الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]
[شرح العنوان وبيان معناه]
قال ابن مالك: (باب التسمية بلفظ كائن ما كان).
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 1 رحمه الله تعالى: قوله: كائن ما كان، معناه:
هذا باب التسمية بلفظ أي لفظ كان، فكائن صفة للفظ، و «ما» من قوله:
«ما كان» قيل: مصدرية، ولذلك تجيء بعد ما يعقل، تقول: لأضربن زيدا كائنا ما كان، ولا تقول: كائنا من كان، لكون زيد عاقلا، وقال القصري 2: سألنا أبا علي - يعني الفارسي - عن قولهم: لأضربنّه ما كان فقلنا: «ما» أي شيء هي في هذه المسألة؟ وأي شيء «كان» أهي التي بمعنى «وقع» أم التي للزمان؟
فقال: عندي ما يقع إلى الساعة أن «ما» و «كان» مصدر، وأن «كان» هي التي بمعنى «وقع» والتقدير: لأضربنه كائنا كونه، و «كونه» يرتفع بـ «كائن» و «كائنا» حال منه - يعني من الضمير في «لأضربنه» - ويدل على أن «كان» هي التي بمعنى «وقع» أن المعنى: لأضربنه كائنا حاله أي: واقعا حاله، ومعنى هذه المسألة: لأضربنه ذهب أو مكث.
انتهى جواب أبي علي.
ولا يصح تقديره: كائنا كونه لأن «كائنا» يدل على المصدر و «كونه» مصدر، ولا بد من مغايرة المحكوم به للمحكوم عليه، ولذلك امتنع ضرب ضرب، ثم تقديره: واقعا حاله لا يفهم له معنى، وإنما المعنى: لأضربنه على كل حال، ولكن تنزيل اللفظ على هذا المعنى فيه عسر، ويتكلف له بأن تجعل «ما» موصولة بمعنى «الذي» وتكون واقعة على العاقل كما وقعت في قولهم: لا سيما زيد إذا رفعت، ألا ترى أن التقدير: لاسي الذي هو زيد، فقد أطلقت
«ما» على من يعقل وهو «زيد» فكذلك هذا، ويكون «كائنا» اسم فاعل من «كان» الناقصة وفيه ضمير يعود على ذي الحال و «ما» بمعنى الذي خبر لقوله: «كائنا» و «كان» -
الجزء: 8 - الصفحة: 4087
[للاسم المسمى به ما كان له قبل التسمية]
قال ابن مالك: (لما سمّي به من لفظ يتضمّن إسنادا أو عملا أو إتباعا أو تركيب حرفين، أو حرف واسم، أو حرف وفعل، ما كان له قبل التّسمية ولا يضاف ولا يصغّر).
صلة لـ «ما» الاسمية الموصولة، وهي ناقصة واسمها ضمير يعود على «زيد» وخبر «كان» محذوف لفهم المعنى يعود على «ما» كأنه قال: لأضربنّ زيدا الشخص الذي كان زيد إيّاه، أي لأضربنه على كل حال أي في حال كونه موجودا من غير اعتبار حال أخرى من ضحك أو بكاء أو إقبال أو إدبار، أو غير ذلك من الصفات، بل يضربه ما وجده ويدل على أن «ما» موصولة وليست مصدرية كما ذهب إليه أبو علي أنك تقول: لأضربن هندا كائنة ما كانت، ولأضربن الزّيدين كائنين ما كانا، ولأضربن الزّيدين كائنين ما كانوا، ولا يمكن أن تكون المصدرية إذ لو كانت مصدرية لكان اسم الفاعل قبلها مفردا مذكرا، لأن «ما» المصدرية ترتفع إذ ذاك بالحال، وهي تجري مجرى الفعل فتقول: لأضربن هندا دائما هجرها، ولأضربن الزّيدين دائما هجرهما، ولأضربن الزّيدين دائما هجرهم فكونه لا يقال:
لأضربن هندا كائنا ما كان، ولا لأضربن الزّيدين كائنا ما كانا، ولا لأضربن الزيدين كائنا ما كانوا دليل على أنها ليست مصدرية» انتهى كلام الشيخ.
