تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 3235-3274

الباب الحادي والأربعون باب الإضافة

صفحات 3235-3274

................................  3011 - ألكني إلى سلمى بآية أو مأت... بكفّ خضيب تحت كفّ مدرع 1 وإلى مقرون بـ «ما» المصدرية قول الآخر: 3012 - ألا من مبلغ عنّي تميما... بآية ما يحبّون الطّعاما 2 وإلى مقرون بـ «ما» النافية قول الآخر 3: 3013 - ألكني إلى قومي السّلام رسالة... بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا 4 وفي هذا البيت دلالة على أنه لا حاجة إلى تقدير حرف مصدري بين «آية» والفعل المجرد كما زعم ابن جني في قول الشاعر: 3014 - بآية يقدمون الخيل شعثا... كأنّ على سنابكها مداما 5 فزعم أنه أراد: بآية ما يقدمون 6، وهو خلاف قول سيبويه 7. وكذا زعم ابن جني أن «ما» في قول الآخر: 3015 - بآية ما يحبّون الطّعاما مصدرية 8، وجعلها سيبويه زائدة ذكر ذلك في باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء 9. ووجه الاستدلال بقول القائل: 3016 - آية ما كانوا ضعافا ولا عزلا أن «آية» فيه مضافة إلى فعل منفي بـ «ما» وتقدير «ما» المصدرية قبل «ما» النافية ممتنع؛ فصحت إضافة «آية» إلى فعل مستغن عن «ما» المصدرية ويشارك «آية» -

................................  في الإضافة إلى فعل متصرف مثبت «لدن» و «ريث» وهما أحق بذلك من «آية».
أما «لدن»؛ فلأنها تدل على مبدأ الغاية زمانا أو مكانا، فإذا دلت على المبدأ الزماني فجريها مجرى أسمائه المبهمة ليس ببدع.
فمن ذلك قول [4/ 90] الشاعر: 3017 - لزمنا لدن سألتمونا وفاقكم... فلا يك منكم للخلاف جنوح 1 وقد تتوسط «أن» بينها وبين الفعل زائدة أو مصدرية كقول الشاعر: 3018 - وليت فلم تقطع لدن أن وليتنا... قرابة ذي قربي ولا حقّ مسلم 2 وأما «ريث» فهو مصدر «راث - يرث» إذا أبطأ؛ فعومل في الإضافة إلى الجمل معاملة أسماء الزمان كما عوملت المصادر معاملة أسماء الزمان في التوقيت.
ومن إضافة «ريث» إلى الجملة قول الشاعر: 3019 - خليليّ رفقا ريث أقضي لبانة... من العرصات المذكرات عهودا 3 وقد يتوسط بينه وبين الفعل «ما» زائدة أو مصدرية كقول الشاعر: 3020 - بمحيّاه حين يلقى ينال الس... سؤل راجيه ريثما يتسنّى 4 وعلى كل حال ففي إضافة الثلاثة إلى الجمل شذوذ؛ لتساويها في استبدادها بالإضافة إلى الجمل دون النظائر كاستبداد «آية» دون «علامة» و «سمة»، وكاستبداد «لدن» دون «لدى» و «عند» وكاستبداد «ريث» دون «بطء» و «لبث».
وقد تتوسط «أن» بين «حين» والجملة كقول أوس بن حجر 5: 3021 - وحالت على وحشيّها أمّ جابر... على حين أن نالوا الرّبيع وأمرعوا 6 وأشد من إضافة الثلاثة إضافة «ذي» بمعنى «صاحب» إلى مضارع «سلم» مسندا إلى المخاطب بعد «اذهب» في قولهم: اذهب بذي تسلم، وفي التأنيث: -

................................  اذهبي بذي تسلمين، وفي التثنية: اذهبا بذي تسلمان، وفي الجمع: اذهبوا بذي تسلمون، واذهبن بذي تسلمن.
وقالوا أيضا في القسم: لا بذي تسلم ما كان كذا؛ حكاه ابن السكيت 1 رحمه الله تعالى.
وقد اتفقت هنا الإضافة إلى الفعل لفظا وإلى المصدر تقديرا على أن كل مضاف إلى جملة مقدر الإضافة إلى المصدر من معناها، ومن أجل ذلك لا يعود منها ضمير إلى المضاف إليها.
كما لا يعود من المصدر.
فإن سمع ذلك عد نادرا كقول الأعشى: 3022 - وتبرد برد رداء العرو... س في الصّيّف رقرقت فيه العبيرا وتسخن ليلة لا يستطيع... نباحا بها الكلب إلّا هريرا 2 ومثله: 3023 - مضت سنة لعام ولدت فيه... وعشر بعد ذلك وحجّتان 3 وهذا مما خفي على أكثر النحويين.
ولذلك قال ابن السراج: فإن قلت: أعجبني يوم قمت فيه؛ امتنعت الإضافة؛ لأن الجملة حينئذ صفة ولا يضاف موصوف إلى صفة 4. ونبهت بقولي: (ويجوز في رأي الأكثر بناء ما أضيف إلى مبني من اسم ناقص الدلالة) على جواز بناء «غير» و «دون» و «بين» وشبهها من الأسماء التي لا تتم دلالتها على ما يراد بها إلا بما تضاف إليه مع مناسبتها الحروف بعدم قبولها للنعت والتعريف بالألف واللام والتثنية والجمع وبعدم اشتقاقها والاشتقاق منها؛ فإن ما فيها من مناسبة الحروف صالح لجعله سبب بناء على الإطلاق، لكنه ألغي في الإضافة إلى معرب واعتبر في الإضافة إلى مبني قصدا للمشاكلة.
وبعضها أحق بالبناء من بعض لكونه أزيد مناسبة كما ترى في «غير» من وقوعها موقع «إلا» وموقع «لا» نحو: قاموا غير زيد وزيد غير بخيل ولا جبان.
وحكى الفراء أن بعض بني أسد وقضاعة يبنون «غيرا» على الفتح إذا وقعت موقع «إلا» تمّ الكلام -

................................  قبلها أم لم يتم، نحو: ما قام أحد غيرك وما قام غيرك 1. وأنشد عن الكسائي: 3024 - لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت... حمامة في غصون ذات أو قال 2 ومن شواهد بناء «دون» قوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ 3 ففتح نونه وهو موضع رفع بالابتداء، ومن بناء «بين» قوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ 4 ففتح النون وهو في موضع رفع؛ لقيامه مقام الفاعل ومثله قول الشاعر: 3025 - ولم يترك النّبل المخالف بينها... أخا لأخ يرجى ومأثورة الهند 5 هكذا ضبطه من يوثق بضبطه بفتح النون من «بينها» أجرى قوم منهم الزمخشري 6 وابن عصفور 7 «مثلا» مجرى «غير» في جواز البناء عند الإضافة إلى مبني واستشهدوا بقراءة الحرميين، والصريحين، وحفص 8: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ 9 بفتح اللام 10 وهو في موضع رفع صفة لـ (حقّ) 11 وبقراءة بعض السلف: أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح 12، وبقول الشاعر: 3026 - [فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم]... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 13

................................  على أن «مثلهم» مبتدأ، ولا ينبغي لـ «مثل» أن يجري مجرى «غير»؛ لأنه وإن وافقه في أن دلالته على معناه لا تتم إلا بما يضاف إليه فقد خالفه بمشابهة التام الدلالة في قبول التصغير والتثنية والجمع والاشتقاق منه.
وكل ما استشهدوا به على البناء فخرج على الإعراب أحسن تخريج؛ فيجعل (حق) اسم فاعل من «حق - يحق» ثم قصر كما فعل بـ «بار، وسار» حين قيل فيهما: بر وسر، وبقي فيه الضمير الذي كان فيه قبل القصر وجعل مِثْلَ ما حالا منه.
وأما قراءة من قرأ: أن يصيبكم مثل ما أصاب 1؛ بالنصب فوجهه أنه منصوب على المصدرية وفاعل (يصيبكم) ضمير عائد على (الله) من: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ 2؛ كأنه قيل: ولا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم الله مثل ما أصاب قوم نوح، وإنما يحتاج إلى هذا إذا سلم بناء «غير» وما بعدها في المواضع المذكورة.
وهو وإن كان أشهر من بناء «مثل» ضعيف عندي؛ لأن الإضافة فيها قياسية، فلا ينبغي أن تكون سبب بناء؛ لأنها من خصائص الأسماء، فحقها أن تكف سبب البناء وتقلبه؛ لأنها تقتضي الرجوع إلى الأصل والسبب الكائن معها يقتضي الخروج عن الأصل وما يدعو إلى مراجعة الأصل راجع على ما يدعو إلى مفارقته.
ولذلك رجح شبه «أي» بـ «كل» و «بعض» على شبهها [4/ 91] بحرفي الشرط والاستفهام في المعنى وبالحرف المصدري في لزوم الافتقار.
وإذا ثبت هذا وجب توجيه ما أوهم بناء «غير» وشبهه للإضافة إلى مبني بما لا يخالف الأصول ولا يعسر القبول؛ فيخرج قول بني أسد وقضاعة: ما جاء غيرك؛ بفتح الراء على أن يكون المراد: ما جاء جاء غيرك؛ فنصب «غيرك» على أنه حال أو منصوب على الاستثناء، وساغ حذف «جاء» وهو فاعل؛ لأنه بعد نفي والعموم فيه مقصود وحذف مثل هذا بعد النفي والنهي كثير.
فمن بعد النفي قوله عليه الصلاة والسّلام: «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» 3 أي: ولا يشرب الشارب.
ومثله قول الراجز: -

