تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4461-4500

الباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك

صفحات 4461-4500

قال ابن مالك: (يستفهم بـ «كيف» عن الحال قبل ما يستغنى به، وعن الخبر قبل ما لا يستغنى به، ومعناها: على أيّ حال فلذا تسمّى ظرفا، وربّما صحبتها «على»، ولجوابها والبدل منها النّصب في الأوّل، والرّفع في الثّاني إن عدمت نواسخ الابتداء، وإلّا فالنّصب، ولا يجازى بها قياسا خلافا للكوفيّين).
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 1: «من الأسماء المبنية: كيف، ويدل على اسميتها أمور كثيرة: أحدها: انتفاء أن تكون حرفا للاكتفاء بها مع الاسم المنفرد نحو: كيف أنت؟ وانتفاء أن تكون فعلا لدخولها على الأفعال واتصالها بها نحو: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ 2 والفعل لا يدخل على الفعل إلا مفصولا عنه في النية بضمير الفاعل المستكن كما في قولهم: إن تقم أقم، فلما انتفى أن تكون حرفا وأن تكون فعلا تعيّن أن تكون اسما.
الثاني: جواز إبدال الاسم منها كما في قولك: كيف زيد أفارغ أم مشغول؟ وكيف سرت أراكبا أم ماشيا؟ فلولا أن «كيف» اسم لما أبدل منها الاسم.
الثالث: دخول حرف الجر عليها في قول بعضهم: على كيف تبيع الأحمرين 3؟ وهي اسم مبني لشبهها بالحرف في المعنى لتضمنها معنى همزة الاستفهام بدليل وجوب اقتران الهمزة بالبدل منها نحو: كيف زيد صحيح أم سقيم؟، وبنيت على حركة فرارا من التقاء الساكنين، وكانت الحركة فتحة؛ لأنها أخف والنطق بها بعد «الياء» الساكنة أسهل.
ومعنى «كيف» الاستفهام عن وصف منكور لموصوف بعده مذكور، ولذلك -

................................  لا يدل منها، ولا يجاب إلا بصفة نكرة، فيجب أن تكون عامة لجميع أحوال الموصوف حتى يصح أن يجاب ببعضها، ولذلك تسمى: اسم استفهام عن الحال، وقيل: معناها: على أيّ حال؟ فتسمى ظرفا لأنها في تأويل جار ومجرور، كما أن الظرف في تأويل جار ومجرور، ولا شك في صحة تقدير: على أيّ حال؟ مكان «كيف».
وأن قولك: كيف زيد؟ في معنى: على أيّ حال زيد؟ ولكن ليس ذلك لأن «كيف» موضوعة لذلك المعنى، بل لأن معناها راجع إليه بنوع من اللزوم، ويدل على ذلك أمران: أحدهما: أنه كما يصح تقدير: على أي حال؟ مكان «كيف» كذلك يصح تقدير وصف مجرد من حرف جر مكانها، فيجوز أن تأتي بدل «كيف» من نحو: كيف أنت؟ بـ «أقائم» وشبهه، فتقول: أقائم أنت أم غير قائم؟ فيفيد بذلك ما يفيده: كيف أنت؟ فيجب أن تكون حقيقة في الاستفهام عن الحال، لأن كونها ظرفا يستلزم لكثرة التضمين ولتقدير الاستقرار، وكلاهما على خلاف الأصل.
الثاني: أن البدل من «كيف» إما منصوب نحو: كيف سرت أراكبا أم ماشيا؟ وإما مرفوع نحو: كيف زيد أصحيح أم سقيم؟ ولو كانت ظرفا لما كان البدل [5/ 187] منها إلا مجرورا بمثل ما تضمنته، فكان يجب أن يقال: كيف سرت أعلى ركوب أم على مشي؟ وكيف زيد أعلى صحة أم على سقم؟ كما يجب أن يقال: أين كنت أفي الدار أم في المسجد؟ فلما لم يجب أن يقال ذلك بل أبدلوا منها بدون حرف جر علم أنها ليست ظرفا.
ول «كيف» صدر الكلام كغيرها من أدوات الاستفهام، ولا تخرج في الاستعمال عن أن تكون في موضع نصب على الحال، أو خبر مبتدأ في الحال أو الأصل إلا ما شذ من نحو جرها بـ «على» في قول بعضهم: على كيف تبيع الأحمرين؟ فإذا وقعت «كيف» قبل كلام تام مستغن عنها كانت في موضع نصب على الحال؛ لأنها في تأويل صفة نكرة متقدمة على موصوفها، والصفة المتقدمة على الموصوف لا يجوز أن تكون نعتا له؛ لأن النعت تابع فلا يتقدم على المتبوع، بل يجب فيها أحد أمرين: إما أن تجعل حالا من الموصوف، وإنما أن تقام مقامه ويجعل هو بدلا منها، فلم يجز في «كيف» أن تقام مقام الموصوف؛ لأنها في تأويل صفة نكرة، -

................................  والصفة النكرة يقبح فيها ذلك، فوجب أن تكون حالا، ولذلك يبدل منها ويجاب بالنصب تقول: كيف سار زيد أراكبا أم ماشيا؟ ويقال: كيف جئت؟ فتقول: مسرعا بالنصب لا غير، لأن البدل من الحال حال، والحال لا تكون إلا منصوبة.
وإذا وقعت «كيف» قبل ما لم يتم كلاما كانت خبرا مقدما وما بعدها مخبر عنه، لأنه لا يجوز أن تكون ملغاة؛ لأنه قد حصلت بها الفائدة وتم بها الكلام، ولا يجوز أن تكون هي المخبر عنه وما بعدها الخبر؛ لأنها في تأويل صفة نكرة فيقبح جعلها اسما مخبرا عنه بما بعده، فوجب أن تكون خبرا مقدما في موضع رفع إن عدمت نواسخ الابتداء، ولذلك يبدل منها ويجاب بالرفع نحو: كيف زيد أفارغ أم مشغول؟ وإن وجدت نواسخ الابتداء فهي في موضع نصب خبرا قبل «كان» أو إحدى أخواتها، ومفعولا ثانيا قبل «ظن» أو إحدى أخواتها، ولذلك يبدل منها ويجاب بالنصب نحو: كيف كان زيد أصحيحا أم سقيما؟ وكيف رأيت عمرا أشاعرا أم فقيها؟ وقد تقدم الكلام على المجازاة بها؛ فلا حاجة إلى إعادته» انتهى كلامه 1 رحمه الله تعالى، وهو من حر الكلام وخالصه ومستغنى به عن غيره.
ووقع لابن عصفور 2 في «كيف» خبط، وقد أورد الشيخ في شرحه 3 عن المغاربة كابن عصفور وابن هشام 4 وابن الضائع وغيرهم مما لا يتحصل منه طائل، فأضربت عن إيراده، إذ فيما ذكره المصنف وابنه مقنع، في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل.
وإذا علم أن دخول حرف الجر على «كيف» شاذّ نادر 5 وجب أن لا تكون «كيف» من قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ 6 بدلا من «الإبل» وإن كانت «إلى» قد دخلت عليها في قولهم: انظر إلى كيف تصنع؟ لأن ذلك إن ثبت عن عربي فهو في غاية الندور غير معتد به، ولأن «إلى» متعلقة بكلمة «ينظرون» والعامل في البدل هو العامل في المبدل منه، فيلزم كون العامل في الاستفهام متقدما عليه، بل «كيف» منصوبة على الحال والعامل «خلقت» وقد -

................................  4112 - فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا 1 و «قد» تضاف إلى «الياء» مجردة ومع «نون» الوقاية كما سبق الاستشهاد عليه في باب المضمر نحو قول الشاعر: 4113 - إذا قال قدني قال بالله حلفة........ 2 وقول الآخر: 4114 - قدني من نصر الخبيبين قدي 3 وإذا كانت حرفا فهي على ثلاثة أضرب: أحدهما: أن تكون حرف تقريب فتدخل على فعل ماض متصرف متوقّع، أي: منتظر لتقريبه من الحال.
والثاني: أن تكون حرف تقليل فتدخل على المضارع المجرد من جازم وناصب -

................................  وحرف تنفيس لتقليل وقوعه كقولك: البخيل قد يعطي، والجواد قد يمنع.
الثالث: أن تكون حرف تحقيق فتدخل على كل من الماضي والمضارع لتقرير معناه ونفي الشك عنه، فدخولها على الماضي كثير كقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها 1 وقوله تعالى [5/ 188]: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ 2، وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ 3، ومن دخولها على المضارع قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ 4، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ 5 ومنه قول الشاعر: 4115 - قد أترك القرن مصفرّا أنامله... كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد 6 وهو في علم البيان من التقليل على طريق التهكم.
ولا يفصل بين «قد» والفعل إلا بالقسم كقول الشاعر: 4116 - أخالد قد والله أوطئت عشوة... وما العاشق المظلوم فينا بسارق أقرّ بما يأته المرء إنّه... رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق 7 وقول الآخر: 4117 - لقد أرسلوني في الكواعب راغبا... فقد وأبي راعي الكواكب أفرس 8 أراد: فقد أفرس راعي الكواكب وحقّ أبي، ويجوز أن يكون أضاف الأب إلى «راعي» وهو يعني نفسه وقد يغني عن الفعل بعدها دليل فيحذف كما يحذف بعد «لمّا» ويوقف عليها كقولك: أزف الشّخوص 9 وكأن قد، قال النابغة: -

