الباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبر
................................
وإذ قد عرفت هذا فلنذكر أبحاثا تتعلق بما تقدم:
الأول:
المصدر الذي تؤول به «أن» ومعمولها إذا فتحت مختلف فإذا كان خبرها فعلا أو اسما ملاقيا للفعل في الاشتقاق من المصدر، قدرت بمصدر من لفظ ذلك الفعل أو ذلك الاسم فالتقدير في بلغني أنك تنطلق أو أنك منطلق: بلغني الانطلاق.
وإذا كان الخبر ظرفا أو مجرورا يقدر المصدر من لفظ الاستقرار العامل فيهما، فالتقدير في بلغني استقرار زيد عندك.
وفي بلغني أنّ زيدا في الدار: بلغني استقرار زيد في الدار، وإن كان الخبر اسما جامدا يقدر المصدر كونا، فالتقدير في بلغني أنّ هذا أخوك: بلغني كون هذا أخاك، قالوا: وإنما ساغ التقدير بالكون لأن كل خبر جامد يصح نسبته إلى المخبر عنه بلفظ الكون تقول: هذا زيد، وإن شئت قلت: هذا كائن زيدا، فيكون معناه كمعنى: هذا زيد 1.
الثاني:
قد عرفت من قول المصنف: وللزوم التأويل فتحت بعد لو 2 أن «أنّ» مع معمولها مؤولة بمصدر بعد «لو»، فأما على مذهب المبرد ومن وافقه من البصريين 3، قيل:
وهو مذهب الكوفيين - فظاهر لأنهم يقدرون فعلا بعد، رافعا لـ «أنّ» ومعمولها على الفاعلية 4.
وأما على مذهب سيبويه وهو القول المتصور المعول عليه فإنه يحتاج إلى تقدير وذلك لأنه لا يقدر فعلا بل يحكم بمباشرة «أنّ» «للو» تقديرا كما أنها مباشرة لها لفظا، ويجعل «أنّ» مع معمولها بتقدير اسم مبتدأ والخبر محذوف 5. هكذا - - (1/ 278 - 279)، وكذلك «أما» يختلف معناها أيضا في حالة فتح «أن» بعدها عن معناها في حالة كسرها، فهي في حالة فتح «أن» بعدها بمعنى «حقّا»، وأما في حالة كسر «إن» بعدها فهى حرف استفتاح.
اه.
شرح الرضي على الكافية (2/ 351) بتصرف، والتصريح (1/ 220)، شرح الجمل لابن عصفور (1/ 461) ط. العراق.
................................
ذكر أبو علي الشلوبين أن هذا مذهب البصريين.
وقال ابن هشام: مذهب سيبويه أن «أنّ» مع معمولها مبتدأ والخبر محذوف، لا يجوز إظهاره كحذفه بعد «لولا»، وهو قول أكثر البصريين 1، وقيل: لا خبر محذوف، وهو الذي ذكره ابن عصفور في شرح الجمل، قال: وسد الطول مسد الخبر يعني جريان المسند والمسند إليه في الذكر 2 وإذا كانت «أنّ» مع معمولها بعد «لو» مقدرة بمبتدأ كانت على هذا مؤولة بمصدر، فتقدير وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا 3: ولو صبرهم 4 وقد ردّ مذهب المبرد بأنّ الفعل لم يحذف بعد «لو» قط إلا أن يكون مفسرا 5 نحو قوله تعالى:
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ 6. وقالوا في المثل: «لو ذات سوار لطمتني» 7.
قال ابن عصفور: والصحيح مذهب سيبويه وذلك أنك أيّ المذهبين ارتكبت كان فيه خروج «للو» عما استقر فيها في غير هذا الموضع لأنها أبدا لا يليها إلا الفعل ظاهرا، ولا [2/ 109] يليها مضمرا يعني غير مفسر إلا في ضرورة شعر، وإذا جعلت «أنّ» ومعمولها في موضع مبتدأ أوليت الاسم لفظا وتقديرا، وهذا لا يجوز في غير هذا الموضع وإن جعلت «أنّ» وما بعدها في موضع فاعل بفعل مضمر كنت قد أضمرت بعدها الفعل في فصيح الكلام، وقد قلنا: إن ذلك لا يجوز إلا في الضرورة وإذا كان كل من المذهبين يؤدي إلى الخروج عن الظاهر فلا فائدة في تكلف الإضمار 8.
الثالث:
قد كان المصنف مستغنيا عن ذكر «ما» التوقيتية لأن «أنّ» إنما فتحت بعدها -
................................
لكونها مع ما يليها في موضع فاعل بفعل مقدر كما تقدم 1، وهو قد قال: إنه إذا لزم التأويل بالمصدر لزم الفتح 2 وذكر في الشرح أنه يلزم الفتح لذلك إذا كانت في موضع المبتدأ أو في موضع الفاعل 3.
الرابع:
قد عرفت أن من صور المسائل ذات الوجهين قولهم: «أول قول إني أحمد الله»، وقد ذكروا ضابط هذه الصورة فقالوا: هو أن تقع «إنّ» خبرا عن قول ومخبرا عنها بقول، وأن يكون القائل واحدا 4، كالمثال الذي تقدم فإن كانت خبرا عن غير قول فتحت نحو: فعلى أني أحمد الله، وإن كانت مخبرا عنها بغير قول نحو: قولي إنّي مؤمن، أو كان القائل غير واحد نحو: قولي: إنّ زيدا يحمد الله؛ كسرت 5 وهذا ظاهر، أعني: كونها تفتح في الصورة الأولى وتكسر في الصورتين الأخريين.
واعلم أن سيبويه لم يمثل لهذه المسألة بما مثل به المصنف وإنما مثلها بقولهم: «أول ما أقول إني أحمد الله 6»، ولا شك أن فيما مثل به سيبويه فائدة، وهو أن «ما» هل هي مصدرية أو موصولة ويترتب على ذلك بحث.
وأما المصنف فإنه إنما أتى بصورة المصدر واقتضى هذا أنه يحكم على «ما» في: «أول ما أقول» بالمصدرية قطعا.
وبعد: فنحن نتكلم على المثال الذي مثل به سيبويه فنقول:
أجاز النحويون في مسألة «أول ما أقول أني أحمد الله» فتح «أنّ» وكسرها.
فالفتح على تقدير المصدر، كأنه قال: أول ما أقول حمد الله، و «ما» مصدرية، والتقدير: أول قولي حمد الله وهذا إخبار بمعنى عن معنى، وهل يجوز أن تكون «ما» موصولة أو نكرة موصوفة والفعل الواقع بعدها صلة أو صفة، والعائد -
................................
محذوف وهو مفعول القول، والتقدير: أول الألفاظ التي أقولها وأول ألفاظ أقولها حمد الله.
منع الأكثرون ذلك قالوا: لأن حمد الله ليس من الألفاظ المقولة فكيف يقع خبرا لما هو لفظ 1، والخبر إذا كان مفردا لزم أن يكون المبتدأ نحو: زيد أخوك أو منزلا منزلته نحو: زيد زهير.
وأجاز ذلك ابن خروف 2. ويلزمه أن يجعل حمد الله من قبيل الألفاظ وهو غير ظاهر.
وأما الكسر فعلى أحد التقادير [2/ 110] الآتي ذكرها وأول مبتدأ، و «ما» يجوز فيها ثلاثة أوجه: أن تكون موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة أو مصدرية أريد بها المفعول كما قالوا: درهم ضرب الأمير أي مضروبه 3 وكذلك هذا تقديره: أول قولي أي: مقولي.
ومعمول «أقول» إذا كانت «ما» بمعنى الذي أو موصوفة محذوف، كما قدر لما فتحت «أنّ» وخبر المبتدأ «أني أحمد الله»، ولا تحتاج هذه الجملة إلى رابط لأنها نفس المبتدأ في المعنى.
هكذا شرح الشارحون كلام سيبويه 4 في هذه المسألة.
واختلف النحاة في الموجب لكسر «إنّ» حينئذ:
فقيل كسرت لكونها خبرا عن «أول» 5، وقيل: كسرت لأنها معمولة «لقولي» المحذوف، وذلك المحذوف هو الخبر، والتقدير: أول ما أقول قولي إني أحمد الله، ونسب هذا القول إلى عضد الدولة 6 وردّ بأنه يلزم منه حذف الموصول وإبقاء معموله وبابه الشعر 7 لكن قد يقال: القول قد كثر إضماره في كلامهم حتى صار يجري مضمرا مجراه مظهرا.
وقيل: كسرت لكونها معمولة -
................................