................................  3027 - ما سار في سبل المعالي سيره... ولا كفى في النّائبات غيره 1 أراد: ما سار سائر غيره، ولا كفى كاف غيره.
ومثله قول الشاعر: 3028 - فإن كان لا يرضيك حتّى تردّني... إلى قطريّ لا إخالك راضيا 2 أراد: فإن كان لا يرضيك مرض، ومن وقوعه بعد النهي قراءة هشام 3: ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا 4، أي: ولا يحسبن حاسب، وعلى هذا يحمل قول الشاعر: 3029 - لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت كأنه قال لم يمنع الشرب منها مانع غير أن نطقت، والنصب على الحالية أو على الاستثناء.
وأما قوله تعالى: مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ 5 فعلى تقدير: ومنا صنف دون ذلك؛ فحذف الموصوف وقامت صفته مقامه كما قال الشاعر: 3030 - لكم مسجد الله المزوران والحصى... لكم قبصة من بين أثرى وأقترا 6 أراد: من بين من أثرى ومن أقتر؛ فحذف «من» وهي نكرة موصوفة وأبقى صفتها وبمثل هذا يوجه قوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ 7؛ فحذف «حول» مصدر (حيل) وأقيمت صفته مقامه ومثله قول الشاعر: 3031 - ولم يترك النّبل المخالف بينها... أخ لأخ يرجى ومأثورة الهند 8 أراد: المخالف خلاف بينها؛ فحذف الموصوف وهو مفعول ما لم يسم فاعله -

................................  وأقام صفته مقامه.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 1. ويتعلق به أبحاث: الأول: ظاهر ما ذكره أن الإضافة إلى الجمل مقصورة على ما ذكره وهو أسماء الزمان المبهمة وأربع الكلمات التي تضمنها الفصل وهي «آية» بمعنى: علامة، و «لدن»، و «ريث»، و «ذو» من قولهم: اذهب بذي تسلم، وليس كذلك؛ فإن «حيث» تضاف إلى الجملة وليست ظرف زمان ولا هي من الكلمات التي ذكرها؛ بل هي ظرف مكان.
ثم ما يضاف إلى الجمل من أسماء الزمان وغيرها منه ما إضافته إليها واجبة، ومنه ما إضافته جائزة كما عرف ذلك من تفاصيل الأبواب.
وأفهم قوله: (أسماء الزمان) أن اسم الزمان يضاف إلى الجملة على الإطلاق سواء كان ظرفا أم غير ظرف.
قال الشيخ 2: وقوله: (غير المحدودة) تأكيد؛ لأن (المبهمة) كان يغني عن الوصف بـ (غير المحدودة).
ولقائل أن يقول: إن المختص من أسماء الزمان هو المتعين الزمان منها، كأسماء الأيام والشهور فإنها تعين مسماها، وما لا يتعين مسماه فهو المبهم.
ثم المبهم منه معدود وغير معدود؛ فـ «يومان» مثلا مبهم معدود و «وقت» و «زمن» و «حين» مثلا مبهم غير معدود.
ولا شك أن المعدود محدود، وإذا كان الأمر كذلك والفرض أن المحدود لا يجوز فيه الإضافة المذكورة تعين أن يقيد قوله: (المبهمة) بقوله: (غير المحدودة).
وقد تقدم في باب المفعول المطلق أن المعدود من قبيل المختص؛ فيكون قسيما للمبهم.
والآن قد ذكرنا أن المعدود من قبيل المبهم فيكون قسما منه.
والذي يظهر أن كونه قسما أولى من كونه قسيما.
الثاني: ذكر المصنف في شرح باب «لا» العاملة عمل «إن» عن المبرد أنه قال: العرب -

................................  تقول: أعجبني يوم زرتني؛ فتبني، وأعجبني يوما زرتني؛ فتعرب 1. وهذا صريح في جواز إضافة أسماء الزمان المحدودة إلى الجملة.
وجرى ذكر هذه المسألة مرة في مجلس فيه المعتبرون من أهل الفن فذكرت لهم ما ذكره المصنف عن المبرد فقال بعض الجماعة: هذا منقوض بقوله في باب الإضافة: (تضاف أسماء الزمان المبهمة غير المحدودة إلى الجمل) فأجبت بأن لا مناقضة؛ وذلك أنه إنما قيد الأسماء المذكورة بعدم التحديد ليرتب على ذلك بناءها ومن ثم قال: فيبنى وجوبا إن كان كذا وجوازا إن كان كذا، وإذا كان كذلك فلا يمتنع إضافة أسماء الزمان المحدودة إلى الجمل، لكنها إذا أضيفت تكون معربة، ولا يجيء فيها البناء كما كان في غير المحدودة.
فاستحسنه الجماعة وكنت جازما بذلك.
لكن لما وقفت على قوله في الشرح هنا: ولا يضاف إليها يوما ولا ليلتان ولا أسبوع ولا شهر أشكل الأمر؛ لأنه صرح بأن المحدودة لا تضاف وأطلق وحينئذ يعود السؤال وهو أن يقال: كيف قال هنا: إن المحدودة من أسماء الزمان لا تضاف وقال في باب «لا»: إن العرب تقول: أعجبني يوما زرتني؛ فتعرب، ولا شك أن اليومين مضافان إلى «زرتني» مع أنهما معربان حال إضافتهما.
والذي ذكره المصنف هنا قد صرح به ابن عصفور حيث قال: ولا يضاف إلى جملة أسماء الزمان غير المثناة.
وكلام الشيخ 2 موافق لذلك.
وذكر السهيلي العلة في امتناع إضافة المبني إلى الجمل.
فقال: لأن الحدث إنما يقع مضافا للظرف الذي هو وقت له فلا معنى لذكر وقت آخر 3. قال: ووجه آخر وهو أن الجملة المضاف إليها هي نعت للظرف في المعنى فقولك: يوم قدم زيد؛ كقولك: يوم قدم زيد فيه، في المعنى.
والفعل لا تدخله التثنية فلا يصح [4/ 92] أن يضاف إليه الاثنان كما لا يصح أن ينعت الاثنان بواحد.
ووجه ثالث وهو أن قولك: قام زيد؛ لا يصح إلا أن يكون جوابا لـ «متى»، واليومان جواب لـ «كم» وما هو جواب لـ «كم» لا يكون جوابا لـ «متى» أصلا؛ فإن -

................................  أضفت اليومين كنت مناقضا لجمعك بين الكمية وبين ما لا يكون إلا لـ «متى» 1. هذا ما نقلته من شرح الشيخ. ولم أفهم شيئا من الوجه الأول، ولا الثاني، ولا الثالث. ثم إني لم أعلم الموجب لاقتصار ابن عصفور على إخراج المثناة. ولا شك أن قول المصنف: (غير المحدودة) يشمل المثنى وغيره مما هو محدود؛ ولهذا قال: فأخرجت بـ (غير المحدودة) ما يدل على عدد دلالة صريحة كـ: «يومين» و «أسبوع» و «شهر». ولكن قال الشيخ: وأما ما كان من الظروف غير مثنى ودل على استحضار ما تحته من العدد استحضارا أوليّا كـ: «أسبوع» و «شهر» و «عام» فنص بعض أصحابنا على جواز إضافته إلى الجمل. ومنع المصنف ذلك في كل ما دل على عدد دلالة صريحة كـ: «أسبوع» و «شهر» 2. وأقول: إن الذي ذكره المصنف هو الظاهر بل الحق. ويدل على صحته أن الشيخ بعد ذكره ما تقدم نقل عن صاحب البديع 3 أنه قال: الأوقات التي تضاف إلى الجمل هي ما كانت حينا وزمانا لا يختص به شيء دون شيء ويقبح في الموقت نحو: «شهر»، و «سنة» حتى قالوا: لا يضاف شيء له عدد نحو: «يومين» 4. انتهى. وهذا موافق لما ذكره المصنف. ومما ينبه عليه أن الجمع ليس حكمه حكم المثنى؛ لأنه غير محدود وإنما حكمه حكم المفرد. وقد تقدم ما أنشده المصنف من قول الشاعر: 3032 - أزمان قومي والجماعة...... البيت وقول الآخر: 3033 - أيّام لو تحتلّ وسط مفازة ومنه قول الآخر: 3034 - ليالي أفناد الهوى ويقودني... تحول بنا ريحانه وتحاوله 5

................................  البحث الثالث: ذكر الشيخ عن صاحب البسيط 1 أن هذه الإضافة - أعني إلى الجمل - هل تفيد تعريفا، أو لا؟ قال: فقد يقال: لا تفيد تعريفا؛ لأن الجمل نكرات، وقد يقال: إن الجمل تقدر بالمصادر والمصدر يضاف في التقدير إلى الفاعل أو المفعول، فكان معرفة إن كان المضاف إليه كذلك؛ لأن إضافة المصدر محضة، قال: وفيه نظر؛ لأن تقدير الجملة تقدير المصنف ليس على جهة أن الظرف سابك، وإنما هو تقدير المعنى كما في همزة التسوية، وإذا كان كذلك فلا التفات إلى هذه الإضافة بالنسبة إلى التعريف كما لا يتعرف قولك: غلام رجل، وأنت تريد واحدا بعينه، وأيضا فإنه لا يلزم في المصدر أن يضاف؛ بل قد يقدر منونا عاملا 2. انتهى.
وهو كلام حسن إلا أنه قال: وحصر النحويين الإضافة التي لا تفيد تعريفا في ما حصروه يدل على أن هذه الإضافة تفيد التعريف 3. وأقول: إن حصر النحويين الإضافة التي لا تفيد تعريفا في ما حصروه إلى آخره ليس فيه دليل على أن هذه الإضافة تفيد التعريف؛ لأن الإضافة إلى الجمل إنما هي على خلاف الأصل إذ الأصل الإضافة إلى المفرد، فالتقسيم الذي ذكروه - وهو أن الإضافة تفيد تعريفا ولا تفيده - إنما هو راجع إلى ما هو الأصل وهو الإضافة إلى المفرد، أما المضاف إلى الجملة من أسماء الزمان وغيرها فله حكم نفسه؛ إن كان معلوما قبل أن يضاف فمعلوم بعد الإضافة، أو غير معلوم فغير معلوم، ولا مدخل للإضافة في إفادة ذلك.
البحث الرابع: قد عرفت أن المصنف اختار مذهب الكوفيين وهو جواز بناء اسم الزمان المضاف إلى جملة مصدرة باسم أو فعل معرب، وقد استدل على ذلك بما تقدم ذكره.
- - وشرح المفصل (4/ 35)، والعيني (3/ 7)، (4/ 311)، والنقائض (632)، والهمع (2/ 111).