................................  4118 - أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا... لم تزل برحالنا وكأن قد 1 أي: وكأن قد زالت.
و «هل» حرف استفهام، وتجيء مع الماضي بمعنى قد كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ 2 [قال المفسرون 3: المعنى: قد أتى على الإنسان أي: ألم يأت على الإنسان حين من الدهر] انتهى كلامه - رحمه الله تعالى - وعلم أن «قد» تكون اسما وتكون حرفا، وأنها في الاسمية إما اسم فعل وإما بمعنى «حسب»، فإن كانت اسم فعل فما بعدها منصوب بها، حتى إذا قلت: قدك درهم كانت «الكاف» في محل نصب فإذا اتصلت بها «ياء» المتكلم وجبت «نون» الوقاية كما في سائر أسماء الأفعال، وإن كانت بمعنى «حسب» استعملت استعمالها فيقال: قد زيد درهم [كما يقال: حسب زيد درهم].
وقد عرفت قول بدر الدين: إنها مبنية على السكون لوضعها على حرفين وشبهها بـ «قد» الحرفية، وأنها إذا اتصلت بها «الياء» - أعني [ياء] المتكلم - جاز أن يأتي بـ «نون» الوقاية وأن لا يأتي بها، لكن بناؤها هو الأكثر وهو مذهب البصريين 4، ومذهب الكوفيين فيها أنها معربة 5 فيقولون: قد زيد درهم بالرفع كما يقال: حسب زيد درهم، ولحاق «نون» الوقاية وعدم لحاقها مرتب على البناء والإعراب، فمن بني ألحق «النون» محافطة على بقاء سكون «الدال» لأنها مبنية على السكون ومن أعرب لا يلحقها بل يقول: قدى درهم كما تقول: حسبي درهم 6، وأما في الحرفية فقد ذكر المصنف أنها تكون للتقريب أو للتقليل أو للتحقيق.
وبعد فلا بد من الإشارة إلى أمور: منها: أن الشيخ قال 7 «في كلام ابن المصنف تعقّب من وجهين: -

................................  أحدهما: قوله: فتوافقها - يعنى قد - حسبا في الإضافة إلى المفعول، قال: وكلاهما - أعني حسبا وقد مرادفها - ليسا مضافين إلى مفعول لأنهما ليسا من الأسماء العاملة النصب في مفعول فيكونا قد أضيفا إلى المفعول.
والوجه الثاني: قوله: إنها حال موافقتها لحسب مبنية على السكون، قال 1: ولا يتم ذلك إلا [على] قول البصريين لأن الكوفيين يرون أنها معربة.
ولقائل أن يجيب عن الأول بأن «حسب» بمعنى: كاف وما بعد «كاف» يجوز نصبه على المفعولية، وإذا جر بالإضافة كان المجرور مفعولا في المعنى، ولا شك أن «حسبا» بمعناها لكنها إنما استعملت مضافة وهي بمعنى «كاف» فالمجرور بها مفعول في المعنى لأنه هو الذي يجوز نصبه بعد «كاف» على المفعولية، وإذا كان كذلك صحّ قول بدر الدين: إن قد توافق حسبا في الإضافة إلى المفعول، أو يقول: بأن «قد» و «حسب» اختها يوافقان «قد» التي هي اسم فعل في المعنى الواقع بعد اسم الفعل هو الواقع بعدهما.
وأن يجيب عن الثاني بأن بدر الدين اقتصر على ذكر مذهب البصريين ولا شك أنها في مذهبهم مبنية، وإذا كان في مسألة مذهب آخر أو قول آخر ولم يذكره صاحب التصنيف لا يكون في ذلك تعقّب عليه كيف وذلك القول الذي لم يذكره معمول به عند الجمهور من أهل تلك الصناعة؟ ومنها: أنك عرفت من كلام بدر الدين أن «قد» بمعنى «حسب» إذا أضيفت إلى «الياء» جاز لك فيها الوجهان - أعني أن تأتي بـ «نون» الوقاية وأن لا تأتي بها - وهذا هو الذي يقتضيه كلام والده في باب «المضمر»، لكن قد تقدم للشيخ في باب «المضمر» أنه إذا قيل: قدني بالنون تعيّن أن تكون اسم فعل، وقد أعاد ذلك هنا وقال 2: فأما قول الشاعر: 4119 - قدني من نصر الخبيبين قدي 3 فالأول اسم فعل والثاني وهو قوله: قدي يحتمل ثلاثة أوجه: -

................................  أنه اسم فعل ولكن الياء ضمير المتكلم وحذفت نون الوقاية ضرورة كما حذفت في: 4120 - إذ ذهب القوم الكرام ليس 1 وأنه اسم فعل ولكن الياء ليست ضميرا، إنما لحقت لإطلاق القافية.
وأن قد اسم مرادف لحسب وأضيف إلى الياء - وهي ياء المتكلم - كما تضاف حسب، قال 2: وكان ذلك على جهة التوكيد لـ «قدني» الأول لأنهما يؤولان من حيث المعنى إلى معنى واحد.
ومنها: أن قول المصنف في «قد» الحرفية: إنها تدخل على فعل ماض متوقع، وشرح ولده لـ «متوقع» بـ «منتظر» لم أتحققه، فإن الماضي قد مضى، والتوقع والانتطار إنما يكونان لما لم يقع، ثم لم ينتظم لي قوله «على فعل ماض متوقّع» مع قوله «لتقريبه من الحال»، وقد استنكر الشيخ أيضا ذلك وقال 3: «والذي تلقيناه من أفواه الشيوخ بالأندلس أنها حرف تحقيق إذا دخلت على الماضي، وحرف توقع إذا دخلت على المستقبل، قال 4: إلا إن عني بالتوقع: أنه كان يتوقع ثم صار ماضيا كقولهم: قد قامت الصّلاة.
فإنه قيل: إنها دخلت على الفعل لقوم ينتظرون الصلاة.
انتهى.
وقيل: إن المراد بذلك أن «قد» تدل على أن الفعل الماضي قبل الإخبار متوقعا لا أنه الآن متوقع والذي يظهر [5/ 189] أن التوقع إنما يكون بالنسبة إلى الفعل المستقبل، ولو قال المصنف: لتقريبه من الحال، ولم يقل: متوقع لكان له وجه وهو أن المغاربة ذكروا 5: أن المقسم عليه إذا كان فعلا ماضيا مثبتا قريبا من زمن الحال دخلت عليه «قد» نحو: والله لقد قام زيد، وإن كان بعيدا لم تدخل نحو: والله -

................................  لقام زيد، وعليه: 4121 - حلفت لها بالله حلفة فاجر... لناموا.... البيت 1 وقد ذكر ذلك في باب «القسم».
ومنها: أن المصنف احترز بقوله «لا يشبه الحرف» من الأفعال الماضية التي لا تتصرف نحو: ليس، ونعم، وبئس، وعسى، وحبذا، وأفعل في التعجب، فإن «قد» لا تباشر شيئا من ذلك.
ومنها: أن الشيخ قال 2: «ظاهر كلام المصنف أن تقليل معنى الفعل دلّ عليه «قد» وليس كذلك بل «قد» يدل على توقع الفعل ممن أسند إليه، وتقليل المعنى لم يستفد من «قد» بل لو قيل: البخيل يجود والكذوب [يصدق] فهم منه التقليل».
وأقول: ما ذكره الشيخ ممنوع، لأن قولنا: البخيل يجود والكذوب يصدق كذب، وقولنا: البخيل قد يجود والكذوب قد يصدق صدق، وإنما كان الأمر كذلك لأن التركيب الذي ليس فيه «قد» لم يفهم منه تقليل، والتركيب الذي فيه «قد» فهم منه التقليل فكيف يقال: إن التقليل يستفاد مع عدم «قد»؟ ومنها: أن قوله ولا يفصل بين أحدهما أراد به لا يفصل بين أحدهما وبين ما دخل عليه كأنه يعني أنه لا يفصل بين «قد» التي للتحقيق والتي لغير التحقيق وبين ما باشرتاه بغير قسم، فلا يجوز: قد زيدا ضربت، ولا: قد زيدا أضرب، لأن الحرف المختص بما دخل عليه إذا لم يكن عاملا فإنه يتنزل مما دخل عليه منزلة الجزء منه ولذلك جعل سيبويه 3: قد زيدا رأيت من المستقيم القبيح أي: من -

[حديث عن هل والهمزة الاستفهاميتين]

قال ابن مالك: (وتساوي همزة الاستفهام فيما لم يصحب نافيا، ولم يطلب به تعيين ويكثر قيام «من» مقرونة بالواو مقام النّافي، فيجاء غالبا بـ «إلّا» قصدا للإيجاب، وقد يقصد بـ «أيّ» نفي فيعطف على ما في حيّزها بـ «ولا» ولأصالة الهمزة استأثرت بتمام التّصدير فدخلت على «الواو» و «الفاء» و «ثمّ» ولم يدخلن عليها، ولم تعد بعد «أم» بخلاف «هل» وسائر أخواتها، ويجوز أن لا تعاد «هل» لشبهها بالهمزة في الحرفيّة، وأن تعاد لشبهها بأخواتها [الاسميّة] في عدم الأصالة، وقد تدخل عليها الهمزة فتتعيّن مرادفة «قد» وربّما أبدلت «هاؤها» همزة) 1.