لأقول والخبر محذوف وهو قول الفارسيّ 1 والتقدير على مذهبه: أول قولي: إني أحمد الله ثابت، ورد الناس على الفارسيّ هذا التقدير وقالوا: يلزم منه الإخبار عن الهمزة من قوله: «إني أحمد الله» بالثبوت، ولا معنى لهذا 2. وقيل: كسرت لأنها بعد «أول» وهو قول من حيث أضيف إلى القول والخبر محذوف أي: ثابت وهو قول الشلوبين 3، ورد عليه بأن «إنّ» لا تكسر حكاية لفعل أو مصدر إلا وهي معمولة و «أول» لا يعمل وإن كان مصدرا في المعنى لأنه ليس بمصدر في اللفظ، ولا يعمل إلا لفظ المصدر 4، وقيل: كسرت لأنها معمولة لأقول كما قال الفارسي لكنها خبر من حيث المعنى، فلم يقدر خبرا كما قدر الفارسيّ، فخالفه في تقدير الخبر، ونظره بقولهم: أقائم الزيدان 5. هذا آخر ما ذكر في هذه المسألة.
وتلخص معه أنه إذا كانت «إنّ» مكسورة كان فيها خمسة مذاهب:
قيل: خبر عن «أول»، وقيل: معمولة لقول محذوف وقيل: معمولة لأقول الموجودة.
وقيل: لأنها بعد «أول» وهو قول لإضافته إلى القول، وقيل: لأنها معمولة لأقول كما في القول الثالث، لكن هناك قيل بأن الخبر محذوف، وهنا قيل: إنها نفس الخبر من حيث المعنى مع أنها معمولة.
ولا شك أن كلّا من هذه المذاهب يجيء على القول بأن «ما» مصدرية أو موصولة أو نكرة موصوفة، فتكون الصور على هذا خمس عشرة صورة مع الكسر خاصة، ومع الفتح تقدم أن الصور -
[بقية مواضع فتح همزة إن]
قال ابن مالك: (وتفتح بعد «أما» بمعنى حقّا، وبعد حتّى غير الابتدائية وبعد «لا جرم» غالبا وقد تفتح عند الكوفيّين بعد قسم ما لم توجد اللام).
فيه ثلاث إن اعتبر قول ابن خروف [2/ 111] فيكون مجموع الصور باعتبار الكسر والفتح ثماني عشرة صورة.
ثم اعلم أن ابن عصفور صحح قول أبي علي الفارسي في هذه المسألة فقال:
والصحيح عندي أن ما ذهب إليه أبو علي مستقيم لا يتوجه عليه اعتراض لأنه يريد أن أول قولي إني أحمد الله.. قد ثبت واستقر منه قبل نطقه بهذا الكلام؛ فكأنه قال: ليس قولي الآن إني أحمد الله بأول حمد حمدته بل (أول قولي: إني أحمد الله) قد تقدم قبل هذا، فليس يريد بقوله: «إني أحمد الله» هذا اللفظ الذي تلفظ به الآن يريد جنس قوله للألفاظ التي يحمد بها لله تعالى 1.
قال ناظر الجيش: هذا الكلام يشتمل على أربع مسائل، منها ثلاث تفتح فيها «إنّ»، وتكسر باعتبارين مختلفين، وهي الواقعة بعد «أما»، وبعد «حتى»، وبعد «لا جرم» 2، وقد كان في غنية عن ذكرها اكتفاء بالضابط الذي ذكره في الفصل، ولكنه قصد الإرشاد والإيضاح والتنبيه على ما قد يغفل عنه، وأما الرابعة وهي الواقعة بعد قسم فالفتح فيها والكسر باعتبار واحد وكأنه إنما لم ينظمها مع المسائل التي هي: أول قولي وإذا الفجائية وفاء الجواب كما فعل في كتاب الخلاصة لأمرين: كون فتح «إنّ» فيها ليس مذهب البصريين، إنما هو مذهب الكوفيين وكونه إنما يجوز بقيد وهو أن لا توجد اللام في الجواب 3.
................................
ثم إني أورد الآن كلام المصنف ثم أتبعه بما يتعلق به من المباحث:
قال رحمه الله تعالى 1: روى سيبويه في نحو: «أما إنك ذاهب» الكسر على جعل «أما» حرف استفتاح بمنزلة «ألا» والفتح على جعل «أما» بمعنى حقّا 2، وإذا وليت «إنّ» حقّا فتحت لأنها حينئذ مؤولة هي وصلتها بمصدر مبتدأ و «حقّا» مصدر واقع ظرفا مخبرا به، ومنه قول الشاعر 3:
958 - أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا... فنيّتنا ونيّتهم فريق 4
تقديره عند سيبويه أفي حق أن جيرتنا 5 استقلوا فأما المفتوح بعدها «أنّ» كذلك قلت: ويحتمل عندي أن يكونوا نصبوا «حقّا» نصب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بفعله و «أنّ» في موضع رفع بالفاعلية، كأنه قال: أحق حقّا أن جيرتنا استقلوا 6 وكون «أما» مع الفتح للاستفتاح أيضا وما بعدها مبتدأ خبره محذوف كأنه قال: أما معلوم أنك ذاهب 7 وقد يقع بين «أما» و «أنّ» يمين فيجوز أيضا الفتح على مرادفة «أما» «حقّا»، والكسر على مرادفتها «ألا».
ذكر ذلك سيبويه 8 وإذا وقعت بعد حتى كسرت إن كانت حرف ابتداء لامتناع تقدير مصدر في موضعها نحو قولك: مرض زيد حتى إنه لا يرجى، وإن كانت عاطفة أو جارة [2/ 112] لزم الفتح لصحة تقدير مصدر مكانها نحو قولك: عرفت أمورك حتى -
................................
أنك فاضل، فلك أن تقدر موضع «أن» مصدرا منصوبا على أن تكون حتى عاطفة، ومجرورا على أن تكون جارة 1، وإذا وقعت «إنّ» بعد «لا جرم» فالمشهور الفتح، وبه قرأ القراء.
قال الفراء: «لا جرم» كلمة كثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة «حقّا» وبذلك فسرها المفسرون، وأصلها من «جرمت» أي كسبت.
وتقول العرب: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت فتراها بمنزلة اليمين 2. قلت:
ولإجرائهم إياها مجرى اليمين حكي عن بعض العرب كسر «إنّ» بعدها 3.
وذكر ابن كيسان 4 في نحو: والله إنّ زيدا كريم بلا لام أن الكوفيين يفتحون ويكسرون، والفتح عندهم أكثر 5. قال الزجاجي في جمله: وقد أجاز بعض النحويين فتحها بعد اليمين واختاره بعضهم على الكسر، والكسر أجود وأكثر في كلام العرب والفتح جائز قياسا 6. كذا قال أبو القاسم، قلت: قد تقدم قوله:
والكسر أجود وأكثر في كلام العرب، وهذه العبارة تقتضي أن يكون الفتح مستعملا في كلامهم استعمالا أقل من استعمال الكسر 7 ثم أشار إلى أن الفتح جائز قياسا، وليس كما قال، فإنّ الفتح يتوقف على كون المحل مغنيا فيه المصدر عن العامل والمعمول، وجواب القسم ليس كذلك، والكسر يتوقف على كون المحل محل جملة لا يغني عنها مفرد وجواب القسم كذلك، فوجب لأن الواقعة فيه الكسر قياسا 8، ولذلك أجمعت القراء على كسر إِنَّا جَعَلْناهُ 9 في أول الزخرف، وإِنَّا أَنْزَلْناهُ 10 في أول الدخان مع عدم اللام 11، فإن ورد «أنّ» بالفتح -
................................
في جواب قسم حكم بشذوذه وحمل على إرادة «على» 1، وعلى ذلك يحمل قول الراجز 2:
959 - لتقعدنّ مقعد القصيّ... منّي ذي القاذورة المقليّ
أو تحلفي بربّك العليّ... أنّي أبو ذيّالك الصّبيّ 3
في رواية من رواه بالفتح كأنه قال: أو تحلفي على أني أبو ذيالك الصبي.
انتهى 4. ويتعلق بكلامه تنبيهات:
منها: أن عبارة الكتاب تعطي أن «أما» بمعنى «حقّا».
قال الشيخ: والذي شرح به أصحابنا كلام سيبويه هو أنك إذا كسرت «إنّ» «فأما» استفتاح «كألا»، أو فتحت فالهمزة للاستفهام، و «ما» بمنزلة «حق»، وذلك أن «ما» عامة فتجعلها بمنزلة شيء، ذلك الشيء حق.
فكأنك قلت: أحقّا أنك ذاهب.
