تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 3525-3564

الباب الثامن والأربعون باب النّداء

صفحات 3525-3564

1 [بعض أحكامه من جر وحذف الحرف]

قال ابن مالك: (المنادى منصوب لفظا أو تقديرا بأنادي، لازم الإضمار، استغناء بظهور معناه مع قصد الانتفاء وكثرة الاستعمال، وجعلهم كعوض منه في القرب همزة، وفي البعد حقيقة أو حكما «يا»، أو «أيا»، أو «هيا»، أو «آ»، أو «أي» أو «آي»، ولا يلزم الحرف إلا مع الله، والضّمير، والمستغاث، والمتعجّب منه، والمندوب، ويقلّ حذفه مع اسم الإشارة واسم الجنس المبنى للنّداء.
وقد يحذف المنادى قبل الأمر والدّعاء فتلزم «يا»، وإن وليها «ليت» أو «ربّ» أو «حبّذا» فهي [للتنبيه]، لا للنّداء.
وقد يعمل عامل المنادى في المصدر والظّرف والحال.
وقد يفصل حرف النّداء بأمر).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: المنادى مفعول في المعنى؛ لأنه مدعو فيستحق النصب لفظا إن كان معربا قابلا لحركة الإعراب كيا عبد الله وتقديرا إن كان مبنيّا أو معربا غير قابل لحركة الإعراب كيا زيد ويارقاش ويافتى ويا أخي.
وناصبة أنادي لازم الإضمار لظهور معناه مع كثرة الاستعمال وقصد الإنشاء ولجعل العرب أحد الحروف المذكورة كالعوض منه.
وكل واحد من هذه الأسباب كاف في إيجاب لزوم الإضمار ولا سيما قصد الإنشاء فإن الاهتمام به في غاية الوكادة؛ لأن إظهار أنادي يوهم أن المتكلم مخبر بأنه سيوقع نداء والغرض علم السامع بأنه منشئ له والإضمار معين على ذلك فكان واجبا مع كون الحرف كالعوض منه، فلم يجمع بينهما كما لم يجمع بين العوض المحض والمعوض منه نحو: ما وكان في: -

................................  ما أنت ذا نفر ونحوها، وواو القسم في ها الله.
وكون الهمزة للقريب وما سواها للبعيد هو الصحيح، لأن سيبويه أخبر بذلك رواية عن العرب 1. ومن زعم أن أي كالهمزة [4/ 179] في الاختصاص بالقرب لم يعتمد في ذلك إلّا على رأيه، والرواية لا تعارض بالرأي.
وصاحب هذا الرأي هو المبرد وتبعه كثير من المتأخرين 2. ولم يذكر مع حروف النداء آا وآي بالمد إلا الكوفيون رووهما عن عرب يثقون بعربيتهم ورواية العدل مقبولة.
ولا يجوز حذف حرف النداء إن كان المنادى الله أو ضميرا أو مستغاثا أو متعجبا منه أو مندوبا نحو يا الله، ويا إياك، ويا لزيد، ويا للماء، ويا زيداه، فإن كان غير هذه الخمسة جاز الحذف إلا أن جوازه يقل مع اسم الإشارة واسم الجنس المبني للنداء، ومن شواهد الحذف مع اسم الإشارة قول ذي الرمة: 3376 - إذا هملت عيني لها قال صاحبي... بمثلك هذا لوعة وغرام 3 أراد بمثلك يا هذا، ومنها قول رجل من طيئ: 3377 - إنّ الألى وصفوا قومي لهم فبهم... هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا 4 ومنها قوله: 3378 - ذي دعي اللّوم في العطّاء فإنّ ال... لوم يغري الكريم بالإجزال 5 ومنها قوله: 3379 - لا يغرّنّكم ألاء من القو... م جنوح للسّلم فهو خداع 6 ومن شواهد الحذف مع اسم الجنس المبني للنداء قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اشتدّي أزمة تنفرجي» 7 وقوله صلّى الله عليه وسلّم - مترجما عن موسى عليه السّلام -: «ثوبي حجر، ثوبي -

................................  حجر» 1 أراد: يا أزمة ويا حجر فحذف وكلامه من أفصح الكلام.
ومن نداء الضمير ما ذكر أبو عبيدة من أن الأحوض اليربوعي وفد مع أبيه على معاوية 2 رحمه الله تعالى فخطب فوثب أبوه ليخطب فكفّه وقال: يا إيّاك قد كفيتك 3. وأنشد أبو زيد: 3380 - يا أبجر بن أبجر يا أنتا... أنت الّذي طلقت عام جعتا 4 فقول الأحوص: يا إياك جار على القياس؛ لأن المنادى مفعول محذوف العامل وما كان كذلك وجيء به ضميرا وجب أن يكون أحد الضمائر الموضوعة للنصب كقوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ 5 وكقول الشاعر: 3381 - إيّاك خلتك لي ردءا فكنت لهم... علّي في ما أرادوا بي من الضّرر 6 وأما يا أنت فشاذ، لأن الموضع موضع نصب وأنت ضمير رفع فحقه أن لا يجوز كما لا يجوز في إياك والأسد: أنت والأسد لكن العرب قد تجعل بعض الضمائر نائبا بمن غيره كقولهم: رأيتك أنت بمعنى: رأيتك إياك فناب ضمير الرفع عن ضمير النصب وعكسه قراءة الحسن - رضي الله تعالى عنه - (إيّاك يعبد) 7 بنيابة ضمير النصب عن ضمير الرفع؛ فلذلك قالوا: يا أنت والأصل يا إياك لما ذكرت لك ولأن الموضع موضع اطراد في الواقع فيه إذا كان مفردا معرفة كونه على صورة مرفوع فحسن أن يخلفه ضمير الرفع كما حسن أن يكون تابعه مرفوعا.
وكان حق المنادى أن يمنع حذفه لأن عامله قد حذف لزوما فأشبه الأشياء التي حذف عاملها وصارت - - الدرر (1/ 149)، والهمع (1/ 174).

................................  هي بدلا من اللفظ به كما قال في التحذير: وكسقيا له في الدعاء، إلا أن العرب أجازت حذف المنادى والتزمت في حذفه بقاء «يا» دليلا عليه، وكون ما بعده أمرا أو دعاء لأن الآمر والداعي يحتاجان إلى توكيد اسم المأمور والمدعو بتقديمه على الأمر والدعاء، فاستعمل النداء قبلهما كثيرا حتى صار الموضع منبها على المنادى إذا حذف وبقيت «يا» فحسن حذفه لذلك.
فمن ثبوته قبل الأمر قوله تعالى: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ 1 ويا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ 2 ويا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ 3 ويا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا 4 ويا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ 5 ومن ثبوته قبل الدعاء يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ 6 ويا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا 7 ويا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ 8 ومنه قول الراجز: 3382 - يا ربّ هب لي من لدّنك مغفرة... تمحو خطاياي وأكفي المعذرة 9 ومن حذفه قبل الأمر قوله تعالى في قراءة الكسائي ألا يا اسجدوا 10 أراد ألا يا هؤلاء اسجدوا، ومن حذفه قبل الدعاء قول الشاعر: 3383 - يا لعنة الله والأقوام كلّهم... والصّالحين على سمعان من جار 11 ومثله: 3384 - ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر 12 ومثله: -

................................  3385 - ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني... كريم على حين الكرام قليل وأنّي لأخزى إذا قيل مملّق... سخيّ وأخزى أن يقال بخيل 1 وليس من ذلك قولهم: يا ليت ويا ربّ ويا حبذا؛ لأن قولي يا أحد هذه الثلاثة قد يكون وحده فلا يكون معه منادى ثابت ولا محذوف كقول مريم عليها السّلام: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا 2 ولأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان موضع ادعاء الحذف مستعملا فيه الثبوت، كحذف المنادى قبل الأمر والدعاء، فإنه جاز لكثرة ثبوته بخلاف ما قبل الكلم المذكور، فإن ثبوت المنادى فيه غير معهود فادعاء الحذف فيه مردود ولكن يا فيه لمجرد التنبيه والاستفتاح مثل ألا.
وقد يجمع بينهما توكيدا في نداء وغير نداء.
فاجتماعهما في النداء كقول الشاعر: 3386 - ألا يابن الّذين فنوا وبادوا... أما والله ما ذهبوا لتبقى 3 واجتماعهما في غير النداء كقول الآخر: 3387 - ألا يا ليت أيّاما تولّت... يكون إلى إعادتها سبيل 4 وقد يعمل عمل المنادى في مصدر كقول الشاعر: 3388 - يا هند دعوة صبّ هائم دنف... منّى بوصل وإلّا مات [أو] كربا 5 وفي ظرف كقوله: 3389 - يا دار بين النّقا والجزع ما صنعت... يد النّوى بالألى كانوا أهاليك 6 وفي حال كقوله: 3390 - يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته... كم قد بدلت لمن وافاك أفراحا 7 وقد يفصل بأمر المنادى بينه وبين النداء كقول جذامة بنت خالد [4/ 180] النخعية تخاطب ابنتها لطيفة 8: -

................................  3391 - ألا يا فابك شوالا لطيفا... وأجري الدّمع تسكابا وكيفا 1 أرادت يا لطيفة فرخمت وفصلت بفعل الأمر 2. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.
وليعلم أن النداء مصدر نادى والكثير كسر نونه قالوا: ويجوز ضمها لأنه صوت وهمزته منقلبة من حرف العلة، كهمزة رداء وأصلها الواو.
ومن ندوت القوم ندوا: دعوتهم.
والنداء رفع الصوت للمنادى ليقبل عليك، وأورد على ذلك أنهم قد نادوا الديار.
وأجيب بأنهم أرادوا بذلك تنبيه أنفسهم على تذكّر أحوالهم في تلك الديار وجعلوها من الأشياء التي تخاطب فأجروا عليها حكم المخاطبين وعليه جاء: 3392 - [شربت بها والدّيك يدعو صباحه]... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا 3 لما وصفهم بالدنو والتصوب جمعهم جمع من يعقل، فكذا لمّا خاطبوا الديار أجروا عليها حكم من يعقل فنادوها.
وبعد هذا: فأنا أشير إلى أمور: منها: أن المنادى هو المطلوب إقباله بـ «يا» أو ما قام مقامها لفظا أو تقديرا.
واختلف فيه، والذي عليه الجمهور أنه مفعول.
وقال السيرافي: إنه لشبه بالمفعول به، وقرر ذلك بما لا طائل تحته مع اعترافه أن «يا» حرف 4، وردّ قوله بأنه مؤدّ إلى أن يستقل الحرف والاسم كلاما.
ومنها: أنهم اختلفوا في النداء هل خبر أو إنشاء.
والحق أنه ليس بخبر لأنه يحتمل الصدق والكذب.
وقد قيل إنه خبر؛ لأنه يحتمل الصدق والكذب بدليل أنه لو قال رجل لآخر: يا زاني عدّ قاذفا، ولو لم يحتمل الصدق والكذب لما كان خبرا، ولو لم يكن خبرا لما عدّ قاذفا.
وأجيب بأنه إنما عدّ قاذفا لأجل أن النداء بالمشتق وفيه معنى -