  • المستقيم في المعنى القبيح في التركيب، لأنك وضعت اللفظ في غير موضعه، قالوا: وإنما جاز الفصل بالقسم لأن «قد» قد تفرد من الفعل إذا حذف ويوقف عليها في فصيح الكلام بخلاف «أل» مثلا، ولأن «أل» أقوى تعلقا بما دخلت عليه لأنها نقلته من الشياع إلى التخصيص و «قد» ليست كذلك.
    ومنها: أن قول المصنف «ويسوّغ [اقترانها] بالمضارع تأوّله بالماضي كثيرا» أراد به قول الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ 2، قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ 3، (قد يعلم ما أنتم عليه) ولا شك أن المضي من هذه الآيات الشريفة معلوم، ولم يتعرض بدر الدين إلى ذكر هذه المسألة، وقد قال الشيخ 4: «إن في نسخة ضرب المصنف على قوله: (ويسوّغ) إلى قوله: (كثيرا).
    وأقول: إنه يستغنى عن ذكر ذلك هنا بقوله في أول الكتاب مشيرا إلى المضارع: «وينصرف إلى المضيّ بكذا وكذا إلى أن قال: وبإذ وربّما وقد في بعض المواضع».
    قال ناظر الجيش: أي: وتساوى «هل» همزة الاستفهام، ولما ذكر أن «هل» ترادف «قد» ومن المعلوم أنها حرف استفهام، وكانت الهمزة حرف استفهام -

................................  أيضا، وبين الحرفين المذكورين اشتراك في شيء وافتراق في شيء أردف ذلك بذكر «الهمزة» مشيرا إلى ما بينهما من الاتفاق والاختلاف، قال الإمام بدر الدين 1: «للاستفهام حرفان: الهمزة وهل، فالهمزة يستفهم بها عن التصديق كقولك: أزيد قائم؟ وأقام عمرو؟ وعن التصور لطلب التعيين كقولك: أزيد قام؟ وأعمرا كلمت؟ وتدخل على النفي لتقرير أو توبيخ أو تمنّ أو نحو ذلك كما سبق التنبيه عليه في باب «لا لنفي الجنس».
وأما هل فيستفهم بها من التصديق الموجب لا غير، ولذلك قبح: هل زيد قام؟ وهل عمرا ضربت؟ وامتنع هل زيد قائم أم عمرو؟ وإلى كون هل للاستفهام عن التصديق الموجب الإشارة بقوله: وتساوي همزة الاستفهام في ما لم يصحب نافيا ولم يطلب به تعيين، وكثيرا ما يعدّى الاستفهام عن أصله فيؤتى به في مقام الإنكار والجحد فيجري مجرى النفي، ومما جاء من ذلك بالهمزة قوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ 2 وبهل قوله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ 3 وبمتى كقولهم في مقام الجحد: متى قلت هذا؟ وبأين نحو ما حكى الكسائي 4: أين كنت لتنجو منّي؟ أي: ما كنت لتنجو مني أي: ما كنت لتنجو مني، وبكيف كقراءة عبد الله 5: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله 6، وقد جاء ذلك بمن مقرونة بالواو، وبعدها «إلا» في الغالب لقصد الإيجاب كقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ 7 المعنى: وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ومثله قوله تعالى: قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ 8 وقد يجيء بأيّ فيعطف على ما في حيزها بـ «ولا» كقول الشاعر: -

................................  4122 - فاذهب فأيّ فتى في النّاس أحرزه... عن حتفه ظلم دعج ولا جبل 1 واعلم أن أصل أدوات الاستفهام الهمزة لأنها تأتي في الإيجاب والنفي، ويستفهم بهم عن التصور وعن التصديق [وغيرها يستفهم به إما عن التصور وإما عن التصديق] ولكونها أصل أدوات الاستفهام، والاستفهام له صدر الكلام استأثرت على أخواتها بتمام التصدير فدخلت على العواطف من «الواو» و «الفاء» و «ثم» [5/ 190] ولم يدخلن عليها، فلا يقال: قد قام زيد فأقام أخوه؟ كما يقال: فهل قام أخوه؟ وإنما يقال: قد قام زيد أفقام أخوه؟ كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ 2، أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ 3، أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا 4، أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ 5 وهو عند سيبويه 6 على التقديم والتأخير إيثارا لهمزة الاستفهام بتمام التصدير، وفي امتناع دخول العواطف عليها مع مساواتها «هل» في عطف ما هي فيه على ما قبله شاهد صدق على قول سيبويه، وقد حمل الزمخشريّ بعض ما جاء من ذلك في القرآن العزيز على إضمار المعطوف عليه فقال 7 في قوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً 8 وقوله تعالى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ 9: «تقديره: أكفروا وكلما عاهدوا، وأكفرتم فكلما جاءكم رسول» وهو إضمار لا دليل عليه ولا يفتقر تصحيح الكلام إليه.
ولاستئثار الهمزة بتمام التصدير لم تعد بعد «أم» المتصلة ولا المنقطعة تقول: -

................................  أدنس في الآثام أم عسل؟ وأزيد خارج أم عمرو مقيم؟ وليس لك أن تعيد الهمزة بعد «أم» كما تعيد الجارّ في التوكيد في نحو: أبزيد مررت أم بعمرو؟ لأنها [لما] لم تقع للتأسيس بعد العاطف كانت عن وقوعها للتوكيد بعده أبعد.
وأما [هل] فيجوز فيها مع «أم» المنقطعة أن لا تعاد استغناء بدلالة العاطف على التشريك نحو: هل قام زيد أم خرج عمرو؟ ويجوز أن تعاد توكيدا لأنه لا يمتنع دخول العاطف عليها نحو: هل قام زيد أم هل خرج عمرو؟ وقال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ 1 فجمع بين الاستعمالين.
فإن قلت: كيف يصح الجمع بين «هل» و «أم» المنقطعة والنحويون يقولون: إنها تفيد الاستفهام والإضراب معا؟ قلت: يتجه ذلك على أن تكون «أم» دالة على الإضراب بالوضع وعلى الاستفهام إذا لم يذكر بعدها بالالتزام العرفي، فإنها لا تدخل إلا على جملة استفهامية فصار لفظها مشعرا بالاستفهام فيجوز إظهاره بعدها على الأصل، ويجوز إضماره استغناء بدلالة «أم».
فأما قوله: ويجوز في «هل» أن لا تعاد لشبهها بالهمزة في الحرفيّة وأن تعاد لشبهها بأخواتها في عدم الأصالة، فكلام غير محقق فإن عدم إعادة «هل» بعد «أم» مثل عدم إعادة الهمزة في كونه على وفق الدليل فلا فائدة في قياس جواز أحدهما على جواز الآخر، وإعادة «هل» بعد «أم» ليست مثل إعادة أخواتها من أسماء الاستفهام، فإن «هل» تعاد توكيدا كما سبق، وغيرها يعاد تأسيسا إذا قصد معناه وإذا لم يقصد معناه لم يذكر تقول: متى قام زيد أم متى خرج عمرو؟ إذا أضربت عن الاستفهام عن وقت قيام زيد إلى الاستفهام عن وقت خروج عمرو، وإن أضربت عن ذلك إلى الاستفهام عن نفس الخروج أو عن أمر آخر متعلق به قلت: متى قام زيد أم متى خرج عمرو؟ ومتى قام زيد أم أين خرج عمرو؟ أو نحو ذلك.
وقد تدخل الهمزة على «هل» فتتعين أن تكون المرادفة لـ «قد» كقول الشاعر: -

................................  4123 - سائل فوارس يربوع بشدّتنا... أهل رأونا بقلع القفّ ذي الأكم 1 وقد تبدل «هاؤها» همزة فيقال: أل قام زيد؟ يعني: هل قام زيد؟ انتهى 2 كلام الامام بدر الدين رحمه الله تعالى.
ومما يستدل به على إعادة «هل» بعد «أم» وعدم إعادتها قول علقمة 3: 4124 - هل ما علمت وما استودعت مكتوم... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم أم هل كبير بكى لم يقض عبرته... إثر الأحبّة يوم البين مشكوم 4 فلم يعد «هل» بعد «أم» الأولى وأعادها بعد «أم» الثانية، وهو عكس ما في الآية الشريفة 5. وبعد فأنا أورد الآن الكلام على أدوات الاستفهام من رأس ذاكرا ما يميز بعضها عن بعض، وربما ينطوي ذلك على إيضاح بعض ما ذكره بدر الدين فأقول: الكلمات الموضوعة للاستفهام اثنتا عشرة كلمة، منها ما هو حرف وهو ثلاثة: الهمزة وهل وأم، ومنها ما هو اسم وهو تسعة: من وما وأيّ وكم وكيف وأين وأنّى ومتى وأيّان، ثم هذه الأدوات أعني الاثنتي عشرة على ثلاثة أنواع: الأول: لطلب -

................................  التصديق أو التصور.
والثاني: لطلب التصديق وحده.
والثالث: لطلب التصور وحده، والنحاة يعبرون عن طلب التصور بالسؤال عن التعيين، وعن طلب التصديق بالسؤال عن الوقوع فينبغي الاقتداء بهم في ذلك، فجميع أدوات الاستفهام ما عدا «هل» و «الهمزة» و «أم» المنقطعة لا تكون إلا للسؤال عن التعيين ولا يكون ذلك إلا مع العلم بالوقوع، ويختلف السؤال بحسب الأداة، فـ «من» عن تعيين من يعقل، و «ما» عن تعيين ما لا يعقل، و «أيّ» عن تعيين أحد الشيئين أو الأشياء مما أضيف إليه «أيّ»، و «كم» عن تعيين العدد، و «كيف» عن تعيين الصفة أي: الحال لأنها وصف في المعنى، و «أين» عن تعيين المكان، و «متى» عن تعيين الزمان، و «أيّان» مثلها لكنها تختص بالمستقبل، و «أنّى» عن تعيين المكان وعن تعيين الحال، و «أم» المتصلة حكمها حكم «الهمزة» التي تتقدمها.
وأما «الهمزة» فتكون سؤالا عن التعيين، وتكون سؤالا عن الوقوع، وأما «هل» فلا تكون سؤالا إلا عن الوقوع فلا تستعمل حيث يقطع بوجود الفعل، وأما «أم» المنقطعة فحكمها حكم «هل»، ولما كانت «هل» للسؤال عن الوقوع امتنع هذان التركيبان الأول: هل زيد قائم أم عمرو؟ لأن «أم» المتصلة هنا إنما هي للسؤال عن التعيين، والسؤال عن التعيين إنما يكون مع العلم بالوقوع، ومع العلم بالوقوع يمتنع السؤال بـ «هل»، نعم لو كانت «أم» منقطعة صحّ وذلك نحو أن يقال: هل عندك عمرو أم عندك بشر؟ لأن المتكلم سأل عن الوقوع ثم أعرض عن ذلك السؤال لقصد سؤال آخر.
والثاني: هل زيدا ضربت؟ لأن التقديم يستدعي حصول العلم [5/ 191] بوقوع الفعل، لأن التقديم يفيد التخصيص، وإذا أفاد التخصيص وجب أن يكون العلم بنفس الفعل الذي هو «الضرب» حاصلا، وأن يكون الاستفهام لطلب تعيين المضروب، فيلزم أن تكون «هل» مستعملا لطلب التعيين وهو باطل، ثم إن «هل» مع موافقتها «الهمزة» في الاستفهام تفارقها بحسب الاستعمال في أمور: منها: ما تقدمت الإشارة اليه وهو أن «هل» للسؤال عن الوقوع خاصة، و «الهمزة» يجوز فيها أن تكون للسؤال عن الوقوع وللسؤال عن التعيين.
ومنها: أن «هل» لا يجوز في المستفهم عنه بها أن يصحب نافيا، فلا يقال في -

