تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4299-4338

الباب الخامس والستون باب عوامل الجزم

صفحات 4299-4338

قال ابن مالك: (منها لام الطّلب مكسورة، وفتحها لغة، وقد تسكّن بعد «الفاء» و «الواو» و «ثمّ»، وتلزم في النّثر في فعل غير الفاعل المخاطب مطلقا خلافا لمن أجاز حذفها في نحو: قل له ليفعل، والغالب في أمر الفاعل المخاطب خلوّه منها ومن حروف المضارعة، وهو موقوف لا مجزوم بلام محذوفة خلافا للكوفيين ولا بمعنى الأمر خلافا للأخفش في أحد قوليه، ويلزم آخره ما يلزم آخر المجزوم.
ومنها «لا» الطلبية، وقد يليها معمول مجزومها، وجزم فعل المتكلّم بها أقلّ من جزمه باللّام، ومنها «لم» و «لمّا» أختها، وتنفرد «لم» بمصاحبة أداوات الشّرط، وجواز انفصال نفيها عن الحال، و «لمّا» بوجوب اتّصال نفيها بالحال، وجواز الاستغناء بها في الاختيار عن المنفيّ إن دلّ عليه دليل، وقد يلي «لم» معمول مجزومها اضطرارا، وقد لا يجزم بها حملا على «لا»).
قال ناظر الجيش: عوامل الجزم منها ما يجزم فعلا واحدا ومنها ما يجزم فعلين، أما القسم الأول فمنحصر في كلمات أربع وهي: لام الطلب، و «لا» الطلبية، و «لم» و «لما» النافية، وأما القسم الثاني فمنحصر في أدوات الشرط، وقد بدأ المصنف بذكر القسم الأول.
وبعد: فأنا أشير أولا إلى ما ذكره في شرح الكافية ثم أتبعه كلام الإمام بدر الدين رحمهما الله تعالى ثم أردف ذلك بما يتيسر إن شاء الله تعالى.
قال في شرح الكافية 1: ذكر الطلب بعد «اللام» و «لا» الجازمتين يحصل فائدتين لا يحصلان بدونه: إحداهما: تمييز «اللام» المرادة من غير المرادة وهي التي ينتصب الفعل بعدها وقد ذكرت، وتمييز «لا» المرادة من غير المرادة وهي النافية نحو: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ 2، -

................................  والزائدة نحو: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ 1. والثانية: من الفائدتين: [5/ 143] أن الطلب يعم لام الأمر نحو: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ 2 ولام الدعاء نحو: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ 3، ويعم «لا» في النهي نحو: لا تَحْزَنْ 4، و «لا» في الدعاء نحو: لا تُؤاخِذْنا 5 بخلاف أن يقال: لام الأمر و «لا» في النهي؛ فإن الدعاء لا يدخل في ذلك، ومن ورود الدعاء مجزوما باللام قول أبي طالب 6: 3933 - يا ربّ إمّا تخرجنّ طالبي... في مقنب من تلكم المقانب وليكن المغلوب غير الغالب... وليكن المسلوب غير السّالب 7 ول «لام» الطلب الأصالة في السكون من وجهين: أحدهما: مشترك فيه وهو كون السكون مقدما على الحركة؛ إذ هي زيادة والأصل عدمها.
والثاني: خاص وهو أن يكون لفظا مشاكلا لعملها كما فعل بـ «باء» الجر، لكن منع من سكونها الابتداء بها فكسرت وبقي للقصد تعلق بالسكون، فإذا دخل عليها «فاء» أو «واو» رجع غالبا إلى السكون ليؤمن دوام تفويت الأصل، وليس التسكين حملا على عين «فعل» كما زعم الأكثرون؛ لأن في ذلك إجراء منفصل مجرى متصل ومثله لا يكاد يوجد مع قلته إلا في اضطرار، وأيضا لو كان تسكين هذه اللام لغير سبب يخصها لشاركها فيه دون شذوذ لام «كي» الواقعة بعد «فاء» -

................................  أو «واو»، وتسكين هذه «اللام» بعد «الفاء» و «الواو» أكثر من تحريكها، ولذلك أجمع القراء 1 على التسكين فيما سوى وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا 2، (وليتمتّعوا) مما ولي «فاء» أو «واوا» كقوله تعالى: وَلْيُؤْمِنُوا بِي 3 وكقوله تعالى: فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ 4 وكقوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا 5 وكقوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً 6، وقد تسكن هذه «اللام» بعد «ثم» نحو: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ 7 وهي قراءة 8 قنبل وأبي عمرو وابن عامر وورش، ويقل دخول هذه «اللام» على فعل فاعل مخاطب استغناء بصيغة «أفعل» ومن ذلك على قلته قراءة 9 عثمان وأبي وأنس رضي الله تعالى عنهم: فبذلك فلتفرحوا 10 وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لتأخذوا مصافكم» 11، والكثير دخولها على فعل ما لم يسمّ فاعله مطلقا نحو: لتعن بحاجتي وليزه زيد علينا 12، ومن دخولها على المضارع المسند إلى المتكلم قوله -

................................  تعالى: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ 1، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قوموا فلأصلّ لكم» 2. وحذف لام الأمر وبقاء عملها جائز وهو على ثلاثة أضرب: كثير مطرد، وقليل جائز في الاختيار، وقليل مخصوص بالاضطرار.
فالكثير المطرد: الحذف بعد أمر بقول كقوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ 3. أي: ليقيموا فحذفت اللام لوقوع ذلك بعد: قل، وليس بصحيح قول من قال 4: إن أصله: قل لهم فإن تقل لهم يقيموا؛ لأن تقدير ذلك يلزم منه أن يتخلف أحد من المقول لهم عن الطاعة والواقع بخلاف ذلك فوجب إبطال ما أفضى إليه وإن كان قول الأكثر.
والقليل الجائز في الاختيار: الحذف بعد قول غير أمر كقول الراجز.
3934 - قلت لبوّاب لديه دارها... تيذن فإنّي حمؤها وجارها 5 أراد: لتيذن فحذف اللام وأبقى عملها وليس مضطرا لتمكنه من أن يقول: إيذن، وليس لقائل أن يقول: إن هذا من تسكين المتحرك على أن يكون الفعل مستحقّا للرفع فسكن اضطرارا؛ لأن الراجز لو قصد الرفع لتوصل إليه مستغنيا عن «الفاء» فكان يقول: تيذن إني حمؤها وجارها فإذ لم يستغن عن الفاء فاللام والجزم مرادان.
والقليل المخصوص بالاضطرار: الحذف دون تقدم قول بصيغة أمر ولا بغيرها كقول الشاعر: -

................................  3935 - فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي... ولكن يكن للخير منك نصيب 1 أراد: ولكن ليكن 2 فحذف «اللام» مضطرّا وأبقى عملها، وليس من هذا ما أنشده الفراء 3 من قول الراجز: 3936 - من كان لا يزعم أنّي شاعر... فيدن منّي تنهه المزاجر 4 لأنه لو قصد الأمر لقال: فليدن مني، وإنما أراد: عطف «يدنو» على «لا يزعم» وحذف «الواو» من «يدنو» لدلالة الضمة عليها كما قال: 3937 - فياليت الأطبّا كان حولي 5 فحذف «واو» الضمير اكتفاء بالضمة، فـ «واو» ليست بضمير أحق أن يفعل بها ذلك، وأما «تنهه» فمجزوم؛ لأنه جواب «من». ومن دخول «لا» النهي على فعل المتكلم قول الشاعر: 3938 - إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد... بها أبدا ما دام فيها الجراضم 6

................................  ومثله قول الآخر: 3939 - لا أعرفن ربربا حورا مدامعها... مردّفات على أحناء أكوار 1 وقد فصل بين «لا» ومجزومها في الضرورة كقول الشاعر: 3940 - وقالوا أخانا لا تخشّع لظالم... عزيز ولا ذا حقّ قومك تظلم 2 أراد: ولا تظلم ذا حق قومك، وهذا رديء؛ لأنه شبيه بالفصل بين الجار والمجرور.
هذا آخر كلامه على «اللام» و «لا» وقد تضمن ما تضمنه من بيان متن الكتاب - أعني التسهيل - شرحا وتعليلا، ولكنا نشير إلى التنبيه على ما لم يتضمنه كلامه في الشرح المذكور فمن ذلك: أنه أشار بقوله في اللام: (وفتحها لغة)، إلى ما ذكره الفراء عند كلامه على قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ 3 قال 4: بنو سليم يفتحون لام الأمر نحو: ليقم زيد.
ومنه: أن قوله: (وتلزم في النّثر في فعل غير الفاعل المخاطب) يشمل فعل ما لم يسمّ فاعله مطلقا أي سواء أكان لمخاطب أم متكلم أم غائب، وفعل الفاعل المتكلم وحده أو مشاركا، وفعل الفاعل الغائب فـ «اللام» في كل هذا واجبة الذكر، أما فعل أمر الفاعل المخاطب، فالغالب خلوه منها ومن حروف المضارعة كما أشار إليه.
وأما قوله: (خلافا لمن أجاز حذفها في نحو: قل له ليفعل) فلا شك أن هذا الكلام يناقض ما ذكره في شرح الكافية، وقد [5/ 144] قرر الإمام بدر الدين 5 - - كثير الأكل جدّا، وهو بضم الجيم، الأكول الواسع البطن.
والشاهد فيه دخول «لا» الناهية على فعل المتكلم في قوله: «فلا نعد» وهو نادر؛ لأن المتكلم لا ينهى نفسه إلا على المجاز تنزيلا له منزلة الأجنبي ويجوز أن تكون دعائية كما في المغني، والبيت في المغني (ص 247) وشرح شواهده (ص 633)، وأمالي الشجري (2/ 226)، والعيني (4/ 420)، وشرح التصريح (2/ 246).