................................  الصفة ولولا الاشتقاق لما عد قاذفا.
ولا شك أنه إذا كان بغير مشتق لا يحتمل الصدق والكذب، وكذا الفعل المقدر هو إنشاء وليس بخبر لأنه الدال عليه ليس بخبر وهو يا زيد فالنداء والفعل المحذوف متطابقان في عدم الخبرية.
ثم إنك قد علمت من كلام المصنف العلة لوجوب حذف الفعل ما هي.
ومنها: أن بعضهم ذهب إلى أن حرف النداء هو العامل في المنادى النصب لأنه ناب عن الفعل فعمل.
قال: ولذا جازت إمالته وتعلق به حرف الجر في نحو: يا لزيد، وأجيب عن ذلك أما الإمالة فمسلم أنها للنيابة عن الفعل أما في العمل فلا، ومثله إمالة بلى لما جاز حذف الفعل بعدها في الجواب أمالوها وإن لم تكن عاملة بالإجماع.
وأما حرف الجر فلا نسلم تعلقه بيا بل بالفعل المحذوف ولأن المنادى ينصب مع حذف حرف النداء، ولو كان الحرف هو الناصب لم يجز حذفه والنصب يغير عوض؛ لأن الحرف ضعيف فلا يعمل محذوفا من غير عوض بخلاف الفعل وقيل: حرف النداء اسم فعل وليس بشيء لأنه لو كان للزم أن يكون فيه ضمير ولو كان لجاز تأكيده كالضمير في أسماء الأفعال وفي عدم ذلك دليل على عدم كونه اسم فعل 1. ومنها: أن الشيخ قال: «الذي يظهر من استقراء كلام العرب أن «يا» أعم الحروف وأنها تستعمل للقريب والبعيد مطلقا» لكن قد عرفت أن سيبويه يرى خلاف ذلك 2 وقد قال هو - أعني الشيخ - إن سيبويه روى عن العرب أن الهمزة للقريب وما سواها للبعيد.
وشاهد النداء بالهمزة قول الشاعر: 3393 - أزيد أخا ورقاء إن كنت ثائرا... فقد عرضت أحناء حقّ فخاصم 3 وشاهد النداء بأيا قول الشاعر: 3394 - أيا ظبية الوعساء بين جلاجل... وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم 4 وشاهد النداء بهيا قول الآخر: -

................................  3395 - هيا أمّ عمرو هل لي اليوم عندكم... بعينه أبصار الوشاة سبيل 1 وشاهد النداء بأي قول الآخر: 3396 - ألم تسمعي أي عبد في رونق الضّحى... بكاء حمامات لهنّ هدير 2 وذكر ابن عصفور أن النداء بما عدا يا، ووا من الحروف المذكورة إنما يجيء في الشعر، ويقل استعمالها في الكلام 3. ومنها: أن كلام المصنف يعطي أن نداء المضمر جائز على الإطلاق.
والجماعة لا يرون ذلك وابن عصفور يشعر كلامه بالمنع أو بأن ذلك لا يجوز إلّا في الضرورة 4 فإنه قال: «الأسماء كلها تنادى إلّا المضمرات.
أما ضمير الغيبة وضمير المتكلم فهما مناقضان لحرف النداء؛ لأن حرف النداء يقتضي الخطاب ولم يجمع بين حرف النداء وضمير الخطاب؛ لأن أحدهما يغني عن الآخر فلم يجمع بينهما إلّا في الشعر كقوله: 3397 - يا أبجر بن أبجر يا أنتا 5 وفيه خلاف.
فمنهم من جعل «يا» تنبيها وجعل أنت مبتدأ وأنت الثاني في قوله: 3398 -........ أنت الذي طلقت عام جعتا توكيدا أو بدلا أو فصلا.
قال الشيخ: يظهر أن استناد من أجاز ذلك إنما هو إلى هذا البيت وإلى الحكاية الأخوصية إذ لم يذكروا غير ذلك 6 قال: وينبغي أن لا يجعل ذلك قاعدة في جواز نداء المضمر لا بصورة ضمير النصب ولا بصورة ضمير الرفع؛ لأن ذلك لا حجة فيه.
أما البيت فالأمر فيه كذا وكذا، وذكر تخريج ابن عصفور 7. قال: وأما إيّاك قد كفيتك فإن يا فيه حرف تنبيه أيضا وإياك مفعول بفعل محذوف يدل عليه الفعل -

................................  المذكور، التقدير: إياك قد كفيت قد كفيتك، وذلك كما يقدر في قوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ 1 أي وإياي ارهبوا فارهبون وكذا يقدر في قول الشاعر: 3399 - إيّاك خلتك لي ردءا................. إياك خلت ردءا خلتك لي ردءا 2. قال: وهذا تخريج سهل حسن واضح جار على قواعد الصنعة 3. ومنها: أنك قد عرفت أن المصنف أجاز حذف المنادى بقوله: وقد يحذف المنادى قبل الأمر والدعاء فتلزم يا، وأنه قرر ذلك في الشرح [4/ 181] كما تقدم ذكره، فقال الشيخ: هذه مسألة خلاف.
وهل يجوز حذف المنادى أولا 4 قال: والذي يقتضيه النظر إنه لا يجوز ولم يرد بذلك سماع عن العرب فيقبل، بل كل موضع يدعى فيه الحذف وإبقاء الحرف يسوغ أن يجعل الحرف للتنبيه، ولم يكونوا ليحذفوا فعل النداء ثم يحذفون بعده متعلق النداء، وهو المنادى فيكون ذلك إجحافا كثيرا.
والمنادى (في ذلك) 5 كالمنصوبات التي حذف عاملها وجوبا نحو: إياك والشر، وزيدا ضربته، وكليهما وتمرا، وما شاكل ذلك ولا يجوز حذف شيء منها 6 قال: وما ذكره المصنف من الدليل على الحذف تلفيق هذياني (واستقراء لا يسوغ) 7. ثم ما استشهد به لا حجة فيه على حذف المنادى بل «يا» فيه للتنبيه.
أما في الآية الشريفة فيا توكيد لقوله ألا.
وكذا في قول القائل: ألا يا اسلمي، وأما يا لعنة الله فهي للتنبيه كألا.
قال الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ 8 وكذلك في: يا عمرك كأنه قال: ألا عمرك وهي جملة اعتراض بين «ألم تعلمي» و «أنني» 9 انتهى.
وهذا الذي فعله الشيخ يقتضي أن المصنف وحده هو القائل بجواز حذف المنادى والأمر ليس كذلك فقد قال هو إن المسألة خلافية؛ فالرد إن ثبت لا يكون ردّا على -

................................  المصنف وحده بل على القائلين بجواز الحذف أجمعين ثم نسب كلام المصنف إلى الهذيان والتلفيق ولم يبين وجه ذلك.
وغاية ما قال آخرا: إن ما استدل به المصنف يخرج على أن يا فيه للتنبيه وليس ثم نداء.
فيقول المصنف: هذا الاحتمال لا يبطل ما ادعيته.
وقصارى الأمر أن تكون يا في ما ذكرته للتنبيه قول يمكن ثبوته ويمكن دفعه.
فكيف يكون قاطعا ببطلان ما ذكرته.
ثم اعلم أن في تمثيل المصنف لثبوت المنادى قيل الدعاء بقوله تعالى: يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ 1 ويا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا 2 نظرا؛ لأن «ادع» ليس دعاء وإنما هو أمر بالدعاء، وكذا «استغفر» أمر بطلب الاستغفار وليس استغفارا.
ومنها: أنك قد عرفت أن المنادى قد يعمل في المصدر والظرف والحال، وتقدم استشهاد المصنف على الأول بقول القائل: 3400 - يا هند دعوة صبّ هائم وعلى الثاني بقول الآخر: 3401 - يا دار بين النّقا والجزع ما صنعت وعلى الثالث بقول الآخر: 3402 - يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته لكن الشيخ قال: إن الظرف الذي هو بين النقاء والجزع ليس معمولا لفعل النداء، بل هو معمول لمحذوف غير فعل النداء؛ لأن الظرف المذكور في موضع الحال فالعامل فيها محذوف تقديره كائنة بين النقا والجزع 3. والذي ذكره الشيخ حق..؛ لأن الذي بين النقاء والجزع إنما هو الدار لا النداء، وعلى هذا فعامل المنادى إنما عمل في حال لا ظرف وإنما يجيء الحال من المنادى.
وذكر الشيخ أن فيه مذاهب: أحدها: الجواز مطلقا وهو مذهب المبرد، وابن طاهر، وابن طلحة 4. الثاني: المنع وهو مذهب الكوفيين وبعض البصريين.

[بناء المنادى وإعرابه]

قال ابن مالك: (يبنى المنادى لفظا أو تقديرا على ما كان يرفع به لو لم يناد [إن] كان ذا تعريف مستدام أو حادث بقصد وإقبال غير مجرور باللام ولا عامل في ما بعده ولا مكمل قبل النّداء بعطف نسق.
ويجوز نصب ما وصف من معرّف بقصد وإقبال، ولا يجوز ضمّ المضاف الصّالح للألف واللّام خلافا لثعلب، وليس المبنيّ للنّداء ممنوع النّعت خلافا للأصمعيّ.
ويجوز فتح ذي الضّمة الظاهرة إتباعا إن كان علما ووصف بابن متّصل مضاف إلى علم، لا إن وصف بغيره خلافا للكوفيّين، وربّما ضمّ الابن إتباعا.
ويلحق بالعلم المذكور نحو: «يا فلان بن فلان» ويا ضلّ بن ضلّ، ويا سيّد ابن سيّد، ومجوّز فتح ذي الضّمّة في النّداء موجب في غيره حذف تنوينه لفظا، وألف ابن في الحالين خطّا، وإن نوّن فللضّرورة وليس مركبا فيكون كمرء في إتباع ما قبل السّاكن ما بعده.
خلافا للفارسي.
والوصف بابنة كالوصف بابن، وفي الوصف ببنت في غير النّداء وجهان).
الثالث: التفصيل بين أن تكون الحال مؤكدة فيجوز أو مبنية فلا يجوز وهو مذهب الأخفش والمازني والفارسي 1. وقال: ولا نص عن سيبويه في إجازة ولا منع 2. انتهى.
والذي يظهر الجواز مطلقا، ويدل عليه ما أنشده المصنف من قول الشاعر: 3403 - يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته 3 قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: المنادى على ضربين معرب ومبني.
فالمعرب المجرور بلام الاستغاثة نحو: «بالله للمسلمين» 5، أو بلام التعجب نحو: يا للماء، ويا للدواهي، والنكرة المحضة نحو: -