................................  هل قام زيد: هل لم يقم زيد؟ وحاصله أن «هل» لا يستفهم بها عن النفي ويعبر عن ذلك بأنها إنها تستعمل في التصديق الموجب، وأما «الهمزة» فيجوز في المستفهم عنه بها أن يصحبه النافي وحينئذ قد يكون الاستفهام عن النفي 1 كقول الشاعر: 4125 - ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد 2 وقد لا يراد الاستفهام بل معنى من المعاني المتولدة من الاستفهام كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ 3 أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ 4 وهذان الأمران هما اللذان أشار إليهما المصنف بقوله: «وتساوي همزة الاستفهام في ما لم يصحب نافيا ولم يطلب به تعيين».
ومنها: أنه إذا عطف كلاما يتضمن استفهاما بالهمزة وكان العطف بأحد الأحرف الثلاثة: الواو والفاء وثم وجب تقديم الهمزة على العاطف المذكور وإلى ذلك أشار ذلك المصنف بقوله «ولأصالة الهمزة استأثرت بتمام التّصدير فدخلت على الواو والفاء وثمّ».
ومنها: أن الهمزة لا تعاد بعد «أم» متصلة كانت أم منقطعة فلا يقال: أزيد قام أم عمرو؟ ولا: ألك عين تبصر بها أم ألك رجل تمشي بها؟ بخلاف «هل» فإنها يجوز فيها أن تعاد وأن لا تعاد وإلى ذلك أشار المصنف بقوله «ولم تعد بعد أم بخلاف هل وسائر أخواتها».
ولا شك أن «أم» التي يعاد بعدها «هل» وبقية أدوات الاستفهام هي المنقطعة، لكن ذكر الأدوات غير «هل» إذا قصد معناها واجب لأن لها معاني زائدة على -

................................  الاستفهام فوجب ذكرها عند قصد تلك المعاني الزائدة، وقد أشار بدر الدين إلى ذلك بقوله «إن هل تعاد توكيدا وأن غيرها يعاد تأسيسا إذا قصد معناه وإذا لم يقصد معناه لم يذكر».
وأما جواز الأمرين في «هل» فقد علل 1 ترك ذكرها بشبهها للهمزة في الحرفية، وعلل ذكرها بشبهها بأخواتها الاسمية في عدم الأصالة، وقد عرفت طعن بدر الدين في هذا التعليل وأنه علل ذلك بأن قال: «وأما هل فيجوز فيها مع أم المنقطعة أن لا تعاد استغناء بدلالة العاطف على التشريك، ويجوز أن تعاد توكيدا لأنه لا يمتنع دخول العاطف عليها».
ومنها: أن «هل» لا تباشر أدوات الشرط والهمزة تباشرها كقوله تعالى: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ 2 وكذا لا تباشر «هل» «إنّ» بخلاف الهمزة قال الله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ 3، والظاهر أن العلة في ذلك إنما هو أصالة الهمزة في الاستفهام، وانضم إلى ذلك كونها على حرف واحد، فكان [في] النطق بها سهولة إذا انضمت إلى غيرها.
ومنها: أنه إذا اجتمع في الجملة الواقعة بعدها اسم وفعل وجب أن يليها الفعل ولا يليها الاسم إذ ذاك إلا في الشعر، وقد تقدم التنبيه على العلة الموجبة لذلك 4. وإذ [قد] تقرر هذا فلنذكر أمورا: ومنها: أن الشيخ قال 5: «مفهوم كلام المصنف يدل على أن الكلام إذا صحب نافيا انفردت به الهمزة، وقد وجدنا ما يصحب نافيا ولا تدخل عليه «هل» ولا «الهمزة» وذلك «إن» النافية لا يحفظ من لسان العرب: أإن زيد تاجر؟ ولا: إن زيد قائم؟ قال 6: وكذلك وجدنا ما صدق عليه أنه صحب نافيا ويدخل عليه الهمزة وهل وذلك نحو: زيد غير قائم فهذا قد صحب نافيا ويجوز -

................................  دخولها عليه فتقول: أزيد غير قائم؟ وهل زيد غير قائم؟» انتهى.
وهو كلام عجيب فإن الذي ذكره شيء غير الذي ذكره المصنف، لأن الذي أعطاه كلامه أن همزة الاستفهام يصحبها النافي ولا يصحب «هل» ولم يقل إن الهمزة يصحبها كلّ ناف، ولا إن ما صحب نافيا لا يدخل عليه الهمزة ولا هل، ولا يقتضي ذلك كلامه أيضا، وإذا كان كذلك فكيف يورد عليه ما لا قاله ولا اقتضاه كلامه.
ومنها: أن الشيخ أيضا قال: 1 «وكان ينبغي للمصنف أن يذكر أيضا مما لا تساوي هل الهمزة فيه أن يتضمن الاستفهام التوبيخ والإنكار والتعجب، قال: وتنفرد «هل» بأن يراد بالاستفهام بها الجحد؛ قال الله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ 2 ولا يكون ذلك في الهمزة، لا يجوز: «أزيد إلا قائم» انتهى.
وأقول: أما الجواب عن الأول فهو أن المعاني التي أشار إليها كالتوبيخ والإنكار والتعجب وغيرها إنما هي متولدة عن الاستفهام، فليست دلالة الهمزة عليها بالوضع، والمصنف إنما يتوجه كلامه إلى الكلمة باعتبار ما وضعت له، أما باعتبار ما يعرض في الاستعمال فلا.
وأما الجواب عن الثاني فهو أن «هل» إذا أريد بها الجحد خرجت عن أن تكون استفهاما إلى معنى آخر، والكلام الآن إنما هو في كلمتين معناهما واحد واختصت إحداهما باستعمال دون الأخرى، فلما ذكرتا باعتبار ما اشتركا فيه ذكر ما ينفرد به أحد اللفظين عن الآخر، على أن «الهمزة» قد استعملت للجحد كـ «هل» وتقدم التنبيه على ذلك في كلام بدر الدين والاستشهاد له بقوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ 3 وقد كان يجب على الشيخ على ما قاله هنا أن يقول: إن المنصف كان يتعين [عليه] لما ذكر «إن» التي هي أداة شرط أن يميز بينها وبين «إن» التي هي حرف نفي مثلا.
ومنها: أن الشيخ أيضا [5/ 192] قال 4 في قول المصنف «ويكثر قيام من مقرونة بالواو مقام النّافي» «ظاهر قوله: مقرونة بالواو أنه شرط في المسألة ولا أرى -

................................  ذلك لأن الواو لا تأثير لها في إرادة هذا المعنى» انتهى. والذي قاله الشيخ حقّ ويدل على ذلك قول الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ 1. ثم قال 2: «وظاهر قول المصنف الاختصاص بها، وليس عندي كذلك، بل لو أتيت بـ «غير» مكان «إلا» صح نحو: ومن يضرب زيدا غير عمرو، وأيّ ما يضرب زيدا غير عمرو؟ وارتفاع «غير» على البدل من الضمير المستكن في الفعل العائد على «من» وهو أصح من النصب على الاستثناء والرفع على الصفة» انتهى. ولم يكن المصنف محتاجا إلى أن ينبه على مثل هذا لأن من المعلوم أن «غيرا» تقوم مقام «إلا» وأن لها من الإعراب ما للاسم الواقع بعد «إلا» فلو ذكرها لكان عيّا. ومنها: أن المصنف قال في «هل»: «وتدخل عليها الهمزة فتتعين مرادفة قد» وتقدم الاستشهاد على ذلك بقول الشاعر: 4126 - سائل فوارس يربوع....... البيت فقال الشيخ 3: «ليس الأمر كما قال لأن ذلك لم يكثر كثرة توجب القياس، إنما جاء منه هذا البيت أو بيت آخر إن كان جاء، وإذا كان الأمر كذلك احتمل أن يكون مما دخل فيه أداة استفهام على مثلها على سبيل التوكيد، وإذا كان ذلك يوجد في المتحد اللفظ العامل كقوله: 4127 - ولا للما بهم أبدا دواء 4 وفي المختلف اللفظ العامل كقوله: 4128 - فأصبحن لا يسألنه عن بما به 5