................................  ذلك ولم يتعرض إلى ما ذكره والده في شرح الكافية، وكلام الشيخ موافق لكلام بدر الدين فإنه قال 1: «والصحيح أن حذف لام الأمر وإبقاء عملها لا يجوز إلا في الشعر سواء أتقدم أمر بالقول أو قول غير أمر أم لم يتقدم قول. ومنه: أنه عنى بقوله: (ويلزم آخره ما يلزم المجزوم) أنه إن كان مسندا إلى «الألف» أو «الواو» أو «الياء» يقال فيه: اضربا واضربوا واضربي كما يقال: لم تضربا ولم تضربوا ولم تضربي، وإن لم يكن مسندا إلى أحد الثلاثة وهو صحيح الآخر يقال فيه: اضرب كما يقال: لم يضرب، وإن كان معتل الآخر يقال فيه: اغز، وارم، واخش، كما يقال: لم يغز، ولم يرم، ولم يخش. وإذا قد عرف هذا فلنذكر كلام بدر الدين رحمه الله تعالى قال 2: عوامل الجزم: لام الأمر، و «لا» التي للنهي، و «لم» و «لما» أختها، و «إن» الشرطية وما ضمنّ معناها، وإنما عملت الجزم؛ لأنها اختصت بالأفعال ولازمتها ولم تتنزل منها منزلة الجزء فاقتضى ذلك أن تؤثر فيها وتعمل؛ لأن كل ما لزم شيئا أثّر فيه غالبا فعملت فيه الجزم لأنه أنسب؛ وذلك لأن الفعل بعد لام الأمر شبيه بالأمر المبني على السكون ومثله في المعنى فحمل عليه في اللفظ فأعرب بالجزم الشبيه بالبناء، وأما النهي فإنه يجزم فعله لأنه نقيض الأمر المبني كما يجزم الفعل بـ «لم» و «لما»؛ لأنه نقيض الماضي، والماضي مبني، وأما «إن» الشرطية فلأنها تقتضي جملتين: شرطا وجزاء فعملت الجزم لأنه أخف وأحسن مع الإطالة. واعلم أن الفعل يجزم باللام في الأمر وهو: طلب الفعل على سبيل الاستعلاء نحو: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ 3، وفي الدعاء وهو: طلب الفعل على سبيل الخضوع نحو: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ 4، ومثله قول أبي طالب: 3941 - يا ربّ إمّا تخرجنّ طالبي... في مقنب من تلكم المقانب فليكن المغلوب غير الغالب... وليكن المسلوب غير السّالب 5

................................  فلذلك سماها: لام الطلب.
والنحويون يسمونها: لام الأمر 1 لأنه الأصل فيها، ولام الأمر مبنية على الكسر؛ لأنه أقرب إلى الجزم لأنه حركة مقابل مقابله وهو الجر، ومن العرب من يبنيها على الفتح قال الفراء 2 في كلامه على قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ 3: بنو سليم يفتحون لام الأمر نحو: ليقم زيد.
وإذا وقعت لام الأمر بعد «الفاء» و «الواو» و «ثم» جاز تسكينها حملا على «فعل» وإجراء للمنفصل مجرى المتصل لكثرة الاستعمال 4، وهو مع «الفاء» و «الواو» أعرف من التحريك ولذلك اتفق القراء 5 على التسكين فيما سوى وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا 6، وَلِيَتَمَتَّعُوا 7، مما ولي «واوا» أو «فاء» كقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي 8 وقوله تعالى: فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ 9 وقوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ 10، وأما تسكين اللام بعد «ثم» فقليل ومنه قراءة أبي عمرو وغيره: 11 ثم ليقضوا تفثهم 12. وتلزم لام الأمر في النثر فعل غير الفاعل المخاطب وهو فعل الفاعل الغائب والمتكلم وحده أو مشاركا، وفعل ما لم يسم فاعله مطلقا كقولك: ليقم زيد، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «قوموا فلأصلّ لكم» وقوله تعالى: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ 13، وقولهم: لتعن -

................................  بحاجتي وليزه زيد علينا 1، فاللام في كل هذا واجبة الذكر ولا يجوز حذفها في مثله إلا في الشعر فإنه محل الاختصار والتغيير فيجوز فيه حذف اللام وجزم الفعل بها مضمرة لاضطرار ودونه، فالأول كقول الشاعر: 3942 - فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي... ولكن يكن للخير منك نصيب 2 أراد: ليكن للخير منك نصيب ولكنه اضطر فحذف 3. والثاني كقول الآخر: 3943 - على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (4) لتمكنه من أن يقول: وليبك من بكى، ومثله قول الآخر: 3944 - قلت لبوّاب لديه دارها... تيذن فإنّي حمؤها وجارها 4 لأنه لو لم يؤثر الجزم باللام المحذوفة لقال: إيذن بلفظ الأمر، فأما قول الشاعر 5: 3945 - محمّد تفد نفسك كلّ نفس... إذا ما خفت من شيء تبالا 6 فليس يثبت لجواز أن يكون أراد: تفدي نفسك على الخبر، ولكن حذف الياء تخفيفا كما حذفوا من: كرامي الأيد يريدون: الأيدي، وكذا ما أنشده الفراء 7: 3946 - من كان لا يزعم أنّي شاعر... فيدن منيّ تنهه مني المزاجر 8

................................  لأنه لو أراد الأمر لقال: فليدن مني، وإنما أراد عطف «يدنو» على «لا يزعم» وحذف «الواو» من «يدنو» لدلالة الضمة عليها كما قال: 3947 - فيا ليت الأطبّا كان حولي 1 فحذف «واو» الضمير اكتفاء بالضمة، وأما «تنهه» فمجزوم لأنه جواب «من» 2. ولا يجوز في غير الشعر حذف لام الأمر خلافا للكسائي 3، قال ثعلب 4: قال الكسائي في قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا 5: هو ليغفروا فأسقط «اللام» وترك «يغفروا» مجزوما قلت: والوجه أن يكون مجزوما بجواب الأمر 6 على معنى: إن يقل لهم اغفروا يغفروا، والغالب في أمر الفاعل المخاطب خلوّه من «اللام» ومن حرف المضارعة، وقد لا يخلو منهما كقراءة عثمان وأنس وأبيّ (فبذلك فلتفرحوا)، وكقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لتأخذوا مصافّكم» وهو قليل، والكثير المعروف في كلامهم مجيء أمر الفاعل المخاطب مجردا من «اللام» ومن حرف المضارعة مجعولا آخره كآخر المجزوم، فإن لم يتصل به ألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة فإن كان صحيحا فهو ساكن الآخر نحو: اذهب واضرب واخرج، وإن كان معتلّا فهو محذوف [5/ 145] الآخر نحو: اخش وارم واغز، وإن اتصل به ألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة ثبتت في آخره بغير نون نحو: اضربا، واضربوا، واضربي، وليس ذلك جزما بل بناء؛ لأن دلالة «اضرب» ونحوه على الأمر إما بإضمار اللام وهو مضارع محذوف منه حرف المضارعة، وإما بتضمن معناها وهو مثال مأخوذ من لفظ المصدر للدلالة على الحدث والنسبة تفيد الطلب، لا جائز أن يكون بالإضمار لما فيه من كثرة الحذف لغير موجب فتعيّن أن يكون -

................................  بالتضمين، وإذا كانت دلالة «اضرب» ونحوه على الأمر بتضمن معنى «اللام» وجب الحكم عليه بالبناء لوجهين: أحدهما: عدم وجود علة الإعراب فيه وهو شبه الاسم، فإن المضارع إنما أعرب لشبهه بالاسم إما لجواز قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة وإما في احتمال الإبهام والتخصيص وقبول لام الابتداء، والجريان على حركات اسم الفاعل وسكناته، وذلك وشبهه مفقود من فعل الأمر فوجب أن يكون مبنيّا كالماضي.
الثاني: أن فعل الأمر لو كان معربا لكان مجزوما، لأنه أبدا ساكن الآخر أو محذوفه، ولو كان مجزوما لكان الجازم له إما اللام وإما غيرها، لا جائز أن يكون مجزوما باللام لأن المتضمن يمنع من إظهار مثله؛ لأنه لا فائدة فيه، ولا يصح أن تعمل متضمنة كما لا يعمل الشيء في نفسه، ولا جائز أن يكون مجزوما بغيرها لاستحالة تقديره فتعيّن الحكم عليه بالبناء.
وذهب الكوفيون 1 إلى أن فعل الأمر مجزوم بلام محذوفة وهو مضارع حذف منه حرف المضارعة؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما كان لوجوب حذف آخر المعتل منه وجه، وهو ضعيف لجواز أن يكون الوجه في حذف آخر المعتل من الأمر هو طلب التخفيف استثقالا بحرف العلة المتطرف الساكن، ثم التزموا حذفه كما أجازوا حذف المتحصن بالحركة المقدرة كقراءة من قرأ 2 يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه 3 وذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ 4، ولو لم يكن لحذف آخر فعل الأمر المعتل وجه من المناسبة والاستحسان لكان دعواه أيسر من دعوى حذف لام الأمر وحرف المضارعة.
والمشهور عن الأخفش 5 موافقة سيبويه في الحكم على فعل -