................................  فقال الشيخ فيه: تأول البصريون قوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ 1 على أن هذا ليس إشارة إلى اليوم في قراءة النصب بل هو إشارة إلى الوعد وهذا مبتدأ، ويَوْمُ يَنْفَعُ خبره كأنه قيل: هذا الوعد يوم ينفع، وكذلك تأولوا يَوْمَ لا تَمْلِكُ 2 على أنه منتصب بإضمار فعل؛ أي: اذكر يوم لا تملك، وكذلك يحتمل قوله: 3035 - إذا قلت هذا حين أسلو أن يكون التقدير: هذا حالي حين أسلو؛ فيكون خبر «هذا» محذوفا لفهم المعنى 3. ثم قال: وما ذكره - يعني المصنف - لا يلزم؛ لأنه بناه على أن هذا إشارة إلى اليوم كهو في قراءة من رفع 4، وقد ذكرنا أن البصريين تأولوا ذلك.
قال: وأما مباينة التقدير باعتبار القرائن فلا تضر؛ لأن القراءتين تتنزلان في الآية الواحدة منزلة الآيتين، وأما كون الوقت واحدا فيمكن أن يقع فيه أقوال متباينة.
وأما أن المعنى واحد فغير مسلم؛ وقد تتعدد المقولات المحكية والزمان واحد وأما يَوْمَ لا تَمْلِكُ؛ فقد ذكرنا أن نصبه على تقدير: «اذكر» 5. انتهى.
والناظر الحاذق إذا قابل ما ذكره وما أشار إليه من تأويل البصريين بما ذكره المصنف علم ما بينهما من التفاوت وأن كلام المصنف في النقاع والكلام الذي قوبل به في الحضيض.
وفي شرح الشيخ: ومما يجوز فيه الإعراب والبناء هذه الظروف إذا أضيفت إلى «إذ» التي لحقها تنوين العوض نحو: «حينئذ» و «ساعتئذ» و «ليلتئذ» و «يومئذ» أو التي لم يلحقها نحو: جئت يومئذ قام زيد 6، وقال في قول المصنف: (فإن صدرت باسم أو فعل معرب جاز الإعراب باتفاق والبناء خلافا للبصريين): إن ذكر جواز الإعراب في هذه المسألة ليس جيدا؛ لأن الإعراب في المسألتين متحتم عند البصريين وجائز عند الكوفيين؛ إذ يخيرون في المسألتين بين الإعراب والبناء.
قال: فقد اختلف مدرك المذهبين؛ فلا يمكن [4/ 93] أن يقال في ذلك: جاز -

................................  الإعراب باتفاق 1. انتهى. والجواب: أننا نعرف تحتّم الإعراب عند البصريين من قوله: (والبناء خلافا للبصريين) فكلامه سديد، لا مؤاخذة فيه. البحث الخامس: قد عرفت أن المصنف فسر قولهم: بذي تسلم: بذي سلامتك، ففهم من كلامه أن «ذي» بمعنى «صاحب» كما هي في قولهم: بذي سلامة، قالوا: والمعنى: اذهب في وقت ذي سلامة، وقد ذكروا في معناه غير ذلك والظاهر ما أشرنا إليه. وقد عرفت ما ذكره المصنف عن ابن السكيت أنه حكاه عن العرب وهو أنهم قالوا في القسم: لا بذي تسلم ما كان كذا. وفي شرح الشيخ: وقالوا: لا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، (ولا أفعل بذي تسلمون) 2، وفي الأبيات أيضا يعني أنهم يقولون: افعل بذي تسلم 3، وفي شرح الشيخ أيضا: أن بعضهم ذهب إلى أن «ذي» من قولهم: بذي تسلم - بمعنى «الذي» فهي موصولة و «تسلم» صلة لها وذلك على لغة طيئ وأعربت على لغة بعضهم، والمعنى اذهب في الوقت الذي تسلم فيه ثم اتسع فحذف الجار وأوصل الفعل فصار تسلمه ثم حذف الضمير. قال: فعلى هذا القول لا إضافة ولا شذوذ. قال: وإلى نحو هذا ذهب ابن الطراوة 4. البحث السادس: قد عرفت أن الجملة المضاف إليها اسم الزمان لا يعود منها ضمير عليه، وأنه إن ورد ذلك عدّ نادرا كقوله: 3036 - وتسخن ليلة لا يستطيع... نباحا بها الكلب إلّا هريرا 5

................................  وكقول الآخر: 3037 - مضت سنة لعام ولدت فيه... وعشر بعد ذلك وحجّتان 1 هذا رأي المصنف كما تقدم له ذكره.
وأما ابن عصفور فإنه منع ذلك جملة؛ لأنه لما ذكر أن ذلك لا يجوز.
قال: فإن كان ضمير عائد عليه فصلته عن الإضافة وكانت الجملة صفة: فأما قوله: مضت سنة................ البيت فيتخرج على أن يكون «فيه» متعلقا بفعل مضمر التقدير: أعني فيه، ويكون «أعني» مع معمولها جملة اعتراض 2. وغير ابن عصفور قدّر «ولدت» أخرى وجعلها العاملة التقدير لعام ولدت ولدت فيه.
وأما البيت الآخر فقد خرج على حذف التنوين من ليلة كما حذف من قول الآخر: 3038 - شلّت يدا وحشيّ من قاتل 3 وأما المصنف فلم يعرج على تخريج، وإنما جعل الضمير عائدا من الجملة المضاف إليها على اسم الزمان على سبيل الندور.
المبحث السابع: قد يفهم قول المصنف: (ويجوز في رأي الأكثر بناء ما أضيف إلى مبني من اسم ناقص الدلالة) أنه لا يرى ذلك.
ويدل على أن هذا مراده أنه خرج جميع ما استشهد به على البناء أحسن تخريج كما عرفت.
ولم يطعن الشيخ في شيء من ذلك غير أنه بعد أن أورد كلامه قال: وما ذهب إليه من حذف الفاعل والمفعول الذي لم يسم فاعله هو منزع كوفي وليس مذهب البصريين 4. ولم يزد الشيخ على ذلك.
وهذا عجب؛ فإن المصنف استدل على حذف الفاعل بعد النهي بالآية الشريفة، وبعد النفي بالحديث الشريف؛ فكان الواجب أن يجيب عن الاستدلال المذكور.
ولا شك أن ما استدل به ظاهر الدلالة في المراد لا دافع له؛ فوجب القبول.

[حذف أحد المتضايفات، والجر بالمضاف المحذوف]

قال ابن مالك: (فصل: يجوز حذف المضاف للعلم به ملتفتا إليه ومطّرحا ويعرب بإعرابه المضاف إليه قياسا إن امتنع استبداده به وإلّا فسماعا.
وفي قيامه مقامه في التّذكير والتّأنيث وجهان.
وقد يخلفه في التّنكير إن كان المضاف مثلا، وقد يحذف مضاف ومضاف إليه، ويقام ما أضيف إليه الثّاني أو ما أضيف إليه صفة للثّاني محذوفة مقام ما حذف، وقد يقام مقام مضاف محذوف مضاف إلى محذوف قائم مقامه رابع.
وقد يستغنى بمضاف إلى مضاف إلى مضاف إلى رابع عن الثّاني والثّالث، ويجوز الجرّ بالمضاف محذوفا إثر عاطف متّصل أو منفصل بـ «لا» مسبوق بمضاف مثل المحذوف لفظا ومعنى.
وربّما جرّ المضاف المحذوف دون عطف، ومع عاطف مفصول بغير «لا»).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: إذا كان المضاف لا يجهل معناه بحذف لفظه جاز أن يحذف ويجعل المضاف إليه معربا بإعرابه ونائبا عنه في ما جيء بالإعراب لأجله، وإن قدر لفظ المحذوف والتفت إليه رتب على وفقه ما بعد القائم مقامه كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ 2 فإن الأصل: أو كذي ظلمات؛ فحذف «ذو» وأقيمت ظلمات مقامه لفظا والتفت إليه معنى؛ فذكر الضمير.
ولولا الالتفات إلى المعنى لأنث كما أنث في قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها 3 ولو التفت هنا لقيل: الذين كنا فيها.
ومن الالتفات إلى المحذوف قراءة الحسن: (فجعلناها حصيدا كأن لّم يغن بالأمس) 4 بالياء؛ لأن الأصل: فجعلنا زرعها حصيدا، ومن الالتفات إلى المحذوف قولهم: قرأت هودا؛ بالتنوين يريدون: سورة هود، ولو جعل المضاف مطرحا لفظا ونية لقيل: قرأت هود؛ بلا -

................................  تنوين لأنه على هذا القصد اسم للسورة فلا ينصرف للتعريف والتأنيث، ومن الالتفات إلى المحذوف قوله: 3039 - يسقون من ورد البريص عليهم... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل 1 أراد: ماء بردى فحذف ملتفتا إلى الماء فذكر، ولولا ذلك لقال: تصفق؛ لأن «بردى» اسم مؤنث، ثم إن القائم مقام المضاف إن امتنع استبداده به فهو قياسي وإن صح استبداده به فهو سماعي والمراد باستبداده به أن يكون المضاف إليه صالحا للفاعلية إن كان المضاف فاعلا، ولغير فاعلية إن كان غير فاعل؛ فالحذف في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 2 قياسي؛ لعدم استبداد [4/ 94] القرية بوقوع السؤال عليها حقيقة.
وكذا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ 3 أي: حب العجل هو أيضا قياسي لعدم صلاحية العجل لأن يكون مشربا في قلوبهم، وكذا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ 4 أي: ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، ومنه قول الأعشى: 3040 - فارقنا قبل أن نفارقه... لمّا قضى من جماعنا وطرا 5 أي: قبل إرادة أن تفارقه لا بد من هذا التقدير؛ لأن الفراق لا يكون من أحد المتفرقين قبل الآخر.
وأجاز ابن جني: جلست زيدا؛ على تقدير: جلست جلوس زيد 6، ولا أرى ذلك؛ لأن المعنى لا يتعين لاحتمال أن يراد: جلست إلى زيد؛ فحذفت «إلى» وانتصب ما كان مجرورا بها بخلاف الأمثلة التي مرت؛ فنوعها قد أمن فيه اللبس وجعل قياسا بخلاف ما يوجد فيه الجزآن صالحين لعمل العامل حقيقة نحو: ضربت غلام زيد؛ فإنه لو قيل فيه: ضربت زيدا، لم يفهم المراد؛ لأن «زيدا» يصح استبداده بمفعولية «ضرب» فيمتنع الحذف من هذا النوع ما لم -