................................  فلأن يوجد في المختلف اللفظ غير العامل أحرى وأولى، وإذا احتمل ما ذكرناه من التوكيد لم تتعين مرادفة «قد»، قال 1: وما ذكر هذا المصنف وغيره من أن «هل» ترادف «قد» لم يقم على ذلك دليل واضح إنما هو شيء قاله المفسرون في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ إن معناه: قد أتى 2، وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، ولا يرجع إليهم في مثل هذا، إنما يرجع في ذلك إلى أئمة النحو واللغة لا إلى المفسرين، قال 3: وثبت في نسخة عليها خط المصنف، فتترجح بدل قوله: فتتعين، وكأن المصنف أحسّ بهذا التأويل الذي ذكرناه فأتى بقوله فتترجح بدل قوله: فتتعين، وليس ذلك بمترجح أيضا لأن الرجحان إنما يكون إذا كان ثمّ دليل واضح يدل على أن هل ترادف قد.
انتهى.
ثم نقل عن صاحب الإفصاح 4 أنه قال: «قد ذكر جماعة من النحويين وأهل اللغة أن هل تكون بمعنى قد مجردة من الاستفهام وبها فسروا قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ 5 وأرى هذا القول مأخوذا من قول سيبويه 6: وتقول أم هل فإنما هي بمنزلة قد، فقيل: أراد أنها بمنزلة قد في الأصل، فإن كان قد [أخذ] من تأويل كلام سيبويه فيها هنا فلا حجة له إذ قد يرد أنها بمنزلة قد بعد أم، أو يريد في الأصل دون أن تستعمل ولا يصح ذلك التأويل، وإن كان قد سمع فحجة قوية لسيبويه، وبمعنى قد قال الكسائي والفراء 7 في الآية الشريفة وأبو العباس 8 والزجاج إلا أنه قال: المعنى ألم يأت» هذا كلام صاحب «الإفصاح» والعجب من الشيخ هو الناقل لهذا عن الرجل الكبير - أعني صاحب الإفصاح - وهو قبل ذلك - - سائل فوارس يربوع بشدتنا... أهل.... البيت إنما هو للتأكيد كدخول حرف الجر على مثله يعني في قوله «عن بما به» مع اختلاف لفظ العامل، والبيت في معاني الفراء (3/ 321) وشرح الكافية للرضي (2/ 328) والخزانة (4/ 162).

................................  قد نفاه عن النحويين حيث قال: «إنما هو شيء قاله المفسرون، وإنه إنما يرجع في ذلك إلى أئمة النحو واللغة».
والحقّ أن كون «هل» ترد بمعنى «قد» قول جماعة من رؤوس النحاة كالكسائي والفراء 1 والمبرد 2، وأغرب الزمخشري 3 حيث زعم أن «هل» تكون أبدا بمعنى «قد» وأن الاستفهام إنما هو مستفاد من همزة مقدّرة معها، ثم إنه نسب القول بذلك إلى سيبويه، ولكن يبطل قول الزمخشري أنها لو كانت بمعنى «قد» لامتنع فيها أن تباشر الجمل الاسمية كما أن «قد» كذلك، ولما نقل عن ابن عباس 4 رضي الله [تعالى] عنهما وهو إمام المفسرين أن «هل» في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ 5 بمعنى «قد» قال بعض العلماء: إن الاستفهام في الآية الشريفة للتقرير وليس باستفهام حقيقي، فلما كانت للتقرير فسّرت بـ «قد» لأنها للتحقيق فهي تلاقيها في المعنى، لكن قال الشيخ في شرحه 6: «والهمزة أقوى في جميع التصرفات ولذلك استعملت في التقرير دون هل على ما ذكر سيبويه 7، وتنقل النفي إلى الإثبات [مع] ثلاث أدوات وهي: لم وما وليس، وتفيد ما تفيد من المعاني كالإنكار والتعجب والتوبيخ وغيرها».

[حروف التحضيض وأحكامها وما تختص به]

قال ابن مالك: (فصل؛ حروف التّحضيض: هلّا وألا ولولا، ولو ما، ولا يليهنّ غالبا إلّا فعل ظاهر، أو معمول فعل مضمر مدلول عليه. وقلّ ما يخلو مصحوبها من توبيخ، وإذا خلا منه فقد يغني عنهن «لو» و «ألا» وتدلّ أيضا: لولا ولو ما على امتناع لوجوب فيختصّان بالأسماء، ويقتضيان جوابا كجواب «لو» وقد يلي الفعل لولا غير مفهمة تحضيضا فتؤوّل بـ «لو لم» وتجعل المختصّة بالأسماء والفعل صلة لـ «أن» مقدّرة). قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 1: «التحضيض مبالغة في الحضّ على الشيء وهو طلبه والحثّ على فعله، وحروفه: هلّا وألا ولولا، ولو ما، فيدخلن على الفعل للتوبيخ في ضمن التقديم إن كان ماضيا، وفي ضمن التقاضي إن كان مستقبلا، وكأنهن مأخوذات من «هل» المنقولة إلى التمني في نحو قوله عز وجل: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ 2 مبدلة هاؤها همزة على لغة، ومن «لو» المنقولة إلى التمني أيضا في نحو: لو تأتيني فتحدثني - بالنصب - لما فيها من تقدير غير الواقع واقعا، ثم ركبت مع «ما» و «لا» المزيدتين، تنبيها على نقلها إلى التحضيض، فإذا قلت: هلّا فعلت فكأنك قلت: ليتك فعلت، متولدا منه معنى التنديم، أو قلت: هلّا تفعل فكأنك قلت: ليتك تفعل، متولدا [5/ 193] منه معنى التقاضي والحث. ولحروف التحضيض صدر الكلام، وهي مختصة بالأفعال فيليها في الغالب فعل ظاهر متصل، نحو: هلّا تضرب زيدا، أو منفصل بمعموله نحو: هلّا زيدا ضربت، وإما معمول فعل مضمر على شريطة التفسير كقولك: هلّا زيدا ضربته، أو مدلول عليه بمذكور قبل، كقول الشاعر: 4129 - تعدّون عقر النيب أفضل مجدكم... بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا 3

................................  المعنى: لولا تعدون عقر الكمي، فحذف الفعل والمضاف وأقام المضاف إليه مقامه، اعتمادا على دلالة أول الكلام.
وقد يلي حروف التحضيض جملة اسمية، كقول الشاعر: 4130 - ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة... إليّ فهلّا نفس ليلى شفيعها 1 وهو شاذ نادر، ويمكن تخريجه على إضمار «كان» الشأنية وجعل الجملة المذكورة خبرها، والتقدير: فهلّا كان الأمر أو الشأن نفس ليلى شفيعها.
وتخلو الحروف المذكورة عن التوبيخ، فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض، كما في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ 2 وقوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ 3 ويجوز أن تغني عنهن حينئذ «لو» المنقولة إلى التمني كما تقدم، في نحو: لو تأتيني فتحدثني، و «ألا» المخففة كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا.
وتدلّ أيضا «لولا» و «لو ما» على امتناع الشيء لوجود غيره فيختصان بالأسماء ويقتضيان جوابا كجواب «لو» فيكون فعلا مجزوما بلم أو ماضيا منفيّا بما، أو مثبتا مقرونا في الغالب بلام مفتوحة.
وقد يلي الفعل «لولا» غير مفهمة تحضيضا، كقوله: 4131 - لا درّ درّك إنّي قد رميتهم... لولا حددت ولا عذرى لمحدود 4 والوجه الثاني فيه: أن تكون «لو» هي التي تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره - - الكمي، فحذف الفعل والمضاف وأقام المضاف إليه مقامه لدلالة أول الكلام عليه.
والبيت في الكامل (1/ 163) والخصائص (2/ 45) وأمالي الشجري (1/ 279)، وابن يعيش (2/ 38)، (8/ 144).

................................  و «لا» بعدها حرف نفي مع الماضي بمعنى: لم يفعل، كقول الراجز: 4132 - وأيّ شيء سيّئ لا فعله 1 أي: لم يفعله، والتقدير: لو لم أحدّ لرميت، ويجوز أن تكون هي التي لامتناع الشيء لوجود غيره، وقد وليها الفعل على أنه صلة لـ «أن» مضمرة والمعنى: لولا أن حددت لرميت 2 انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال والده في شرح الكافية 3: للولا ولو ما استعمالان: أحدهما: يدلان فيه على امتناع شيء لثبوت غيره، ويقتضيان حينئذ مبتدأ ملتزما حذف خبره، وجوابا مصدرا بفعل ماض لفظا ومعنى، أو بمضارع مجزوم بلم، ويقترن الأول إن كان مثبتا بلام مفتوحة، كقوله تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ 4 وإن كان منفيّا لم يقترن باللام، كقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ 5 ومنه قول الأنصاري رضي الله تعالى عنه: 4133 - والله لولا الله ما اهتدينا... ولا تصدّقنا ولا صلّينا 6 وقد يقترن بها المنفي بـ «ما»، كقول الشاعر: 4134 - لولا رجاء لقاء الظّاعنين لما... أبقت نواهم لنا روحا ولا جسدا 7 وقد يخلو منها المثبت، كقول الآخر: -

................................  4135 - وكم موطن لولاي طحت كما هوى... بأجرامه من قنّة النّيق منهوي 1 وإذا دل دليل على جواب لولا ولو ما حذف كما فعل بجواب «إن» فمن ذلك قول الله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ 2. ويدلان على التحضيض فيختصان بالأفعال، كقوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ 3 ولَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ 4 ويشاركهما في التحضيض: هلّا وألا، وقد يلي حرف التحضيض اسم معمل فيه فعل متأخر أو محذوف لدليل، كقول الشاعر: 4136 - ألان بعد لجاجتي تلحونني... هلّا التّقدّم والقلوب صحاح 5 وكقول الآخر: 4137 - أتيت بعبد الله في القدّ موثقا... فهلّا سعيدا ذا الخيانة والغدر 6 وكقول الآخر: -