ولم يتضح لي ما قاله، ولا ما رد به كلام أبي على، وإن كان في كلامه - أعني كلام أبي علي مناقشة من جهة تقدير لأضربنه كائنا ما كان بـ: لأضربنه كائنا كونه، والأحسن في إعراب هذا التركيب - أعني الذي ذكره المصنف - أن يقال:
«ما» خبر «كائن» الذي هو صفة لقوله «لفظ»، والاسم ضمير مستتر في «كائن» عائد إلى «لفظ»، و «ما» الذي هو
الخبر نكرة موصوفة بـ «كان» وهي تامة بمعنى: وجد، والتقدير: بلفظ كائن شيئا كان أي كائن شيئا وجد، والمعنى:
كائن بصفة الوجود من غير نظر إلى حال دون حال 3.
قال ناظر الجيش: تضمن هذا الكلام أن اللفظ المسمى به متى كان متصفا -
الجزء: 8 - الصفحة: 4088
................................
بتضمن أحد الأمور التي أشار إليها وجب أن يعامل بعد التسمية به بما كان يعامل قبل التسمية، فإن كان من شأنه أنه كان حكي، وإن كان من شأنه أنه كان يعرب أعرب، والأمور المشار إليها أربعة:
الإسناد، والعمل، والإتباع، والتركيب، ثم التركيب إما من حرفين أو من حرف واسم، أو من حرف وفعل فيؤول ما ذكره إلى ستة أقسام.
مثال الإسناد: برق نحره، وذرّى حبّا، وتأبّط شرّا 4، وكذا زيد قائم أعني الجملة الاسمية لم تسم بها العرب 5.
ومثال العمل: قائم أبواه، وضارب زيدا، إذا سميت بهما 6 من: زيد قائم أبواه، وعمرو ضارب زيدا، ويبغي أن يمثل لذلك أيضا بنحو: علام زيد مسمّى به لأن الأول عامل في ما بعده، وعلى هذا يستغنى أن يعد من الأقسام المضاف والمضاف إليه.
ومثال الإتباع: زيد الخياط، إذا سميت بصفة وموصوف، وزيد وعمرو، إذا سميت بمعطوف ومعطوف عليه 7.
ومثال التركيب من حرفين: إنما، وكأنّما، وأمّا، وإلّا في الجزاء 8، وذكروا أيضا:
كأنّ، قالوا: لأن «كاف» التشبيه دخلت على «أنّ» و «لعّل» أيضا، قالوا: لأن «اللام» زائدة لقولهم علّ، وفي ذلك نظر 9، لأن الذي ذكروه في «كأنّ» أمر منسوخ لا نظر إليه بعد التركيب، وأمّا «لعل» فإن الكلمة المذكورة فيها لغات ومن جملتها علّ، فلا يقال: إن الأصل: علّ حتى يحتاج إلى دعوى زيادة اللام.
وأما «إلّا» التي هي أداة استثناء فلا تركيب فيها، وكذا «أمّا» في قولنا: أمّا بعد، وأما الاستفتاحية في قولنا: أما والله، و «ألّا» أختها 10.
ومثال التركيب من حرف واسم: يا زيد، وأنت، وإنّ زيدا، وكذا: مثلما -
الجزء: 8 - الصفحة: 4089
................................
وحيثما [5/ 87] وكذا «أما» التي للاستفهام هي «ما» دخلت عليها «الهمزة»، و «هذا» و «هؤلاء» 11 وذكروا من ذلك «كذا» و «كأيّن» 12، وفي إدخال هاتين الكلمتين في المركب من حرف واسم نظر، لأن دلالة الحرف فيهما مهجورة، وإذا كانت دلالته قد هجرت فلا ينبغي الاعتداد به حينئذ.
ويدخل أيضا في قوله «أو حرف واسم» نحو: «يزيد» و «في دار»، و «من زيد» و «عن عمرو» و «منذ يومين»، وهو ما يعبر عنه بالتسمية بحرف جر ومجرور، ولا يحتاج إذ ذاك إلى أن يعد قسما برأسه.
ومثال التركيب من حرف وفعل: «قد قام»، ومثل له الشيخ 13 بقولهم: «هلمّ» مجردا من الضمير، وفي التمثيل بذلك نظر 14.
إذا عرف هذا فالمتضمن للإسناد حكمه أن يحكي، وكذا المتضمن للتركيب شأنه الحكاية أيضا سواء أكان التركيب من حرفين أو من حرف واسم، أو من حرف وفعل.
وأما المتضمن للعمل فإنه يعرب، وكذا المتضمن للإتباع أيضا فتقول: أعجبني قائم أبوه، ورأيت قائما أبوه، ومررت بقائم أبوه، وكذا أعجبني ضارب زيدا، ورأيت ضاربا زيدا، ومررت بضارب زيدا، وتقول: قام زيد الخياط، ورأيت زيدا الخياط، وتقول: قام زيد وعمرو، ورأيت زيدا وعمرا، ومررت بزيد وعمرو 15.