وانتصابه على الظرف 5. ثم بحث مع المصنف منازعا له فيما ادعاه من أنّ «حقّا» من قول الشاعر:
960 - أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا 6
يحتمل أن يكون قد نصب المصدر ومن أن «أما» يجوز أن تكون مع فتح «أنّ» للاستفتاح، فقال: ما ذهب إليه المصنف من جواز انتصاب حقّا نصب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بفعله، وما بعده رفع على الفاعلية، لا يجوز لأنه ليس من المصادر التي يجوز نصبها على إضمار فعل لأن ذلك إنما يكون [2/ 113] إذا أريد به -
................................ الأمر وما أشبهه أو الاستفهام، وتكون نكرة ولا تكون معرفة وقد قالوا: آلحق أنك ذاهب 1، فوجب أن يكون «حقّا» منصوبا على الظرف وما بعده مبتدأ 2، ويكون ظرفا مجازيّا بمنزلة كيف لأن معناها في أي حالة قال: والدليل على أن نصبه نصب الظرف قول الشاعر: 961 - أفي حقّ مواساتي أخاكم... بمالي ثمّ يظلمني السّريس 3 ولا يجوز أن يكون منصوبا على إسقاط حرف الجر والعامل فيه «كائن» والتقدير: أكائن فيما يحق هذا؛ لأن المعنى لا يعمل مضمرا، ولهذا أبطلوا أن يكون مثلهم من قوله: 962 - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 4 حالا على أن العامل فيه الخبر المحذوف كأنه قال في الوجود: وإنما تعمل مضمرا مظهرا لفعل، ثم قال: ويجوز أن يقال: «أحقّ أنك ذاهب» بالرفع وهو جيد قوي، وهو الوجه؛ لأنه ليس فيه جعل ما ليس بظرف ظرفا وارتفاعه على أنه الخبر و «أنّ» مع معمولها في موضع المبتدأ ثم قال: وأما تجويز المصنف أن تكون «أما» للاستفتاح مع فتح «أنّ» وأن يقدر خبر محذوف فشيء خالف فيه النحويون 5، ويبطله أنه لو كان على ما ذهب إليه لصرحت العرب بهذا الخبر الذي قدره في موضع «ما» مع «أنّ».. انتهى 6. -
................................
ولك أن تجيب عن المصنف فتقول: أما قول الشيخ: إن «حقّا» لا يجوز نصبه على أنه مصدر بدل من اللفظ بالفعل فممنوع وقوله: إنما يكون ذلك إذا أريد به الأمر أو الاستفهام منقوض بقولهم: افعل وكرامة ومسرة 1، فإن هذا خبر محض، فإن قال: هذا موقوف على السماع.
قيل: وكذا قوله:
963 - أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا 2
موقوف على السماع 3 ثم إن قوله: إنّ ذلك لا يكون في المصدر المعرفة لا يتوجه فإن المصنف لم يدع ذلك في كلمة هي معرفة ولا يلزم من دعوى المصنف ذلك في «أحقّا أنك ذاهب» أن يدعيه في «آلحق أنك ذاهب»، على أن ما ذكره الشيخ من أن ذلك لا يكون في المعرفة منقوض بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 4 في قراءة من نصب 5، نعم النصب في المعرفة أقل منه في النكرة كما أن الرفع في النكرة أقل منه في المعرفة.
نص على هذه المسألة ابن أبي الربيع في شرح الإيضاح 6، وأما إبطاله أن «أما» لا تكون للاستفتاح مع «أن» المفتوحة على أنها وما بعدها في موضع المبتدأ، ويكون الخبر محذوفا بأنه لو كان كذلك لصرحت العرب بهذا الخبر في موضع «ما» فغير ظاهر ولا يلزم من كون العرب لم تصرح به عدم جواز تقديره، -
................................
فكم للعرب من مقدر لا يلفظ به.
ومنها: أنهم قالوا: والله إنك ذاهب بفتح «إنّ» وكسرها، فقال ابن هشام [2/ 114]: إذا كسرت جعلتها جواب القسم 1 وأما إذا فتحت، فقدره سيبويه:
أعلم والله أنك ذاهب 2، وقدره الفراء وأبو العباس وجماعة: أحلف بالله على أنك ذاهب، أي على ذهابك 3، وقالت العرب أيضا: «شد ما أنك ذاهب» و «عزّ ما أنك منطلق 4»، فقال الصفار: الكسر هنا لا يجوز لأن شدّ وعزّ فعلان، وما بعدهما في موضع الفاعل، و «ما» زائدة، والمعنى: عز ذهابك أي قلّ وشقّ وشدّ وكذلك أي شق، لأن الشيء إذا شدّ فقد شقّ ويجوز أن يكون «ما» تمييزا.
وضمن «شدّ» معنى المدح وأنك ذاهب خبر مبتدأ كأنه يريد أنّ المبتدأ المحذوف الذي هذا خبره هو المخصوص بالمدح.
قال: ويظهر من الخليل أن شدّ ما بمنزلة «حقّا» 5 ركب الفعل مع الحرف وانتصب ظرفا، والمعنى عزيزا ذهابك، وشديدا أي فيما يشقّ 6.
ومنها: أن «جرم» كلمة اختلف فيها، فقال سيبويه: قال الله تعالى:
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ 7 عملت لأنها فعل، ومعناها: لقد حق أن لهم النار، ولقد استحق أن لهم النار.
وزعم الخليل أن «جرم» إنما تكون جوابا لما قبلها من الكلام يقول الرجل: كان كذا وكذا وفعلوه كذا وكذا، فتقول: لا جرم أنهم سيندمون أو سيكون كذا وكذا 8. انتهى كلام سيبويه.
قال الشيخ: «فإن» بعد جرم في موضع الفاعل بها، والوقف على «لا» عند سيبويه، ولا يجوز أن توصل «بجرم» لأنها ليست لنفي جرم.
وذهب الفراء إلى أن جرم بمعنى كسب 9. قال:
وركبت «لا» مع «جرم» وصارت بمنزلة «لا بدّ» و «لا محالة» والتركيب يحدث -
................................
معه أمر لم يكن.
ولا يقف على «لا» لأنها جزء مما بعدها، قال الفراء: وجرم بمعنى كسب، معروف في اللغة، ولم يثبت أن جرم بمعنى، «حقّ».
قال: وتفسير المفسرين لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ 1 حقّا أن لهم النار لا يثبت أنّ جرم بمعنى حق 2 لأنهم فسروا المعنى 3، ونقل الشيخ كلام المصنف على «لا جرم» الذي تقدم إيراده، ثم قال: ولقلة تصفحه - يعني المصنف - كلام سيبويه جهل مذهب سيبويه في «لا جرم» وكلام الخليل فيها، ولم يبين موضع «أنّ» بعد «لا جرم» وقد ذكرنا أنها في موضع رفع بالفاعلية على مذهب سيبويه 4 وأما على مذهب الفراء فيظهر أن التقدير عنده: لا جرم من كذا كما تقول: لا بد أنك ذاهب أي من أنك ذاهب 5.
انتهى.
وذكر أبو البقاء 6 في «لا جرم» أربعة أقوال: -
أحدها: أنّ «لا» ردّ لكلام ماض، أي ليس الأمر كما زعموا.
«وجرم» فعل، وفاعله مضمر فيه، وأَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ 7 في موضع نصب، والتقدير: كسبهم قولهم خسرانهم في الآخرة.
الثاني: أنّ «لا جرم» كلمتان ركبتا وصار معناهما «حقّا» و «أنّ» في موضع رفع بأنه فاعل الحق؛ أي حق خسرانهم.
الثالث: أن المعنى لا محالة خسرانهم فيكون في موضع رفع أيضا وقيل: في موضع [2/ 115] نصب أو جر،
والتقدير: لا محالة في خسرانهم.
الرابع: أن المعنى لا منع من أنهم خسروا، فهو الإعراب كالذي قبله 8. انتهى.
ويحتاج هذان القولان الآخران إلى تحرير؛ وقد علم من كلامه وإن وافق المنقول عن سيبويه أن «جرم» كلمة منفصلة عن «لا» وأنها فعل 9، أنه خالفه في أن جعل الفاعل مضمرا، ولم يجعله «أنهم» مع ما بعده.
-
................................
ومنها: أنك قد عرفت من كلام المصنف أنّ ابن كيسان ذكر أن الكوفيين يفتحون أنّ ويكسرون في نحو: «والله إن زيدا كريم» بلا لام، وأن الفتح عندهم أكثر، وعرفت أيضا ما ذكره المصنف عن الزجاجي وأنه بعد ذكره ذلك رد إجازة الفتح معلّلا ذلك بأن الفتح يتوقف على كون المحل مغنيا فيه المصدر عن العامل والمعمول وأنّ جواب القسم كذلك إلى آخر كلامه وأنه خرج ما استدل به من أجاز ذلك على إرادة «على» ولا شك أن الذي ذكره هو الحق.