................................  توجد قرينة تدل على المراد كقولك: مررت بالقرية فأكرمتني؛ فإنه جائز وإن كان أهل القرية والقرية صالحين لتعدية المرور إليهما حقيقة لكن ذكر الإكرام بيّن أن المراد الأهل؛ فجاز الحذف، وكذلك لو فهم المراد بغير قرينة لفظية لم يمتنع الحذف أيضا، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة رحمه الله تعالى: 3041 - لا تلمني عتيق حسبي الّذي بي... إنّ بي يا عتيق ما قد كفاني 1 أراد بـ «عتيق» ابن أبي عتيق، كذا قال من عني بشعر ابن أبي ربيعة.
ومن هذا النوع قول الشاعر: 3042 - فمن كان يرجو الصّلح فيه فإنّه... كأحمر عاد أو كليب لوائل 2 أراد: كأحمر أمثال عاد؛ لأن المراد عاقر الناقة، وهو من ثمود لا من عاد؛ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه مع صلاحيته للاستبداد بعمل العامل، ومثله: 3043 - وماديا تخيره سليم يكا... د شعاعه يغشّي العيونا 3 أراد: تخيره أبو سليمان؛ فرخم «سليمان» مضطرّا وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه مع صلاحيته للاستبداد بفاعلية «تخيره»، ومن مستحسن هذا النوع قول الشاعر: 3044 - فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت... فلو جنّ النّاس من الحسن جنّت 4 أراد: فدقّ خصرها وجلت عجيزتها واسبكرت قامتها وأكملت محاسنها؛ فحذف مع صلاحية المضاف إليه لفاعلية كل واحد من هذه الأفعال؛ لأن عطف بعضها على بعض بين المعنى فحسن الحذف.
ونبهت بقولي: (ونائبا عنه في ما جيء بالإعراب لأجله) على وقوع المضاف إليه خلفا عن المضاف في ما كان له من فاعلية نحو: بنو فلان يطؤهم الطريق، ومن مفعولية نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 5، ومن ظرفية نحو: آتيك طلوع الشمس، ومن مصدرية كقول الأعشى: -

................................  3045 - ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا... [وعادك ما عاد السّليم المسهّدا] 1 أراد: اغتماض ليلة أرمدا؛ فحذف المصدر وجعل «ليلة» قائما مقامه في المصدرية كما قام المصدر مقام الظرف في طلوع الشمس وشبهه. وجعل ابن جني من هذا رواية بعض رواة أبي عمرو عنه وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا 2 بضم النون وتخفيف الزاي على تقدير: ونزل نزول الملائكة تنزيلا 3، وفيه عندي نظر. وإن كان المضاف المحذوف «مثلا» جاز الحكم على المضاف إليه بالتنكير فينعت به نكرة نحو: مررت برجل زهير شعرا، وهذا زيد زهير شعرا؛ لأن الأصل: مررت برجل مثل زهير، وهذا زيد مثل زهير؛ فحذف لفظ «مثل» ونوي معناه فجرى مجراه ما نوي فيه معناه وإن كان لفظه لفظ المعرفة. ومن هذا النوع قولهم: تفرّقوا أيادي سبا 4 فجعلوه حالا وهو في اللفظ معرفة؛ لأنهم أرادوا: مثل «أيادي سبأ» فحذف «مثل» وأقيم ما كان مضافا إليه مقامه في التنكير والإعراب. وروى الثقات: يا أيادي سبا؛ بالسكون مع أن الموضع موضع نصب، لكن خفف للتركيب فألزم السكون كما ألزم السكون يا معديكرب. وقد يحملهم العلم بالمحذوف على حذف مضاف ومضاف إليه مضاف هو إلى ثالث مستغنى به عن الأول والثاني؛ فمن ذلك قوله تعالى: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ 5 أي: دورانا كدوران أعين الذي يغشى عليه من الموت. وقد تكون أربعة أسماء مضاف أولها إلى موصوف بثالث مضاف إلى رابع؛ فتحذف الثلاثة ويكتفى بالرابع كقول الشاعر: 3046 - طليق الله لم يمنن عليه... أبو داود وابن أبي كثير ولا الحجّاج عيني بنت ماء... تقلّب طرفها حذر الصّقور 6

................................  أراد: ولا الحجاج صاحب عين مثل عيني بنت ماء؛ فحذف الأول والثاني والثالث الموصوف به الثاني وأقام مقام الثلاثة الرابع. وقد تكون أسماء مضاف أولها إلى ثانيها، وثانيها إلى ثالثها، وثالثها إلى رابعها، فيحذف الأول والثالث، ويبقى الثاني والرابع قائمين مقامهما فيما كان لهما من الإعراب كقول الشاعر: 3047 - أبيتنّ إلّا اصطياد القلوب... بأعين وجرة حينا فحينا 1 أراد: بمثل أعين ظباء وجرة؛ فحذف الأول والثالث وأقام مقامها الثاني والرابع، ومثله قول أبي ذؤيب 2: 3048 - فإنّك منها والتّعذّر بعد ما... لججت وشطّت من فطيمة دارها كمثل الّتي قامت تسبّع سؤرها... وقالت حرام أن يرحّل جارها 3 أراد: تسبع ذا سؤر كلبها؛ ففعل مثل ما فعل قائل البيت الأول. وإلى هذا النوع أشرت بقولي: (وقد يقام مقام مضاف محذوف مضاف إلى محذوف قائم مقامه رابع) [4/ 95] وأشرت إلى أن أصل مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ 4: من أثر حافر فرس الرسول؛ بقولي: (وقد يستغنى بمضاف إلى مضاف إلى مضاف إلى رابع). ثم أشرت إلى حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجرورا وأنه مقيس وغير مقيس. فأما المقيس فما حذف منه مضاف مذكور قبله مثله لفظا ومعنى بشرط كون المحذوف بعد عاطف منفصل بـ «لا» وغير منفصل كقولهم: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة 5، وما مثل أبيك وأخيك يقولان ذلك، وكقوله: 3049 - أكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد باللّيل نارا 6

................................  وكقوله: 3050 - ولم أر مثل الخير يتركه الفتى... ولا الشّرّ يأتيه امرؤ وهو طائع 1 وكقوله: 3051 - لو انّ طبيب الإنس والجنّ داويا ال... لذي بي من عفراء ما شفياني 2 وكقوله: 3052 - لو أنّ عصم عمايتين ويذبل... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا 3 وكقوله: 3053 - ألم يحزنك أنّ جبال قيس... وتغلب قد تباينتا انقطاعا 4 والأصل: ما كل سوداء ولا كل بيضاء، وما مثل أبيك ومثل أخيك يقولان، وأكل امرئ تحسبين امرأ، وكل نار، ولم أر مثل الخير ولا مثل الشر، ولو أنّ طبيب الإنس وطبيب الجن، ولو أن عصم عمايتين وعصم يذبل، وأن جبال قيس وجبال تغلب.
وظن بعضهم أن الحذف في هذا النوع مشروط بتقدم نفي أو استفهام، وليس ذلك مشروطا، بل يجوز مع عدمهما كقول الشاعر: 3054 - لغير معتبط مغرى بطوع هوى... ونادم مولع بالحزم والرّشد 5 ومثله: 3055 - كلّ مثر في رهطه طاهر العز... ز وذي غربة وفقر مهين 6 أي: وغير نادم وكل ذي غربة.
وأما غير المقيس مما خالف المقيس بخلوه مما قيد به كقراءة ابن جماز 7: (تريدون عرض الدّنيا والله يريد الآخرة)؛ بالجر 8 على -

................................  تقدير: يريد عرض الآخرة، وكقول بعض العرب: رأيت التيمى تيم فلان؛ على تقدير: أحد تيم فلان، حكاه الفارسي 1. وكقول الشاعر: 3056 - رحم الله أعظما دفنوها... بسجستان طلحة الطّلحات 2 على تقدير: أعظم طلحة الطلحات، وكقول الراجز: 3057 - الآكل مال اليتيم بطرا... يأكل نارا وسيصلى سقرا 3 على تقدير: الآكل المال مال اليتيم، ومثله: 3058 - المال ذي كرم ينمي محامده... ما دام يبذله في السّرّ والعلن 4 على تقدير: المال مال ذي كرم؛ فحذف البدل ونوي لفظه فبقي عمله.
وعلى هذا يوجه على الأجود ما في حديث الدجال من قول بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: قلنا يا رسول الله: ما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعين يوما».
أي: لبث أربعين يوما 5، ومثله: «خير الخيل الأدهم الأرثم المحجّل ثلاث» 6 أي المحجل: محجل ثلاث؛ فحذف البدل وأبقى عمله كمثل ما فعل في البيتين المتقدمين، وقد يكون على حذف «في» قبل «ثلاث» والأول أجود؛ لتقدم مثل المحذوف.
وفي صحيح البخاري: «فلمّا قدم جاءه بالألف دينار» 7، أي: بالألف ألف دينار؛ فحذف البدل وأبقى عمله، وهذا في البدل نظير ما جاء في العطف من: نار توقّد، وأمثاله.
وبهذا يوجّه ما رواه الكوفيون من قول العرب: الخمسة الأثواب، أي: الخمسة -