وحاصل الأمر: أنه قد تقدم المتبوع والتابع رافع رفعا، أو ناصب نصبا، أو جار جرّا، وقد أشار المصنف إلى الحكاية في القسمين الأولين، وإلى الإعراب في القسمين الآخرين بقوله «ما كان له قبل التّسمية» فإنه يريد بذلك
أن اللفظ -
الجزء: 8 - الصفحة: 4090
................................
المتضمن لواحد من هذه الأمور يعامل بعد التسمية به بما كان له قبلها من حكاية، وإعراب، وجعل ابن عصفور الإعراب في ما ذكر حكاية أيضا فإنه قال 16:
«حكيت الحال التي كانت قبل التسمية، يعني أنه لم يحدث له بجعله اسما أمر لم يكن له قبل، بل هو على الحال التي كان عليها».
واعلم أنه قد بقي من الذي يحكي إذا سمي به قسم أشار إليه المصنف [بعد] بقوله: «والمعطوف بحرف دون متبوع كالجملة»: «وزيد» من قولك: جاء عمرو وزيد مثلا، فيقال: جاء وزيد ورأيت وزيدا، ومررت بوزيد فيحكي على حسب الوضع الذي نقل منه 17، وكذا الحكم في ما لو سمي بمعطوف منصوب أو مجرور، وعلى هذا يكون الذي يحكي بعد التسمية ثلاثة أقسام: ما تضمّن إسنادا، وما تضمّن تركيبا من التراكيب الثلاثة التي تقدم ذكرها، والمعطوف بحرف دون متبوع، لا يقال: بقى على المصنف قسم من أقسام التركيب لم يذكره وهو ما تركب من فعل واسم كـ «حبّذا» 18 لأن هذا القسم داخل تحت قوله «ما تضمّن إسنادا».
واعلم أن الأقسام الحاصلة من تركيب كل من الاسم والفعل والحرف مع غيره منها ستة أقسام: اسم واسم، وفعل واسم، اسم وحرف، وفعل وفعل، وفعل وحرف، وحرف وحرف.
فالمركب الذي هو من اسمين إن كان مركبا تركيب مزج فقد علم حكمه في باب «منع الصرف» سواء أكان الثاني صوتا كـ «سيبويه» 19 أم غير صوت نحو: بعلبك، وإن كان مركبا تركيب إسناد، أو تركيب إضافة فقد ذكر في هذا الباب وتقدم بيان حكمه.
والمركب الذي من اسم وفعل إن كان بينهما قبل التسمية إسناد فقد ذكر هنا -
الجزء: 8 - الصفحة: 4091
................................
أيضا كما عرف، وإن لم يكن بينهما إسناد فليس مما انطوى عليه كلامه، لأنه أحال الحكم على ما كان له قبل التسمية، ولا يوجد قبل التسمية اسم وفعل بينهما تركيب غير إسنادي، وإذا كان كذلك فيكون داخلا في ما سيذكره بعد من قوله «ويعرب ما سوى ذلك»، ويجب إذا أعرب أن يكون حكمه حكم «بعلبك» أي حكم المركب تركيب مزج.
لا يقال: نحن نمنع وجود هذا القسم لأنه لا يتصور وجود تركيب بين اسم وفعل إلا مع إسناد ففرض مركب بين اسم وفعل دون إسناد فرض شيء غير واقع، لأنا نقول: لا يلزم من عدم وجوده في كلام العرب منع التسمية به، فليس من شرط ما يسمى به أن يكون مستعملا في كلام العرب، كيف وقد تضمنت ترجمة الباب التسمية بلفظ كائن ما كان 20؟
وأما المركب الذي هو من اسم وحرف فقد نص عليه وتقدم التمثيل له بـ «يا زيد»، و «أنت» 21 و «إن زيدا» و «بزيد» و «في دار» و «من زيد» و «عن عمرو»، و «منذ يومين» وفي كل ذلك الحكاية كما عرفت، إلا أن في نحو: من زيد، ومنذ يومين يجوز مع الحكاية إعراب الأول مضافا إلى ما بعده، وسيأتي ذكر ذلك في أثناء الباب.
والمركب الذي من فعل وفعل لا يكون تركيبه إلا تركيب مزج، ولم ينطو كلامه عليه أيضا لما عرفت فيكون داخلا
تحت قوله «ويعرب ما سوى ذلك».