والعجب ممن يتوهم خلاف ذلك، وقد اضطرب النحاة في هذه المسألة بالنسبة إلى الفتح والكسر، وقد ذكر ابن عصفور فيها أربعة مذاهب، ولكنه أطلق القول في وقوع «إن» بعد القسم، ولم يقيد هذا الحكم بعدم اللام في الجواب كما فعل المصنف 1. وتبعه الشيخ أيضا في عدم التقييد المذكور 2، ولا بد منه فإن الإمام بدر الدين ولد المصنف نقل الاتفاق على الكسر عند وجود اللام 3، فتعين الفتح بعدمها كما فعل المصنف.
والمذاهب التي ذكروها هي: -
وجوب الفتح، وهو مذهب الفراء، وجواز الكسر والفتح مع اختيار الفتح، وهو مذهب الكسائي، وجوازهما
واختيار الكسر.
ووجوب الكسر، وهو مذهب البصريين 4، وهو المذهب المتصور من جهة القياس، وبه ورد السماع حتى قال ابن خروف: لم يسمع فتحها بعد اليمين، ولا وجه له في القياس 5. انتهى.
-
................................
والذي أوجب الاختلاق والخبط في هذه المسألة هو أنه سمع من لسان العرب:
حلفت أنّ زيدا قائم بالفتح والكسر، فغلط سماع «ذلك» من أجاز الوجهين في نحو: والله إن زيدا قائم، فجوز مع إضمار فعل القسم، وأجاز مع إظهاره وهو غلط؛ فإن الفعل إذا أضمر تعين إرادة القسم لأن العرب لا يضمرون الفعل ويريدون الإخبار عن القسم، بل إذا أضمرت كان الكلام قسما حتما 1، وأما إذا أظهر الفعل فجائز أن يراد القسم، وحينئذ يجب كسر «إنّ» الواقعة جوابا له، وجائز أن يراد الإخبار عن قسم سابق، وحينئذ يجب فتح «أنّ» لأنها مع ما بعدها متعلق الفعل الظاهر.
واعلم أن الشيخ ذكر أن المصنف أهمل مسألتين: -
الأولى: وقوع «إنّ» بعد «مذ ومنذ».
قالوا: فالنحويون متفقون على فتح «أن» بعدهما 2، نحو: ما رأيته مذ أن الله خلقه.
واختلفوا في جواز الكسر، فمنهم من صرح بإجازته وهو مذهب الأخفش 3. ومنهم من من سكت عن إجازة الكسر، وامتناعه كسيبويه وابن السراج 4.
الثانية: وقوعها بعد «أما» إذا جاء بعدها [2/ 116] ظرف أو مجرور نحو: أما في الدار فإن زيدا قائم، والكسر على تقدير: فزيد قائم ويتعلق المجرور بما في «أما» من معنى الفعل، والفتح بتقدير: فقيامك، والمجرور في موضع الخبر.
لكنه قال:
ويمكن اندراج هذه المسألة تحت قوله: وفاء الجواب، فلا يكون المصنف أغفلها 5.
انتهى.
وقد اعترف الشيخ في هذه المسألة بأنها داخلة في كلام المصنف، وأما المسألة الأولى فإذا كان اتفاق النحويين على فتح «أنّ» بعد الكلمتين المذكورتين كان ذلك كافيا في الجواب عن المصنف.
ولا يلزم التعرض إلى ذكر الكسر على رأي من يجيزه لأن إجازة ذلك إن ثبتت مرجوحة لا معمول عليها على القول بها ولا أعرف -
[مواضع دخول لام الابتداء ومواضع امتناع ذلك]
قال ابن مالك: (فصل: يجوز دخول لام الابتداء بعد «إنّ» المكسورة على اسمها المفصول وعلى خبرها المؤخّر عن الاسم، وعلى معموله مقدّما عليه بعد الاسم، وعلى الفصل المسمّى عمادا وأوّل جزأي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما وربّما دخلت على خبر «كان» الواقعة خبر «إنّ» ولا تدخل على أداة شرط ولا على فعل ماض متصرّف خال من قد ولا على معموله المتقدّم خلافا للأخفش، ولا على حرف نفي إلا في ندور ولا على جواب الشّرط خلافا لابن الأنباري ولا على واو المصاحبة المغنية عن الخبر خلافا للكسائيّ، وقد يليها حرف التّنفيس خلافا للكوفيين، وأجازوا دخولها بعد «لكنّ».
ولا حجة فيما أوردوه لشذوذه، وإمكان الزّيادة كما زيدت مع الخبر مجرّدا أو معمولا لأمسى أو زال أو رأى أو «أنّ» أو «ما» وربّما زيدت بعد «إنّ» قبل الخبر المؤكّد بها، وقبل همزتها مبدلة هاء مع تأكيد الخبر أو تجريده فإن صحبت بعد «إنّ» نون توكيد أو ماضيا متصرّفا عاريا من «قد» نوي قسم
وامتنع الكسر).
كيف يتوجه القول عن الأخفش بأنه يجيز الكسر، مع أنه يقدر اسم زمان بعد «مذ ومنذ» مضافا إليهما، فإن هذا التقرير يوجب التأويل بأنّ وما بعدها بالمصدر، وإذا وجب ذلك وجب الفتح 1.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: لام الابتداء هي المصاحبة المبتدأ توكيدا نحو: لزيد منطلق، وهي غير المصاحبة جواب القسم 3، لدخولها على المقسم به في نحو «لعمرك ولأيمن الله»، والمقسم به لا يكون جواب قسم.
ولاستغناء بها عن دون التوكيد (في) نحو وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ 4، والمصاحبة جواب -
................................ القسم لا تستغني في مثل لَيَحْكُمُ عن نون التوكيد إلا قليلا، ولما كان مصحوب اللام في الأصل المبتدأ وكان معنى الابتداء باقيا مع دخول «إنّ» اختصت بدخولها معها لذلك ولتساويها في التوكيد 1، وحسن اجتماع توكيدين بحرفين كما حسن اجتماعهما باسمين نحو: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ 2، وموضعها في الأصل قبل «إنّ» لأنها تعلق أفعال القلوب وهي أقوى عملا من «إنّ»، فلو أخرت ولم ينو تقديمها لعلقت «إنّ» وإلا لزم ترجيحها على أفعال القلوب، وأزيلت لفظا عن موضعها الأصلي كراهية لتقدم توكيدين مع أنّ حق المؤكّد أن يؤخر عن المؤكّد 3، وقصدوا التنبيه على موضعها الأصلي فأولوها «إنّ» مجعولة همزتها «هاء» 4، ولكون اللام في الأصل للمبتدأ قدمت اتصالها بغيره وبينت أن ذلك مشروط بفصل الاسم من «إنّ»، ولا فرق بين الفصل بالخبر نحو: إن عندك لزيدا وبين الفصل بمعمول الخبر نحو: إن فيك لزيدا راغب 5 ولم أقيد تأخير الخبر بقرب، ليعلم أنّ بعده لا يضر كقول الشاعر: 964 - وإنّي على أنّي تجشّمت هجرها... لما ضمنتني أمّ سكن لضامن 6 وكقول الآخر: 965 - وإنّ امرأ أمسى ودون حبيبه... سواس فوادي الرّسّ فالهميان لمعترف بالنّأي بعد اقترابه... ومعذورة عيناه بالهملان 7
................................ سواس ووادي الرّسّ: موضعان والهميان: مثنّى جعل علما لموضع، فلو كان الخبر منفيّا لم يجز اتصالها به 1، لأن أكثر النفي بما أوله لام، فكره دخول لام على لام، ثم جرى النفي على سنن واحد، فلم يوكد بلام خبر منفي إلا في نادر من الكلام كقول الشاعر: 966 - وأعلم إنّ تسليما وتركا... للا متشابهان ولا سواء 2 أنشده ابن جني في المحتسب 3، وقيدت دخولها على الخبر بكونه مؤخرا عن الاسم 4 تنبيها على امتناع: إنّ لعندك زيدا، وإن غدا لعندنا عمرا، وقيدت دخولها على معمول الخبر بكونه مؤخرا عن الاسم مقدما على الخبر، لأن المعمول كجزء من العامل فإذا قدم كان كالجزء الأول، وإذا أخّر كان كالجزء الآخر، فلذلك جاز وإنّ زيدا لطعامك آكل، وامتنع إنّ زيدا آكل لطعامك 5. ومثال إن زيدا لطعامك آكل قول الشاعر: - - والشاهد قوله: (وإن امرأ... لمعترف) حيث دخلت اللام على خبر «إنّ» المؤخر مع بعده، وذلك لأن البعد لا يضر.