................................  3404 - [أ] يا راكبا إما عرضت فبلّغا... نداماي من نجران أن لا تلاقيا 1 والعامل فيما بعده بإضافة وغير إضافة نحو: يا ذا الجلال والإكرام، ويا رؤوفا بالعباد، ويا عظيما فضله، ويا عشرين رجلا، والمكمل قبل النداء بعطف نحو: يا زيدا وعمرا في المسمى بهما.
والمبني على ضربين مبني بناء بسبب النداء ومبني بناء غير متجدد بسبب النداء.
فالأول مبني على ضمة ملفوظ بها نحو: يا زيد ويا رجل، أو مقدرة نحو: يا مولى ويا هادي ويا ربي، وعلى ألف نحو: يا زيدان، وعلى واو نحو: يا زيدون.
والثاني: مبني في التقدير على ضمة وفي اللفظ على ما كان مبنيّا عليه قبل النداء نحو: يا هؤلاء ويا سيبويه ويا رقاش ويا خمسة عشر ويا برق نحره.
وهذه الأنواع كلها داخلية في قولي: يبني المنادى لفظا أو تقديرا على ما كان يرفع به أما دخول ما تجدد وبناؤه بسبب النداء فظاهر.
وأما دخول ما سبق بناؤه فلأن هؤلاء وسيبويه ورقاش وبرق نحره [4/ 182] قد كانت قبل النداء تقع في موضع الرفع فتنوى ضمة الإعراب في مواضعها، ويجدد لها في النداء تقدير ضمة البناء ويدل على ذلك رفع تابعها نحو: يا هؤلاء الرجال ويا رقاش الحسنة.
ونبهت بقولي: على ما كان يرفع به لو لم يناد على نحو: يا مكرمان مما لا استعمال به في غير النداء.
ثم بينت أن من شرط البناء المستحق بالنداء كون المنادى غير مجرور بلام الجر وكونه غير عامل في ما بعده ولا مكمل قبل النداء بعطف نسق، فخرج باستثناء المجرور باللام المستغاث نحو: يا لله للمسلمين والمتعجب منه نحو: يا للعبر ويا للآيات.
وباستثناء العامل في ما بعده المضاف، نحو: يا ذا الجلال والإكرام والشبيه به نحو: يا عظيما فضله، ويا لطيفا بالعباد، ويا عشرين رجلا، وباستثناء المكمل قبل النداء بعطف نسق نحو: يا زيدا وعمرا في المسمى بهما.
وادعى المبرد أن تعريف نحو: يا زيد متجدد بالنداء بعد إزالة تعريف العلمية لئلّا يجمع بين تعريفين 2 والصحيح أن تعريف العلمية مستدام كاستدامة تعريف الضمير واسم الإشارة والموصول في: يا إياك ويا هذا ويا من حضر ولأن النداء لا يلزم من -

................................  وجوده تجدد تعريف ولولا ذاك لم تناد النكرة المحضة.
فعلى هذا لا يلزم من دخوله على معرفة اجتماع تعريفين على أنه لو سلم اجتماع تعريفين لجعل أحدهما مؤكدا للآخر موسوقا لزيادة الوضوح كاتساق الصفة لذلك.
ويكون ذلك نظير اجتماع دليلي المبالغة في علامة ودوّاري 1، ويجوز في المفرد المعرف بالقصد والإقبال إجراؤه مجرى العلم المفرد في البناء وإجراؤه مجرى النكرة في النصب.
قال الفراء: النكرة المقصودة الموصوفة المناداة تؤثر العرب نصبها يقولون: يا رجلا كريما أقبل، فإذا أفردوا رفعوا أكثر مما ينصبون 2. قلت: ويؤيد قول الفراء ما روي من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في سجوده: «يا عظيما يرجى لكلّ عظيم، ادفع عنّي كلّ عظيم» 3. وأجاز ثعلب - رحمه الله تعالى - أن يضم المضاف إذا كان صالحا للألف واللام نحو: يا حسن الوجه لأن إضافته في نية الانفصال 4. وأظنه قاس ذلك على رواية الفراء عن بعض العرب: يا مهتم بأمرنا لا تهتم بضم مهتم مع مشابهته المضاف لتعلق بأمرنا به.
ويخرج هذا عندي بأن يجعل بأمرنا متعلقا بلا تهتم كأنه قال: يا مهتم لا تهتم بأمرنا فقدم وأخر.
ومذهبه في هذه المسألة ضعيف؛ لأن بناء المنادى ناشئ عن شبهه بالضمير والمضاف عادم الشبه بالضمير وإن كان مجازيّ الإضافة.
ومنع الأصمعي نعت المبني للنداء؛ لأنه شبيه بالمضمر والمضمر لا ينعت 5. وما ذهب إليه مردود بالسماع والقياس.
أما السماع فشهرته مغنية عن استشهاد.
وأما القياس فلأن مشابهة المنادى المضمر عارضة.
فمقتضى الدليل أن لا تعتبر مطلقا كما لم يعتبر مشابهة المصدر لفعل الأمر في نحو: ضربا زيدا لكن العرب اعتبرت مشابهة المنادى للضمير في البناء استحسانا فلم تزد على ذلك كما أن فعال العلم لما بني حملا على فعال المأمور به لم يزد على بنائه شيء من أحوال ما حمل عليه.
ونظائر ذلك كثيرة.
ويجوز في المنعوت بابن من نحو: يا زيد بن عمرو -

................................  الضم استصحابا لحاله قبل النعت، والفتح اتباعا نحو: يا زيد بن عمرو.
فلو فصل ابن من المنعوت تعين الضم نحو: يا زيد الفاضل ابن عمرو وكذا يتعين الضم إن فقدت علميّة المنعوت نحو: يا غلام بن زيد أو علميّة المضاف إليه نحو: يا زيد بن أخينا، أو علميتها نحو: يا غلام بن أخينا فلو لم تكن ضمة المنادى ظاهرة لم ينو تبدلها بفتحة؛ إذ لا فائدة في ذلك.
وقد أجاز الفراء في «عيسى» من قوله تعالى: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ 1 تقدير الضمة والفتحة 2. وأجاز الكوفيون فتح المنعوت بمنصوب غير ابن نحو: يا زيد الكريم واستدلوا على ذلك بقول الشاعر: 3405 - فما كعب بن مامة وابن سعدى... بأجود منك يا عمر الجوادا 3 على أن الرواية بفتح راء عمر.
وخرج ذلك من انتصر للبصريين بأن قال: أراد يا عمرا فحذف الألف لالتقاء الساكنين وبقيت الراء مفتوحة.
وهذا الانتصار لا يثبت على مذهب سيبويه؛ لأنه لم يذكر زيادة الألف في آخر المنادى في غير ندبة أو تعجب أو استغاثة 4 والثلاثة منتفية من هذا البيت.
وأجاز غير سيبويه زيادة الألف في آخر كل منادى لمد الصوت 5 ويجري مجرى يا زيد بن عمرو في جواز فتح المنعوت يا فلان، ويا ضل بن ضل، ويا فاضل بن فاضل.
وزعم بعض العلماء أن المستعمل في يا ضل بن ضل ويا فاضل بن فاضل ونحوهما الفتح لا غير.
قال ابن سعدان: كلام العرب في نحو: يا ضل بن ضل ويا فاضل بن فاضل [و] ما أشبهه من المدح أن يتبع بالفتح، فإن أدخلت الألف واللام في الثاني جاز الوجهان.
وسبب هذا الفتح كثرة الاستعمال فجاز في: يا زيد بن عمرو وامتنع في نحو: يا زيد بن أخينا ولزم في نحو: يا فاضل بن فاضل جعلوا الموصوف والصفة كالشيء الواحد في -

................................  ما كثر استعماله فاتبعوا الأول والثاني كما فعلوا في امرئ 1. وقد روى الأخفش عن بعض العرب ضم نون الابن اتباعا لضم المنعوت 2 وهو نظير قراءة من قرأ «الحمد لله» 3 بضم اللام 4. بل ضم النون أسهل بكثير.
ولما كان وقوع ابن في النداء بين علمين على الوجه المذكور سببا للتخفيف بتبدل الضمة فتحة جعل في غير النداء سببا للتخفيف بحذف تنوين المنعوت إلا أن النداء وجه [4/ 183] واحد وغير النداء وجوه كثيرة، فكان غير النداء أحوج إلى التخفيف فجعل تخفيفه واجبا وتخفيف النداء جائز، واستوى النداء في التزام حذف ألف ابن خطأ وقد ينون المنعوت بابن في غير النداء اضطرارا كقول الأغلب العجلي 5: 3406 - جارية من قيس بن ثعلبة... قبّاء ذات سرّة مقعّبه ممكورة الأعلى رداح الحجبة... كأنّها حلية سيف مذهبه 6 وزعم الفارسي أن نحو: زيد بن عمرو عند قصد النعت في غير النداء مركب وأن حركة المنعوت حركة إتباع كحركة ميم مرء على لغة من قال: هذا مرء ورأيت مرءا ومررت بمرء 7. وليس ما رآه في هذا صحيحا للإجماع على فتح المجرور الذي لا ينصرف نحو: صلّى الله على يوسف بن يعقوب.
ذكر هذا ابن برهان 8 رحمه الله تعالى.
وإذا كان المنعوت مؤنثا علما كهند في لغة من صرف ونعت بابنة مضاف إلى علم فحكمه في النداء وغير النداء حكم 9 زيد منعوتا بابن مضافا إلى علم.
وفي غير -