................................  4138 - تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم... بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا 1 وربما ولي حرف التحضيض مبتدأ وخبر كقوله: 4139 - ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة... إليّ فهلّا نفس ليلى شفيعها (2) والأجود أن ينوي بعد «هلا» كان الشأنية ويجعل «نفس ليلى شفيعها» خبرا.
وألحق بحروف التحضيض في الاختصاص بالفعل «ألا» المقصود بها العرض نحو: ألا تزورنا، وهي مركبة من «لا» و «الهمزة»، وأما «ألا» المستفتح بها فغير مركبة ولا مختصة، بل جائز أن يرد بعدها جملة اسمية نحو: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ 2 وجملة فعلية نحو: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً 3 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 4. وإنما أوردته لما فيه من الزيادة التي لم يتضمنها كلام ولده، وليعلم أن قول بدر الدين: «فيدخلن على الفعل للتوبيخ» إلى قوله: «ومن لو المنقولة إلى التمني أيضا» هو شيء قد اتبع فيه طريقة أصحاب «علم المعاني» وأنا أذكر ما قالوه تفصيلا؛ لينكشف معنى ما ذكره إجمالا، فأقول: ذكروا أنه قد يستعمل للتمني ما هو موضوع لغيره مجازا، وذكروا لذلك أداتين وهما: «هل» و «لو» وقرروا ذلك بما أذكره؛ فقالوا في «هل»: إنها حرف موضوع للاستفهام، والاستفهام لطلب حصول في الذهن، فإذا قال القائل: هل لي من شفيع؟ في مقام يقطع فيه بعدم الشفيع، تعذّر الحمل على حقيقة الاستفهام؛ لأن حقيقته تقتضي الجهل بالمستفهم عنه؛ لأن الطلب يقتضي أن لا يكون المطلوب حاصلا وقت الطلب، والعلم هنا بأن الشفيع ليس بموجود حاصل، وإذا تعذّر الحمل على حقيقة الاستفهام، حمل على ما يناسب المقام.
والذي يناسب المقام هو التمني.
قالوا: والموجب للعدول عن صيغة التمني إلى صيغة الاستفهام في هذا المقام هو إبراز المتمنّى لكمال العناية به في صورة الممكن، وعليه قوله تعالى حكاية عن الكفار فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا 5. -

................................  وقالوا في «لو» ما ذكره النحاة: وهو أنها تكون للتمني بدليل نصب الفعل [5/ 194] الواقع جوابا لها نحو: لو تأتيني فتحدثني، والفعل إنما ينصب في الجواب إذا كان جوابا لأحد الأمور الثمانية.
والمعنى الذي يناسب «لو» من الثمانية هو التمني؛ لأنه كما يفرض بـ «لو» ما يستحيل وقوعه وهو كون ما لم يقع في الزمن الماضي واقعا في الزمان الماضي، كذلك قد يفرض بصيغة التمني ما يستحيل وقوعه نحو: ليت الشباب يعود، فضمنت «لو» بسبب هذه المناسبة القريبة معنى التمني.
ثم لما قرروا ذلك في «هل» و «لو» قالوا: وكأن الحروف المسماة بحروف التحضيض وهي: هلّا وألا ولولا ولوما مأخوذة منهما، مركبة مع «لا» و «ما» المزيدتين مطلوبا بالتزام التركيب التنبيه على إلزام «هل» و «لو» معنى التمني، فإذا قيل: هلّا أكرمت زيدا وألا - بقلب الهاء همزة - أو لولا أو لوما، كان المعنى: ليتك أكرمت زيدا، فيتولد منه معنى التنديم، وإذا قيل: هلّا تكرم زيدا، أو ألا كان المعنى: ليتك تكرمه، فيتولد منه معنى التحضيض.
وإذ قد تقرر هذا فلنذكر أمورا: منها: أن المصنف قد قال: ولا يليهنّ غالبا إلّا فعل ظاهر أو معمول فعل مضمر.
وقد عرفت من كلام ولده أن معمول الفعل الظاهر يليها أيضا نحو: هلّا زيدا ضربت، لكن قد يقال: يمكن أن يستفاد هذا من كلام المصنف؛ لأنه إذا قال: إن معمول الفعل المضمر يليها ولم يقيد ذلك الفعل بكونه يضمر قبل المعمول أو بعده، علم منه جواز ولائه معمول الفعل الظاهر لها.
ومنها: أن قول المصنف وإذا خلا منه فقد يغني عنهنّ لو وألا - قد شرحه ولده بقوله: «وتخلو الحروف المذكورة عن التوبيخ فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض، كما في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ 1 وقوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ 2 ويجوز أن يغني عنهن حينئذ لو المنقولة إلى التمني كما في: لو تأتيني فتحدثني، وألا المخففة كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا».
ولم أتحقق أولا قوله: «فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض» لأن العرض غير -

................................  التحضيض، والكلام إنما هو في أدوات التحضيض، ولا شك أن التحضيض فيه طلب وحث، وأما العرض فلا طلب فيه، ولا يلزم من كون الأداة واحدة الاتفاق في المعنى، ولذا لم أتحقق ثانيا قوله: «ويجوز أن يغني عنهن حينئذ لو المنقولة إلى التمني، كما في: لو تأتيني فتحدثني وألا المخففة كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا»، ولا قول والده: فقد يغني عنهنّ لو وألا لأن معنى قوله: «وإذا خلا منه»: أن مصحوب أدوات التحضيض إذا خلا من توبيخ أنّ «لو» و «ألا» قد يغنيان عنه حينئذ، ولا شك أنه إذا لم يكن توبيخ، تعيّن أن يكون ما بعد الأداة مطلوبا، فيلزم أن يكون الكلام فيه دلالة على الطلب، و «لو» التي يستفاد منها التمني، كقولك: لو تأتيني فتحدثني لا تقتضي طلبا من المخاطب، ولم أفهم كون: ألا تنزل فتصيب خيرا، يفهم منه التحضيض، لأن التحضيض فيه طلب، والعرض لا طلب فيه، هذا هو الذي أفهمه، وقد قيل: إن بينهما فرقا وهو أن التحضيض طلب بحثّ وإزعاج، والعرض طلب بلين وتأدّب، وللمنازعة في ذلك مجال، وقد يعرض الإنسان أمرا على آخر مجاملة وتوددا في الظاهر وهو في نفس الأمر غير مجلب له، وليس بين الطلب والعرض ملازمة في الذهن ولا في الخارج.
وأقول: إن كلام المصنف في هذا الموضع غير ناصع من جهتين: إحداهما: قوله: وقلّ ما يخلو مصحوبها من توبيخ؛ لأن هذا يعطي أن الحكم المذكور لها على الإطلاق وليس كذلك؛ لأن مصحوبها يكون ماضيا، ويكون مضارعا، ولا شك أن التوبيخ إنما يتصور إذا كان الفعل ماضيا، أما إذا كان الفعل مضارعا فلا، والحق أنها إذا صحبت الماضي كانت للتوبيخ، وإذا صحبت المضارع كانت للتحضيض، وكلام بدر الدين مصرح بذلك فإنه قال: «فإذا قلت: هلّا فعلت، فكأنك قلت: ليتك فعلت، متولدا منه معنى التنديم، أو قلت: هلّا تفعل، فكأنك قلت: ليتك تفعل متولدا منه معنى التقاضي والحثّ» نعم، قد يقصد المتكلم بالأداة إذا وليها الفعل الماضي - التحضيض دون توبيخ، فلو قال المصنف: وقل ما يخلو مصحوبها من توبيخ إذا وليها الماضي، لكان الواجب.
الجهة الثانية: قوله: وإذا خلا منه فقد يغني عنهنّ لو وألا.
وقد تقدم الكلام على ذلك بما فيه غنية.
-

................................  ومنها: أن الشيخ قال 1: «إن قول المصنف في لولا ولوما الامتناعيتين: فيختصان بالأسماء، إنه ليس جيدا، لأن ذلك يوهم أنهما كالحروف المختصة بالأسماء نحو حروف الجر، وليس كذلك، إنما يدخلان على الجمل، لكن تلك الجمل تكون اسمية» انتهى.
والجواب 2: أن هذا الوهم يدفعه قوله: ويقتضيان جوابا كجواب لو، لأن الجواب لا يكون عن مفرد إنما يكون عن كلام، فلزم من هذا أن الذي يلي هذين الحرفين يتعيّن فيه أن يكون جملة وهذا أمر ظاهر.
ثم شرع الشيخ في ذكر المذاهب في الاسم المرفوع بعد «لولا» وذكر أنها ثلاثة 3:

  • مذهب سيبويه والبصريين أنه مبتدأ 4.
  • ومذهب الفراء أنه مرفوع بـ «لولا» نفسها 5.
  • ومذهب الكسائي أنه مرفوع بفعل محذوف 6. وأطال الكلام في ذلك.
    ولا يخفى أن مثل هذا لا ينبغي تسويد الأوراق به، وتضييع الزمان، مع أن ذكر هذه المذاهب ربما تقدّم في باب «المبتدأ» 7. والحق الإضراب عن ذكر المذاهب الضعيفة والأقوال السخيفة، والاشتغال بما هو أهم من ذلك.
    ومنها: أنه قال 8: «ليس عندي ما يختلف [5/ 195] فيه جواب لو وجواب لولا ولوما، إلا أن جواب لولا وجدناه في لسان العرب قد يقرن بـ «قد» نحو قول الشاعر: -

[حديث عن ها ويا وألا وأما]