................................ 967 - إنّ امرأ خصّني عمدا مودّته... على التّنائي لعندي غير مكفور 1 ومن مواقع هذه اللام الفصل المسمّى عمادا، كقوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ 2 وجاز أن تدخل عليه لأنه مقوّ للخبر يرفعة توهم السامع كون الخبر تابعا فينزل منزلة الجزء الأول من الخبر فحسن دخولها عليه لذلك 3، ومع ذلك لا يتعين كون مصحوبها فصلا في إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ 4، وشبهه لإمكان جعل الضمير مبتدأ 5، وإذا كان الخبر المؤكد بها جملة اسمية فمحل [2/ 117] اللام منها صدرها كقول الشاعر: 968 - إنّ الكريم لمن نرجوه ذو جدة... ولو تعذّر إيسار وتنويل 6 وهذا هو القياس لأن صدر الجملة الاسمية كصدر الجملة الفعلية ومحل اللام من الجملة الفعلية صدرها وكذا من الجملة الإسمية وقد شذ دخولها على ثاني جزأي الجملة الاسمية في قوله 7: 969 - فإنّك من حاربته لمحارب... شقيّ ومن سالمته لسعيد 8
................................ ومثله: 970 - إنّ الألى وصفوا قومي لهم فبهم... هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا 1 فإلى مثل هذا أشرت بقولي: «وأول جزأي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما» وأشرت بقولي: وربما دخلت على خبر «كان» الواقعة خبر «إن» إلى ما في بعض نسخ البخاري من قول أم حبيبة رضي الله عنها «إني كنت عن هذا لغنية» 2، ثم بينت أن الخبر إذا كان جملة شرطية لم تدخل عليه اللام لا في صدره ولا في عجزه 3، ونبهت على أن أبا بكر بن الأنباري 4 أجاز دخولها على جواب الشرط 5، والمانع من دخولها على أداة الشرط خوف التباسها بالموطئة للقسم 6، فإنها تصحب أداة الشرط كثيرا نحو: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ 7، فلو لحقت لام الابتداء أداة الشرط لذهب الوهم إلى أنها الموطئة، وحق المؤكد أن لا يلتبس بغير مؤكد، ولما كان الجواب غير صالح للموطئة أجاز ابن الأنباري أن تلحقه لام الابتداء إلا أن ذلك غير مستعمل، فالأجود أن لا يحكم بجوازه ولا تدخل هذه اللام على فعل ماض إلا إن كان مقرونا بقد أو كان غير متصرف وذلك لأنها في الأصل للاسم فدخلت على الفعل المضارع لشبهه به 8، ولم تدخل على الماضي لعدم الشبه، فإن قرن «بقد» قرينة من الحال 9 فأشبه - - والشاهد في قوله: (لمحارب... لسعيد)، حيث دخلت اللام على ثاني جزأي الجملة الاسمية الواقعة خبرا «لإنّ».
................................ المضارع فجاز أن تلحقه نحو: إنك لقد قمت 1. وإن كان الماضي غير متصرف «كنعم» جاز أن تلحقه لأنه يفيد الإنشاء، والإنشاء يستلزم الحضور فيحصل بذلك شبه المضارع فجاز أن يقال: إن زيدا لنعم الرجل 2. وأجاز الأخفش دخول هذه اللام على معمول الفعل الماضي مقدما عليه نحو: «إن زيدا لطعامك آكل» 3. ومنع ذلك أولى لأن دخول اللام على معمول الخبر فرع دخولها على الخبر، فلو دخلت على معموله مع أنها لا تدخل عليه نفسه لزم ترجيح الفرع على الأصل 4. وحكى ابن كيسان عن الكسائي «إن كل ثوب لو ثمنه» 5. وأجاز البصريون: إن زيدا لسوف يقوم 6. ولم يجزه الكوفيون، ولا مانع من ذلك فجوازه أولى 7 وأجاز الكوفيون دخول هذه اللام بعد لكنّ اعتبارا ببقاء معنى الابتداء معها كما بقى مع «إنّ» 8 واحتجاجا بقول بعض العرب: 971 -... ولكنّني من حبّها لعميد 9
................................
ولا حجة لهم في ذلك.
أما الأول؛ فإن اللام لم تدخل بعد «إنّ» لبقاء معنى الابتداء فحسب، بل لأنها مثلها في التوكيد.
و «لكنّ» بخلاف ذلك، ولأن معنى الابتداء مع «لكنّ» لم يبق كبقائه مع «إنّ»، لأن الكلام الذي فيه «إنّ» غير مفتقر إلى شيء قبله، بخلاف الكلام الذي معه «لكنّ» فإنه مفتقر إلى كلام قبله، فأشبهت «أنّ» المفتوحة المجمع على
امتناع دخول اللام بعدها 1 وأما:
972 - ولكنّني من حبّها لعميد
فلا حجّة فيه لشذوذه، إذ لا يعلم له تتمة ولا قائل ولا راو عدل يقول: سمعته ممن يوثق بعربيته.
والاستدلال بما هو هكذا في غاية من الضعف، ولو صح إسناده إلى من يوثق بعربيته لوجه يجعل أصله «ولكن أنني» ثم حذفت همزة «أنّ» ونون «لكن»، وجيء باللام في الخبر لأنه خبر «أنّ» أو حمل على أن لامه زائدة كما زيدت في الخبر قبل انتساح الابتداء 2، كقول الراجز:
973 - أمّ الحليس لعجوز شهربه... ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه 3
وكما زادها الشاعر بعد أمس في قوله 4: - - لابن عصفور (1/ 430)، ووصف المباني (279)، والمغني (1/ 233، 292)، وشرح شواهده (2/ 605)، والاقتراح (72)، والهمع (1/ 140)، والدرر (1/ 116)، والتصريح (1/ 112)، والأشموني (1/ 280)، والبيت من الطويل.
والشاهد قوله: (ولكنني... لعميد) حيث دخلت اللام على خبر «لكن» على رأي الكوفيين.
................................ 974 - مرّوا عجالا فقالوا: كيف سيّدكم... فقال من سئلوا أمسى لمجهودا 1 وكما زادها الآخر بعد ما زلت في قوله: 975 - وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها... لكالهائم المقصى بكلّ مذاد 2 وكما زادها الآخر بعد رأى في قوله: 976 - رأوك لفي ضرّاء أعيت فثبتوا... بكفّيك أسباب المنى والمآرب 3 وحكى قطرب: أراك لشاتي 4. وربما زيدت بعد (أنّ) المفتوحة 5 كقراءة بعضهم 6: (ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلّآ أنّهم ليأكلون الطّعام) 7. -
................................ وربما زيدت في الخبر بعد «ما» النافية كقول الشاعر: 977 - أمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان 1 وأحسن ما زيدت في خبر المبتدأ المعطوف بعد «إنّ» المؤكد خبرها بها كقول الشاعر: 978 - إنّ الخلافة بعدهم لذميمة... وخلائف ظرف لممّا أحقر 2 وفيما قدم من معمول خبر «إنّ» المؤكد بها كقول الشاعر 3: 979 - إنّي لعند أذى المولى لذو حنق... يخشى وحلمي إن أوذيت معتاد 4 وحكى الفراء أن أبا الجراح سمع من يقول: «إني لبحمد الله لصالح» 5 فعلم أن هذا جائز في الاختيار، غير مختص بالاضطرار، وذكر السيرافي أن المبرد كان لا يرى تكرار اللام وأن الزجاج أجاز ذلك واختار السيرافي قول المبرد 6 وليس بمختار للشواهد المذكورة، ومثال التنبيه بها على موضعها الأصلي مع توكيد الخبر -
................................
قول الشاعر:
980 - لهنّك من عبسيّة لوسيمة... على هنوات كاذب من يقولها 1
ومثال ذلك مع تجريد الخبر قول الشاعر:
981 - ألا يا سنا برق على قلل الحمى... لهنّك من برق عليّ كريم 2
وإن وقع موقع خبر «إنّ» نحو: «ليفعلنّ»، أو نحو: «لفعل» علم أن هناك قسما منويّا وفتحت الهمزة.