والمركب الذي هو من فعل وحرف قد عرفت أنه ذكره، وأن حكمه الحكاية إلا أنه يستثنى منه نحو: أسلمت وكذا نحو: أسلما وأسلموا في لغة من يجعل الثلاثة أحرفا فلا يكون فيه حكاية كما سيأتي.
والمركب الذي من حرف وحرف قد نص عليه أيضا وقد عرفت أن حكمه الحكاية.
قال الشيخ 22: «وترك المصنف من الذي يحكي الموصول وصلته كما إذا -
الجزء: 8 - الصفحة: 4092
قال ابن مالك: «ويعرب ما سوى ذلك».
سميت رجلا بالذي رأيت، قال: فهذا لا تغيره عما كان عليه قبل التسمية به فتقول: قام الذي رأيت، وأكرمت الذي رأيت، ومررت بالذي رأيت، قال:
وليس هذا شيئا مما ذكره لأنه لم يتضمن إسنادا ولا عملا - أعني أن الموصول لم يعمل في صلته -، ولا إتباعا، ولا هو من تركيب حرفين، ولا تركيب حرف واسم، ولا تركيب حرف وفعل انتهى.
وأقول: إن كلمة «رأيت» اشتملت على «مسند» و «مسند إليه» وانضمام «الذي» إليها لا يخرجها من ذلك، وإذا [5/ 88] كان كذلك فهذا الذي ذكره داخل تحت قول المصنف: «يتضمّن إسنادا» ولا يلزم من عدم صدق الكلام على «رأيت» الذي هو صلة عدم صدق الإسناد، وقد تقدم في أول الكتاب عند ذكر «حد الكلام» أن الجملة الواقعة صلة والجملة المضاف إليها الظرف كل منهما تضمّن إسنادا مفيدا 23.
ثم إن المصنف أشار بقوله بعد «ولا يضاف ولا يصغّر» إلى أن اللفظ المتضمن لما ذكر إذا سمي به لا يضاف ولا يصغر، وإنما امتنع فيه الأمران - أعني الإضافة والتصغير - لأنه إما جملة أو شبه للجملة، والجملة لا ينالها ذلك، وحكم ما أشبهها حكمها، وكما أنه لا يضاف ولا يصغر، لا يثنى ولا يجمع للعلة التي ذكرت وكذا إن كان موصولا فيه الألف واللام لا يجوز نداؤه، نحو: «الذي رأيت» لأن الموصول بصلته في حكم اسم مفرد فيصير «الذي رأيت» كـ «الرجل» والرجل لا يجوز نداؤه من أجل الألف واللام، بخلاف قولك: الرجل منطلق، إذا سميت به فإنه يجوز نداؤه 24، ولا تكون الألف واللام تابعة لما علم في باب النداء 25.
وأما قول المصنف: «والمعطوف بحرف دون متبوع كالجملة» فقد تقدم الكلام عليه، ولو أخر قوله «ولا يضاف ولا يصغّر» عن قوله «والمعطوف بحرف» كان أولى.
قال ناظر الجيش: يريد ويعرب ما سوى ما ذكر، فيدخل في ما سوى ذلك: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4093
[يعرب الاسم المسمى به بما كان له قبل التسمية]
قال ابن مالك: (فإن كان مثنّى أو مجموعا على حدّه أو جاريا مجرى أحدهما مطلقا أعرب بما كان له قبل التّسمية أو جعل المثنّى وموافقه كعمران، والمجموع وموافقه كغسلين، أو حمدون، أو هارون ما لم يجاوزا سبعة أحرف).
الاسم المفرد العاري عن الإسناد، والعمل، والإتباع، والتركيب، معربا كان كـ «زيد» أو مبنيّا كـ «من» و «ما» و «ذا» و «الّذي»، وسيذكر أن المفرد المبني قد يحكى.
ويدخل أيضا: المثنى، والمجموع.
ويدخل فيه الفعل غير مسند، ومعربا كان كـ «يضرب» من: يضرب زيد، أو مبنيّا كـ «ضرب» من: ضرب زيد، بخلاف «اضرب» فإن الإسناد لا يفارقه، وقد يقال: إنه يجوز أن يسمى به خاليا من الضمير بأن تقدر أنه غير مسند كما قالوا في: هلمّ 26، وسيذكر أن الفعل غير المسند قد يحكى.
ويدخل أيضا الحرف المفرد أي الذي لم يركب مع غيره نحو: «على» و «عن» و «في» و «لو» و «لولا» و «باء» الجر و «كافه».