................................  الأمر بالبناء، وعنه أيضا قول آخر 1 وهو أن فعل الأمر مجزوم بمعنى الأمر، وهو قول بما لا نظير له من غير دليل عليه.
وكذا يجزم الفعل بـ «لا» الطلبية وهي الدالة على النهي عن الفعل كقوله تعالى: لا تَحْزَنْ 2 أو الدعاء بتركه لشخص أو عليه فالأول كقوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا (3)، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً 3، والثاني كقول الشاعر: 3948 - بكى دوبل لا يرقئ الله دمعه... ألا إنّما يبكي من الذّلّ دوبل 4 وقد يليها معمول مجزومها كقول الشاعر: 3949 - وقالوا أخانا لا تخشع لظالم... عزيز ولا ذا حقّ قومك تظلم 5 أراد ولا تظلم ذا حق قومك.
وأكثر ما تجزم «لا» فعل المخاطب أو الغائب وقد يجزم بها فعل المتكلم وهو أقل من جزمه باللام ومنه قول الأعشى 6: 3950 - لا أعرفن ربربا حورا مدامعها... مردّفات على أحناء أكوار (8) وقول الآخر: 3951 - إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد... بها أبدا ما دام فيها الجراضم 7

    • وشرح التصريح (1/ 55)، وحاشية الصبان (1/ 58) ومنهج الأخفش الأوسط (ص 402).

................................  انتهى كلام بدر الدين 1 وبعضه يحتاج إلى تأمل، وبعض منه يحتمل البحث فيه.
ثم لا بد من التنبيه على أمور: منها: أنه لا يجوز أن يفصل بين «لام» الأمر وبين ما عملت فيه لا بمعمول الفعل ولا بغيره فهي أشد اتصالا من حروف الجر؛ لأن حرف الجر فصل بينه وبين مدخوله بالقسم، روى عن العرب: اشتريته بو الله ألف درهم 2، ولا يجوز في «اللام»؛ ذلك لأن عامل الجزم أضعف من عامل الجر 3. ومنها: أنه لا يجوز أن يتقدم عليها - أعني اللام - معمول فعلها إذا كان مما يجوز تقديمه في فعل الأمر بغير لام فيجوز أن تقول: زيدا ليضرب عمرو كما يجوز: زيدا اضرب.
ومنها: أن قول المصنف في «لا» الطلبية: (وقد يليها معمول مجزومها) ظاهره يعطي أن ذلك يجوز في الكلام على قلة، لكنه قد قال في شرح الكافية كما علمت: إن ذلك مخصوص بالضرورة، وقال: إنه رديء أيضا.
ومنها: أن قول المصنف أيضا: (وجزم فعل المتكلّم بها - يعني بـ «لا» - أقلّ من جزمه باللّام) ليس المراد به الإطلاق؛ لأن الفعل إذا كان مبنيّا للمفعول جاز دخول «لا» المذكورة عليه مطلقا سواء أكان لمتكلم أم مخاطب أم غائب نحو: لا أخرج، ولا تخرج، ولا يخرج زيد، أما إذا كان مبنيّا للفاعل فالأكثر كونه للمخاطب نحو: لا تذهب، ويضعف للغائب والمتكلم، والفرق بينه وبين المبني للمفعول أنه لا يلزم في المبني للمفعول أن يكون المنهي غائبا ويلزم ذلك في المبني للفاعل، فإذا قيل: لا أخرج، أو لا يخرج زيد مبنيّا للمفعول احتمل أن يكون الفاعل المحذوف هو المسند إليه الفعل أو غيره، وأما إذا بناه للفاعل فقال: لا أخرج أو لا يخرج زيد فإنه في التّكلّم لا ينهى نفسه إلا على ضرب من التجوّز وتنزيلها منزلة أجنبي حتى ينهاها وأما في الغائب فمحال أن ينهى الغائب، وإنما يكون ذلك أيضا على نوع من التجوز بأن يوصل إليه النهي، وحقيقة الأمر والنهي إنما هو خطاب الحاضر بإيجاد شيء أو تركه فهما فيما سواه إنما يكونان على ضرب من -

................................  المجاز والتوسع، هكذا ذكر الشيخ 1، ولا يخفى ما فيه. وقد تعرّض أيضا هنا لذكر مسألة مشهورة لا تعلق لها بمسائل الفصل الذي نحن فيه إلا على بعد فأحييت ذكرها لما فيها من الفائدة قال 2 رحمه الله تعالى: «وقد يتجوز بالنهي عن الفعل [5/ 146] المقصود به في الحقيقة - أي بالنهي - إلى ما يلزمه كقولهم: لا أرينّك ها هنا 3، ولا يرينّك زيد هاهنا، لا يريد المتكلم بذلك نهي نفسه ولا نهي الغائب عن الرؤية وإنما يريد: لا تحضر فأراك أو يراك زيد؛ فنهى عن المسبب وليس مقصودا، قال: وقريب من هذا قوله تعالى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 4 لم ينههم عن الموت بغير الإسلام؛ لأنه ليس لهم، وإنما معناه: لا تكفروا فتموتوا غير مسلمين، وقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ 5 أي: لا تمتنعوا. هذا ما يتعلق بالحرفين الأولين وهما: «اللام» و «لا»، وأما الحرفان الآخران وهما: «لم» و «لمّا» النافية فقال المصنف في شرح الكافية 6: إذ قلت: لم يكن جاز أن تريد انتفاء غير محدود كقوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ 7، وانتفاء محدودا متصلا بالحال كقوله تعالى: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا 8، وكقول سيبويه 9: ولما هو كائن لم ينقطع، وانتفاء منقطعا كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً 10، وكقول الراجز 11: 3952 - وكنت إذ كنت إلهي وحدكا... لم يك شيء يا إلهي قبلكا 12

................................  ولجواز انقطاع مدلول «لم» يحسن أن يقال: لم يكن ثم كان، ولجواز كونه غير محدود حسن أن يقال يقال: لم يقض ما لا يكون.
وأما «لما» فمدلولها انتفاء محدود متصل بزمن النطق بها، فلذلك امتنع أن يقال: لما يكن ثم كان، ولما يقض ما لا يكون؛ لأن انتفاء قضاء ما لا يكون غير محدود، ولا يشترط كون المنفي بـ «لما» قريبا من الحال كقولهم: عصى إبليس ربّه ولما يندم 1، بل الغالب كونه قريبا (2). وقد تهمل «لم» فيليها الفعل مرفوعا 2 كقول الشاعر: 3953 - لولا فوارس من نعم وأسرتهم... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار 3 وانفردت «لما» بجواز حذف مجزومها 4 والوقف عليها كقول الشاعر: 3954 - فجئت قبورهم بدأ ولمّا... فناديت القبور فلم يجبنه 5 وانفردت «لم» بأشياء منها: أنه فصل بينها وبين مجزومها اضطرارا 6 كقول الشاعر: - - «يا إلهي» على الأصل وإن كان الحذف أكثر في الكلام، والثاني استشهد به ابن هشام في أوضح المسالك (2/ 184) على إضافة «وحد» إلى الكاف، والرجز في الكتاب (2/ 210) والمقتضب (4/ 247)، والمنصف (2/ 232)، وابن يعيش (2/ 11) والمغني (ص 279)، وشرح شواهده: (ص 681).