................................  خمسة الأثواب؛ فحذفوا البدل وأبقوا عمله.
وعلى هذه الشواهد وأمثالها نبهت بقولي: (وربما جر المضاف المحذوف دون عطف ومع عاطف مفصول بغير «لا».
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 1. ولكن لا بد من الإشارة إلى أمور: منها: أن كون المضاف لا يحذف إلا أن يكون معلوما كالمجمع عليه ويقتضي النظر ذلك؛ لأن حذف الشيء مقصود دون دليل ممتنع.
وظاهر كلام ابن عصفور ربما يوهم خلاف ذلك فإنه لا يجوز حذف المضاف إلا إذا كان الكلام مشعرا بحذفه فإن لم يشعر الكلام بذلك لم يجز إلا في الضرورة كقوله: 3059 - عشيّة مرّ الحارثيّون بعد ما... قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر 2 يريد: ابن هوبر 3. والذي يفهم من كلام المصنف أن ما في هذا البيت إنما يحكم بضرورته من أجل إقامة المضاف إليه مقام المضاف في الإعراب؛ لأنه قال: إن القائم مقام المضاف في الإعراب إن امتنع استبداده به فهو قياسي، وإن صح استبداده به فهو سماعي.. إلى آخر كلامه المتقدم.
ومنها: أن كلام المصنف يقتضي أن قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها 4 من قبل ما اطرح فيه النظر إلى المضاف المحذوف؛ لأنه قال: ولو التفت هنا لقيل: الذين كنا فيها، وما قاله لا يظهر؛ لأن المقصود بالوصف هو القرية لا أهل القرية.
ويجوز أن يقال في غير القرآن العزيز: اسأل أهل القرية التي كنا فيها؛ فيجري الوصف على القرية مع كون المضاف إليها مذكورا، ولو كان المضاف هو المقصود بالوصف لم يجز بعد التصريح به إجراؤه على القرية التي هي المضاف إليه بل كان يتعين إجراؤه على المضاف.
والحق أن لا يمثل لهذا الحكم بهذه الآية الشريفة، وإنما يمثل له بقوله تعالى: -

................................  فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ 1 في القراءة المشهورة؛ لأن الأصل فجعلنا زرعها حصيدا، وكذا يمثل له أيضا بقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ 2؛ فقوله تعالى: أَهْلَكْناها فَجاءَها إنما هو بالنظر إلى اطراح المحذوف، وكما كان هذا بالنظر إلى اطراح المحذوف كأن قوله تعالى: أَوْ هُمْ قائِلُونَ بالنظر إلى الالتفات إليه فقد اشتملت الآية الشريفة على الأمرين.
ومنها: أن المصنف ذكر كما عرفت [4/ 96] أن المضاف إليه يخلف المضاف في التنكير بعد الحذف إن كان المضاف «مثلا» نحو: مررت برجل زهير شعرا، وهذا زيد زهير شعرا.
فقال الشيخ: قد ردوا على الخليل قوله في نحو: له صوت صوت الحمار؛ أن «صوت الحمار» صفة لـ «صوت» وإن كان بصورة المعرفة 3؛ لأنه على تقدير: مثل صوت الحمار فاكتسى التنكير من المضاف المحذوف 4. قال: وقد ضعفه سيبويه وقبحه.
وقال في مسألة: له صوت صوت حمار، وله خوار خوار ثور: إن كان معرفة لم يجز أن يكون صفة لنكرة كما لا يكون حالا 5. قال الشيخ: فعلى هذا لا تجوز المسألة التي قررها المصنف واتبع فيها الخليل؛ إذ ردّها سيبويه ومنعها 6. انتهى.
وللمصنف أن يقول: إني أرى جواز هذه المسألة كما رآه الخليل ولا يلزمني موافقة سيبويه في ما رآه فيها.
وكان الواجب أن يبطل الشيخ هذا الرأي بالدليل، لا أن يبطل قولا بقول.
ثم قال الشيخ: وإذا كان المضاف مؤنثا مضافا إلى مذكر أو مذكرا مضافا إلى مؤنث جاز اعتبار التذكير والتأنيث فيقال: فقئ زيد وفقئت زيدا، على مراعاة: فقئت عين زيد، وجدعت هند وجدع هند على مراعاة: جدع أنف هند 7. -

................................  ومنها: أنه قد يحذف مع المضاف غيره من مضاف آخر.
والذي ذكره المصنف من ذلك أربع مسائل: الأولى: حذف فيها مضاف ثم المضاف إليه ذلك المضاف، وأقيم الثالث كما في قوله تعالى: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ 1 أي: كدوران أعين الذي يغشى عليه من الموت.
الثانية: حذف فيها ثلاثة متضايفات كالأولى وصفة وأقيم الرابع وهو ما كانت الصفة مضافة إليه كما في قول القائل: 3060 - ولا الحجّاج عيني بنت ماء التقدير: ولا الحجاج صاحب عين مثل عيني بنت ماء.
الثالثة: حذف فيها مضاف أول وبقي ما أضيف إليه وهو الثاني، ثم حذف مضاف آخر وهو الثالث وبقي ما أضيف إليه وهو الرابع كما في البيت المتقدم: بأعين وجرة التقدير: بمثل أعين ظباء وجرة.
الرابعة: أن يكون في الكلام متضايفات أربع فيحذف ثان وثالث ويبقى أول ورابع كما في قوله تعالى: مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ 2 أي: من أثر حافر فرس الرسول.
ومنها: أن ابن عصفور قال في المقرب: وقد لا يعرب المضاف إليه بعد الحذف بإعراب المضاف، وذلك إذا تقدم في اللفظ ذكر المحذوف نحو قولهم: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة 3. فقال الشيخ: ظاهر كلامه - يعني -

................................  ابن عصفور - أنه لا يشترط العطف لا متصلا ولا منفصلا بـ «لا» بخلاف كلام المصنف... فيكون من ذلك «طلحة الطّلحات» 1. انتهى.
ولقائل أن يقول: لا شك أن الجار عامل ضعيف؛ لافتقاره إلى ذكر شيء معه لعدم استقلاله.
ولا يليق بما هو ضعيف أن يعمل محذوفا، ولهذا يعرب المضاف إليه بإعراب المضاف بعد حذفه وإنما بقي الجر بعد الحذف في مثل: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة؛ لموجب وهو الفرار من العطف على عاملين فجعل لذلك المضاف المحذوف في حكم المذكور مع تقدم ذكر مضاف مثل المحذوف.
وأما بقاء الجر بعد حذف المضاف دون عطف إذا تقدم ذكر مثل المضاف المحذوف فلا شك في ثبوته.
وقد ذكر المصنف - كما عرفت عليه - شواهد ولكنه غير مقيس؛ إذ لا موجب للقول به بخلاف ما إذا وجد العطف؛ فإن للقول به موجبا وهو الفرار من العطف على عاملين، ولهذا كان مقيسا.
وعلى هذا فالذي ينبغي الاستمساك بكلام المصنف والوقوف عنده.
على أن ابن عصفور لم يمثل المسألة إلا بالعطف وربما تمثيله بذلك يصرف كلامه عن ظاهره.
ثم إن الشيخ لما ذكر ما قاله المصنف عن الفارسي وهو أن بعض العرب يقول: رأيت التيمي تيم فلان؛ على تقدير: أحد تيم فلان 2. قال: وهذه المسألة إحدى المسائل التي سأل عنها أبو بكر الشيباني 3 أنفدها من طبرية إلى أبي القاسم الزجاجي بدمشق وهي: هذا زيد السعدي سعد بكر؛ كيف يعرب «سعد»؟ وما الاختيار فيه؟ فقال: يختار فيه الكوفيون الخفض على معنى «زيد» من «سعد» ثم يقول: سعد بكر؛ على الترجمة لأنا نريد بهذا الكلام الإضافة وليس يمتنعون من إجازة نصبه.
فأما أصحابنا البصريون فلا يجيزون خفض هذا ألبتة.
وإنما يجيزون النصب بتقدير: أعني، والرفع بتقدير: هو 4. انتهى.
ولا شك أن هذا النقل عن البصريين يمنع أن يكون ابن عصفور لا يشترط العطف في هذه المسألة - أعني بقاء جر المضاف إليه بعد حذف المضاف إذا كان مسبوقا بمضاف مثل المحذوف - لأنه لا يخرج عن مذهب البصريين.

الفصل بين المتضايفين، وأحكامه

قال ابن مالك (فصل: يجوز في الشّعر فصل المضاف بالظّرف والجار والمجرور بقوّة إن تعلّقا به، وإلّا فبضعف ومثله في الضّعف الفصل بمفعول به متعلّق بغير المضاف وبفاعل مطلقا وبنداء ونعت وفعل ملغى.
وإن كان المضاف مصدرا جاز أن يضاف نظما ونثرا إلى فاعله مفصولا بمفعوله، وربّما فصل في اختيار اسم الفاعل المضاف إلى المفعول بمفعول آخر أو جار ومجرور).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: من أمثلة فصل المضاف بالظرف قول الشاعر: 3061 - فرشني بخير لا أكونن ومدحتى... كناحت يوما صخرة بعسيل 2 [4/ 97] ومن أمثلة فصله بالجار والمجرور قول الآخر: 3062 - لأنت معتاد في الهيجا مصابرة... يصلى بها كلّ من عاداك نيرانا 3 فتقدير الأول: كناحت صخرة يوما، وتقدير الثاني: لأنت معتاد مصابرة في الهيجا؛ فهذا النوع من أحسن الفصل؛ لأنه فصل بمعمول المضاف فكان فيه قوة وهو جدير بأن يجوز في الاختيار ولا يخص بالاضطرار، وبذلك أقول؛ لوروده في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» 4 ففصل بالجار والمجرور؛ لأنه متعلق بالمضاف، وهو أفصح الناس؛ فدل ذلك على ضعف قول من خصه بالضرورة.
وفي كلام بعض من يوثق بعربيته: ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها 5. ففصل في الاختيار بالظرف فعلم أن مثله لا حجر على المتكلم به ناظما وناثرا وإنما يحجر على من فصل بما لا يتعلق بالمضاف كقول الشاعر: -