................................  المنادى المنعوت يثبت وجهان رواهما سيبويه عن العرب الذين يصرفون هندا ونحوه فيقولون: هذه هند بنت عاصم وهند بنت عاصم.
وكل هذا مشار إليه في الأصل.
هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى 1. وثم أمور يتعين الإشارة إليها: منها: أن للمنادى بالنسبة إلى كونه مبنيّا ومعربا ستة أقسام.
المبني منها قسمان، والمعرب أربعة.
أما المبني فالمعرفة المفرد، والنكرة المقصودة إذا كانت مفردة أيضا وأما المعرب فمجرور باللام وهو المستغاث، ومنصوب وهو النكرة غير المقصودة، والمضاف والمطول وهو المشبه بالمضاف.
وقد صرح المصنف بالأقسام المذكورة في الشرح إلا أنه عبر عن المضاف والمشبه به بعبارة واحدة وهي قوله: والعامل في ما بعده بإضافة وغير إضافة، وهي عبارة مختصرة حسنة.
أما كلامه في المتن فربما فيه إخلال بقسم من هذه الأقسام وهو النكرة غير المقصودة؛ لأنه حكم ببناء المنادى إن كان ذا تعريف مستدام أو حادث بقصد أو إقبال، ثم استثنى ما يعرب بقوله غير مجرور باللام ولا عامل في ما بعده، ولم يتعرض إلى ذكر النكرة المشار إليها.
لا يقال إنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنا قد علمنا أن المنادى له النصب بقوله أول الباب: المنادى منصوب لفظا أو تقديرا فإذا لا يحتاج مع ذلك إلا إلى ذكر ما يبنى منه ليخرجه من الحكم الذي يعم أقسام المنادى وهو النصب؛ لأنا نقول: هذا الذي قيل كلام صحيح لكن كان يلزم منه ألا يتعرض إلى ذكر شيء من أقسام المعرب؛ لأن الإعراب قد ثبت للمنادى بقوله: إنه منصوب وإنما يلزمه التعرض إذ ذاك إلى ذكر ما يبنى منه خاصة.
لكنه قد تعرض إلى ذكر بعض ما يعرب فكان الواجب إما أن يستوفي أقسام المعرب وإما أن لا يذكر شيئا منها.
ومنها: أنهم ذكروا أن المنادى المضاف إلى نكرة نحو: يا أخا رجل ويا رجل سوء ليس بمعرفة، ولكنه جرى في الإعراب كالمضاف إلى معرفة ليكون الباب واحدا.
قالوا: ولا يجوز أن يقصد به واحد بعينه فيتعرف بالنداء لأن إضافته إلى النكرة سبب تنكير لفظي فلا يصح تضمنه للتعريف لأن المحل لا يقبل.
فكان كالوصف للنكرة.
-

................................  قالوا: ونص عليه سيبويه 1. ومنها: أن المنادى المفرد المعرفة إنما بني؛ لأنه لإفادته الخطاب أشبه الضمير وهو الكاف في أدعوك في إفادته الخطاب وأنه معرفة مفرد.
والأسماء الظاهرة موضوعة على الغيبة بدليل عود الضمير إليها بلفظ الغيبة نحو: زيد قائم ولا يصح أن تكون علة البناء إفادته الخطاب فحسب؛ لأنه يلزم منه بناء المضاف والمشبه به إذا أريد به واحد معين، ولا مع التعريف لأنه يلزم منه بناء المضاف والمشبه به إذا كان معرفة، فثبت أن المجموع وهو إفادته الخطاب وتعريفه وإفراده هو العلة ليكون كالكاف في أدعوك فإنها مقيدة للخطاب وهي معرفة مفردة.
وفي شرح الشيخ: ذهب سيبويه إلى أنه بني إجراء له مجرى الأصوات 2. وكذا قال ابن أبي الربيع أيضا: إن سيبويه علل بناء المنادى بأنه صار بمنزلة الصوت 3. لكن قال ابن عمرون في شرح المفصل عند ذكره سبب بناء المنادى: وقيل بني لشبهه بالأصوات التي يصوت بها للبهائم عند ما يراد منها كعدس وهاب 4، وليس بشيء لأنه لو كان البناء كذلك لبني النكرة؛ لأنه لا فرق في الصوت بين المعرفة والنكرة.
وكان بناؤه على حركة لأن بناءه عارض، وكل اسم يعرب في حال ويبنى في حال إذا بني بني على حركة كقبل وبعد، وكانت الحركة ضمة أو قام مقامها لشبهه بقبل وبعد، ووجه الشبه أنه إذا أضيف أو نكر أعرب وإذا كان معرفة مفردا بني.
وقيل بني على الضم لئلّا يشبه المضاف؛ لأن المضاف إلى غير ياء المتكلم منصوب في النداء والمضاف إلى ياء المتكلم يكون مكسورا والمختار فيه حذف الياء وإبقاء الكسرة فبني على الضم لئلّا يلبس بأحدهما.
وقد ذكر لبناء المنادى أسباب غير ما ذكرنا لكنها غير معتبرة عند التحقيق فتركت إيرادها لذلك.
-

................................  وقد شذ الكسائي والرياشي 1 في دعواهما أن الحركة في يا زيد حركة إعراب 2، ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي التشاغل به، إذ فيه خرم للقواعد وهدم للأصول، نعم الأخفش يقول إن نحو يا رجل معرب لأنه يقول إنه في نية يا أيها [4/ 184] الرجل ونابت مناب الألف واللام ولهذا سقط التنوين.
وقد رد مذهبه بقول العرب: يا فاسق الخبيث والخبيث، وما ذاك إلّا لأنه غير معرب.
ومنها: أنك قد عرفت أن قول المصنف: ولا عامل في ما بعده يشمل المضاف والمشبه به وهو المعبر عنه بالمطول وبالممطول أيضا من قوله: مطلت الحديدة إذا مددتها، وهو كل اسم موصول بشيء هو كالتمام له عمل الأول في الثاني النصب لفظا، نحو: يا ضاربا زيدا، أو محلّا نحو: يا خيرا من زيد، أو الرفع نحو: يا حسنا وجهه ويا مضروبا غلامه، أو لم يعمل لكن ثم ما يقوم مقام العامل وهو حرف العطف نحو: يا ثلاثة وثلاثين إذا كان اسم رجل واحد فالأول منصوب لأنه مشبه بالمضاف من حيث إن الثاني من تمام الأول؛ لأن التسمية وقعت بالكلمتين مع حرف العطف.
ولما كان حرف العطف يقتضي معطوفا عليه وهو بمنزلة العامل صار كأن بعض الاسم عمل في الآخر فأشبه ضاربا زيدا والثاني منصوب بالعطف على الأول.
ولما لم يعبر المصنف عن المطول بما عبر به غيره وكانت العبارة التي أتى بها إنما يدخل تحتها مع المضاف من المطول ما يكون عاملا في ما بعده احتاج أن يقول بعد ذلك: ولا مكمل قبل النداء بعطف نسق.
وأفاد قوله: قبل النداء فائدة وهي: أن العطف لو حصل حال النداء لم يكن له أثر في نصب المنادى.
ومن ثم قال ابن السراج في قولنا: (يا) ثلاثة وثلاثين إذا كانا اسما واحدا وليس هذا بمنزلة قولك للجماعة: يا ثلاثة وثلاثون، لأنك في هذا يا أيها الثلاثة والثلاثون 3. انتهى.
فقد فرق بين المسألتين كما رأيت.
وليس الفرق إلّا ما أفاده كلام المصنف من أن -

................................  عطف النسق في المسألة الأولى وجد قبل النداء فكان الثاني من تمام الأول، وأما في الثانية فليس كذلك إنما وجد حال النداء فهو منفصل عنه أي ليس من تمامه ولا بطول المنادى بمعموله إلّا إذا كان المعمول ملفوظا به.
فعلى هذا: إذا ناديت وقلت: يا ذاهب بنيته على الضم ولم تنصبه وإن كان عاملا في ضمير المرفوع.
وكذا إذا قلت: يا ذاهب وزيد تبني الاسمين.
فإن قدرت زيدا معطوفا على الضمير لزم نصب ذاهب؛ لأنه عامل في زيد بوساطة حرف العطف، ولو قلت: يا مشتركا وزيد لم يجز في مشترك إلّا النصب؛ لأن عطف زيد على الضمير متعين إذ لا يجوز عطفه على مشترك لأن مشتركا لا بد أن يسند إلى ما زاد على واحد.
واعلم أنك إذا ناديت جماعة عدتهم ما ذكرت من العدد نحو: يا ثلاثة وثلاثين فإن كانت غير معينة نصبت المعطوف والمعطوف عليه.
أما الأول فلأنه اسم نكرة غير مقصودة، وأما الثاني فلأنه معطوف عليه وإن (كانت) الجماعة معينة فلا بد من بناء ما باشرته «يا» لكونه مفردا معرفة.
وأما المعطوف عليه فيجوز فيه ما يجوز في غيره من العطف على اللفظ فيرفع أو على المحل فينصب.
لكنهم ذكروا أن دخول «أل» في الثاني حينئذ واجب، ولم يظهر لي وجهه.
وذكر عن ابن خروف أنه يجيز دخول «أل» وتركها 1، والذي قاله ابن خروف هو الظاهر.
ويتصل بما ذكر مسألة وهي: أنك إذا ناديت اثني عشر فإنك تقول: يا اثنا عشر.
ولا يتوهم أنه بمنزلة المضاف من أجل حذف النون؛ لأن النون لما حذفت نزلت عشر منزلتها فصار في الحكم بمنزلة قولك: اثنان، ولو ناديت هذه الكلمة لقلت: يا اثنان، وكذا يا اثنتا عشرة ويا ثنتا عشرة.
ونقل عن الكوفيين أنهم يلحظون فيه الإضافة فيجيزون يا اثني عشر.
ومنها: أنك قد عرفت من كلام المصنف أنه يرى تعريف النكرة المقصودة إذا نوديت إنما هو النداء وعبر عنه بقوله: أو حادث بقصد وإقبال، ومن ثم عدّ النداء من جملة المعرفات لما ذكر المعارف في أول الكتاب 2. -

................................  ولا شك أن في المسألة للنحاة مذهبين. أحدهما: ما اختاره المصنف. والآخر: أن تعريف مثل ذلك بأل وأنها حذفت وناب حرف النداء منابها. قال ابن عصفور: لأن الخطاب لا يعرّف. ألا ترى أنك تقول: أنت رجل قائم فتخاطبه ويبقى الاسم بعد ذلك نكرة. انتهى. ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال؛ لأن النكرة لم يخاطب بها. ومسألة النداء إنما هي النكرة المخاطب بها لأنك إذا قلت: يا رجل، فكأنك قلت: يا أنت. وقد رد ابن الضائع قول من قال إن التعريف بأل بأن تعريف «أل» بالعهد، وإذا قلت: يا أيها الرجل فلا عهد فيه. قال: فإن زعم القائل بذلك أن أل للحضور فالحضور هو المعرف وهو معنى قول من قال إنه تعرف بالخطاب 1. ومنها: أن الكوفيين 2 يخالفون البصريين في جواز نداء النكرة غير المقبل عليها ويزعمون أن النكرة غير المقبل عليها لا تكون في النداء إلّا موصوفة نحو: يا رجلا ذاهبا، أو صفة في الأصل حذف موصوفها وخلفته نحو: يا ذاهبا. فمن مجيء النكرة الموصوفة قول القائل: 3407 - أدارا بحزوى هجت للعين عبرة... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق 3 فالنكرة المناداة موصوفة بحزوي. وقول الآخر: 3408 - ألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام 4 فنخلة موصوفة بقوله «من ذات عرق»، وقول الآخر: 3409 - لعلّك يا تيسا نزا في مريرة... معذب ليلى أن تراني أزورها 5 فالجملة في موضع صفة المنادى. ومن مجيء النكرة التي هي صفة قول القائل: 3410 - أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن... نداماي من نجران أن لا تلاقيا 6