................................  3955 - فذاك ولم إذا نحن امترينا... تكن في النّاس يدرككّ المراء 1 التقدير: ولم تكن إذا نحن امترينا يدركك المراء 2. وقال الإمام بدر الدين 3: من عوامل الجزم و «لم» و «لما» أختها، أما «لم» فحرف نفي يختص بالمضارع ويصرفه إلى معنى المضي، وأما «لما» فعلى ثلاثة أقسام: حرف نفي بمنزلة «لم» في الاختصاص بالمضارع وصرف معناه إلى المضي، وهي التي تجزم نحو قوله تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ 4، وحرف استثناء بمعنى: إلا، وتختص بالفعل المؤول بالمصدر في مثل قولهم: عزمت عليك لمّا فعلت، المعنى: ما أسألك إلا فعلك 5، وحرف يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب نحو: لما قام زيد قام عمرو، وسيأتي ذكرها، وتنفرد «لم» عن «لما» بأمرين: أحدهما: جواز مصاحبة أدوات الشرط نحو: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ 6، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ 7، كما يجوز دخولها على بناء الماضي نحو: إن قام زيد قام عمرو، ولا يجوز مثل ذلك في «لما» كأنهم كرهوها مع الشرط لطولها وإمكان الاستغناء بـ «لم». والثاني: جواز انفصال نفيها عن الحال فتنفي الماضي المنقطع حدثه عن زمن الحال كما تنفي الماضي المتصل به. مثال الأول: قولهم: لم يكن كذا ثم كان، ومنه قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً 8 وقال الراجز: 3956 - وكنت إذ كنت إلهي وحدكا... لم يك شيء يا إلهي قبلكا 9

................................  ومثال الثاني: قول سيبويه 1: ولما هو كائن لم ينقطع، ومنه قوله تعالى: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا 2 وقال الطرماح: 3957 - لم يفتنا بالوتر قوم وللضّي... م رجال يرضون بالإغماض 3 أي: المسامحة بترك الحق. وتنفرد «لما» بأمرين: أحدهما: وجوب اتصال نفيها بالحال ومن ثمّ امتنع أن يقال: لما يكن كذا ثم كان، وإنما يقال: لما يكن كذا وقد يكون أو لا يكون، قال: 3958 - فإن كنت مأكولا فكن خير آكل... وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق 4 والثاني: جواز الاستغناء في الاختيار بذكر «لما» عن ذكر المنفي بها إذا دلّ عليه دليل كما تقول: ندم زيد ونفعه الندم، وندم غيره ولمّا، قال الشاعر: 3959 - فجئت قبورهم بدأ ولمّا... فناديت القبور فلم يجبنه 5 أراد: ولما أكن كذلك. ولا يسلك مثل ذلك بـ «لم» إلا في الضرورة كقول الراجز: 3960 - يا ربّ شيخ من بكير ذي غنم... أحلج لم يشمط وقد كاد ولم 6

................................  وقد يلي «لم» معمول مجزومها اضطرارا كقول ذي الرمة: 3961 - فأضحت مباديها قفارا بلادها... كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل 1 التقدير: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، وقول الآخر: 3962 - فذاك ولم إذا نحن امترينا... تكن في النّاس يدرككّ المراء 2 التقدير: ولم تكن يدركك المراء إذا نحن امترينا.
وقد تلغى لم حملا على «لا» النافية فيرفع الفعل بعدها، ذكر ذلك جماعة 3 وأنشد عليه الأخفش وثعلب: 3963 - لولا فوارس من نعيم وأسرتهم... يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار 4 انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى.
ونحن نشير بعد ذلك إلى أمور: منها: أن الشيخ قال 5: إن المصنف يزعم أنه احترز بقوله: (ولما أختها)، يعني أخت «لم» من «لما» التي بمعنى: «إلّا»، ومن «لما» التي هي حرف وجوب لوجوب 6 على مذهب سيبويه 7، وظرف على مذهب الفارسي 8، قال 9: ولا يحتاج إلى هذا الاحتراز؛ لأن «لما» التي بمعنى «إلّا» والتي هي ظرف أو حرف - - والشاهد في قوله: «ولم» حيث استغنى بذكر «لم» عن ذكر المنفي بها وهو ضرورة، بخلاف «لما» فإن ذلك جائز معها اختيارا، ووجدت على هامش النسخة (جـ) حاشية بخطه نصها: «يريد وقد كاد يمشط ولم يمشط فحذف خبر كاد ومعمول لم».

................................  وجوب لوجوب لا يحفظ دخولها على مضارع، وهو إنما يذكر عوامل الجزم.
انتهى.
وأقول: إنه قد تقدم الكلام في ذلك في أول الكتاب عند الكلام على قوله «ولما الجازمة» وربما أشير هناك إلى الاعتذار عن المصنف.
منها: أنك قد عرفت أن «لم» انفردت عن «لما» بجواز مصاحبتها أدوات الشرط، وعرفت التعليل الذي ذكره «بدر الدين» وقد ذكروا لذلك علة أخرى وهي «إن لم تفعل» نفي «فعل»، فكما أنّ «فعل» تدخل [5/ 147] عليه أدوات الشرط فكذلك نفيه.
وأما «لما» فإنها نفي «قد فعل»، و «قد فعل» لا تدخل عليه أدوات الشرط لا يقال: «إن قد قام زيد» كذلك لا يقال: «إن لما يقم زيد»، قالوا: وإنما لم تدخل «إن» على «قد فعل» لأن «إن» تخلص الماضي إلى الاستقبال، وقد تقربه من الحال، فتعارضا.
ثم لا يخفى أنّ «لا» النافية تجوز مصاحبتها لأدوات الشرط كما صحبتها «لم»، كقولك: إن لا تفعل أفعل.
قال الله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ 1، وقال تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ 2 ولا يتوهم أن «لا» المصاحبة لأدوات الشرط ناهية؛ لأن النهي طلب، والشرط خبر، فلا يجتمعان.
ونقل الشيخ عن بعضهم أنه يزعم أنها النافية، وإن عملها بطل وصار التأثير لأداة الشرط، وذلك بخلاف «لم» فإن التأثير لها لا لأداة الشرط، قالوا: لأن أداة الشرط لم تلزم العمل، في كل ما تدخل عليه، إذ تدخل على الماضي فلم يكن لها اختصاص بالمضارع، فضعفت فحيث دخل عامل مختص كان الحكم له.
انتهى 3. ولم يظهر لي ما ذكروه؛ لأن مقتضاه أن أداة الشرط المقرونة بـ «لم» طالبة للفعل الذي هو مدخول «لم» وليس كذلك، إنما الأداة طالبة للواقع بعدها وهو نفي الفعل، فالمشروط في نحو قولنا: إن لم يقم زيد قام عمرو، هو نفي قيام زيد، فـ «لم» عاملة في لفظ الفعل الذي هو «يقم»، وأداة الشرط عاملة في محل «لم يقم»، وليس لها طلب للفعل بحال، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى الاعتذار عن عدم عمل أداة الشرط في الفعل بأن أداة الشرط لم تلزم العمل في كل ما تدخل عليه؛ إذ تدخل -

................................  على الماضي، ثم مقتضى هذا أن أداة الشرط إذا دخلت على الماضي لا عمل لها وهذا لا يسلم، بل الذي يقال: إن أداة الشرط لا بد أن تكون عاملة، ولا يقال: إنها لا تعمل إذا دخلت على الماضي لأنا نقول: إنها عاملة في محله فعملها مستمر، إما في اللفظ وإما في المحل، ولكن لك أن تقول: مقتضى ما قررته أن لا يكون لأداة الشرط في نحو قولنا: إن لا تفعل أفعل - عمل في الفعل المنفي؛ لأن المشروط إنما هو نفي الفعل فليست الأداة طالبة للفعل الواقع بعد «لا»؛ لأن المشروط في مثل ذلك إنما هو نفي الفعل، وإذا كان كذلك فليست الأداة طالبة للفعل الواقع بعد «لا» كما أنها ليست طالبة للفعل الواقع بعد «لم»، وإذا لم تكن طالبة له فيقال: كيف عملت الأداة في الفعل وليست موجهة إليه مثبتا بل إنما هي متوجهة إليه منفيا؟ وقد يجاب عن ذلك بأن يقال: إن «لا» النافية لا عمل لها في الأفعال، ولما لم يكن لها عمل تعيّن عمل الأداة، وإنما تخطت الأداة «لا» وعملت فيما بعدها؛ لأن العرب قد استعملوها زائدة بين العامل والمعمول مع أن معناها وهو النفي مراد فحكم بزيادتها من أجل أن العامل تخطاها وعمل فيما بعدها.
ومنها: أن الشيخ ناقش المصنف في شيء فقال 1: قوله: (بمصاحبة أدوات الشّرط)، لا يمكن حمله على العموم لأنه يزعم أن «لولا» من أدوات الشرط و «لولا» لا تدخل على «لم» لا يقال: لولا لم يقم زيد لم يقم عمرو، قال: فكان ينبغي أن يخصص أدوات الشرط أو يستثني «لولا».
انتهى.
وهذا عجب من الشيخ فإن «لولا» المشار إليها لا يليها إلا اسم مبتدأ، و «لم» إنما يتصور وجودها مع الفعل و «لولا» لا تباشر الفعل، فكيف يحترز عن شيء لا يمكن وقوعه؟ ومنها: أن الشيخ أيضا قال 2 في البيت الذي أنشده المصنف وهو: 3964 - وكنت إذ كنت إلهي وحدكا... لم يك شيء يا إلهي قبلكا 3 هذا تمثيل وهم فيه إذ ليس من الانتفاء المنقطع؛ لأنه لا يمكن أن يكون تقديره: -