................................  3063 - كما خطّ الكتاب بكفّ يوما... يهوديّ يقارب أو يزيل 1 ففصل بين «كف» و «يهودي» بـ «يوما» وهو متعلق بـ «خط»، فمثل هذا ضعيف حقيق بأن لا يجوز إلا في الضرورة لما فيه من الفصل بأجنبي. ومثله في الضعف والاختصاص بالضرورة الفصل بمفعول به متعلق بغير المضاف كقول جرير: 3064 - تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها... كما تضمّن ماء المزنة الرّصف 2 أراد: تسقي ندى ريقتها المسواك. ومثله في الضعف الفصل بالفاعل مطلقا، أي: سواء في ذلك ما تعلق بالمضاف وما تعلق بغير المضاف؛ فالمتعلق به كقول الشاعر: 3065 - نرى أسهما للموت تصمي ولا تنمي... ولا ترعوي عن نقض أهواؤنا العزم 3 أراد: ولا ترعوي عن أن تنقض أهواؤنا العزم؛ ففصل بـ «أهواؤنا» وهو فاعل النقض بينه وبين المفعول المضاف إليه وهو «العزم»، والمتعلق بغيره كقول الشاعر: 3066 - أنجب أيّام والداه به... إذ نجلاه فنعم ما نجلا 4 أراد: أنجب والداه به أيام إذ نجلاه؛ ففصل بين «أيام» و «إذ» بفاعل «أنجب» ولا عمل لـ «أيام» فيه كما كان للنقض في الأهواء. ومن الفصل بفاعل مرتفع بالمضاف قول الراجز: 3067 - ما إن عرفنا للهوى من طبّ... ولا جهلنا قهر وجد صبّ 5 وزعم السيرافي أن قول الشاعر: 3068 - تمرّ على ما يستمرّ وقد شفت... غلائل عبد القيس منها صدورها 6

................................  قد فصل فيه «عبد القيس» وهو فاعل «شفت» بين «غلائل» و «صدورها» وهما مضاف ومضاف إليه 1، والذي قاله غير متعين؛ لإمكان جعل «غلائل» غير مضاف، وجعله ساقط التنوين لمنعه الصرف، وانجرار «صدورها» على أنه بدل من الضمير في قوله: «منها».
وهذا التوجيه راجح على ما ذهب إليه السيرافي لكثرة نظائره وعدم أمر لا يستباح إلا في الضرورة أو على سبيل الندور.
ومثله في الضعف والندور الفصل بالنداء كقول الشاعر: 3069 - وفاق كعب بجير منقذ لك من... تعجيل تهلكة والخلد في سقرا 2 أراد: وفاق بجير يا كعب، والمراد: بجير 3 وكعب ابنا زهير رضي الله عن بجير ورحم كعبا وكقول الآخر: 3070 - كأنّ برذون أبا عصام... زيد حمار دقّ باللّجام 4 أراد: كأن برذون زيد، ومثله قول الفرزدق: 3071 - إذا ما أبا حفص أتتك رأيتها... على شعراء النّاس يعلو قصيدها 5 أراد: إذا ما أتتك يا أبا حفص.
ومثله في الضعف الفصل بالنعت كقول الشاعر يخاطب معاوية رضي الله تعالى عنه: 3072 - نجوت وقد بلّ المراديّ سيفه... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب 6 أراد: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، ومثله قول الفرزدق: 3073 - ولئن حلفت على يديك لأحلفن... بيمين أصدق من يمينك مقسم 7 أراد: فصل بين «أبي» و «طالب» بـ «شيخ الأباطح»، ومثله قول سويد بن -

................................  الصامت 1 يخاطب قومه: 3074 - أدين وما ديني عليك بمغرم... ولكن على الشّمّ الجلاد القراوح على كلّ خوّار كأنّ عماده... طلين بقار أو بحمأة مائح لها حائل أوعى بووّه كلّما... تناول كفّاه اليسار الجوانح 2 أراد: أوعى الجوانح؛ ففصل بنعت وهو جملة؛ لأنها في حكم نعت مفرد.
ومثال الفصل بفعل ملغى ما أنشد ابن السكيت من قول الشاعر: 3075 - ألا يا صاحبيّ قفا المهارا... وسائل حيّ بثنة أين سارا بأيّ تراهم الأرضين حلّوا... ألدّبران أم عسفوا الكفارا 3 أراد: بأي الأرضين تراهم حلوا؛ ففصل بـ «تراهم» وهو فعل ملغى بين «أي» و «الأرضين» وهما مضاف ومضاف إليه كما فصل بنعت وهو جملة وقد تقدم ذكره.
وتقدم أيضا أن الفصل بمعمول المضاف إذا لم يكن مرفوعا جدير بأن يكون جائزا في الاختيار ولا يخص بالاضطرار.
واستدللت على ذلك بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟»، وبقول بعض العرب: ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها وأقوى الأدلة على ذلك قراءة ابن عامر 4 رضي الله تعالى عنه: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم 5؛ لأنها ثابتة بالتواتر -

................................  ومعزوة إلى موثق بعربيته قبل التعلم، فإنه من كبار التابعين ومن الذين يقتدى بهم في الفصاحة كما يقتدى بمن في عصره من أمثاله الذين لم يعلم منهم مجاورة للعجم يحدث بها اللحن ويكفيه شاهدا على ما وصفته به أن أحد شيوخه الذين عول عليهم في قراءة القرآن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وتوجيه ما قرأ به في قياس النحو قوي؛ وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل بفضلة بين عاملها المضاف [4/ 98] إلى ما هو فاعل.
فحسن ذلك ثلاثة أمور: أحدها: كون الفاصل فضلة، فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به.
الثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف.
الثالث: كونه مقدر التأخير من أجل أن المضاف إليه مقدر التقديم بمقتضى الفاعلية المعنوية ولو لم يستعمل العرب الفصل المشار إليه لاقتضى القياس استعماله؛ لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرا ما استحق الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزية فيحكم بجوازه مطلقا.
وأيضا فقد فصل في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» بالجار والمجرور والمضاف فيه اسم فاعل مع أنه مفصول بما فيه من الضمير المنوي ففصل المصدر مع خلوه من ضمير أسهل وأحق بالجواز.
ولذلك قلت نظائر: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» وكثرت نظائر «قتل أولادهم شركائهم» فمنها قول الطرماح 1: 3076 - يطفن بحوزيّ المراتع لم ترع... بواديه من قرع القسيّ الكنائن 2 ومنها: 3077 - عتوا إذ أجبناهم إلى السّلم رأفة... فسقناهم سوق البغاث الأجادل ومن يلغ أعقاب الأمور فإنّه... جدير بهلك آجل أو معاجل 3 ومنها: -

................................  3078 - يفركن حبّ السّنبل الكنافج... في القاع فرك القطن المحالج 1 وأنشد أبو عبيدة 2: 3079 - وحلق الماذيّ والقوانس... فداسهم دوس الحصاد الدّائس 3 وأنشد الأخفش: 3080 - فزججتها بمزجّة... زجّ القلوص أبي مزاده 4 وأنشد ثعلب بجر «مطر» من قول الشاعر: 3081 - لئن كان النّكاح أحلّ شيء... فإنّ نكاحها مطر حرام 5 و «مطر» اسم رجل ومما يؤيد «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» قراءة بعض السلف رضي الله تعالى عنهم: فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله 6 ففصل فيها اسم الفاعل المضاف إلى مفعول بمفعول آخر.
انتهى 7 كلام المصنف رحمه الله تعالى.
وتلخص منه أن صور المسائل التي يكون فيها الفصل تسع: وذلك أن الفصل بين المتضايفين: إما بالظرف وفي حكمه الجار والمجرور، أو بالمفعول به، أو بالفاعل، أو بالنداء، أو بالنعت، أو بفعل ملغى.
ثم الفصل بالظرف قسمان: غير متعلق بالمضاف، ومتعلق به؛ حيث يصح فيه أن يكون عاملا بأن يكون مصدرا أو اسم فاعل؛ فهاتان صورتان.
والفصل بالمفعول به قسمان أيضا: معمول لغير المضاف، ومعمول للمضاف الذي المفعول معمول له: إما مصدر مضاف إلى فاعله، أو اسم فاعل مضاف إلى -

................................  مفعول له آخر، وهذه ثلاث صور، والفصل بالفاعل، ولا فرق فيه بين أن يكون متعلقا بالمضاف أو غير متعلق، والفصل بالنداء، والفصل بالنعت، والفصل بالفعل الملغى، وهذه أربع صور.
ثم الجائز في الاختيار من هذه التسع ثلاث، وهي: أن يكون الفصل بظرف متعلق بالمضاف وفي حكمه الجار والمجرور كما عرفت.
وأن يكون بمفعول به معمول لمصدر مضاف إلى فاعله.
وأن يكون بمفعول به أيضا معمول لاسم فاعل مضاف إلى مفعول له آخر.
وست الصور الباقية مخصوصة بالاضطرار فلا تكون إلا في الشعر، وهي: أن يكون الفصل بظرف لا يتعلق بالمضاف وفي حكمه الجار والمجرور.
وأن يكون بمفعول به معمول لغير المضاف.
وأن يكون بالفاعل، أو بالنداء، أو بالنعت، أو بالفعل الملغى.
وذكر المصنف في الألفية الفصل بالقسم 1، قال: روى أبو عبيدة عن بعض العرب: إن الشاة لتجتر فتسمع صوت والله ربّها 2، وحكى الكسائي: هذا غلام والله زيد، وجعل هذه الصورة مما يجوز في الاختيار؛ فعلى هذا تتكمل الصور عشرا.
الجائز منها في الاختيار أربع، والمخصوص منها بالاضطرار ست، والله تعالى أعلم.
ثم قد بقي الكلام على أمرين: أحدهما: تخريج المصنف قول الشاعر: 3082 -... غلائل عبد القيس منها صدورها على أن «غلائل» غير مضاف وأن انجرار «صدورها» على أنه بدل من الضمير في قوله: «منها»؛ فإن معنى البيت الذي قصده الشاعر أن عبد القيس شفت غلائل -