قال ابن السراج: [2/ 118] تقول: قد علمت أن زيدا ليقومن وأن زيدا لقام، فلا تكسر «إن» كما تكسرها في أشهد إنّ محمدا لرسول الله، وأعلم إن بكرا ليعلم 3 وقد تقدم في أول كتابي هذا أن لام الابتداء لا تختص بالحال، وإنما الأكثر كون مصحوبها حالا وليس ذلك من أجل اللام بل من أجل أنّ الجملة المجردة من دليل مضى واستقبال، أكثر ما يكون مضمونها مرادا به - - لأنهما لام واحدة ولا يجيز: (إنّ زيدا لفي الدار لقائم)، ولا يكرر اللام إذا كان المعنى واحدا وأجاز أبو إسحاق الزجاج إنّ زيدا لفي الدار لقائم إلى قوله: وقول أبي العباس في هذا أقوى.
اه.
وينظر في هذه المسألة أيضا شرح الجمل لابن عصفور (1/ 432) ط. العراق، واختار ابن عصفور رأي الزجاج فقال: وهو الصحيح.
وينظر شرح الكافية للرضي (2/ 356)، والتذييل (2/ 731).
................................
الحال 1، ومن ورودها مع ما يراد به الاستقبال قول الشاعر:
982 - وإنّي لأحمي الأنف من دون ذمّتي... إذا الدّنس الواهي الأمانة أهمدا 2
فأعمل «حمي» في «إذا» وهو مستقبل المعنى.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 3، وبعد ذلك فأشير إلى أمور: -
منها: أن الشيخ قال: ظاهر كلام المصنف وكلام غيره إطلاق معمول خبر ما يجوز دخول اللام عليه، وهذا الإطلاق ليس بصحيح لأن معمول الخبر إذا كان حالا لم تدخل عليه اللام نحو: إنّ زيدا لضاحكا مقبل، فلا يجوز هذا، ولم يسمع من لسانهم، ونص الأئمة على منعه 4، ونقل عن ابن ولاد 5، أنه قال: إن اللام لا تدخل في الحال تقدمت أو تأخرت، لأن الحال لا تكون خبرا وهي حال بخلاف الظرف فإنه يكون خبرا وهو ظرف 6، وهذه العلة التي ذكرها ابن ولاد منقوضة بالمفعول نحو: إن زيدا لطعامك آكل، والمفعول لا يكون خبرا.
قال: وعن صاحب الإفصاح: أن القياس هنا - يعني قياس الحال على المفعول به - ممكن لأنها بمنزلته وبمنزلة الظرف أيضا إلا أنه لم يسمع وقد منعه الأئمة 7. انتهى.
وهذا البحث صحيح إلا أن يمنع مانع دخول اللام على المفعول به نحو: إن زيدا لطعامك آكل 8. وحين ذكر الشيخ هذه المسألة - أعني: إنّ زيد لطعامك آكل - قال: وينبغي أن يتوقف في دخولها على المفعول به المتقدم على عامل الخبر قال: -
................................
ولا يقاس على الظرف والمجرور يعني: قول القائل:
983 - إنّ امرأ خصّني عمدا مودّته... على التّنائي لعندي غير مكفور 1
لأنها يتسمح فيهما ما لا يتسمح في غيرها، فلا يقال: إن زيدا لطعامك آكل حتى يسمع نظيره من كلام العرب 2، ثم إن في كلام الشيخ أن معمول الخبر يكون مفعولا به وظرفا ومجرورا وحالا ومصدرا ومفعولا من أجله.
قلت: أما المفعول به والظرف والمجرور، فقد علم حكمها، وكذا الحال أيضا وأما المصدر والمفعول من أجله نحو: إنّ زيدا لقياما يقوم، وإنّ زيدا لإحسانا يزورك 3؛ فذلك مندرج في عموم قولهم: إن اللام تدخل على معمول الخبر متوسطا.
ومنها: أن جماعة من النحاة ذكروا أن سيبويه لا يجيز دخول اللام على الفعل الماضي وإن كان غير متصرف نحو: إنّ زيدا [2/ 119] لنعم الرجل وإن زيدا لعسى أن يقوم، وأن الأخفش والفراء يجيزان ذلك 4. وممن نص على أن مذهب سيبويه المنع الصفار وأبو محمد بن السيد 5. قال الشيخ: وينبغي أن يرجع عند الاختلاف إلى السماع فإن سمع قلنا به وإلا فلا 6. - - دخولها على معمول الخبر خلافا لمن أجاز ذلك.
ينظر الهمع (1/ 139). وقد ذكر النحاة لجواز دخول اللام على معمول الخبر شروطا ثلاثة هي: تقدمه على الخبر وكونه غير حال وكون الخبر صالحا للام.
ينظر أوضح المسالك (1/ 92).
................................
ومنها: أن ابن عصفور ذكر في اللام في:
984 - لهنّك من برق عليّ كريم 1
للنحاة قولين: أحدهما: أنها لام الابتداء كما قال المصنف 2.
الثاني: أنها اللام الواقعة في جواب القسم، والقسم هنا محذوف 3 كأنه قال:
«والله لهنك» واستدل صاحب هذا القول، بأنك قد تأتي بلام «إنّ» فتدخلها على الخبر نحو:
985 - لهنّك من عبسيّة لوسيمة 4
قال: فلو كانت اللام في «لهنك» لام «إنّ» لم يؤت باللام بعد ذلك في الخبر، وكذا قول الآخر:
986 -... لهنّا لمقضيّ علينا التّهاجر 5
انتهى 6.
ولا يبعد هذا القول الثاني عن الصواب.
ومنها: أن قول المصنف في المسألة آخر الفصل: نوي قسم وامتنع الكسر - إنما يعني به أنه يمتنع الكسر إذا تقدم على «إنّ» ما يطلب موضعها فإنها تفتح إذ ذاك -
[تخفيف إن ولكن - اقتران هذه النواسخ بما الزائدة]
قال ابن مالك: (فصل: ترادف «إنّ» «نعم» فلا إعمال وتخفّف فيبطل الاختصاص ويغلب الإهمال، وتلزم اللّام فارقة إن خيف لبس (بإن) النّافية. ولم يكن بعدها نفي وليست غير الابتدائيّة خلافا لأبي عليّ ولا يليها غالبا من الأفعال إلّا ماض ناسخ للابتداء ويقاس على نحو: «إن قتلت لمسلما» وفاقا للكوفيين والأخفش ولا تعمل عندهم ولا تؤكّد، بل تفيد النّفي واللّام الإيجاب، وموقع «لكنّ» بين متنافيين بوجه ما، ويمنع إعمالها مخفّفة خلافا ليونس والأخفش. وتلي «ما» ليت فتعمل وتهمل، وقلّ الإعمال في «إنّما» وعدم سماعه في «كأنّما» و «لعلّما» و «لكنّما» والقياس سائغ). ولا تكسر نحو: علمت أن زيدا ليقومن، وعلمت أن زيدا لقام 1، ولا يعني أن يمتنع الكسر على الإطلاق ولكنه ترك القيد اعتمادا على الوضوح. قال ناظر الجيش: قال المصنف: أنكر بعض العلماء كون «إنّ» بمعنى «نعم» 2 وزعم أن «إنّ» في قوله 3: 987 - بكر العواذل في الصّبو... ح يلمنني وألومهنّه ويقلن شيب قد علا... كـ وقد كبرت فقلت إنّه 4
................................
مؤكدة ناصبة الاسم رافعة للخبر وجعل الهاء اسمها والخبر محذوفا كأنه قال: إن الذي ذكرتن واقع أو كما وصفتن، فحذف الخبر للعلم به واقتصر على الاسم.
والذي زعم هذا القائل ممكن في البيت المذكور فلو لم يوجد شاهد غيره لرجح قوله، ولكن الشواهد على كون «إنّ» بمعنى «نعم» تأيّدها ظاهر ودافعها مكابر فلزم الانقياد إليها والاعتماد عليها، فمنها: قول عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لابن الزبير الأسدي 1 لما [2/ 120] قال:
لعن الله ناقة حملتني إليك: «إنّ وراكبها» أراد نعم لعن وراكبها 2.
ومنها: قول حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه:
988 - يقولون أعمى قلت: إنّ وربّما... أكون وإنّي من فتى كبصير 3
ومنها: أنشد أحمد بن يحيى قول الشاعر 4:
989 - ليت شعري هل للمحبّ شفاء... من جوى حبّهنّ إنّ اللّقاء 5
ومنها: قول الطائيين 6:
990 - قالوا أخفت؟ قلت إنّ وخيفتي... ما إن تزال منوطة برجاء 7
-
- ويروى البيت الأول برواية: بكر العواذل بالضحى... يلحينني وألومهنه والشاهد قوله: (فقلت إنّه) حيث جاءت «إنّ» فيه بمعنى نعم والهاء للسكت.