................................  لم يك شيء يا إلهي قبلك ثم كان شيء قبلك، وإنما يكون من هذا النوع لو كان لم يك شيء يا إلهي معك ليحسن ثم كان معك قال: فلم يمعن المصنف ولا ابنه الفكر في ذلك.
انتهى.
وهو استدراك جيد.
ومنها: أنهم عللوا جواز حذف المنفي بـ «لما» في الاختيار إذا دل عليه دليل بأن «لما» لنفي «قد فعل» قالوا 1: ويجوز حذف الفعل بعد «قد» إذا دل عليه، قال الشاعر: 3965 - أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا... لمّا تزل برحالنا وكأن قد 2 أي 3: وكان قد زالت، فلذلك جاز الحذف بعد «لما»، وأما «لم» فلا يجوز ذلك معها إلا في الضرورة وقد تقدم شاهد ذلك 4، ومنه أيضا قول الشاعر: 3966 - احفظ وديعتك الّتي استودعتها... يوم الأعازب إن وصلت وإن لم 5 يريد: وإن لم تتصل 6. وليعلم أن «لم» و «لما» انفردا دون «لام» الابتداء و «لا» الطلبية بدخول -

[الأدوات التي تجزم فعلين]

قال ابن مالك: (ومنها أدوات الشّرط وهي: إن، ومن، وما، ومهما، وأيّ، وأنّى، ومتى، وأيّان وهما ظرفا زمان، وكسر همزة «أيّان» لغة سليم، وقلّ ما يجازى بها، وتختصّ في الاستفهام بالمستقبل بخلاف «متى»، وربّما استفهم بـ «مهما» وجوزي بـ «كيف» معنى لا عملا خلافا للكوفيين، ومن أدوات الشّرط: إذما، وحيثما، وأين، وهما ظرفا مكان، وما سوى «إن» أسماء متضمّنة معناها فلذلك بنيت إلّا «أيّا»، وفي اسميّة «إذما» خلاف، وقد ترد «ما» و «مهما» ظرفي زمان، و «أي» بحسب ما تضاف إليه).
همزة الاستفهام عليهما وهو مع «لم» أكثر منه مع «لما»، وإذا دخلت الهمزة عليهما فقد يكون المراد الاستفهام حقيقة فالمتكلم بذلك يستفهم عن الفعل المنفي بهما، فإذا قال: ألم يقم زيد؟ وألمّا يقم زيد فالمعنى: السؤال عن انتفاء قيام زيد فيما مضى وهذا قليل، وقد يكون ذلك على جهة التقرير 1 وهو الكثير، والتقرير هو: التوقيف على ما يعلم المخاطب ثبوته 2، ومن ثمّ كان الكلام معه موجبا حتى إنه يعطف عليه صريح الموجب، قال الله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ 3، وقال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى 4. [5/ 148] قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على ما يجزم فعلا واحدا وهو الكلمات الأربع شرع في الكلام على ما يجزم فعلين وهو أدوات الشرط وهي إحدى عشرة أداة، وقد سردها في متن الكتاب، ثم منها ما مجمع على حرفيته وهو «إن»، وما هو مجمع على اسميته وهو ما سوى «إذما» من بقية الأدوات، وما هو مختلف فيه هل هو حرف أو اسم؟ وهو «إذما»، قال الإمام بدر الدين 5: من عوامل الجزم أدوات الشرط وهي كلمات وضعت لتدل على التعليق بين جملتين والحكم بسببية -

................................  أولاهما ومسببية الثانية. وهذا التعليق نوعان: تعليق ماض على ماض، وتعليق مستقبل على مستقبل، فالنوع الأول له حرفان: لو ولولا، وأكثر ما تصحب «لو» بناء الماضي نحو: لو قام زيد قام عمرو، وقد تصحب المضارع ولا تجزمه؛ لأنها لما قل استعمالها مع المضارع لم يقبل أن تؤثر فيه وتعمل عمل ما لازم المضارع أو غلب استعماله، والنوع الثاني له حروف وأسماء فالحروف: «إن» و «إذما» و «أمّا» ويأتي ذكر «أمّا» في آخر الباب، وأما «إن» فللخلو عن الجزم لوقوع الشرط تحقيقا أو باعتبار مجازي، وتعمل الجزم كقولك: إن تقم أقم لأنها تصحب المضارع أكثر مما تصحب الماضي، فلما غلب استعمالها مع المضارع كانت بمنزلة ما لازمه واختص به فقبلت أن تؤثر فيه وتعمل فعملت الجزم لأنه أخف، وأما «إذما» فأصلها: إذ ضمّ إليها ما بعد ما سلبت معناها الأصلي وجعلت حرف شرط بمعنى «إن» فجرت مجراها وعمل عملها، قال الشاعر: 3967 - وإنّك إذ ما تأب ما أنت آمر... به تلف من إيّاه تأمر آبيا 1 وأنشد سيبويه 2 للعباس بن مرداس: 3968 - إذ ما أتيت على الرّسول فقل له... حقّا عليك إذا اطمأنّ المجلس يا خير من ركب المطيّ ومن مشى... فوق التّراب إذا تعدّ الأنفس 3 وأنشد لآخر: 3969 - فإذا ما تريني اليوم مزجى مطيّتي... أصعّد سيرا في البلاد وأفرع

................................  فإنّي من قوم سواكم وإنّما... رجالي فهم بالحجاز وأشجع 1 وعند المبرد 2 وابن السراج 3 وأبي علي 4 أن «إذما» باق على اسميته، وفي ذلك كلام يأتي ذكره في القول على «حيثما». وأما الأسماء فما تضمن معنى «إن» فجرى مجراها في التعليق والعمل وهي خمسة أضرب: اسم محض، واسم يشبه الظرف، وظرف زمان، وظرف مكان، وما يستعمل اسما وظرفا. الضرب الأول: من، وما، ومهما، فـ «من» لتعميم أولي العلم، وتكون شرطا فتجزم كقوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ 5، و «ما» لتعميم الأشياء، وتكون أيضا شرطا فتجزم كقوله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ 6 و «مهما» مثل «ما» وأعم منها، ولا شك في كونها اسما بدليل عود الضمير إليها كما يعود إلى «ما» قال الشاعر: 3970 - إذا سدته سدت مطواعة... ومهما وكلت إليه كفاه 7

................................  فـ «الهاء» في «كفاه» عائدة إلى «مهما» فهي اسم ولكنها في معنى «إن» فلذلك تجزم الفعل كقوله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ 1، وعند الخليل 2 أن أصلها، ما فدخلت عليها «ما» الزائدة كما تدخل على «إن» و «متى» و «أين» و «أيّ» ثم كرهوا التكرير، وأن يقولوا: ماما، فأبدلوا «الهاء» من «الألف»، وقال سيبويه 3: وقد يجوز أن تكون «مه» كـ «إذ» ضمّ إليها «ما» وإليه ذهب الزجاج 4، وندر مجيء «مهما» اسم استفهام كقول الراجز 5 أنشده أبو علي 6: 3971 - مهما لي اللّيلة مهما ليه... أودى بنعليّ وسرباليه 7 أراد: ما لي الليلة؟ استفهاما على طريق التعجب، وزعم الشيخ 8 رحمه الله تعالى أن «ما» و «مهما» في الشرط قد يردان ظرفي زمان فقال 9: جميع النحويين يجعلون «ما» و «مهما» مثل «من» في لزوم التجرد عن الظرفية مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب، وأنشد قول الشاعر: 3972 - فما تك يا ابن عبد الله فينا... فلا ظلما نخاف ولا افتقارا 10

................................  وقول عبد الله بن الزبير 1: 3973 - فما تحي لا تسأم حياة وإن تمت... فلا خير في الدّنيا ولا العيش أجمعا 2 وقول حاتم الطائي: 3974 - وإنّك مهما تعط بطنك سؤله... وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا 3 ولا أرى في هذه الأبيات حجة؛ لأنه كما يصح تقدير «ما» و «مهما» بظرف زمان كذلك يصح تقديرهما بالمصدر على معنى: أيّ كون قصير أو طويل تكن فينا فلا نخاف، وأيّ حياة هنية أو غير مرضية تحي لا تسأم، وأيّ عطاء قليل أو كثير تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم، لكن يتعين جعل «ما» و «مهما» في الأبيات المذكورة مصدرين؛ لأن في كونهما ظرفين شذوذا وقولا بما لا يعرفه جميع النحويين، بخلاف كونهما مصدرين؛ لأنه لا مانع من أن يكنى بـ «ما» و «مهما» عن مصدر فعل الشرط، كما لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به ونحوه؛ إذ لا فرق. الضرب الثاني: أنّى وكيف، فـ «أنّى» لتعميم الأحوال وليست ظرفا؛ لأنها لا زمان ولا مكان، ولكنها تشبه الظرف؛ لأنها بمعنى: على أي حال، فلما كانت تقدر بالجار والمجرور والظرف يقدر بهما كانت بمنزلته، وقد تأتي «أنّي» بمعنى: متى، وبمعنى: أين، وتكون استفهاما وشرطا، وإذا كانت شرطا [5/ 149] جزمت. قال الشاعر: 3975 - خليليّ أنّى تأتياني تأتيا... أخا غير ما يرضيكما لا يحاول 4

................................  وقول لبيد: 3976 - فأصبحت أنّى تأتها تشتجر بها... كلا مركبيها تحت رجلك شاجر 1 يخاطب رجلا وقع في قضية صعبة المخلص يقول: على أي رجال يأتي الخلاص من هذه القضية يلتبس ويختلط بها «كلا مركبيها تحت رجلك شاجر» أي: داخل تحت الرجل، وإذا دخل شيء بين شيئين فقد شجرهما.
وأما «كيف» فاسم لتعميم الأحوال، وتسمى ظرفا لتأولها بـ: على أيّ حال، والدليل على اسميتها جواز الاكتفاء بها مع صحة دخولها على الأفعال، وأكثر ما تكون استفهاما، وقد ترد شرطا في المعنى فحسب، فتعلق بين جملتين ولا تعمل شيئا حملا على الاستفهامية؛ لأنها الأصل، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ 2، وقال تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ 3 المعنى: على أي حال يشأ الإنفاق ينفق، فـ «كيف» هنا اسم شرط ولكنها لم تجزم الفعل كما لم تجزم في الاستفهام، وأجاز الكوفيون 4 الجزم بها قياسا وأباه البصريون، قال سيبويه 5: وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع.
قال: هي مستكرهة وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء؛ لأن معناها: على أي حال تكن أكن.
الضرب الثالث: إذا، ومتى، وأيّان - بفتح الهمزة - وبنو سليم يكسرونها 6 فيقولون: إيّان، فأما «إذا» فسيأتي ذكرها، وأما «متى» و «أيّان» فلتعميم الأزمنة ولا يفارقان الظرفية، ويردان شرطا فيجزمان كقول طرفة: - - أي أردته، والمعنى: لا يريد شيئا غير ما يرضيكما.
والشاهد في «أنى» حيث جاءت للشرط هنا فجزمت الفعلين «تأتياني» و «تأتيا».
والبيت في شرح شذور الذهب (ص 336)، والعيني (4/ 426)، والأشموني (4/ 11).

................................  3977 - ولست بحلّال التّلاع مخافة... ولكن متى يسترفد القوم أرفد 1 وقال الآخر: 3978 - أيّان نؤمنك تأمن غيرنا وإذا... لم تدرك الأمن لم تزل حذرا 2 ويردان استفهاما أيضا فلا يعملان شيئا، ولا يستفهم بـ «أيان» إلا عن زمان مستقبل، وأما «متى» فيستفهم بها عن زمان مستقبل نحو: وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ 3، أو زمن ماض نحو قول الشاعر: 3979 - متى كان الخيام بذي طلوح... سقيت الغيث أيّتها الخيام 4 الضرب الرابع: حيثما وأين وهما لتعميم الأمكنة، ولا ينفكان عن الظرفية، ويفترقان بأن «أين» لا تكون إلا شرطا أو استفهاما، وإذا كانت شرطا جزمت كقول الشاعر: 3980 - أين تضرب بنا العداة تجدنا... نصرف العيس نحوها للتّلاقي 5

................................  وقال الله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ 1، وقال الله تعالى: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً 2. وأما «حيثما» فلا تكون إلا شرطا، وكانت قبل دخول «ما» اسم مكان خاليا من معنى الشرط ملازما للتخصيص بالإضافة إلى جملة، ولا تعمل في الأفعال، ثم أخرجوها إلى الجزاء فضمنوها معنى «إن» وجعلوها اسم شرط فلزمهم إتمامها وحذف ما تضاف إليه، وألزموها «ما» تنبيها على إبطال مذهبها الأول وجزموا بها الفعل كقول الشاعر: 3981 - حيثما تستقم يقدّر لك اللّ... هـ نجاحا في غابر الأزمان 3 ولا يجوز أن تكون منقولة كـ «إذما» إلى الحرفية؛ لأنها لم تزل عما كانت عليه قبل من الدلالة على المكان بخلاف «إذما» فإنها كانت قبل دخول «ما» عليها اسم زمان ماض خاليا من معنى الشرط، فلما دخلت عليها «ما» صارت أداة شرط بمعنى «إن» مختصة بالمستقبل، وزال ما كان فيها من معنى الاسم، ولم يعلم نقلها إلى معنى آخر غير الشرط فحكمنا بحرفيتها، لأن دلالتها على معنى الحرف متيقّنة، ودلالتها على معنى الاسم مشكوك فيها، والحكم بمقتضى ما تيقّن أولى.
الضرب الخامس: «أيّ» وهي لتعميم أوصاف الشيء، والأوصاف مشتركة.
فلذلك يلزم في «أي» أن تضاف لفظا أو معنى إلى الموصوف على حد قولهم: سحق عمامة رفعا، لالتباس عموم الأوصاف بجنس لعمومها لغيره فتكون بحسب - - الشرح: قوله: تضرب بنا أي: إلينا، والعداة بضم العين جمع: عاد، والعيس الإبل البيض والمفرد: أعيس وعيساء، كانوا يرحلون على الإبل فإذا لقوا العدو قاتلوا على الخيل، ولم يرد أنهم يلقون العدو على الإبل.
يقول: إن تضرب بنا العداة في موضع من الأرض نصرف العيس نحو هؤلاء العداة للقائهم، والشاهد فيه المجاز بـ «أين» وجزم ما بعدها - والبيت في الكتاب (3/ 58)، والمقتضب (2/ 47)، وابن يعيش (4/ 105)، (7/ 45)، والأشموني (4/ 10).

................................  ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى ظرف فهي ظرف، وإن أضيفت إلى غير ذلك فهي بمعنى ما أضيفت إليه، لأن الصفة هي الموصوف في المعنى، وتقع في الشرط وغيره، وإذا كانت شرطية جزمت الفعل نحو: أيّ يوم تقم أقم، وأَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 1، وبأي تمرر أمرر، وغلام أيهم تضرب أضرب، وأيّهم يأتي فله درهم.
هذه الأسماء المذكورة هي جميع أسماء الشرط، وكلها مبنية لتضمنها معنى «إن» إلا «أيّا» فإنها أعربت، لأنه قد عارض ما فيها من شبه الحرف لزوم الإضافة إلى الأسماء فحماها ذلك عن البناء.
انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى، وهو كلام نظيف محرر لا يخفى حسنه عن الناظر، لكن فيه بحث: وهو أنه ذكر «لو» و «لولا» و «أمّا» و «كيف» و «إذا» كما عرفت، والكلام إنما هو في أدوات الشرط الجازمة، وهو قد افتتح كلامه بقوله من عوامل الجزم أدوات الشرط وهي كذا كذا؛ فكيف يتجه بعد ذلك أن يذكر من الأدوات ما هو غير جازم؟ فإن قيل: كلامه المتضمن لذكر «لو» و «لولا» إنما يرجع إلى ما يقتضي التعلق لقوله: «وهذا التعليق نوعان» فكون الأداة معلقة أعم من كونها جازمة، فالجازمة معلقة والمعلقة قد تكون جازمة وقد لا تكون!! قيل: فالكلام يرجع معه حينئذ في شيء آخر وهو أن يقال: في ذلك أمران: أحدهما: أن «أمّا» ليس فيها تعليق وهو قد جعلها من جملة الأدوات.
ثانيهما: أن تعليق أمر على أمر إنما يكون قبل الوقوع، وذلك إنما يتصور في الأمور المستقبلة، ولهذا أثبت المغاربة إطلاق الشرطية على «لو» الامتناعية حتى ردّوا على الجزولي استثناءه «لو» من قوله: من القرائن المخلصة الفعل المضارع للاستقبال أدوات الشرط إلا لو، فقالوا: استثناؤه «لو» غير مرضي، لأنها إذا كانت شرطا خلصته للاستقبال، وإن كانت -

................................  الامتناعية صرفت معناه إلى المضي.
وليست إذ ذاك شرطا لا في اللفظ لأنها لا تجزم، ولا [5/ 150] في المعنى، لأن الشرط إنما يكون بالنظر إلى الاستقبال، قالوا: وإن سماها شرطا من حيث إنها مفتقرة إلى جواب فليستثن «أيّا» لأنها تحتاج إلى جواب.
ولكن العذر لبدر الدين في ذلك أن المصنف - أعني والده الشيخ جمال الدين - يطلق الشرط على لو الامتناعية وقد قال في الألفية: 3982 - لو حرف شرط في مضيّ ويقل... إيلاؤه مستقبلا لكن قبل ولكن هذا الإطلاق إطلاق مجازي لا حقيقي.
وبعد فالأولى بل الواجب أن يقتصر هنا على ذكر الأدوات الجازمة لأن الباب معقود لها.
وأما الكلمات الخمس التي ذكرها بدر الدين فالواجب إفرادها بالذكر وقد فعل المصنف ذلك، فأما إذا فقد سبق كلامه عليها في باب المفعول فيه المسمى ظرفا، وأما كيف فقد أشار إليها بقوله هنا: وربما استفهم بمهما وجوزي بكيف معنى لا عملا، وسيذكرها في باب «تتميم الكلام على كلمات» وأما «لو» و «لولا» وأمّا فقد أشار إليها في الفصول التي ستذكر إن شاء الله تعالى.
ثم قد بقيت بعد ذلك الإشارة إلى أمور: منها: أنه قد تقدم أن «مهما» مركبة إما من: ماما أو من: مه ما، وقد قيل: إنها بسيطة 1، واختار الشيخ القول ببساطتها، قال 2: «لأن دعوى التركيب لم يقم عليها دليل، فإذا سميت بـ «مهما» فالقائل بالتركيب يحكي، والقائل بالبساطة يمنع الصرف لأن ألفها إن قدرت للتأنيث فظاهر، وإن قدرت للإلحاق فألف الإلحاق المقصورة تمنع الصرف مع العلمية، وثمرة الخلاف تظهر إذا نكرت الكلمة بعد التسمية بها؛ فمن قال: إنها ألف التأنيث استمر بالمنع، ومن قال: إنها ألف الإلحاق صرف».
ثم إنك قد عرفت أن «مهما» اسم بدليل عود الضمير عليها، وذهب -

................................  السهيلي 1 إلى أنها تكون حرفا أيضا، وذلك إذا لم يعد عليها ضمير مستدلّا على ذلك بقول الشاعر: 3983 - ومهما تكن عند امرئ من خليقة... ولو خالها تخفى على النّاس تعلم 2 قال: فـ «مهما» في البيت حرف شرط بمعنى «إن» و «من خليقة» اسم «تكن» و «من» زائدة كأنه قال: وإن تكن عند امرئ خليقة، ولا يتأتى ذلك إلا على القول بأن «مهما» في البيت حرف، قالوا 3: وهذا البيت لا حجة فيه، لأنه يمكن أن يكون فيه ضمير يعود على «مهما» فتكون مهما مبتدأ وتكن في موضع خبره، وفي تكن ضمير يعود على مهما. وأنثه حملا على المعنى لأنها واقعة على «الخليقة» وهو اسم نكرة، وقوله «عند امرئ» في موضع الخبر و «من خليقة» تفسير و «من» فيه كـ «من» في قوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ 4، قالوا 5: ويلزم على مذهب السهيلي أن تكون «من» في قوله «من خليقة» زائدة، لأنه لا ضمير في «تكن» فترتفع «خليقة» به وتكون «من» زيدت في الواجب وذلك لا يجوز إلا على مذهب مرجوح 6، فثبت أن الصحيح مذهب الجمهور، ولثبوت اسميتها لا توجد في كلامهم إلا مبتدأة عائدا عليها ضمير أو مفرّغا لها العامل فتكون معمولة له نحو قولك: مهما تصنع أصنع، ومن ذلك قول الشاعر: 3984 - وإنّك مهما تأمري القلب يفعل 7

................................  فـ «مهما» مفعول ثان لـ «تأمري»، وقول الآخر: 3985 - قد أو بيت كلّ ماء فهي ضاوية... مهما تصب أفقا من بارق تشم 1 يصف حميرا قد أجهدها العطش فيبست أجوافها وهي لا تقدم على ماء الأنهار والعيون فزعا من الصائد، فهي تشيم البرق وترتقب نزول المطر لترده، و «ضاوية» من: الضّوى وهو الهزال، والضوى أيضا: ضعف الخلق وصغره 2، فـ «مهما» مفعول مقدم لـ «تصب» وقوله «أفقا» منصوب على الظرف 3. قال الشيخ 4: «وقد وقع لبعض الأدباء النبلاء في مكاتبة قوله: ومهما شككت في شيء فلست أشكّ في محبتك، قال: وغلّطه في ذلك صاحب كتاب «الترشيح» 5 من حيث استعمل مهما غير عائد إليها ضمير، ولا معمولة لعامل متأخر عنها مفرّغ لها، قال: والصواب أن يقول: ومهما شككت فيه من شيء».
ومنها: أنك قد عرفت أن «كيف» أكثر ما تكون استفهاما، وأنها قد تكون شرطا في المعنى فحسب فتعلق بين جملتين ولا تعمل شيئا حملا على الاستفهامية، قيل: وإنما قصرت عن أسماء الشرط من وجهين: أحدهما: أنه لا يكون جوابها إلا نكرة، وجوابات أسماء الشرط تكون معارف - - أغرّك منّي أنّ حبّك قاتلي واستشهد به على أن مهما معمولة لـ «تأمري» ويكون العامل قد فرغ لها واستشهد به سيبويه في الكتاب (4/ 215)، على كسر اللام في حال الجزم للإطلاق والوصل، وانظر البيت في ابن يعيش (7/ 43)، والهمع (2/ 211)، والدرر (2/ 236)، وابن السيرافي (2/ 291).

................................  ونكرات، يقول القائل: كيف زيد؟ فتقول: سخيّ أو بخيل، ولا يقال: السخيّ ولا البخيل، ويقول: ما عندك؟ فتقول: خير والخير، ويقول: أيّ الناس عندك؟ فتقول: رجل يعجبك أو زيد أو هند، هكذا ذكر ابن عصفور 1، قال الشيخ 2: «وفي هذا الكلام تجوّز لأن أسماء الشرط لا يكون جوابها لا معارف ولا نكرات، إنما يكون جوابها الجمل، قال: لكن يتأوّل كلامه على أنه أراد: وجوابات أسماء الشرط إذا استعملن لمحض الاستفهام وخرجن عن معنى الشرط يكون الجواب بالنكرة والمعرفة، أما إذا بقين على الشرط هن أو استعملت كيف في الشرط فلا يكون جواب شيء منهن لا نكرة ولا معرفة، بل يكون الجواب إذ ذاك جملة أسمية أو فعلية «انتهى».
ولم أتحقق هذا الذي ذكره لأن جواب كل من أسماء الاستفهام أيضا لا تكون إلا جملة كما أن جواب كل من أسماء الشرط كذلك، فإذا قال القائل: زيد أو رجل في جواب القائل له: من عندك؟ كان التقدير: عندي زيد أو عندي رجل، ولا أعرف فائدة هذا الكلام ما هي؟ وكلام ابن عصفور مدخول من أصله فإن السؤال بـ «كيف» إنما هو سؤال عن الحال والوصف لا عن الذات، وإذا كان كذلك تعيّن أن يقال في الجواب: سخيّ أو بخيل ليكون ذلك جوابا، ولو قيل: السخيّ أو البخيل لما كان جوابا، لأن هذا إنما يقال لمن هو عالم بتلبس المسؤول عنه بالسخاء أو البخل، ولو كان عالما بذلك لما صح السؤال [5/ 151] بـ «كيف».
وأما الوجه الثاني 3 من الوجهين اللذين قصرت «كيف» فيهما عن أدوات الشرط: فهو أن الفعلين بعد أسماء الشرط قد يكونان متفقين نحو: إن يقم أقم، ومختلفين نحو: إن يقم أغضب، ولا يكونان بعد «كيف» إلا متفقين نحو: كيف يصنع أصنع، ولا يقال: كيف يقم أخرج، قالوا: فلما قصرت «كيف» عن أدوات الشرط فيما ذكر لم يجزم، وقيل: حملت في منع الجزم بها على «إذا» فخالفت أدوات الاستفهام كما خالفت «إذا» «حيثما» وقيل غير ذلك.
وتلحقها «ما» نحو: كيفما يكون أكون لا على جهة اللزوم بل على جهة -

................................  التأكيد، قالوا: لضعف الارتباط بها، وفي ذلك نظر؛ فإن «ما» تلحق «إن» و «أين» و «متى» وقوة الارتباط فيها موجودة.
ثم إن الشيخ أطال الكلام في «كيف» وقال 1: «فالامتناع من المجازاة بها على الإطلاق لا يصح لا سيما وهو موجود»، ثم ذكر الآيتين الشريفتين وهما قوله تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ 2، وقوله تعالى: فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ 3 قال 4: وباطل أن تكون هنا استفهاما فلم يبق إلا أن تكون شرطا مؤخرا في اللفظ كما تؤخر «إن» مع الفعل إذا قلت: أقوم إن قمت، قال: فلا يصح إذن الامتناع من الجزاء بها مع هذا الشاهد الجلي، قال: ولا تكون للمجازاة على الإطلاق لاتفاق العرب والنحاة على أنه لا يجوز: كيف تجلس أقم، ولا كيف تخرج أنم إذا اختلف الفعلان، وهذا كله جائز في أين ومتى وغيرهما، فثبت أن كيف يجازى بها إذا اتفق الفعلان، وإذا اختلف الفعلان فلا يجوز المجازاة بها، ثم قال 5 بعد ذلك كله: «وظاهر الآيتين الشريفتين وهما: قوله تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ، وفَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ أن كيف فيهما ليست للاستفهام حقيقة، ولا يدل ذلك على أنه جوزي بها من حيث المعنى لا من حيث العمل، بل يدل ذلك على الربط، والربط أعم من أن يكون ذلك على جهة المجازاة المعنوية وغيرها، ألا ترى إلى قولك: حين تقوم أقوم لا يدل ذلك على أن «حين» للمجازاة، بل هي ظرف مختص يقع فيه الفعل المتصل بها والفعل العامل فيها، قال: وإذا ثبت أن الربط أعم من أن يكون لمجازاة أو غيرها احتمل قوله تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ أن يكون من الربط غير الجزائي، وإذا احتمل ذلك لم يكن فيه دليل على إثبات المجازاة بكيف من حيث المعنى» انتهى.
وأقول: إذا سلم أن الربط حاصل فأي مانع يمنع من قولنا: إن كيف للمجازاة في المعنى؟ وأي محذور يمنع من ذلك؟ وقد تقدم 6 لك ما نقله سيبويه عن -