................................  صدورها من الغير؛ فالشافي هم «عبد القيس» والمشفى «غلائل صدورهم» والمشفى منه من عاد عليه الضمير المجرور بـ «من» فالصدور على هذا: صدور عبد القيس.
ومقتضى تخريج المصنف أن الصدور صدور المشفى منه وهو العائد عليه الضمير في «منها» فيصير المعنى على هذا غير المعنى الذي ذكرناه.
ثانيهما: أن الشيخ قال: وما اختاره المصنف - من جواز مثل قراءة ابن عامر - هو الصحيح، وإن كان أكثر النحويين لا يجيزونه في الكلام، وذكروا أنه مختص بالشعر.
قال: وأما من صرح بأنها غلط فهو قدح في التواتر، وإنما أضيفت هذه القراءة إلى ابن عامر على سبيل الاشتهار، وكذلك القراءاة المضافة إلى ابن كثير، وليست على سبيل الانفراد بها فيكون من نقل الآحاد، بل جميع القراءات السبع متواترة؛ فعلى كل قراءة منها جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، ومنكر التواتر فيها يكون في إسلامه دخل 1 انتهى.
وهو كلام حسن صادر عن حسن الاعتقاد صحيح الاستمساك حافظ لنظام الشريعة المطهرة، ولقد كان رحمه الله تعالى متصفا بهذه الصفات؛ معظما لمن له نسبة إلى السنة النبوية، قائما بلوازمها، لا يشك في صحة اعتقاده وكثرة أدبه عند سماع شيء من الكتاب والسنة، ووقوفه عند حدودها وعدم مجاوزة ما تقتضيه الشريعة المطهرة، فرحمه الله تعالى ورضي عنه بمنه وكرمه.
ثم إنه خرج الحديث الشريف وهو «هل أنتم [4/ 99] تاركوا لي صاحبي؟» على أن لا إضافة وأن الأصل: هل أنتم تاركون؟ فحذفت النون و «صاحبي» مفعول منصوب، وأصله: تاركون 2. وأقول: إن القول بالإضافة والفصل؛ لثبوته في الجملة في القراءة المتواترة وفي كثير من الأشعار العربية أولى من القول بحذف النون؛ لأن ذلك إنما ورد في ضرورة أو في قراءة شاذة نحو: (وما هم بضارّي به من أحد) 3 ونحو: (إنّكم لذآئقوا العذاب الأليم) بالنصب 4.

[الإضافة إلى ياء المتكلم وأحكامها]

قال ابن مالك: (فصل: الأصحّ بقاء إعراب المعرب إذا أضيف إلى ياء المتكلّم ظاهرا في المثنّى مطلقا، وفي المجموع على حدّه غير مرفوع، وفيما سواهما مجرورا، ومقدّرا فيما سوى ذلك، ويكسر متلوّها إن لم يكن حرف لين يلي حركة، وتفتح الياء أو تسكّن، وإن نودي المضاف إليها إضافة تخصيص جاز أيضا حذفها وقلبها ألفا، والاستغناء عنها بالفتحة، وربّما وردت الثّلاثة دون نداء، وقد يضمّ فيه ما قبل الياء المحذوفة وتنوى الإضافة، ويفتح في الحالين بعد حرف اللّين التّالي حركة، ويدغم فيها إن كان ياء أو واوا، وإن كان ألفا لغير تثنية جاز في لغة هذيل القلب والإدغام، وربّما كسرت مدغما فيها أو بعد ألف ويجوز في «أبي وأخي»: «أبيّ وأخيّ» وفاقا لأبي العبّاس، وحذف ميم الفم مضافا أكثر من ثبوته، و «فيّ» مع حذف الميم واجب).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: من المضاف إلى ياء المتكلم ما كان مبنيّا قبل الإضافة كـ «لدن» و «أحد عشر» وما كان معربا قبلها - وهو الكثير - فما كان مبنيّا لا يزال مبنيّا، وما كان معربا يعرض له تقدير الإعراب بعد أن كان ظاهرا ما لم يكن مثنى؛ فيظهر إعرابه في الأحوال الثلاثة، وكذا المجموع على حد التثنية في حالي الجر والنصب، وأما في حال الرفع فيقدر إعرابه كقول الشاعر: 3083 - أودى بنيّ وأودعوني حسرة... عند الرّقاد وعبرة لا تقلع 2 وزعم الجرجاني 3، ووافقه ابن الخشاب 4، والمطرزي 5، وهو الظاهر من -

................................  قول الزمخشري 1: إن المضاف إلى ياء المتكلم مبني.
وفي كلام ابن السراج احتمال 2، وسأبين مراده إن شاء الله تعالى.
والصحيح أن المكسور الآخر للإضافة معرب تقديرا في الرفع والنصب؛ لأن حرف الإعراب منه في الحالين قد شغل بالكسرة المجلوبة توطئة للياء، فتعذر اللفظ بغيرها؛ فيحكم بالتقدير كما فعل في المقصور.
وأما حال الجر فالإعراب ظاهر للاستغناء عن التقدير، هذا عندي هو الصحيح، ومن قدر كسرة أخرى فقد ارتكب تكلفا لا مزيد عليه ولا حاجة إليه.
ولم أوافق الجرجاني في بناء المضاف إلى الياء وإن كان في تقدير إعرابه تكلف يخالف الظاهر؛ لأن لبناء الأسماء أسبابا كلها منتفية منه فيلزم من الحكم ببنائه مخالفة النظائر، فلذلك أتبعته ردّا ولم أر من خلافه بدّا.
فإن زعم أن سبب بنائه إضافته إلى غير متمكن رد ذلك بثلاثة أمور: أحدها: استلزامه بناء المضاف إلى سائر المضمرات، بل إلى سائر الأسماء التي لا تمكن لها وذلك باطل وما استلزم باطلا فهو باطل.
الثاني: أن ذلك يستلزم بناء المثنى المضاف إلى ياء المتكلم، وبناؤه باطل، وما استلزم باطلا فهو باطل.
الثالث: أن المضاف إلى غير متمكن لا يبنى لمجرد الإضافة؛ بل للإضافة مع كونه قبلها مناسبا للحرف في الإبهام والجمود كـ «غير»، والمضاف إلى ياء المتكلم لا يشترط ذلك في كسر آخره؛ فدل ذلك على أنه غير مستحق للبناء.
وقد ينتصر للجرجاني بأن يقال: لا أسلم انحصار ما يوجب بناء الأسماء في مناسبة الحرف بل يضاف إليها كون آخر الكلمة لا يتأتى فيه تأثر بعامل في تصغير وتكبير وتكسير وتأنيث وتذكير؛ فلزم من ذلك بناء المضاف المذكور وثبوت الفرق بينه وبين المقصور، فإن إعرابه يظهر في تصغيره كـ «فتيّ» وفي تكسيره كـ «فتية» وفي تأنيثه كـ «فتاة» والمضاف إلى ياء المتكلم لا يظهر له إعراب في الأحوال الخمسة.
فمن ادعى فيه إعرابا مقدرا فقد ادعى ما لا دليل عليه بخلاف المقصور فإن ظهور إعرابه - - المصباح، والمقدمة (ت: 610 هـ). إشارة التعيين لوحة (56)، والأعلام (8/ 289)، وانظر في رأي هؤلاء: التذييل (7/ 272).

................................  في الأحوال الثلاثة يدل على صحة تقديره في غيرها.
وقد ينتصر له أيضا بأن يقال: لا أسلم خلو المضاف إلى ياء المتكلم من مناسبة الحرف؛ لأنه شبيه بالذي في أن آخره ياء كالذي في كونها بعد كسرة لازمة وصالحة للحذف وغير حرف إعراب وفي أنه يتغير في التثنية تغيرا متيقنا وفي الجمع تغيرا محتملا والذي مناسب للحرف، ومناسب المناسب مناسب؛ فاستحقاق بناء المضاف إلى الياء بمناسبة الذي شبيه باستحقاق بناء «رقاش» بمناسبة «نزال».
وهذا التوجيه والذي قبله من المعاني التي انفردت بالعثور عليها دون سبق إليها.
وقولي: (ويكسر متلوها) أي: متلو الياء كقولك في «قلم»: قلمي، وتجري هذه الكسرة مجرى كسرة الإعراب في أنها تظهر في الحرف الصحيح كظهورها في ميم «قلم» وفي حرف العلة الجاري مجرى الصحيح كـ «ظبي» و «صبي» و «دلوي» و «فلوي».
وتقدر في الحرف المعتل الذي لا يجري مجرى الصحيح ويتبعها ما قبلها كما يتبع ما قبل كسرة الإعراب فتقول: هذا ابنمي؛ بكسر النون كما تقول في الجر: مررت بابنم، ومن اتبع في الفم فقال: نظرت إلى فمه قال هنا: نظر إلى فمي، وتقول فيما آخره حرف علة بعد حركة: هذا داعيّ ومولاي، ويا ابنيّ ويا بني، ورأيت مصطفيّ، وجاء بنيّ ومصطفيّ [4/ 100] والأصل: جاء بنوي ومصطفوي؛ ففعل بهما من القلب والإدغام ما فعل بجمع الوي ومصدر «طويت» حين قيل فيهما: لي وطيّ بالقلب والإدغام.
وفي تحويل «بنوي» إلى «بنيّ» زيادة تبديل ضمة النون كسرة فأشبه شيء به «مرميّ» في أن أصله: «مرموي» فأبدلت الضمة كسرة والواو ياء وأدغمت، وكذا فعل بـ «بنوي» حين قيل فيه: «بنيّ» ومن قال: «غير ماضي» فأجرى المنقوص مجرى الصحيح في ظهور كسرة الإعراب لا يقول: «هذا ماضي»؛ لأن كسرة الإعراب عارضة متعرضة لأن تخلفها الفتحة والضمة، وهذه الكسرة لازمة لا تخلفها مع الإضافة إلى الياء وغيرها فكانت أثقل؛ ولذلك لم تظهر في اختيار ولا اضطرار، بخلاف كسرة «ماضي» ونحوه، وقد دخل في حرف اللين الذي يلي حركة علامتا التثنية نحو: جاء غلاماي، وعلامتا الجمع نحو: جاء مكرميّ ومصطفيّ.
ثم قلت: (وتفتح الياء أو تسكن) فعلم من الإطلاق جواز الأمرين في نداء وغيره.
-

................................  ثم قلت: (وإن نودي المضاف إليها إضافة تخصيص جاز أيضا حذفها وقلبها ألفا والاستغناء عنها بالفتحة).
فعلم بهذا أن في الياء التي يضاف إليها غير المنادى وجهين وهما مشهوران، وفي التي يضاف إليها المنادى خمسة أوجه؛ فيقال في غير النداء: جاء غلامي وغلامي، ويقال في النداء: يا غلامي ويا غلامي ويا غلام ويا غلاما ويا غلام بحذف الألف مع خفتها؛ لأنها بدل من الياء فجرت مجراها في الاستغناء عنها بحركة.
ثم قلت: (وربما وردت الثلاثة في غير نداء) فأشرت إلى نحو قوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبادِ 17 الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ 1 بحذف الياء خطّا ووقفا، وإلى نحو قول الشاعر: 3084 - أطوّف ما أطوّف ثمّ آوي... إلى أمّا ويرويني النّقيع 2 وإلى نحو قول الآخر: 3085 - فليس براجع ما فات منّي... بلهف ولا بليت ولا لو انّي 3 أراد أن يقول: لهفا، والأصل: لهفي؛ فأبدل الياء ألفا دون نداء، ثم حذفها واستغنى بالفتحة؛ كما حذفت الياء واستغني بالكسرة.
وقيدت الإضافة بأن تكون إضافة تخصيص؛ احترازا من نحو: يا مكرمي، وأنت تريد الحال أو الاستقبال؛ فإن إضافته إضافة تخفيف والياء في نية الاتصال كما تكون في نية الانفصال إذا قلت: يا مكرم زيد الآن أو غدا، وإذا كانت في نية الانفصال لم تمازج ما اتصلت به فتشبه بياء قاض فتشاركها في جواز الحذف.
والحاصل: أن ياء المتكلم المضاف إليها منادى هو اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال لا تحذف ولا تقلب ألفا، وإذا لم تقلب ألفا فلا يفتح ما قبلها.
فليس لها حظ في غير الفتح والسكون، وقد يستغنى بنية إضافة المنادى إلى الياء فيجيء كأنه غير مضاف كما يفعل ذلك في غير النداء، أعني كون الاسم مضافا في المعنى مفردا في اللفظ.
-

................................  ومن ورود المنادى المضاف إلى الياء مكتفيا بالنية قراءة بعض القراء: (ربّ السجن أحبّ إليّ) 1، وأصله: يا رب بكسر الباء؛ ولذلك حسن حذف حرف النداء؛ لأنه لو حذف حرف النداء والإضافة غير منوية لكان مثل قولهم: افتد مخنوق 2، وهو قليل بخلاف الاستغناء بنية الإضافة عن المضاف إليه؛ فإنه كثير، والحمل على ما كثرت نظائره أولى من الحمل على ما قلت نظائره، وأيضا لو كان غير منوي الإضافة لكان في الأصل صفة لـ «أي» كما أن «مخنوق» في الأصل صفة لـ «أي» وأسماء الله تعالى لا يوصف بها «أي» فيتعين كون الأصل: يا رب.
وقولي: (ويفتح في الحالين بعد حرف اللين التالي حركة ويدغم فيها إن كان ياء أو واوا) نبهت به على أنه يقال في «القاضي، واثنين، وابنين، ومصطفين، وبنين، وعشرين»: قاضيّ واثنيّ وابنيّ ومصطفيّ وبنيّ وعشريّ.
وكذا: «بنون وعشرون ومصطفون»؛ لأنه تلتقي فيهن الياء والواو فتقلب الواو ياء ويفعل بها من الإدغام وفتح الياء ما فعل مع الياءين اللتين لم تكن إحداهما واوا.
وقصدت بـ (الحالين) حال النداء وحال غير النداء.
وسكت عن التالية ألفا عند ذكر الإدغام فعلم أن حكمها التخفيف والفتح مطلقا نحو: غلاماي، وفتاي.
ثم نبهت على أن هذيلا يقلبون ألف المقصور ياء، ويدغمون ومنه قراءة الحسن: (يا بشريّ هذا غلام) 3، وقول الشاعر: 3086 - سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع 4 وفي دعاء بعض العرب: يا سيديّ وموليّ.
وقولي: (وربما كسرت مدغما فيها أو بعد ألف) أشرت به إلى قراءة حمزة 5: وما أنتم بمصرخي 6 -

................................  (بالكسر) 1، وإلى قول بعض العرب (في) 2 عصاي: عصاي، وقرأ بها الحسن وأبو عمرو في شاذه، وهي لغة قليلة أقل من كسر المدغم فيها 3. وممن روى كسر المدغم فيها أبو عمرو بن العلاء 4، والفراء 5، وقطرب 6، ومن شواهدها قول الراجز: 3087 - قال لها هل لك يا تافيّ... قالت له ما أنت بالمرضيّ 7 ومنها قول الشاعر: 3088 - عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة... لوالده ليست بذات عقارب 8 كذا روي بكسر الياء من عليّ واللغة الجيدة أن يقال في إضافة «أب وأخ» مضافين إلى الياء: أبي وأخي من غير رد اللام كما جاء في القرآن العزيز، ويجوز عند أبي العباس أن يقال أبيّ وأخيّ برد اللام وإدغامها في ياء المتكلم 9، والذي رآه مسموع في «الأب» مقيس في «الأخ» ومن شواهد «أبيّ» قول الراجز: 3089 - كأنّ أبيّ كرما وسودا... يلقي على ذي اللّبد الجديدا 10 والاستشهاد [4/ 101] هذا أقوى من الاستشهاد بقول الآخر: 3090 - [قدر أحلّك ذا المجاز وقد أرى]... وأبيّ مالك ذو المجاز بدار 11

................................  لاحتمال أن يريد قائل هذا الجمع، والذي قبله يتعين فيه الإفراد بـ «يلقي» إذ لو قصد قائله الجمع لقال: يلقون، ولم أجد شاهدا على «أخي» لكن أجيزه قياسا على «أبي» كما فعل أبو العباس المبرد. وإذا أضيف «الفم» إلى ظاهر أو ضمير جاز أن يضاف بالميم ثابتة فيقال: كلمته من فمي إلى فمه، وجاز أن يضاف عاريا من الميم فيقال: كلمته من في إلى فيه، والأصل: فيّ؛ بياءين: أولاهما عين الكلمة، والثانية ياء المتكلم؛ فأدغمت الأولى في الثانية، ولا يجوز التخفيف كما جاز مع «الأب، والأخ»؛ لأن «الأب، والأخ» إذا وليتهما الياء مخففة كانا على حرفين: أحدهما فاء الكلمة، والآخر عينها، ولو فعل ذلك بـ «في» بقي على حرف واحد مع أنه اسم متمكن وليس في الأسماء المتمكنة ما هو على حرف واحد؛ فاجتنب ما يلزم منه عدم النظير. ويجوز أن يقال: كلمته من فمي إلى فمه، وفم زيد أحسن من فم عمرو، وفي حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك» 1، ولم يقل: لخلوف في الصائم، وهذا يدل على قلة علم من زعم أن ثبوت الميم مع الإضافة لا يجوز إلا في ضرورة شعر كقول الشاعر: 3091 - صفحنا عن بني دهل... وقلنا القوم إخوان عسى الأيّام أن ترجع... ن قوما كالّذي كانوا فلمّا صرّح الشّرّ... فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوا... ن دنّاهم كما دانوا بضرب فيه توهين... وتخضيع وإقران وطعن كفم الزّقّ... غدا والزّقّ ملآن 2

................................  وعاب بعض أصحاب هذا الرأي على الحريري 1 قوله: أدخله في فمه، وقرنه بتوأمه 2، ولا عيب فيه؛ لما قد ذكرته.
والله أعلم.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 3. وقد عرفت ما أبطل به مذهب الجرجاني من القول ببناء المضاف إلى الياء، ثم ما انتصر به له من التوجيهين اللذين ذكر أنهما من المعاني التي انفرد بالعثور عليها دون سبق إليها.
وهو كلام تميل النفوس إليه ويشفي غليل الواقف عليه.
ولكن ما ذهب إليه من أن حركة آخر المضاف إلى الياء في نحو: مررت بصاحبي، ورأيت ابن غلامي - حركة إعراب، وأن - إعراب جمع المذكر الذي هو على حد المثنى إذا كان مرفوعا مقدر غير ملفوظ به غير مسلم.
أما الأمر الأول: فلأن حركة الإعراب هي التي يجتلبها العامل، ولا شك أن هذه الحركة موجودة مع عاملي الرفع والنصب، وإذا كان كذلك فالعامل لم يحدث شيئا، ثم الحركة التي هي إعراب لا بد أن تكون ناشئة عن عامل؛ فهي إنما تكون بعد التركيب، ومعلوم أن الحركة المذكورة كانت قبله؛ فكيف ينسب حدوثها إلى العامل؟! والحق أن ما اختاره المصنف في هذه المسألة ضعيف؛ لقيام الدليل على خلافه وكأنه قول لبعض النحاة لكن لا معول عليه.
وقد قال الشيخ: إن هذا الذي قاله المصنف مخالف لمذاهب الناس في المسألة 4. وأما الأمر الثاني: فلأن الواو التي كانت علامة الإعراب في الجمع باقية لم تزل وإنما تغيرت صفتها؛ فهي موجودة، والمقدر لا يكون موجودا.
ورأي ابن الحاجب 5 في المسألة كرأي المصنف فيها.
وقد استدرك المنتقدون ذلك على ابن الحاجب رحمه الله تعالى.
-

جارٍ التحميل