قال ابن مالك: (فصل؛ «ها» و «يا» حرفا تنبيه، وأكثر استعمال لـ «ها» مع ضمير رفع منفصل أو اسم إشارة، وأكثر ما يلي يا نداء أو أمر أو تمنّ أو تقليل، وقد يعزى التّنبيه إلى «ألا» و «أما» وهما للاستفتاح مطلقا، وكثر «ألا» قبل النداء، و «أما» قبل القسم، وتبدل همزتها هاء أو عينا، وقد تحذف ألفها في الأحوال الثّلاث).
4140 - لولا الأمير ولولا حقّ طاعته... لقد شربت دما أحلى من العسل 1 ولا أحفظ في لو، ذلك، وليس ببعيد أن يسمع ذلك فيها».
قال ناظر الجيش: أما كون «ها» للتنبيه فمعلوم، وقد ذكر أنها تستعمل مع ضمير رفع منفصل أو مع اسم إشارة، أما ضمير الرفع فشرطه أن يكون مخبرا عنه باسم إشارة، كقوله تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ 2، لا يقال: إنها هي الداخلة على اسم الإشارة ولكنها قدمت لأن قوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ 3 يدفع ذلك ودخولها على ضمير مخبر عنه بغير اسم الإشارة، وقد ورد ولكن عدّوه شاذّا، أنشد أحمد بن يحيى 4 وذكر أن الفراء أنشده 5: 4141 - أبا حكم ها أنت عمّ مجالد... وسيّد هذا الأبطح المتناحر 6 قال الشيخ 7: «ومن شروط دخولها على المضمر أن يكون مبتدأ، فلو كان غير مبتدأ لكونه فاعلا أو مفعولا لم يسمّ فاعله لم يجز أن تدخل عليه نحو: ما قام إلا أنا، وما ضرب إلا أنا».
انتهى.
-

................................  ولك أن تقول: استغنى المصنف عن ذكر هذا الشرط بذكر التنبيه، فإن التنبيه إنما يؤتى به أول الكلام ولا يؤتى به عجزه.
وأما استعمالها مع اسم الإشارة فظاهر.
ولا يحتاج اسم الإشارة إلى التقييد بأن لا يكون بعيدا كما ادّعى الشيخ؛ لأن عدم مباشرتها للبعيد قد علم من باب «اسم الإشارة».
قال الشيخ 1 مستدركا على المصنف: «ولنا صورة يجب فيها ذكر «ها» للتنبيه مع اسم الإشارة.
وذلك إذا كان اسم الإشارة صفة لـ «أيّ» في النداء نحو: يا أيّهذا الرجل» انتهى.
واقتصار الشيخ على ما ذكره ليس بجيد، فإنه كما وجب دخولها في: يا أيّهذا الرجل يجب دخولها في: يا أيّها الرجل، وحاصل الأمر: أنه يجب دخولها بين «أيّ» ونعتها كائنا ما كان إذا كانت «أيّ» مناداة.
وأقول: إن المصنف لا استدراك عليه في هذه المسألة؛ لأنه قد ذكر ذلك في أبواب «النداء» فاستغنى بما ذكره ثمّ عن ذكره هنا.
وقد دلّ قول المصنف: وأكثر استعمالها مع كذا أو كذا - على أنه نقل استعمالها مع غير ما ذكر.
ومن ذلك قول زهير: 4142 - تعلّمن ها لعمر الله ذا قسما... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك 2 هكذا أنشد الشيخ 3 هذا البيت شاهدا على دخولها على غير ضمير واسم إشارة، ولقائل أن يقول: إنها داخلة على اسم الإشارة، وفصل بينها وبينه بالقسم الذي هو «لعمر الله» 4. وأما قول المصنف: وأكثر ما يلي يا نداء أو أمر أو تمنّ أو تقليل - فمثال النداء: يا زيد، ومثال الأمر قوله تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ 5 ومنه قول الشاعر: -

................................  4143 - ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال 1 وقول الآخر: 4144 - ألا يا اسقياني قبل ضلّ أبي بكر... لعلّ منايانا أتين ولا ندري 2 وقول الآخر: 4145 - ألا يا اسلمي ذات الدّماليج والعقد... وذات اللّثات الحمّ والفاحم الجعد 3 وقول الآخر: 4146 - ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر 4 وقول الآخر: 4147 - ألا يا اسلمي ثمّ اسلمي ثمّت اسلمي... ثلاث تحيّات وإن لم تكلّم 5 ومثال التمني قوله تعالى: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ 6 ومنه قول القائل: 4148 - يا ليت زوجك قد غدا... متقلّدا سيفا ورمحا 7

................................  قال الشيخ 1: «وينبغي أن يقيد ذلك بلفظ ليت وإلا فـ «لو» تستعمل للتمني، وكذا «ألا»، و «ودّ» ولا يجوز في شيء من هذا إدخال يا عليها» انتهى.
ولك أن تقول: إذا أطلق التمني أو غيره، فإنما يتوجه إلى الأداة التي هي لذلك المعنى بالوضع، ولا شك أن الدال على التمني من الحروف بالوضع إنما هو «ليت»، فلا يكون لغيرها مدخل معها.
ومثال التقليل قول امرئ القيس: 4149 - ويا ربّ يوم قد لهوت وليلة... بآنسة كأنّها خطّ تمثال 2 وقوله أيضا: 4150 - فإن أمس مكروبا فيا ربّ بهمة... كشفت إذا ما اسودّ وجه الجبان 3 ولم يتضح لي قول المصنف: وأكثر ما يلي يا نداء؛ لأن المراد بالنداء: المنادى، وإذا كان الذي ولي «يا» منادى، كانت حرف نداء لا حرف تنبيه.
وقال الشيخ (4): «ويعني في اللفظ وإلا ففي التقدير الذي ولي يا إنما هو فعل النداء» هكذا قال، ولم يظهر لي هذا الذي قاله، فإن «يا» في قولنا: يا زيد تتعين أن تكون للنداء ولا يجوز كونها للتنبيه، وإذا كانت للنداء فإنما يليها المنادى وهي قائمة مقام الفعل العامل فيه، فكيف يكون الذي ولي «يا» إنما هو فعل النداء؟ وأما قول المصنف وقد يعزى التّنبيه إلى ألا وأما إلى آخره، فقال الشيخ 4: «في قوله: وقد يعزى، إشعار بالقلة» يعني أن الأكثر أن يكونا للاستفتاح مطلقا سواء أقصد مع ذلك تنبيه أم لم يقصد.
- - والبيت في معاني الفراء (3/ 123، 208) والكامل (1/ 196، 403) والمقتضب (2/ 50) والخصائص (2/ 431) وأمالي الشجري (2/ 321).

................................  ومثال مجيء «ألا» قبل النداء قول الشاعر: 4151 - ألا يا قيس والضّحّاك سيرا... فقد جاوزتما خمر الطّريق 1 وقول الآخر: 4152 - ألا يا عباد الله قلبي متيّم... بأحسن من صلّى وأقبحهم فعلا يدبّ على أحشائها كلّ ليلة... دبيب القرنبى بات يعلو ندى سهلا 2 ويجوز إبدال همزة «ألا» هاء فتقول: هلا وقد قرأ بعضهم 3 ألا يسجدوا لله 4 ذكره الزمخشري 5. ومثال مجيء «أما» قبل القسم قول الشاعر: 4153 - أما ودماء لا تزال مراقة... على قنّة العزّى وبالنّسر عند ما 6 ومثال إبدال [5/ 196] همزتها هاء أو عينا: هما والله لقد كان كذا، وعما والله لقد كان كذا ومراده بالأحوال الثلاث في قوله: وقد تحذف ألفها: حال إقرار الهمزة، وحال إبدالها هاء، وحال إبدالها عينا، فيقال: أم وهم وعم.

[حروف الجواب: سردها وأحكامها]

قال ابن مالك: (فصل؛ من حروف الجواب نعم، وكسر عينها لغة كنانيّة، وقد تبدل حاء، وحاء حتّى عينا، وهي لتصديق مخبر، أو إعلام مستخبر، أو وعد طالب وإي بمعناها مختصّة بالقسم، وإن وليها «الله» حذفت ياؤها، أو فتحت، أو سكّنت، وأجل لتصديق الخبر، وبلى لإثبات نفي مجرّد أو مقرون باستفهام، وقد توافقها نعم بعد المقرون).
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الفصل على ذكر كلمات أربع، وهي كلها من حروف الجواب.
الأول: نعم - بفتح العين - وكسرها لغة وبها قرأ الكسائي 1، وقد ذكر المصنف أن الكسر لغة كنانية، وذكر عن الكسائي أنه قال: إن أشياخ قريش أيضا يتكلمون بها مكسورة، وأما إبدال عينها «حاء» فلطلب الخفة؛ لأن الحاء أخف لقربها إلى حروف الفم، وأما إبدال «حاء» حتّى عينا فقد تقدم ذكره في باب «حروف الجر»، وأنها لغة هذيلية.
ثم إن «نعم» كما قال المصنف، إما لتصديق مخبر، أو إعلام مستخبر، أو وعد لطالب.
فمثال الأول: أن يقال: جاء زيد أو ما جاء زيد، فيقال: نعم.
ومثال الثاني: أن يقال: هل جاء زيد؟ فيقال: نعم.
ومثال الثالث: أن يقال: اضرب زيدا أو لا تضرب زيدا، فيقال: نعم.
ولم يذكر سيبويه الإعلام، وإنما قال 2: «أما نعم فعدة وتصديق، وأما بلى فيوجب بها بعد النفي»، وفسّر كلامه بأنها عدة في المستقبل، نحو: أتفعل؟ وتصديق في الماضي سواء أكانت بعد موجب، نحو: قد قام زيد، أو سؤال عنه نحو: أكان كذا؟ أو نفي نحو: ما قام زيد، أو سؤال عنه نحو: أما قام زيد؟ فتصديق هذا كله بـ «نعم»، ففي الموجب والسؤال عنه تصديق للثبوت، وفي -