................................ ونبهت في هذا الباب على ورود «إنّ» بمعنى نعم ليعلم بها، فتعامل بما تعامل «نعم» من عدم الاختصاص وعدم الإعمال وجواز الوقف عليها 1، ومذهب البصريين أن «إنّ» قد تخفف فيقال فيها «إن» ويبطل اختصاصها بالاسم ويجوز عندهم إعمالها إذا وليها اسم، وعلى ذلك يحملون قوله تعالى وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ 2 في رواية نافع وابن كثير 3، وإهمالها أكثر 4، كقوله تعالى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ 5 وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا 6، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ 7 ومذهبهم أن اللام التي بعد «إن» هذه هي التي كانت مع الشديدة إلا أنها مع التخفيف والإهمال تلزم فارقة بين المخففة والنافية، ولا تلزم مع الإعمال لعدم الالتباس 8، وكذلك لا تلزم مع الإهمال في موضع لا يصلح للنفي كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وأيم الله لقد كان خليقا للإمارة وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ» 9 وكقول معاوية في كعب الأحبار رضي الله عنه وإن كان من أصدق هؤلاء أخرجهما البخاري، ومثله ما حكى ابن جني في المحتسب من قراءة أبي رجاء (وإن كلّ ذلك لما متاع الحياة الدّنيا) 10 بكسر اللام وتخفيف الميم على معنى: وإن كلّ ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا 11 ومثل ذلك قول الطرماح 12: -
................................
991 - أنا ابن أباة الضّيم من آل مالك... وإن مالك كانت كرام المعادن 1
وكقول الآخر:
992 - إن وجدت الكريم يمنع أحيا... نا وما إن بذا يعدّ بخيلا 2
ويلزم ترك اللام إن أمن اللبس وكان في الموضع اللائق بها نفي كقول الشاعر:
993 - أما إن علمت الله ليس بغافل... فهان اصطباري إن بليت بظالم 3
ومذهب الكوفيين أن «إن» المشار إليها لا عمل لها ولا هي مخففة من «إنّ» بل هي النافية، واللام بعدها بمعنى «إلّا».
ويجعلون النصب في وَإِنَّ كُلًّا 4 بفعل يفسره «ليوفينهم» أو «بليوفينهم» نفسه 5، وبه قال الفراء 6. وكلا القولين على أصولهم محكوم بمنعه في هذا المحل أو بضعفه لأنهم يوافقون البصريين في أنّ ما بعد «إلا» لا يعمل فيما قبلها ولا يفسر عاملا فيما قبلها.
ولذلك قال الفراء في كتاب المعاني: وأما الذين خففوا «إنّ» فإنهم نصبوا «كلّا» بليوفينهم وهو وجه لا أشتهيه [2/ 121]، لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعده على شيء قبله، فلو رفعت «كلّا» لصلح ذلك كما يصلح (إن زيد لقائم)، ولا يصلح أن تقول: -
................................ إن زيدا لأضرب، لأن تأويله ما زيد إلا أضرب، وهذا خطأ في اللام، و «إلا». هذا نصه 1، وقد أقر بأن حمل القراءة على جعل «إن» نافية واللام بمعنى «إلا» خطأ، ولا شك في صحة القراءة، فإنها قراءة المدنيين والمكيين 2، ولا توجيه لها إلا توجيه الكوفيين، وتوجيه البصريين، وتوجيه الكوفيين خطأ بشهادة الفراء، فلم يبق إلا توجيه البصريين فتعين الحكم بصحته. ويؤيد ما ذهب إليه البصريون قول سيبويه: وحدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق 3، وهذا نص لا احتمال فيه، وقال الأخفش: وزعموا أن بعضهم يقول: إن زيدا لمنطلق وهي مثل إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ 4، يقرأ بالنصب والرفع 5. وأما قولهم: إن اللام بمعنى «إلا» فدعوى بلا دليل ولو كانت بمعنى «إلا» لكان استعمالها بعد غير «إن» من حروف النفي أولى، لأنها أنصّ على النفي من «إن» فكان يقال: لم يقم لزيد، ولن يقعد لعمرو بمعنى: لم يقم إلّا زيد ولن يقعد إلّا عمرو وفي عدم استعمال ذلك دليل على أن اللام لم يقصد بها إيجاب، وإنما قصد بها التوكيد كما قصد مع التشديد 6، وزعم أبو علي الفارسي أن اللام التي بعد المخففة غير التي بعد المشددة واستدل بأن ما بعد هذه ينتصب بما قبلها من الأفعال نحو إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ 7، وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ 8، وكقول امرأة الزبير رضي الله عنها 9: 994 - هبلتك أمّك إن قتلت لمسلما 10
................................
وما بعد ذلك لا ينتصب بما قبلها لو قلت: «إنك قتلت لمسلما» لم يجز.
فعلم بهذا أن التي بعد المخففة غير التي بعد المشددة.
هذا حاصل قول أبي علي في البغداديات 1، وهو مخالف لقول أبي الحسن الأخفش في كتاب المسائل الكبير، فإنه نص فيه على أن اللام الواقعة بعد المخففة هي الواقعة بعد المشددة 2، وهو الصحيح عندي.
والجواب عن شبهة أبي علي أن يقال: إنما جاز أن يكون مصحوب ما بعد المخففة معمولا لما قبلها من الأفعال، لأن الفعل بعد المخففة في موضع الخبر الذي كان يلي المشددة فكان لما بعده ما كان لما بعد تاليها لأن من قال:
995 - إن قتلت لمسلما
بمنزلة من قال: إن قتلك لمسلم، وإن شئت أن تقول: لما بطل عمل «إن» بالتخفيف وقصد بقاؤها توكيدا على وجه لا ليس فيه استحقت ما يميزها من النافية، فكان الأولى بذلك اللام التي كانت تصحبها حال التشديد، فسلك بها مع التخفيف ما كان لها مع التشديد من التأخر في اللفظ والتقدم في النية، فلم يمنع إعمال ما قبلها فيما بعدها، كما لم يمنع مع التشديد لأن النية بها التقديم وربما تقدم عليها التأخير.
وإذا أولت العرب «إن» المخففة فعلا لم يكن في [2/ 122] الغالب إلا فعلا - - وهو في شرح التسهيل للمصنف (2/ 36)، والكافية الشافية (1/ 504)، والبغداديات (ص 78)، وشرح عمدة الحافظ (138)، وابن الناظم (68)، والتذييل (2/ 752)، والمصنف (3/ 127)، والمحتسب (2/ 255)، وابن يعيش (8/ 71، 72)، والتوطئة (206)، والمقرب (1/ 112)، والإنصاف (2/ 641)، وشرح التسهيل للمرادي (1/ 442)، وشرح الألفية (1/ 353)، والإنصاف (2/ 641)، وشرح التسهيل للمرادي (1/ 442)، وشرح الألفية للمرادي (1/ 353)، والمغني (1/ 24)، والخزانة (4/ 348)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 438) ط. العراق، والعيني (2/ 278)، والتصريح (1/ 231)، والأشموني (1/ 290)، والهمع (1/ 142)، والدرر (1/ 119). ويروى أيضا: «ثكلتك امك) و (شلت يمينك) مكان (هبلتك أمك) والشاهد قوله: (إن قتلت لمسلما) حيث أولى إن فعلا غير ناسخ وأدخل اللام على مفعوله.
................................ ماضيا من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر 1، نحو قوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ 2، وقوله تعالى: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ 3 وقوله: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ 4، وذلك أنها كانت قبل التخفيف مختصة بالمبتدأ والخبر، فلما خففت وضعف شبهها بالفعل جاز دخولهما على الفعل، وكان الفعل من الأفعال المشاركة لها في الدخول على المبتدأ والخبر، كيلا تفارق محلها بالكلية ولا يكون ذلك الفعل غالبا إلا بلفظ الماضي فإن كان مضارعا حفظ ولم يقس عليه 5، كقوله تعالى وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ 6، وكقراءة أبي بن كعب 7: (وإن أخالك [يا] فرعون مثبورا) 8 وكذا إن وليها فعل من غير الأفعال المختصة بالمبتدأ والخبر كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه: إن لبثتم لقليلا 9 ذكرها الأخفش في المعاني 10، وكقول امرأة: والذي يحلف به إن جاء لخاطبا 11، يعني النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكقول بعض العرب «إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهية 12، وكقول امرأة الزبير رضي الله تعالى عنهما: 996 - ثكلتك أمّك إن قتلت لمسلما... حلّت عليك عقوبة المتعمّد 13
................................
