................................ وأنشد الأبيات التي ذكرها المصنف المتضمنة لتقديم المفعول مقرونا بإلا ثم أنشد على تقديم الفاعل مقرونا بإلا قول الشاعر: 1286 - فلم يدر إلّا الله ما هيّجت لنا... عشيّة أناء الدّيار وشامها 1 وقول الآخر: 1287 - ما عاب إلّا لئيم فعل ذي كرم... ولا هجا قطّ إلّا جيّأ بطلا 2 وقول الآخر: 1288 - نبّئتهم عذّبوا بالنّار جارتهم... وهل يعذّب إلّا الله بالنّار 3 قال: وفرّق - يعني الكسائي - بين «إنما» و «ما» و «إلا» بأن «إنما» لا دليل معنا فيها على الحصر في أحدهما إلا تأخير المحصور، فلم يجز تقدمه؛ لئلا يلتبس المحصور بغير المحصور، بخلاف «ما» و «إلا»؛ فإن اقتران الاسم «بإلا» دليل على الحصر فيه، تقدم أو تأخر؛ فلا لبس 4. وأما دليل البصريين والفراء وابن الأنباري فإنهم قالوا: لابد أن يتقدم غير المحصور ويتأخر المحصور ليحصل الفرق بينهما، وإنما جوزنا تأخير الفاعل إذا كان المفعول هو -
................................
المقرون بإلا؛ لأن المفعول إذا كان هو المقرون بإلا وأخرنا الفاعل عنه في اللفظ فقلنا:
ما ضرب إلا عمرا زيد؛ علم أن المقدم مؤخر في النية، والمؤخر مقدم في النية، فحصل للمحصور فيه تأخير من وجه وهو النية ولغير المحصور تقديم من وجه وهو النية أيضا فجرى الكلام على ما ينبغي من تقديم غير المحصور وتأخير المحصور، بخلاف ما إذا كان الحصر في الفاعل نحو قولنا: ما ضرب عمرا إلا زيد؛ فإنه لو قدم
الفاعل وأخر المفعول، وقيل: ما ضرب إلا زيد عمرا؛ لكان الفاعل قد وقع في رتبته من التقديم والمفعول قد وقع في رتبته من التأخير، فلا يكون واحد منويّا به غير موضعه، فلا نكون قد أعطينا الموضع ما يقتضيه من تقديم غير المحصور لفظا أو نية، وتأخير المحصور لفظا أو نية؛ فلا يجوز حينئذ 1.
وأجابوا عما استدل به الكسائي على ذلك أعني تقديم الفاعل مع كونه مقرونا بإلا بأن: «ما هيجت» منصوب بـ «درى» مقدرة، التقدير: «فلم يدر إلا الله درى ما هيجت» 2.
وكذلك «بالنار» في البيت الآخر تقديره: يعذب 3.
وأما قوله: أن لا قرينة دالة على الحصر في [2/ 267] ما اقترنت به، فلا يحصل لبس، فردوه بأن قالوا: لا نسلم عدم حصول اللبس، بل يحصل لبس وهو أن يظن إرادة الحصر في الاسمين اللذين بعد «إلّا» وكأننا قلنا: ما ضرب أحد أحدا إلا زيد عمرا، فإنا إذا أردنا هذا المعنى نقول: ما ضرب زيد إلا عمرا، فإذا اللبس حاصل وإذا حصل لبس امتنع ما يؤدي إليه، فإن قلت: هذا الذي أجيب به الكسائي يلزم البصريين حيث أجازوا تأخر الفاعل إذا كان المفعول مقرونا بإلا، أجيب: بأنه لا يلزم لما بينا أنه وإن كان مؤخرا لفظا فالنية به التقديم بخلاف المفعول مع الفاعل المقرون بإلا؛ فإنه يكون إذا أخرته مؤخرا لفظا ونية فافترقا.
انتهى كلام ابن النحاس 4.
وكلام المصنف مع اختصاره واف بما ذكره من أدلة المذاهب الثلاثة وتعليلها ولكن يستفاد من كلامه أن الحصر قد يكون في الفاعل والمفعول معا في كلام واحد -
................................
نحو: ما ضرب إلا زيدا عمرا بمعنى ما ضرب أحد أحدا إلا زيدا عمرا 1، وأصحاب علم المعاني لهم في ذلك بحث 2.
الأمر الثاني: هو أن المصنف لم يتعرض في هذا الفصل إلى مسائل تقديم المفعول على الفعل؛ لأنه ذكر ذلك في مكان أمسّ به وهو باب تعدي الفعل ولزومه، وإنما تعرض إلى ذكر تقديم المفعول على الفاعل أو النائب عنه خاصة؛ لأن حكم النائب عن الفاعل في المرتبة بالنسبة إلى مفعول آخر يذكر معه حكم الفاعل بالنسبة إلى مفعول
فعله، ولهذا لم يورد هذا الفصل في باب الفاعل، وإنما أورده في باب النائب عن الفاعل؛ ليكون الحكم الذي ذكره شاملا لمسائل البابين، وهو نظر صحيح.
وقد عرفت أن الأقسام ثلاثة والمصنف إنما تعرض لذكر اثنين منها؛ إذ بذكر القسمين الواجبين يعرف القسم الجائز أيضا؛ لأن ما عدا صور القسمين المذكورين من الصور فهو تحت الجائز 3، فأنا أضمه إلى ما ذكر هنا وأعد جملة صور كل من القسمين قصدا للضبط.
فصور ما يجب فيه البقاء على الأصل على ما ذكره المصنف ثلاث وهي: خوف اللبس، وأن يكون الفاعل ضميرا متصلا، واستغنى المصنف عن التنبيه بالاتصال بقوله غير محصور، وأن يكون المفعول مقرونا بإلّا لفظا أو معنى، وقد عرفت الخلاف في هذه الصورة الثالثة، وأن الجماعة يقولون: إن تقديم المفعول مقرونا بإلّا جائز وأنه مذهب البصريين.
وصور [2/ 268] ما يجب فيه الخروج عن الأصل أربع وهي: أن يكون المرفوع ظاهرا والمنصوب ضمير متصل، واستغنى المصنف عن قيد الاتصال بقوله: (لم يسبق الفعل ولم يحصر)، وأن يكون الفاعل مقرونا بإلّا لفظا أو معنى، وأن يتصل بالفاعل ضمير يعود على شيء متصل بالمفعول نحو: ضرب بعل هند غلامها، وأن يتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول، لكن قد عرفت أن المصنف قال في هذه الصورة الرابعة: إن الصحيح جوازها على قلة.
-
................................ واعلم أن ابن عصفور أدرج في هذا الموضع صورا يجب فيها تقديم المفعول على الفاعل، لكنها مع ذلك يجب فيها التقديم على العامل أيضا وتبعه الشيخ في ذلك 1 وأنا لم أذكره؛ لأن الكلام الآن إنما هو في تقديم المفعول على الفاعل خاصة؛ ولأن الكلام على ما ذكرناه سيذكره المصنف في باب تعدي الفعل ولزومه.