................................  الخليل - رحمهما الله تعالى - وهو قوله «ومخرجها على الجزاء لأن معناها: على أي حال تكن أكن»، وكفى بذلك حجة ودليلا على أن «كيف» يجازى بها في المعنى، وإنما حصل الربط في قولك: حين تقوم أقوم بسبب أن كلمة «حين» مضافة إلى أحد الفعلين، والفعل الآخر عامل فيها.
ومنها: أن زيادة «ما» مع هذه الأدوات على ثلاثة أقسام: واجبة وممتنعة وجائزة.
فالوجوب: مع أداتين وهما: «إذ» و «حيث» فلا يجزم بهما إلا مقرونتين بـ «ما»، قال في شرح الكافية 1: «لأنهما إذا تجردا لزمهما الإضافة إلى ما يليهما، والإضافة من خصائص الأسماء فكانت منافية للجزم، فلما قصد جعل هاتين الكلمتين جازمتين ركبتا مع «ما» لتكفهما عن الإضافة وتهيئهما لما لم يكن لهما من معنى وعمل فصارت «ما» ملازمة لهما ما دامت المجازاة مقصودة بهما».
والامتناع: مع أربع وهي: «من» و «ما» و «أنّى» و «مهما».
والجواز: مع «إن» و «أيّ» وأيّان و «أين» و «متى»، وإذا زيدت «ما» مع «أيّ» والمضاف إليه مذكور فالأجود أن يتوسط بينهما كقوله تعالى: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ 2، ويجوز أن يجاء بها بعد المضاف إليه كقول الشاعر: 3986 - فأيّهما ما أتبعنّ فإنّني... حريص على إثر الّذي أنا تابع 3 وقرأ ابن مسعود 4 رضي الله تعالى عنه: (أيّ الأجلين ما قضيت فلا عدون علىّ) فإن حذف ما تضاف إليه نونت ووليت «ما» كقوله تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 5. هل زيادة «ما» بعد حذف ما تضاف إليه واجبة أو جائزة؟ ظاهر كلام المصنف يعطي الوجوب، وكلام غيره يعطي الجواز.
-

................................  ومنها: أنك قد عرفت قول المصنف 1: وقد ترد ما ومهما ظرفي زمان.
وقال في شرح الكافية 2: «وما سوى إن وإذما من أدوات الشرط فأسماء بإجماع المحققين، وهي على ثلاثة أضرب: ضرب لا ظرفية فيه وهو: أين ومتى وأيّان وحيثما وأيّ، وضرب يستعمل ظرفا وغير ظرف وهو: أيّ تكون عارية من الظرفية إذا أضيفت إلى ما لا يدل على زمان ولا مكان، وتكون ظرف زمان إن أضيفت إلى اسم زمان، وظرف مكان إن أضيفت إلى مكان نحو: أيّهم تضرب أضرب، وأيّ وقت تقم أقم، وأيّ مكان تجلس أجلس»، لكنه قال في متن الكافية 3: وقد أتت مهما وما ظرفين في... شواهد من يعتضد بها كفي وقال في شرحه لذلك 4: «جميع النحويين يجعلون ما ومهما مثل من في لزوم التجرد عن الظرفية مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب كقول الفرزدق: 3987 - فما تحي لا أرهب وإن كنت جارما... ولو عدّ أعدائي عليّ لهم ذحلا 5 وقول الآخر: 3988 - وما تك يا ابن عبد الله فينا... فلا ظلما نخاف ولا افتقارا 6 وقول الآخر: 3989 - فما تحي لا أخش العدوّ ولا أزل... على النّاس أعلو من ذرى المجد مفرعا 7 وقول تميم العجلاني 8: -

................................  3990 - ولو كحلت حواجب خيل قيس... بتغلب بعد كلبق ما فدينا فما تسلم لكم أفراس قيس... فلا نرجو البنات ولا البنينا 1 وقول عبد الله [5/ 152] بن الزبير الأسدي: 3991 - فما تحي لا تسأم حياة وإن تمت... فلا خير في الدّنيا ولا العيش أجمعا 2 وكقول طفيل الغنوي: 3992 - نبّئت أنّ أبا شتيم يدّعي... مهما يعش يسمع بما لم يسمع 3 وكقول حاتم الطائي 4: 3993 - وإنّك مهما تعط بطنك سؤله... وفرجك نالا منتهى الذّم أجمعا 5 انتهى.
وقد عرفت أن بدر الدين بغى الحميّة عن ما استدرك به والده وقال: «كما يصح تقدير ما ومهما فيما ذكره بظرف زمان، كذلك يصح تقديرهما بالمصدر فيكون التقدير في قول القائل: 3994 - فما تك يا ابن عبد الله فينا أيّ كون قصير أو طويل تكن فينا فلا نخاف، وقول الآخر: فما تحي لا تسأم... أيّ حياة هنيّة أو غير مرضية تحي لا تسأم وفي قول الآخر: وإنّك مهما تعط... أيّ عطاء قليل أو كثير تعط نفسك سؤلها وفرجك نالا منتهى الذم».
وقد وافقه الشيخ أثير الدين على ذلك حتى قال 6: «فقد كفانا ولده الرد عليه».
والظاهر أن ما قاله المصنف أولى وأقرب والطباع تقبله، بخلاف ما ذكره ولده، -

[ما تقتضيه أدوات الشرط التي تجزم فعلين]

قال ابن مالك: (وكلّها تقتضي جملتين تسمّى أولاهما: شرطيّة وتصدّر بفعل ظاهر أو مضمر مفسّر بعد معموله بفعل يشذّ كونه مضارعا دون «لم»، ولا يتقدّم فيها الاسم مع غير «إن» إلا اضطرارا، وكذا بعد استفهام بغير الهمزة، وتسمّى الجملة الثّانية: جزاء وجوابا، وتلزمه الفاء في غير الضّرورة إن لم يصحّ تقديره شرطا، وإن صدّر بمضارع صالح للشّرطية جزم في غير الضّرورة وجوبا إن كان الشّرط مضارعا، وجوازا إن كان ماضيا، وإن قرن بالفاء رفع مطلقا).
والمصنف يقول لولده كما قلت إنه لا مانع من أن يكنى بـ «ما» و «مهما» عن مصدر فعل الشرط، كما لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به.
أنا أقول: لا مانع من أن يكنى بـ «ما» و «مهما» عن زمان فعل الشرط كما لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 1: كل من الأدوات المذكورة تقتضي جملتين أولاهما ملزومة للثانية، فتسمى الأولى شرطا لأن وجود الملزوم علامة على وجود اللازم، والشرط في اللغة: العلامة 2، وتسمى الثانية جزاء وجوابا، لأنه مدعى فيها أنها لازمة لما جعل شرطا كما يلزم في العرف الجواب للسؤال، والجزاء للإساءة أو الإحسان، فسميت بذلك على الاستعارة والتشبيه، ولا تكون جملة الشرط إلا مصدرة بفعل متصرف مجزوم بالأداة لفظا أو تقديرا وهو إما ماض مجرد من حرف النفي ومن حرف «قد» لفظا أو تقديرا، وإما مضارع مجرد أو منفي بـ «لا» أو «لم» وأكثر ما يكون ظاهرا، ويجوز أن يضمر إذا دل عليه دليل، كما في: إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ تقديره: إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير، وإن كان عمله شرّا فجزاؤه شر، على ما تقدم ذكره في باب «كان» 3، وأكثر ما يضمر إذا فسر -

................................  بعد معموله بفعل مذكور والغالب كونه ماضيا أو مضارعا منفيّا بـ «لم» نحو قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ 1 ونحو: إن زيد لم يأتني آته، ومجيئه مضارعا بدون «لم» شاذ ومنه قول الشاعر: 3995 - فإن أنت تفعل فللفاعلي... ن أنت المجيزين تلك الغمارا 2 وقول الآخر: 3996 - يثني عليك وأنت أهل ثنائه... ولديك إن هو يستزدك مزيد 3 ولا يتقدم الاسم الفعل على الإضمار المذكور مع غير «إن» من أدوات الشرط إلا في الضرورة كقوله: 3997 - فمن نحن نؤمنه بيت وهو آمن... ومن لا نجره يمس منّا مفزّعا 4 وكقوله: 3998 - صعدة نابتة في حائر... أينما الرّيح تميّلها تمل 5

جارٍ التحميل