................................  النفي والسؤال عنه تصديق للنفي، هكذا ذكروا، ولم أتحقق أنها تكون بعد السؤال للتصديق؛ لأن الذي يقبل التصديق إنما هو الخبر لا الإنشاء، وقد قيل 1: إن سيبويه كأنه رأى أنه إذا قيل: هل قام زيد؟ فقيل: نعم، فهو لتصديق ما بعد الاستفهام، ولم أتحقق هذا القول، ولا شك أنها في مثل ذلك للإعلام، فالحق ما ذكره المصنف أنها: إما لتصديق مخبر أو إعلام مستخبر أو وعد طالب.
وأما «بلى» فقد قال المصنف: إنها لإثبات نفي مجرد أو مقرون باستفهام، فإذا قال القائل: ما قام زيد وأردت تصديقه قلت: نعم، أو أردت تكذيبه قلت: بلى، وكذلك أيضا تثبت النفي المقرون بأداة الاستفهام فإذا قال القائل: أليس زيد بعالم؟ وأردت تصديقه، قلت: نعم؛ أو أردت تكذيبه، قلت: بلى، ولو قال المصنف «وبلى لإثبات منفي» كان أولى من قوله: لإثبات نفي؛ لأنه قد يفهم منه أن المراد: إثبات النفي نفسه وليس كذلك.
ثم إنهم قالوا: وسواء أردت الاستفهام عن حقيقة النفي، أو أردت التقرير وإن كان معناه الإيجاب، قالوا: لأن العرب تجريه في باب الجواب مجرى النفي المحض.
والدليل على ذلك قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى 2 ومن ثمّ قال ابن عباس رضي الله عنهما ولو قالوا: نعم في الجواب كفروا 3. ملخص ما ذكروه 4: أنه إذا قيل: قام زيد، فتصديقه: نعم، وتكذيبه: «لا»، ويمتنع دخول «بلى» لأنها إنما يجاب بها بعد النفي، وإذا قيل: ما قام زيد، فتصديقه: نعم، وتكذيبه: بلى، قال الله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى 5 ويمتنع دخول «لا» لأنها لنفي الإثبات لا لنفي النفي، وإذا قيل: أقام زيد؟ فهو مثل: قام زيد، فتقول: نعم، إن أثبتّ القيام، وتقول: لا، إن نفيته، ويمتنع دخول «بلى» لما عرفت، وإذا قيل: ألم يقم زيد؟ فهو مثل: لم يقم زيد، فتقول: بلى إن أثبت القيام، ويمتنع دخول «لا»، وتقول: نعم إن نفيته.
فالحاصل: أن «بلى» لا تأتي إلا بعد نفي، وأن «لا» لا تأتي إلا بعد إيجاب، -

................................  وأن «نعم» تأتي بعدهما، واعلم أن ابن عصفور قد أجاز وقوع «نعم» في جواب النفي المصاحب لأداة الاستفهام المراد به إيجاب النفي معللا ذلك بأن: التقرير إيجاب في المعنى، وأنا أورد كلامه في ذلك بجملته، قال في المقرب 1: فنعم تكون عدة في جواب الاستفهام والأمر، وتكون تصديقا للخبر نحو قولك لمن قال: قام زيد، وما قام زيد: نعم، تصدقه في إثبات القيام لزيد أو نفيه عنه، وبلى تكون جوابا للنفي خاصة إلا أن معناها أبدا إيجاب المنفي مقرونا كان النفي بأداة الاستفهام أو غير مقرون بها، نحو قولك في جواب من قال: ما قام زيد، وألم يقم عمرو؟: بلى قد قام، ولو قلت: نعم، كنت محققا للنفي كأنك قلت: نعم لم يقم، وقد تقع نعم في جواب النفي المصاحب لأداة الاستفهام والمراد به إيجاب المنفي إذا أمن اللبس، وذلك بالنظر إلى المعنى؛ لأن التقرير في المعنى إيجاب، ألا ترى أنك إذا قلت: ألم يقم زيد؟ فإنما تريد أن تثبت للمخاطب قيام زيد، ومن ذلك قوله: 4154 - أليس اللّيل يجمع أمّ عمرو... وإيّانا فذاك بنا تداني نعم وترى الهلال كما أراه... ويعلوها النّهار كما علاني 2 انتهى.
والذي ذكره من أن التقرير في المعنى إيجاب فيجوز أن يجاب الكلام الذي يتضمنه بكلمة «بلى» هو الظاهر، ومما يدل على ذلك أيضا قول [5/ 197] الأنصار للنبي صلّى الله عليه وسلّم وقد قال لهم: «ألستم ترون لهم ذلك؟» نعم 3، غير أن قوله: إن نعم تكون عدة في جواب الاستفهام، غير ظاهر.
وقد تكلم الشيخ بهاء الدين بن النحاس - رحمه الله تعالى - على هذا الموضع، فقال 4: -

................................  «إن نعم في جواب الطلب عدة، كقولك: نعم لمن قال: أعط زيدا درهما، قال: وأما في الاستفهام ففي قول المصنف 1: إنها عدة، نظر، فإنها في الاستفهام قد تكون عدة، وقد تكون تصديقا، فمثال كونها عدة قولك: نعم، في جواب من قال: هل تعطيني درهما؟ فها هنا في عدة، وأما إذا قال: هل قام زيد، وألم يقم زيد؟ لا بمعنى التقرير فقلت في جوابه: نعم، فهي هنا لتصديق ما قبلها من إيجاب أو نفي كحاله إذا لم تصحب الاستفهام» انتهى.
وما قاله ابن عصفور من أن نعم تكون عدة في جواب الاستفهام، غير ظاهر، وكذا تفصيل الشيخ بهاء الدين وجعله إياها عدة في جواب: هل تعطيني؟ وتصديقا في جواب: هل قام زيد؟ غير ظاهر أيضا، والذي يظهر أنها للإعلام في المثالين المذكورين.
والحاصل: أن الواقعة في جواب الاستفهام مطلقا تكون للإعلام، هذا هو الظاهر.
ثم قال الشيخ بهاء الدين: «والفرق بينها وبين بلى ما ذكره المصنف - يعني ابن عصفور - من أن نعم تصديق للخبر إيجابا كان أو نفيا، وبلى توجب النفي نحو قولك لمن قال: لم يقم زيد أو ألم يقم زيد؟ ولم ترد به التقرير إذا أردت أن القيام قد حصل».
انتهى 2، وقد أفهم كلامه أن بلى لا تكون جوابا لقولنا: ألم يقم زيد؟ إلا إذا لم يرد التقرير، لكنه أردف كلامه المتقدم بأن قال: «ولذلك أجابوا قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى 3، قال العلماء: لو قالوا عوض بلى: نعم كفروا من حيث كانوا مصدقين النفي».
انتهى.
فلم يتطابق لي كلامه ثانيا مع كلامه أولا؛ لأن التقرير مراد في الآية الشريفة قطعا، وهو قد شرط أن «بلى» إنما تكون جوابا للنفي إذا لم ترد به التقرير، لكنه قال 4 بعد ذلك شارحا لقول ابن عصفور: «وقد تقع نعم في جواب النفي» إلى آخره: «حرف الاستفهام إذا دخل على النفي يدخل بأحد معنيين: إما أن يكون الاستفهام عن النفي هل وجد أو لا؟ فيبقى النفي على ما كان عليه، أو للتقرير -

................................  كقولك: ألم أحسن إليك؟ وكقوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى 1 فإن كان بالمعنى الأول لم يجز دخول نعم في جوابه إذا أردت إيجابه، بل تدخل حينئذ بلى، وإن كان بالمعنى الثاني وهو التقرير، فللكلام حينئذ لفظ ومعنى، فلفظه نفي دخل عليه الاستفهام ومعناه الإثبات، فبالنظر إلى لفظه يجيبه ببلى وبالنظر إلى معناه وهو كونه إثباتا يجيبه بنعم، قال 2: وهذا مراد ابن عصفور بقوله: وذلك بالنظر إلى المعنى إذا أمن اللبس، أي: إذا علم أن المراد بالكلام التقرير لا الاستفهام عن النفي، قال: والذي يقرر عندك أن معنى التقرير الإثبات، قول ابن السراج 3: فإذا أدخلت على ليس ألف الاستفهام كانت تقريرا ودخلها معنى الإيجاب فلم يجئ معها أحد، لأن أحدا إنما يجيء مع حقيقة النفي، لا تقول: أليس أحد في الدار؟ لأن المعنى يؤول إلى قولك: أحد في الدار، وأحد لا تستعمل في الواجب، وكذلك لا يجوز أن تجيء إلا مع التقرير، لا تقول: أليس زيد إلا فيها؟ لأن المعنى يؤول إلى قولك: زيد إلا فيها وذا لا يكون كلاما».
انتهى 4. وهو كلام حسن وقد خلا الإشكال، وحقق قوله أولا: وبلى يوجب النفي نحو قولك لمن قال: لم يقم زيد أو ألم يقم زيد؟ ولم ترد به التقرير إذا أردت أن القيام قد حصل.
ولكن قد قال ابن عصفور في غير المقرّب» 5: «أجرت العرب التقرير في الجواب مجرى النفي المحض وإن كان إيجابا في المعنى، فإذا قيل: ألم أعطك درهما؟ قيل في تصديقه: نعم، وفي تكذيبه: بلى، وذلك لأن المقرر قد يوافقك فيما تدعيه وقد يخالفك، فإذا قال: نعم، لم يعلم هل أراد: نعم لم يعطني على اللفظ، أو نعم أعطيتني على المعنى.
فلذلك أجابوا لى اللف ولم يلتفتوا إلى المعنى» انتهى.
لا يخفى ضعف هذا التعليل الذي ذكه، وقد خالف كلمه هنا كلامه في «المقرّب» ولذي في «المقرب» هو الذي يقتضيه النظر، وقد تقدمت الإشارة إلى أنه هو الظاهر.
-

جارٍ التحميل