ويروى: هبلتك أمك.
وأجاز الأخفش أن يقال: إن قعد لأنا وإن كان صالحا رحما لزيد، وإن ضرب زيدا لعمرو، وان ظننت عمرا لصالحا 1 صرح بذلك كله في كتاب المسائل، وبقوله أقول، لصحة الشواهد علي ذلك نثرا ونظما.
وموقع «لكنّ» بين كلامين متنافيين بوجه 2 ما، كقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا 3، وكقوله تعالى: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ 4 ولضعفها بمباينة لفظها لفظ الفعل لم يسمع من العرب إعمالها مع التخفيف، وأجاز يونس والأخفش إعمالها قياسا على ما خفف من «إنّ» و «أنّ» و «كأنّ» 5 ورأيهما في ذلك ضعيف.
وتتصل «ما» الزائدة «بليت»، فيجوز حينئذ إعمالها وإهمالها بإجماع 6.
وشاهد الوجهين قول النابغة: -
997 - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا... إلى حمامتنا ونصفه فقد 7
قال ابن برهان مشيرا إلى هذا البيت: الجميع رووه عن العرب بالإعمال -
................................
والإلغاء 1. قلت: من رفع جعل «ما» كافة «لليت» كما كفت «إن» «ما» الحجازية، ومن نصب جعلها زائدة غير معتد بها كما لم يعتد بها بين حرف الجر والمجرور به في نحو: عَمَّا قَلِيلٍ 2، وفَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ 3.
وأجاز سيبويه كون «ليت» في بيت النابغة عاملة على رواية الرفع، وذلك بأن تجعل «ما» موصولة أو نكرة موصوفة، والتقدير: ليتما هو هذا الحمام لنا، «فما» اسم «ليت» وهو مبتدأ محذوف وخبره هذا، والجملة صلة «ما» أو صفتها، فليت بهذا التوجيه عاملة في الروايتين 4، وهي حقيقة بذلك لأن اتصال «ما» بها لم يزل اختصاصها [2/ 123] بالأسماء بخلاف أخواتها، فإن اتصال ما بها أزال اختصاصها بالأسماء، فاستحقت «ليتما» بقاء العمل دون «إنما» و «كأنّما» و «لكنّما» و «لعلّما»، وهذا هو مذهب سيبويه 5.
وأجرى ابن السراج غير «ليتما» مجراها قياسا 6 وذكر ابن برهان أن أبا الحسن الأخفش روى عن العرب: إنما زيدا قائم، فأعمل مع زيادة «ما» وعزا مثل ذلك إلى الكسائي عن العرب 7، وهذا الفعل الذي ذكره ابن برهان رحمه الله تعالى من إجراء عوامل هذا الباب على سنن واحد قياسا وإن لم يثبت سماع في إعمال جميعها، وبقوله أقول في هذه المسألة.
ومن أجل ذلك قلت: والقياس سائغ.
انتهى 8 كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو في غاية النظافة كعادته، غير أن الجواب الذي ذكره عن شبهة أبي علي الفارسي لم أتحققه، ثم لا بد من تنبيهات:
منها: أن ابن عصفور لم يوافق المصنف على ثبوت «إنّ» بمعنى «نعم» بل قال: الأولى عندي أن يقال: إن الاسم والخبر محذوفان، لأنه قد تقرر أن «إنّ» تنصب الاسم وترفع الخبر ولم يستقر فيها أن تكون بمعنى «نعم» 9 ونظّر حذف -
................................ الاسم والخبر هنا بحذف فعلي الشرط والجواب في قوله: 998 - قالت بنات العمّ يا سلمى وإن... كان فقيرا معدما قالت وإن 1 وتبعه الشيخ على ذلك، وخرج بيت حسان على أن الاسم محذوف «واللقاء» خبره، التقدير: إنّه اللقاء 2 وكذا خرج غيره ولا يخفى ما في ذلك من التكلف. ومنها: أن الشيخ انتقد على المصنف قوله ولم يكن بعدها نفي يعني إن كان بعدها نفي فلا تجوز اللام نحو: إنّ زيدا لن يقوم، وإن زيدا لم أو لما يقم، أو ليس قائما أو يقوم، قال الشيخ: وهذا الشرط غير محتاج إليه ألبته، لأنه إذا كان الخبر منفيّا لم يدخل على المبتدأ حرف نفي، فلا تلبس فيه «إن» التي للتوكيد المخففة من الثقيلة «بإن» النافية 3. ومنها: أن استدلال أبي علي الفارسي على أن اللام الواقعة بعد «إن» المخففة ليست التي بعد المشددة بأن ما بعد هذه ينتصب بما قبلها من الأفعال وما بعد تلك لا ينتصب بما قبلها 4 استدلال قوي، وقد قدمت أن جواب المصنف عن ذلك غير ظاهر لي، وقد استدل الفارسي أيضا بأن هذه اللام تدخل على ما ليس مبتدأ ولا خبرا في الأصل ولا متعلقا بالخبر، وذلك كدخولها على الفاعل نحو: إن يزينك لنفسك. وعلى المفعول نحو: 999 - إن قتلت لمسلما
................................
ولام «إن» لا تدخل على شيء من ذلك 1، لكن كلام سيبويه يعطي خلاف ما ذهب إليه الفارسي، فإنه قال: وإن توكيد لقولك: زيد منطلق، فإذا خففت فهي كذلك تؤكد ما تكلم به ويثبت الكلام غير أن لام التوكيد تلزمها عوضا
مما حذف منها 2 انتهى.
قال الشارحون: ولام التوكيد عنده عبارة عن لام الابتداء 3. واعلم أنه ينبغي على القولين [2/ 124] كونها معلقة لما قبلها عن العمل أو غير معلقة 4. وقد جاء في الحديث: «قد علمت إن كنت لمؤمنا» 5، فغير الفارسي يوجب كسر «إن»، والفارسي يوجب الفتح لكن الصحيح الكسر لأن الصحيح أن اللام لام الابتداء.
وقد أطال الشيخ الكلام في هذه المسألة وفيما ذكرناه كفاية 6.
ومنها: أن الشيخ انتقد على المصنف قوله: ولا يليها غالبا من الأفعال إلا ماض فقال: هذا ليس بصحيح فقد جاء المضارع في الكتاب العزيز كما جاء الماضي.
قال الله تعالى: وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ 7، وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ 8 وقال في قوله في الشرح: «فإن كان مضارعا حفظ ولم يقس عليه.
ولا أعلم أحدا من أصحابنا وافقه، بل أجازوا ذلك مع المضارع ومع الماضي 9، قال: وأطلق المصنف في قوله: ناسخ للابتداء، وكان ينبغي أن يقيد ذلك بالمثبت غير الواقع صلة، فلا يدخل على «ليس» ولا على «ما زال» و «ما انفك» و «ما فتئ» و «ما برح» ولا على «دام» 10. -
................................
ومنها: أنا نستفيد من قول المصنف: بوجه ما في قوله: وموقع «لكن» بين متنافيين - أن الكلام الواقع قبل «لكن»
يكون نقيضا لما بعدها نحو: ما هذا ساكن لكنّه متحرك، ويكون ضدّا له نحو: ما هذا أسود ولكنه أبيض ويكون خلافا له نحو: ما هذا قائم لكنه شارب، ولا يجوز أن يكون الذي قبلها موافقا لما بعدها نحو: ما زيد قائم لكن عمرا قائم، فهذا لا يجوز إجماعا 1. وقد ذكر الشيخ أن في وقوعها بين الخلافين خلافا.
ومنها: أنه قد تقدم من كلام المصنف في هذه الحروف إذا وليها ما فيه غنية، غير أن أبا الحسن بن عصفور قال:
إن فيها للنحاة ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه يجوز في جمعها الإلغاء والإعمال وهو مذهب الزجاجي.
الثاني: أنه يجوز: في «ليت» و «لعل» و «كأن» الإلغاء والإعمال، ولا يجوز فيما عداها إلا الإلغاء وهو مذهب ابن السراج وأبي إسحق 2.
الثالث: أن «ليت» وحدها يجوز فيها الأمران، وما عداها لا يجوز فيه إلا الإلغاء وهو مذهب الأخفش وذلك أنه لم يسمع الإلغاء والإعمال إلا في «ليت 3».
ثم إنه نصر مذهب الأخفش بالسماع، يعني: أنه لم يرد الإعمال إلا في ليت، وبالقياس وذلك أن الحروف غير «ليت» يزول اختصاصها باتصال «ما» بها، قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ 4، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً 5، كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ 6.
وأما «لكنما» فقد قال الشاعر: