا لا يعتد به، فإن الجمهور على خلافه، والأدلة عاضدة لهم.
الأمر الثالث: قال أبو الفارسي في الإيضاح له: «فإذا دخلت الفاء في خبر المبتدأ الموصول والنّكرات الموصوفة آذنت بأنّ ما بعدها مستحقّ للفعل المتقدّم أو معناه» 3 فقال ابن أبي الربيع في شرحه 4: «اعلم أنك إذا أدخلت الفاء في خبر الموصول علم أن الخبر مستحق للصلة إن كانت علة، ومستحق لمعناها إن كانت متضمنة العلّة، ومثال ذلك أن تقول: الّذي يرعاني فأنا أحبّه، فرعايته لك بلا شك علة في المحبّة وسبيلها، وكذلك [1/ 386]: الّذي يحسن إليّ فأنا أودّه؛ لأن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها، فإن قلت: الذي يأتيني فله درهم فليس نفس الإتيان يوجب الدّرهم بنفسه؛ إنما هو متضمّن للعلة في استحقاق الدّرهم؛ لأن في الإتيان -

[مسائل مختلفة في اقتران الخبر بالفاء]

قال ابن مالك: (وقد تدخل على خبر كلّ مضافا إلى غير موصوف، أو إلى موصوف بغير ما ذكر، وعلى خبر موصول غير واقع موقع من الشّرطيّة ولا ما أختها، ولا تدخل على خبر غير ذلك خلافا للأخفش. وتزيلها نواسخ الابتداء إلّا إنّ وأنّ ولكنّ على الأصحّ).  ميزة وكرامة ورعاية وخدمة استوجب بها صلته عنك بذلك». قال ابن أبي الربيع: «فهذا معنى قول أبي عليّ: آذنت بأنّ ما بعدها مستحق للفعل المتقدم أو معناه». الأمر الرابع: أورد على قول النحاة أن الخبر يكون مستحقّا بالصلة قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ 1 فإن هذا المعنى الذي ذكروه لا يتحقق في الآية الشريفة؛ لأن كون هذه النعم من الله غير مستحق باستقرار نعمه بنا، وأجيب عن ذلك بجوابين: الأول: أن السبب أقيم في الآية الشريفة مقام المسبب؛ فالمعنى في الآية الشريفة: وما بكم من نعمة فمن الله، فاشكروا الله عليها؛ لأنها منه. فأقيم سبب الشكر على النعمة وهو كونها منه مقام المسبب عنه وهو الشكر، واستغني به عنه. الثاني: أن هؤلاء قد عرفوا النعمة وجهلوا المنعم، فنبهوا أن الاستقرار الأول سبب للعلم بالاستقرار الثاني. قال ناظر الجيش: هذا الكلام يتضمن الإشارة إلى مسائل خمس: الأولى: أن الفاء قد تدخل على خبر كل مضافا إلى غير موصوف، ومثال ذلك قول الأفوه: 660 - وكلّ قرينة فإلى افتراق... ولكن فرقة تنفي الملاما 2

جارٍ التحميل