................................  فنصب راكبا لأنه صفة لمحذوف، وليست جملة الشرط والجزاء صفة لأنها [4/ 185] لا تحتمل الصدق والكذب لتضمنها الأمر.
وحاصل الأمر أن الذي يشترطه الكوفيون في نداء النكرة غير المقصودة أن تكون موصوفة فقط؛ لأنها إذا كانت صفة خلفا عن موصوف كان المنادي في الحقيقة إنما هو الموصوف والصفة نائبة عنه وحينئذ يكون المنادى نكرة موصوفة.
وعلى هذا لا حاجة إلى أن يجعل قولهم أو صفة في الأصل قسيما لقولهم: نكرة موصوفة؛ إذ ليس إلا قسم واحد.
ولا يجوز عند الكوفيين أن يقال: يا رجلا، ويقولون: إنه لم يسمع شيء من ذلك عن العرب، وإنما لم يجيزوا ذلك لأن انتصاب المنادى من قولنا: يا رجلا ذاهبا عندهم إنما هو لطوله بالصفة وانتصاب ذاهب من يا ذاهبا بسبب أن الأصل فيه يا رجلا ذاهبا فإذا لم توصف النكرة انتفى الطول الموجب للنصب.
وقد ردّ مذهبهم بأن الوصف لو كان يؤثر الطول في المنادى فينصب لكان يجب نصب زيد من قولنا: يا زيد الطويل، ولا قائل بذلك.
قال ابن عصفور: «فإن قيل: الطول بالوصف لا يوجب النصب إلّا إذا كان الوصف لازما والوصف لا يلزم في يا زيد الطويل ويلزم النكرة غير المقبل عليها.
فالجواب: أن الطول بالوصف وإن كان لازما لا يوجب النصب بدليل: يا أيها الرجل، وإذا بطل أن الطول بالوصف لازما كان أو غير لازم غير موجب النصب كان موجب النصب إنما هو التنكير، وإذا كان موجب النصب التنكير لم يمنع مانع من جواز مجيء النكرة غير المقبل عليها، وإن كانت غير موصوفة، وما يقبله القياس لا يقدح فيه عدم السماع».
وقد ادعى ابن الطراوة أن «دارا» من قوله: أدارا بحزوى، «وتيسا» من قوله: لعلّك يا تيسا نزا معرفتان.
قال: وإلا فكيف يقول: هجت للعين عبرة لدار لا يعرفها، وكيف يقول: لعلّك معذّب ليلى لمن يكون مجهولا عنده.
وخرّج البيتين على أن ثم موصولا محذوفا هو الوصف، والمجرور والجملة صلتان.
التقدير أدارا التي بحزوى، ويا تيسا الذي نزا وكذا التقدير عنده في: ألا يا نخلة من ذات عرق أي التي من ذات عرق 1. قال: والدليل على جواز حذف الموصول وإبقاء صلته -

................................  قوله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى 1، وقال الشاعر: 3411 - عدس ما لعبّاد عليك إمارة... نجوت وهذا تحملين طليق 2 المعنى: وما تلك التي بيمينك يا موسى، وهذا الذي تحملين طليق.
قال: وكذا قول النابغة: 3412 - يا دار ميّة بالعلياء فالسّند... أقوت وطال عليها سالف الأبد 3 المعنى يا دار مية التي بالعلياء، وقول امرئ القيس: 3413 - ترى الفأر في مستنقع القاع لاحبا... على جدد الصّحراء من شدّ ملهب 4 المعنى ترى الفأر الذي في مستنقع القاع لاحبا).
قال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه باطل بدليل أنه لا يحفظ من كلامهم وصف دار وتيس وأمثالها بالمعرفة.
وأما قوله: إنه لا يقال: هجت للعين عبرة لدار لا يعرفها، ولعلك معذب ليلى لمن يجهله، فصحيح إلا أنه لا حجة له في ذلك على ما ادعاه من كون دارا وتيسا معرفتين؛ لأن الاسم لا يكون معرفة إلا إذا قدر المخاطب أن المخاطب قد ساواه في العلم به.
وأما إذا قدر المخاطب أن المخاطب يجهله فإنه لا يكون إلّا نكرة وسواء في ذلك جهل المخاطب به، أو علمه.
ألا ترى أنك إذا قلت: أذنب إلي رجل من أصحابي صفحت عنه كان رجل نكرة لأنك أبهمته على المخاطب فلم يعلم من عنيت به مع أنه معلوم عندك فكذلك دار وتيس ونخلة من الأبيات مجهولة عند غير المتكلم؛ لأنه لم يقبل بندائه على المنادى فيتعين لذلك، وإن كان جميع ذلك معلوما عند المنادى.
وما ذهب إليه من حذف الموصول وإبقاء صلته باطل على ما عرف في باب الموصول، وما استدل به مخرج على خلاف ما ذكره.

................................  وأما: يا دار مية بالعلياء؛ فالعلياء في موضع الحال من دار مية عند من يجيز مجيء الحال من المنادى ومن لا يجيز جعله متعلقا بما بعده والتقدير: أقوت وطال عليها سالف الأبد بالعلياء فالسند.
وأما قوله: ترى الفأر في مستنقع القاع فيخرج على أن في مستنقع القاع في موضع الحال من ضمير الفاعل المستتر في ترى فيكون العامل فيه إذ ذاك محذوفا، ولاحبا حال من الفأر، والمعنى ترى الفأر لاحبا على جدد الصحراء وأنت في مستنقع القاع.
يريد أن الفأر إذا سمع حفيف هذا الفرس في جريه ظنه مطرا فخاف من سيله ومرّ على جدد الصحراء طلبا للنجاة منه فإذا بلغ راكب هذا الفرس مستنقع القاع الذي كان فيه الفأر أبصره متعلقا بجدد الصحراء.
فأما قول الشاعر: 3414 - أيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله... جرير ولكن في كليب تواضع 1 فليس من قبيل المنادى المنكور لأنه قصد بذلك شخصا بعينه ولم يرد أن يبهمه على المخاطب، بل بينه بقول جرير: وإنما هو منصوب بناصب مضمر على جهة الإغراء أي: عليكم شاعرا لا شاعر اليوم مثله 2. انتهى كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى.
ولم يظهر لي قوله: إن في مستنقع القاع في موضع الحال من ضمير الفاعل المستتر في ترى مع قوله: فيكون العامل فيه إذ ذاك محذوفا، لأن العامل في الضمير هو ترى، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها.
وأما قوله: إن شاعرا من قول الشاعر: أيا شاعرا منصوب على الإغراء فغير ظاهر، لأن أيا حرف نداء لا حرف تنبيه وليس ثم منادى محذوف فوجب أن يكون شاعرا منادى، وأما نصبه فلا شك أن المنادى المعرفة المبني يجوز أن ينون للضرورة، وإذا نون فلك فيه وجهان.
الضم تشبيها بمرفوع اضطر إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف، والنصب تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين.
وسيأتي ذكر هذه المسألة في آخر الفصل.
فعلى هذا يتوجه نصب شاعرا لا على ما قاله من الإغراء.
-

................................  [4/ 186] واعلم أن الذي ادعاه ابن الطراوة في المناديات المتقدمة وهي أنها معارف تنزع إلى ما يزعمه المازني من أن النكرة لا يتصور أن تكون غير مقبل عليها وإن وجد من ذلك شيء فتنوينه لأجل الضرورة كقوله: أدارا بحزوى وكأن العلة عنده أن المجهول لا ينادى 1. ورد ذلك على المازني بأنه يمكن أن يكون الشاعر نادى دارا مبهمة من ديار حزوى لأن هذا الموضع كان به دار محبوبته.. فمن أجل ذلك كل دار به تهيج عبرته إذا رآها، لأنها تذكره محبوبته فيكون كقول متمم بن نويرة 2 في رثاء أخيه مالك: 3415 - وقالوا بكى كل قبر رأيته... لقبر ثوى بين اللّوى فالدكادك فقلت لهم إنّ الأسى يبعث البكا... دعوني فهذا كلّه قبر مالك 3 قالوا: وأما يا تيسا، ويا نخلة فإن قائله كنى عن بعل محبوبته بتيس مبهم وعن محبوبته بنخلة مبهمة.
هذا وقد تقدم من جواب ابن عصفور عن مثل هذا أيضا بأن النظر فيه إنما هو إلى جهل المخاطب وعلمه، فالذي يقدر المتكلم أن المخاطب يجهله هو نكرة مع أن المتكلم يعلمه ولا يحكم بتعريف النكرة إلّا إذا قدر المتكلم أن المخاطب قد ساواه في العلم به.
ومنها: أنك قد عرفت أن الأصمعي يمنع نعت المنادى المبني.
وأن المصنف ذكر أن ما ذهب إليه مردود بالسماع والقياس، ثم مما يبطل مذهبه قول العرب: يا زيد ابن عمرو بفتح دال زيد ولو كان ابن عمرو منصوبا بفعل مقدر لكان جملة مستأنفة ولم يكن للفتح وحذف التنوين منه وجه، فلم يبق إلّا أن يكون ابن عمرو صفة لزيد لتكون فتحة دال زيد فتحة إتباع.
قالوا: ويلزم على مذهبه أن تكون أي في النداء تامة يحسن السكوت عليها، لأن المرفوع عنده خبر مبتدأ محذوف كما أن المنصوب معمول لفعل محذوف، وما ينعت على القطع يلزم استقلاله.
-

................................  وأما قول الأصمعي: إن المنادى أشبه الضمير، فالجواب عنه أنه اسم ظاهر ولا يلزم من وقوعه موقع الضمير مشابهته له من كل وجه.
وقد قالت العرب: يا تميم كلهم فراعوا أصله ولو كان بمنزلة الضمير من كل وجه لم يجز كما لم يجز إنكم كلهم.
واتفاقهم على الرفع في: يا أيها الرجل دليل على أنه للإتباع إذ لو كان للقطع لجاز نصبه.
واستدل سيبويه على أنه ليس موضع قطع بوقوع أجمعين فيه نحو: يا تميم أجمعون ولا يكون إلّا تابعا 1. قيل: وهذا لا يلزم لأنه لا يقول: إنه محل للقطع مطلقا لأنه لا يمنع التأكيد؛ لأن المضمر يؤكد ويدل منه.
ومنها: أن المصنف ذكر في شرح الكافية عن المبرد أنه يزعم أن الضم في: يا زيد ابن عمرو أجود من الفتح وأنه أنشد بالفتح قول القائل: 3416 - يا حكم بن المنذر بن الجارود... سرادق المجد عليك ممدود 2 ثم قال: ولو قال: يا حكم بن المنذر كان أجود.
انتهى 3. وزعم ابن كيسان أن الفتح أكثر في كلام العرب وإن كان الضم هو القياس 4. ومما ورد بالفتح قول الشاعر: 3417 - يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت... لك الجنان وروّحت [المها] العينا 5 وإنما جاز إتباع الدال لحركة نون ابن مع الفصل بينهما؛ لأن الفاصل ساكن وهو حاجز غير حصين ومسوغ الإتباع أن ابنا لما كان صفة لما قبله جعلا كالشيء الواحد، واللفظان إذا كثر استعمالهما معا يجعلهما العرب كالشيء الواحد يدل على ذلك أنهم -

................................  يقولون في مقلوب لعمري: رعملي، وذلك أن لام الابتداء لما كثر استعمالها مع عمرو جعلوها معه كالشيء الواحد، فلما قلبوا صيروا اللام كأنها من حروف عمرو.
وليعلم أن الأول أعني المنادى إذا كان مضموما جاز في ابن مع كونه نعتا أن يكون بدلا وعطف بيان، وإذا فتح لم يكن ابن إلّا نعتا لما علمت أن الإتباع لا بد أن يكون الكلمتان كالشيء الواحد.
ولا يتصور ذلك إلّا إن كانت الكلمة الثانية نعتا.
ومنها: أن الشيخ ناقش المصنف في أمرين ذكرهما في الشرح.
أحدهما: أنه قال ويجري مجرى: يا زيد بن عمرو في جواز فتح المنعوت يا فلان ابن فلان بن فلان، ويا ضل بن ضل ثم قال: ولزم في يا فاضل بن فاضل 1. قال: وهذا تناقض، ولعله من الناسخ.
ثانيهما: قوله: وما أشبهه من المدح بعد قوله: يا فلان بن فلان، ويا ضل بن ضل، ويا فاضل بن فاضل 2. قال: والذي ذكره أصحابنا أن المسألة مفروضة في ما إذا كان المنادى غير علم ووصف بابن مضاف إلى غير لكنه مما اتفق فيه لفظ المنادى ولفظ ما أضيف إليه ابن نحو: يا كريم ابن الكريم، ويا شريف بن الشريف ويا كلب بن الكلب، ويا وثن بن وثن، ويا وثن ابن الوثن ولم يخصوه بالمدح 3. قال: وذكروا خلافا في ذلك.
فالبصريون يضمون المنادى وينصبون ابنا، والكوفيون وابن كيسان يجرونه مجرى يا زيد بن عمرو في جواز البناء على الضم وجواز الفتح تبعا لفتحة ابن كما أجرت العرب ذلك في غير النداء في حذف التنوين من الموصوف.
قال الكميت: 3418 - تناولها كلب بن كلب فأصبحت... ترائي بها الأطواد لهبا إلى لهب 4 وقال آخر: 3419 - فإنّ أباكم ضلّ بن ضلّ... وأبا من أبائكم برّاء 5 قال: وما ذهب إليه البصريون هو القياس لأن الأعلام أقبل للتغيير من غيرها، -

................................  وهو الأكثر في السماع، وإنما أجرى ابن مع المتفقين مجراه مع العلمين للتساوي في كثرة الاستعمال، وأيضا فمدح الأب أو ذمه بما مدح به الابن أو ذم مبالغة في المدح أو الذم.
وكأنك قلت: يا عريقا في الكرم حيث قلت: يا كريم بن كريم، أو في الخبث [4/ 187] حيث قلت: يا خبيث بن خبيث، فلو خالفت بين اللفظين لم يكونا بمنزلة الكلمة الواحدة 1. ومنها: أنك قد عرفت أن تنوين قيس من قول الشاعر: «جارية من قيس ابن ثعلبة» إنما هو للضرورة وعلى أن ذلك ضرورة أنشده سيبويه 2 وأنشد أيضا على أنه ضرورة قول الآخر: 3420 - هي ابنتكم وأختكم زعمتم... لثعلبة بن نوفل بن جسر 3 لكن ابن جني خرّج البيتين على البدل 4. ورد ذلك بأن العرب لم تجعل ابنا في ذلك وأمثاله إلا صفة بدليل أنهم لم ينونوا إلا في الشعر ولو كان ابن بدلا لجاء التنوين في فصيح الكلام.
ثم اعلم أن التنوين قد يحذف من العلم المخبر عنه بابن كما يحذف من المنعوت به ذكر المصنف هذه المسألة في الكافية فقال: وقد يعامل الذي ابن خبره... بمالمنعوت ونظم أكثره وشرح هذا بأن قال 5: نبهت بهذا على أن المخبر عنه بابن قد يعامل معاملة المنعوت به فيسقط تنوينه وأكثر ما يقع ذلك في الشعر كقوله: 3421 - لعمرك ما أدري وإن كنت داريا... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر 6 ومما جاء في نثر قراءة عاصم والكسائي: وقالت اليهود عزير ابن الله 7، -

[أحكام المنقوص والمضموم المنون اضطرارا في النداء]

قال ابن مالك: (ويحذف تنوين المنقوص المعيّن بالنّداء.
وتثبت ياؤه عند الخليل، لا عند يونس، فإن كان ذا أصل واحد ثبتت الياء بإجماع.
ويترك مضموما أو ينصب ما نوّن اضطرارا من منادى مضموم).
فإنه مبتدأ وخبر، «وعزير» منصرف فحذف تنوينه لالتقاء الساكنين ولشبهه بتنوين العلم المنعوت بابن، وحذف التنوين هنا أحسن من حذف التنوين في قراءة عبد الوارث 1 قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1 اللَّهُ الصَّمَدُ 2 من ثلاثة أوجه: أحدها: أن اتصال «عزير» بابن لأنهما جزءا جملة واحدة ألزم من اتصال «أحد» بالله لأنهما من جملتين.
ثانيها: أن حذف تنوين «عزير» في الإخبار عنه بابن شبيه بحذفه في النعت به بخلاف حذف تنوين أحد.
ثالثها: أن حذف تنوين «عزير» تخلص من ثقل لا يلزم مثله من ثبوت تنوين أحد، وذلك أن تنوين «عزير» إذا لم يحذف تحرك لالتقاء الساكنين فيلزم من تحريكه وقوع كسرة بين ضمتين أولاهما في حرف تكرار قبله ياء ساكنة، ولا يلزم ذلك، ولا قريب منه إذا لم يحذف تنوين «أحد» فكان حذف تنوين «عزير» أحسن، وأولى.
وإنما حكمت بانصراف عزيز لأن عاصما والكسائي قرآ به فصح كونه منصرفا، إما لأنه عربي الأصل، وإما لأن أصله عازار أو عيزار ثم صغر تصغير الترخيم حين عرّب فصرف لصيرورته ثلاثيّا.
ولا اعتداد بياء التصغير؛ لأن نوحا لو صغر لبقي مصروفا.
ولأن سيبويه حكى في تصغير إبراهيم وإسماعيل بريها سميعا مصروفين 3. قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: إذا نودي نحو: قاض وقصد تعيينه حذف تنوينه وأثبتت ياؤه فقيل: يا قاضي ويجوز حذف الياء والتنوين معا فيقال: يا قاض -

................................  كما قيل مع الألف واللام في غير النداء جاء القاضي وجاء القاض.
والأول مذهب الخليل والثاني مذهب يونس.
وقوّى سيبويه قول يونس 1 وإن كان المنقوص ذا أصل واحد كاسم فاعل أرى ثبتت الياء بإجماع، فيقال: يا مري، ولا يقال: يا مر وإذا اضطر شاعر إلى تنوين المنادى المضموم جاز بقاء الضم وهو الأكثر وجاز نصبه وهو الأقيس لأن البناء استحق لشبه المضمر، وقد ضعف بالتنوين؛ لأن المضمر لا ينون ولكنه عارض للضرورة فجاز أن لا يعتدّ به.
وحكى ابن السراج أن بقاء الضم إذا اضطر إلى التنوين اختيار الخليل وسيبويه وأبو عمرو ويونس وعيسى بن عمر والجرمى يختارون النصب 2 وما حكاه ابن السراج حكاه المبرد أيضا وزاد أن المازني مثل الخليل وسيبويه 3. قلت: وعندي أن بقاء الضمة راجح في العلم والنصب راجح في النكرة المعينة لأن شبهها بالمضمر أضعف، ومن شواهد البقاء على الضم قول الأحوص: 3422 - سلّام الله يا مطر عليها... وليس عليك يا مطر السّلام 4 ومنها: ما أنشد الفراء من قول لبيد: 3423 - قدّموا إذ قيل (قيس) 5 قدّموا... وارفعوا المجد بأطراف الأسل 6 أراد قدموا يا قيس قدموا.
وأنشد غيره لعدي بن ربيعة يرثي أخاه مهلهلا 7: -

................................  3424 - ظبية من ظباء وجرة تعطو... ونداها في ناضر الأوراق ضربت صدرها إليّ وقالت... يا عديّا لقد وقتك الأواقي ما ترجّى في العيش بعد ندامى... قد أراهم سقوا بكأس حلاق 1 ومن شواهد النصب والمنادى علم أيضا قول الشاعر: 3425 - فطر خالدا إن كنت تستطيع طيرة... ولا نفعا لا وقلبك طائر 2 ومن شواهده والمنادى نكرة معينة قول عبد يغوث 3: 3426 - أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغا... نداماي من نجران أن لا تلاقيا 4 ومنها قول الآخر: 3427 - أعبدا حلّ في شعبى غريبا... ألؤما لا أبالك واغترابا 5 ومثله: 3428 - يا سيّدا ما أنت من سيّد... موطّأ الأكناف رحب الذّراع قوّال معروف وفعّاله... نحّار أمّات الرّباع الرّتاع 6 ومنها قول الآخر: 3429 - ألا يا قتيلا ما قتيل بني حلس... إذا ابتلّ أطراف الرّماح من الدعس 7 ومنها قول ذي الرمة: 3430 - أدارا بحزوى هجت للعين عبرة... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق 8

................................  وسيبويه يسمي هذا النوع نكرة باعتبار حاله قبل النداء 1. ومن شواهد الضم قول كثير: 3431 - ليت التّحيّة كانت لي فأشكرها... مكان يا جمل حيّيت يا رجل 2 هكذا الرواية المشهورة يا جمل بالضم.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 3. وقال في شرح الكافية مشيرا إلى توجيه الضم [4/ 188] والنصب إن المنادى المضموم إذا اضطر إلى تنوينه فيه وجهان: الضم تشبيها بمرفوع اضطر إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف، والنصب تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين 4. ثم إنك قد رأيت في ما تقدم أنه مثّل للنكرة المحضة بهذا البيت الذي هو: 3432 - أيا راكبا إمّا عرضت........... وها هو قد مثّل به هنا للنكرة المعينة.
وقال الشيخ: فأما أعبدا حلّ، وأدارا بحزوى فإنهما من المنادى الموصوف.
وقد ذكر هو - يعني المصنف: أنه يجوز نصب ما وصف من معرّف بقصد وإقبال 5. قال: فإنشاده إياهما على أنهما من المضموم الذي نصب ونون للضرورة مناقض لما قرره.
قال: وأما يا سيّدا ويا راكبا ويا قتيلا، فإنها خلف لموصوف محذوف التقدير يا رجلا سيدا، ويا رجلا راكبا، ويا رجلا قتيلا، وما قاله الشيخ حق.
والذي يسلم له من الخدش ويتم الاستشهاد به على النصب إذا نون ضرورة من الأبيات التي ذكرها إنما هو: فطر خالدا إن كنت، ويا عديّا لقد وقتك الأواقي.
وأما قول المصنف: إن سيبويه يسمي هذا النوع نكرة باعتبار حاله قبل النداء فكأنه إنما احتاج إلى ذكر ذلك من أجل أنه قد ذكر أن المنادى المضموم أعني غير العلم معرفة وإذا كان معرفة فكيف يقال فيه أنه نكرة.
فقال: إن تسميته نكرة إنما هو بالنظر إلى حالة النداء.

[من أحكام أسلوب النداء (لا ينادى ما فيه أل)]

قال ابن مالك: فصل: (لا يباشر حرف النّداء في السّعة ذا الألف واللّام غير المصدّر بهما جملة مسمّى بها، أو اسم جنس مشبّه به، خلافا للكوفيين في إجازة ذلك مطلقا، ويوصف بمصحوبهما الجنسيّ مرفوعا، أو بموصول (مصدّر) بهما أو باسم إشارة «أيّ» مضمومة متلوّة بهاء التنبيه.
وتؤنّث لتأنيث صفتها.
وليست موصولة بالمرفوع خبرا لمبتدأ محذوف خلافا للأخفش في أحد قوليه، ولا جائزا نصب صفتها خلافا للمازني، ولا يستغنى عن الصّفة المذكورة ولا يتبعها غيرها.
واسم الإشارة في وصفه بما لا يستغنى عنه كـ «أيّ» وكغيرها في غيره، وقيل: يا الله ويا ألله، والأكثر اللهمّ، وشذّ في الاضطرار يا اللهمّ).
واعلم أن الشيخ ذكر مسألة واضحة وهي أنك إذا نعت المنصوب من هذا النوع لم يجز في النعت إلّا النصب؛ لأن المنادى إذ ذاك معرب منصوب.
فيقال يا زيد العاقل 1. قال: وثمرة الخلاف تظهر في المقصور نحو: يا فتى، فمن اعتقد أنه مضموم جوّز في نعته الرفع والنصب، ومن اعتقد أنه منصوب لم يجوّز في نعته إلّا النصب (2). قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: قال سيبويه: إذا قيل يا الرجل، فمعناه كمعنى يا أيها الرجل، فصار معرفة؛ لأنك أشرت إليه وقصدت قصده واكتفيت بهذا عن الألف واللام وصار كالأسماء التي هي للإشارة 3. ثم قال: وصار (هذا) 4 بدلا (في) 5 النداء من الألف واللام، واستغني به عنهما كما استغني بقولك: اضرب عن لتضرب 6 فحاصل كلامه أن رجلا من قولك: يا رجل معرفة بالقصد والإشارة، فاستغني عن الألف واللام كما استغني باسم الإشارة وكما استغني باضرب عن لام الأمر.
وأجاز سيبويه أن يقال: يا الرجل قائم في المسمى بالرجل -

................................  قائم لأن معناه يا مقولا له: الرجل قائم 1، وقاس عليه المبرد دخول يا على ما سمي به من موصول مصدر بالألف واللام نحو: يا الذي قام لمسمى به وهو قياس صحيح 2، وأجاز محمد بن سعدان يا الأسد شدة، ويا الخليفة جودا، ونحوه مما فيه تشبيه 3، وهو أيضا قياس صحيح لأن تقديره: يا مثل الأسد، ويا مثل الخليفة فحسن لتقدير دخول «يا» على غير الألف واللام.
وأجاز الكوفيون دخول «يا» على الألف واللام مطلقا، وأنشدوا: 3433 - فيا الغلامان اللّذان فرّا... إيّاكما أن تكسبانا شرّا 4 وهذا عند غيرهم من الضرورات.
وأنا لا أراه ضرورة لتمكن قائله من أن يقول: فيا غلامان اللذان فرّا؛ لأن النكرة المعينة بالنداء توصف بذي الألف واللام الموصول وبذي الألف واللام غير الموصول كقول بعض العرب: يا فاسق الخبيث حكاه يونس 5 والذي أراه في: فيا الغلامان أن قائله غير مضطر ولكنه استعمل شذوذا ما حقه ألا يجوز مثله في الشذوذ قول الآخر: 3434 - من أجلك يا الّتي تيّمت قلبي... وأنت بخيلة بالودّ عنّي 6 والكلام الصحيح أن يتوصل إلى نداء ما فيه الألف واللام الجنسيتان بجعله صفة لأي متلوة بهاء التنبية نحو: يا أيها الرجل، ونبهت بجنسية واللام الألف على أنه لا يقال: يا أيها العباس، ولا: يا أيها الصعق؛ لأنهما علمان والألف واللام مع الأول للمح الصفة ومع الثاني للغلبة.
وكذا لا يقال: يا أيها الزيدان ذكر ذلك الأعلم في «الرسالة الرشيدية».
ويقوم مقام ذي الألف واللام الجنسيتين موصول مصدر بالألف واللام نحو: -

................................  يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ 1 واسم إشارة عار عن الكاف كقول الشاعر: 3435 - أيّهذان كلا زادكما... ودعاني واغلا في من يغل 2 والأكثر أن يجمع بين اسم الإشارة وذي الألف واللام الجنسيتين كقول الفرزدق: 3436 - ألا يا أيّها ذا السّائلي عن أرومتي... أجدّك لم تعرف فتبصره الفجرا 3 وتؤنث أي لتأنيث صفتها نحو: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ 4، ويا أيتها التي لم تسمع، ويا أيتها ذي.
وأجاز الأخفش أن تكون أي هذه موصولة والمرفوع بعدها خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة أي 5، ولو صح ما قال لجاز ظهور المبتدأ ولكان أولى من حذفه لأن كمال الصلة أولى من اختصارها، ولو صح ما قال لجاز أن يغنى عن المرفوع بعد أي جملة فعلية وظرف كما يجوز ذلك في غير النداء وفي امتناع [4/ 189] ذلك دليل على أن أيا غير موصولة.
وأجاز المازني نصب صفة أي.
قال الزجاج: ولم يجز أحد من النحويين هذا المذهب قبله ولا تابعه أحد بعده.. فهذا مطرح مردود لمخالفة كلام العرب 6. ذكر هذا الزجاج في كتاب المعاني عند كلامه على قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ 7. ويساوي اسم الإشارة أيّا في وجوب رفع صفته واقترانها بالألف واللام الجنسيتين ويخالفها بجواز استغنائه عن الوصف وبجواز أن يتبع بغير وصف، وعلى هذا نبهت بقولي: واسم الإشارة في وصفه بما لا يستغنى عنه كأيّ في وصفها، وكغيرها في غيره.
ولذلك قال الخليل: إذا قلت: يا هذا وأنت تريد أن تقف عليه، ثم تؤكده باسم يكون عطفا عليه، فأنت فيه بالخيار، إن شئت نصبت، وإن شئت رفعت، وذلك: يا هذا زيد، وإن شئت قلت: زيدا كقولك: يا تميم أجمعون وأجمعين وكذلك -

................................  يا هذا زيد وعمرو وإن شئت زيدا وعمرا فتجري ما يكون عطفا على الاسم مجرى ما يكون وصفا 1. وقال سيبويه: واعلم أنه لا يجوز لك أن تنادي اسما فيه الألف واللام البتة إلّا أنهم قد قالوا: يا الله اغفر لي وذلك من قبل أن الألف واللام لا يفارقانه وهما فيه خلف عن همزة إله، وليس بمنزلة الذي قال؛ لأن الذي قال وإن كان لا يفارقانه الألف واللام ليس اسما غالبا، كزيد وعمرو لأنك تقول: يا أيها الذي قال كما تقول: يا أيها الرجل فامتنع يا الذي كما امتنع يا الرجل.
ولا يجوز يا الصعق وإن كانت الألف واللام لا تفارقانه لأنهما غير عوض عن شيء هو من (الاسم نفسه) 2 بخلاف اللّذين هما في الله فإنهما خلف عن همزة إله.
هذا حاصل كلامه.
والأكثر في نداء الله أن يقال: اللهم بتعويض الميم من يا.
وقد اجتمعا للضرورة في قول الراجز: 3437 - إنّي إذا ما حدث ألمّا... أقول يا اللهمّ يا اللهمّا 3 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 4. ثم إننا نشير إلى أمور: منها: أن الشيخ قال في قول المصنف: وقاس عليه المبرد دخول يا على ما سمي به من موصول مصدر بالألف واللام نحو: يا الذي قام لمسمّى به، وهو قياس صحيح: هذا خلاف ما نص عليه سيبويه، فإنه قال: ولو سميته الرجل منطلق جاز أن تناديه، فتقول: يا الرجل منطلق؛ لأنك سميت بشيئين كل واحد منهما اسم تام، والذي مع صلته بمنزلة اسم واحد نحو: الحارث، فلا يجوز فيه النداء كما لا يجوز فيه قبل أن يكون اسما، وأما الرجل منطلق فإنه بمنزلة تأبط شرّا؛ لأنه -

................................  لا يتغير عن حاله لأنه قد عمل بعضه في بعض انتهى 1. ولكن الشيخ لم يتعرض إلى إجازة ابن سعدان من يا الأسد شدة ويا الخليفة جودا.
وكان مقتضى التعليل الذي ذكره سيبويه أن يمنع ذلك لأنه اسم واحد كما أن الذي مع صلته اسم واحد.
ولا شك أن مقتضى تعليل المصنف جواز المسألتين؛ لأن التقدير في الأولى: يا مقولا له الذي قام، وفي الثانية: يا مثل الأسد.
ومنها: إن المصنف أطلق على تابع أي أنه وصف وكذا فعل سيبويه 2. ومن ثمّ قال ابن عمرون: إنما توصف أي بأسماء الأجناس وإن كان اسم الجنس مشتقّا فعلى حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لكنه قال: وإذا قلت: يا أيها الرجل، فأي منادى معرفة بالإشارة والقصد و «ها» مقحمة بين أي وصفتها، والرجل عطف بيان، ومن ذكر أنه وصف فتسامح.
نص عليه ابن جني وغيره انتهى 3. وكذا قال ابن السيد: الظاهر أنه عطف بيان؛ لأنه ليس مشتقّا وما كان منه مشتقّا فيتأول بغير المشتق، وليست الصفة كذلك.
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في باب النعت 4 واتفقوا على أنه لا يكون بدلا لعدم استقلال أي بالنداء.
ومنها: أن الشيخ قال مشيرا إلى البيت الذي هو: 3438 - أيّهذان كلا زادكما............ وهذا الذي أنشده المصنف وغيره دليلا على أن أيا توصف باسم الإشارة وحده دون وصف بما فيه (ال) قد بنى عليه المصنف وابن عصفور جواز: يا أيهذا دون وصف 5 قال: وهو بيت في غاية الندور وينبغي ألّا تبنى عليه قاعدة، وأن يتأول على حذف الوصف ضرورة تقديره: أيهذان والمسموع من لسان العرب أن أيا إذا وصفت باسم الإشارة جاء بعدهما ذو «أل».
قال الفرزدق 6: -

................................  3439 - ألا أيّهذا السّائلي عن أرومتي... أجدّك لم تعرف فتبصره الفجرا 1 وقال آخر: 3440 - ألا أيّهذا المنزل الدّارس الّذي... كأنّك لم يعهد بك الحيّ عاهد 2 قال: وقال شيخنا أبو الحسن ابن الضائع: شرط نعت أي باسم الإشارة أن يكون اسم الإشارة منعوتا بما فيه الألف واللام 3 انتهى.
ويؤيد ما ذكره الشيخ في هذه المسألة أن ابن عمرون قال: وتوصف أي أيضا بأسماء الإشارة كقولك: يا أيهذا الرجل فذا صفة أي مثل الرجل في يا أيها الرجل، ولما كان اسم الإشارة مبهما شارك أيا فجاز جريه عليه صفة.
والمراد صفة اسم الإشارة؛ لأن اسم الإشارة يوصف بما توصف به أي فقولهم: يا أيهذا الرجل كان اسم الإشارة توكيدا لأي.
قال ابن جني: أصحابنا يستضعفون وصف أي في النداء بهذا، لأنها مبهمة ومحتاجة إلى الصفة، وهذا مبهم محتاج إلى موضح فلم يكن في القياس أن ينفي الإبهام بمعرف في الإبهام [4/ 190] لكنه لما كان هذا هنا موصوفا بما فيه الألف واللام صار الاعتماد على الصفة واستهلك هذا بينهما» 4 انتهى كلام ابن عمرون.
وأنت إذا تأملت كلام ابن جني هذا علمت أنه كلام من وفق وسدد وأطلعه الله تعالى على خفايا الحكمة من اللغة العربية.
ومنها: أن ابن عمرون لما تكلم في شرح المفصل على المنادى المبهم قال: الإبهام: الإغلاق، وأمر مبهم: لا مأتى له، وسمي هذا مبهما لاحتياجه إلى ما يفسره فهو كالمغلق والمبهم نوعان، أي اسم الإشارة وغيرهما من المبهمات الموصولات، وهي على ضربين منها ما لا يفتقر إلى أي كمن يقول: يا من لا يزال محسنا أحسن إليّ، وما كان فيه اللام من الموصولات فلا بد قبله من أي كقوله -

................................  تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا 1 وإنما اقتصروا من المبهم على أي واسم الإشارة؛ لأنه يقع وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، والدليل على أن «أيا» وصلة لزوم ها وهو حرف تنبيه قبل الرجل، وذلك كاستئناف نداء وإعلام أنه لا يجوز الاقتصار على المنادى قبله وإذا لم يجز ذلك فيه كما جاز في سائر المنادى علم أنه أتى بأي وصلة إلى نداء غيرها.
قال سيبويه: وأما الألف والهاء اللتان لحقتا أيّا توكيدا فكأنك كررت يا مرتين إذا قلت: يا أيها وصار الاسم بينهما 2. انتهى.
وقد وقع القناع عن هذه المسألة بما ذكره، وزاد الجلاء بما ذكره عن إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى.
ثم قال في شرح المفصل أيضا: وأي أشد إبهاما من أسماء الإشارة؛ لأنها لا تثنى ولا تجمع ولشدة إبهامها لزمها النعت بخلاف أسماء الإشارة، فإنها تكون وصلة تارة وأخرى غير وصلة.
فإذا لم تكن وصلة لم يلزمها الوصف، قال: وأي بلفظ واحد مع الاثنين والجميع على المختار، أما مع المؤنثة الواحدة فالمختار يا أيتها المرأة بالتاء، انتهى.
وقال الله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ 3 وقال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ 4، وكلام المصنف يعطي أن تأنيث أيّ لتأنيث صفتها واجب، وكلام ابن عمرون قد أفهم أنه مختار.
ثم قال ابن عمرون: وما روي عن ابن عامر من ضمة الهاء 5 فوجهه أن هذا الحرف قد صار في موضع من المواضع بمنزلة ما هو من ذات الكلمة حتى دخل عليه العامل كقولك: مررت بهذا الرجل، وقالوا: هلم فبنوه مع لم، فلما أجري في أول الكلمة مجرى بعض الكلمة أجري في آخر الكلمة ذلك المجرى فحذفت الألف من أيها كما حذفت من هلم، وأجري الإعراب على الهاء لأنها قد صارت كحرف من الاسم -

................................  وأما حركة الياء قبلها بالضم في يا أيّه فإنها للإتباع كحركة راء امرئ.
ومنها: أنك قد عرفت أن الأخفش يدعي موصولية أي.
وقد عرفت ما ردّ به المصنف ذلك.
ثم إن الزجاج رد ذلك من وجه آخر، وهو أنها لو كانت موصولة وما بعدها صلة لزم فيها النصب لخبر من زيد.
قال: وإن أراد الأخفش أنه مثل الذي، فالصلة لا تكون بالمفردات في غير اللام، وإن جعله جملة احتاج إلى حذف مبتدأ لم يظهر قط، ولو قيل: يا أيها الرجل لكان عيّا 1 انتهى.
وفي شرح الشيخ أن في الاسم الواقع بعد أي في النداء أربعة أقوال: صفة لأي على قول البصريين، وخبر لمبتدأ مقدر على قول الأخفش، وصفة لخبر مبتدأ محذوف على قول الكوفيين، ونعت لاسم إشارة إما ملفوظ به وإما محذوف نابت «ها» منابه 2. ومنها: أنك قد عرفت أن المازني يجيز نصب صفة أي، وأن الزجاج يقول: إن أحدا من النحويين قبله لم يجز ذلك ولا تابعه أحد بعده، وقد علل امتناع النصب بأمرين: أحدهما: أن النصب إنما هو بالحمل على الموضع ولا يكون إلّا بعد تمام الكلام والنداء لم يتم بيا أيها فلم يجز الحمل على موضعها.
ثانيهما: أن المقصود بالنداء هو الرجل وإنما أتي بأي ليتوصّل بها إلى ندائه فجعلوا لفظه كلفظ المنادى المفرد؛ إذ هو في التقدير المنادى.
وقد نبه ابن الحاجب على هذين الأمرين بأخصر عبارة وألطف إشارة؛ حيث قال بعد يا أيها الرجل ويا هذا الرجل ويا أيهذا الرجل: والتزموا رفع الرجل؛ لأنه المقصود، وتوابعه؛ لأنها توابع معرب 3. وعلى هذا الذي قرره ابن الحاجب ينبني الحكم في الوصف إذا كرّر في هذه المسألة.
فإنك إن جعلته وصفا لوصف، أي فالرفع إن كان الوصف مضافا تقول: -

................................  يا أيها الرجل الطويل.
ويا أيها الرجل ذو الجمّة؛ لأن المتبوع الذي هو نعت أيّ معرب وليس له محل يتبع عليه، فوجب إعراب تابعه مفردا كان أو مضافا بإعرابه.
وإن جعلت الوصف الثاني صفة لأي، فإن كان مضافا فالنصب، تقول: يا أيها الرجل ذا الجمّة، والظاهر أن الموجب لذلك ما ذكر في وجوب رفع الأول، وهو أنه المقصود بالنداء، ولا شك أن المنادى المضاف واجب النصب.
لكن قال الشيخ: إن النصب فيه على الموضع، ولم يتجه لي ذلك؛ لأنه لو جاز مراعاة الموضع بالنسبة إلى الثاني لجاز مراعاته بالنسبة إلى الأول.
وإن كان الوصف مفردا فالظاهر وجوب الرفع حملا على لفظ أي.
لكن الشيخ ذكر أن النصب جائز حملا على موضع أي 1 ولم يظهر لي وجه ذلك، وكيف يكون لأيّ موضع بالنسبة إلى الوصف الثاني ولا يكون لها موضع بالنسبة إلى الوصف الأول.
إلّا أن يقال: لما تم الكلام بذكر الوصف الأول أمكن مراعاة الموضع لأن الموضوع إنما يراعى بعد تمام الكلام كما تقدم.
وفي ذلك نظر، لأن أيّا إنما أتي بها وصلة [4/ 191] لنداء ما بعدها فصورتها صورة المنادى، وليست بمناداة، وإذا لم تكن مناداة فكيف يتحقق لها موضع ثم قال الشيخ: وذكر ابن أصبع أن جواز النصب في الصفة المكررة باتفاق من النحويين.
قال: ويعني إذا كانت الصفة محمولة على أي على موضعها، وإذا كانت غير مضافة فإنها إن تنعت الصفة الأولى رفعت وصفا لها، وإن كانت مضافة نصبت 2. ومنها: أن المصنف قال مشيرا إلى أي في نحو: يا أيها الرجل: ولا يستغني عن الصفة المذكورة ولا يتبعها غيرها.
والظاهر أن هذا الذي قاله لا حاجة إليه، بل لا فائدة له، وذلك أن أيا إنما أتى بها وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام الجنسيّتان فهي لا تفرد بالنداء حتى يقال: إنها لا تستغني عن الصفة.
ثم إنها إذا لم تؤنث بهاء إلّا لأجل نداء ما فيه «أل» الجنسية وحينئذ تكون أل ما فيه صفة لها، فكيف يوصف بغيره، وما برحت أعجب من قوله في الألفية: -

جارٍ التحميل