ويدخل أيضا ما تقدم التنبيه عليه مما لم يشمله كلامه وهو: المركب من اسم وفعل دون إسناد بينهما، والمركب من فعل وفعل.
ويدخل فيه أيضا حروف الهجاء إذا سمي بها كما سيأتي.
قال ناظر الجيش: لما أشار إلى أن ما سوى ما ذكره حكمه الإعراب، وكان من جملة ما يدخل تحت ذلك أمور منها
ما قد يكون إعرابه بالحروف، ومنها ما لا بد له من تكميل - أعني أن يزداد على حروفه - ومنها ما لا بد له من حذف شيء منه، ومنها ما لا بد له من إدغام إن كان مفكوكا، شرع في ذكرها أمرا فأمرا وتبيين أحكام كل منها فقال مشيرا إلى الأمر الأول: فإن كان - يعني المسمّى به مما سوى ما ذكر - مثنى أو مجموعا على حدّه، أو جاريا مجرى أحدهما وذلك كـ «اثنين» و «اثنتين» و «كـ» «عشرين» وبابه أعرب بما كان [له] قبل التسمية - يعني بما -
الجزء: 8 - الصفحة: 4094
................................
كان يعرب به - فيكون المثنى وما جرى مجراه بالألف رفعا، وبالياء جرّا ونصبا، والمجموع وما جرى مجراه بالواو رفعا، وبالياء جرا ونصبا.
وخرج بقوله «مطلقا»، «كلا»، و «كلتا» فإنهما لا يجريان مجرى المثنى في اللغة المشهورة إلا بقيد وهو: الإضافة إلى مضمر 27، وإذا كانا لا يجريان مجرى المثنى مطلقا فلا يعربان - إذا سمّي بهما إعراب المثنى، بل يعربان إعراب المفرد.
ثم ذكر أنه يجوز فيهما - أعني المثنى والمجموع وما جرى مجراهما - أن يعربا بالحركات الظاهرة في النون.
أما المثنى وموافقة فإنه يلزم الألف حينئذ ويمنع الصرف (2)، وإلى ذلك الإشارة بقوله «أو جعل المثنّى وموافقه كعمران»، واستفيد من التمثيل بـ «عمران» أن منع الصرف في المثنى وموافقه للعلمية وزيادة الألف والنون 28، ومنه قول الشاعر:
3762 - ألا يا ديار الحيّ بالسّبعان... ألحّ عليها دائم الهطلان 29
وأما المجموع وموافقه: فإنه قد تلزمه الياء أو الواو، لكنه إذا لزمته «الياء» كان منونا إذ لا موجب لمنعه الصرف، وإلى ذلك الإشارة بقوله «كغسلين».
قيل: وقلبت الواو «ياء» لأنه لا يوجد مفرد آخره «واو» بعدها «نون» زائدة، وأما «نون» زيتون فأصلية بدليل قولهم: «أرض زتنة» إذا كان فيها زيتون 30.
وأما إذا لزمته «الواو» فإنه يمتنع الصرف للعلمية وشبه العجمة، إذ ليس في المفرد العربي ما هو على هذا الوزن، وإلى هذا الوجه الإشارة بقوله «أو هارون»، وهو تمثيل حسن لأنه يستفاد منه أيضا أن المانع في «زيدون»
ونحوه مع العلمية شبه العجمة، لأن المانع مع العملية في «هارون» إنما هو العجمة، ولا عجمة في -
الحديث: 3762 - الجزء: 8 - الصفحة: 4095
................................ «زيدون» فليكن فيه شبهها. واعلم أن المصنف لما ذكر هذا الحكم في غير هذا الكتاب لم يتعرض إلى منع الصرف، بل ذكر أن الإعراب يجري على «النون» مع لزوم «الواو» فيحتمل أنه إنما سكت عن التعرض لمنع صرفه لأنه ذكر في ذلك الكتاب 31 أن «حمدون» وشبهه من الأعلام يمتنع صرفه إلحاقا بما منع صرفه للتعريف والعجمة المحضة على هذا الاحتمال يكون ما ذكره في ذلك الكتاب موافقا لما ذكره هنا، ويحتمل أن يكون سكوته عن منع الصرف هناك إنما كان لأنه مصروف، وهو قد ذكر هنا أنه ممتنع الصرف، فعلى هذا يكون في المجموع المسمى به إذا أعرب بالحركات مع لزوم «الواو» وجهان: الصرف وعدمه، فيصير في المجموع حينئذ إذا سمي به أربعة أوجه 32: إجراؤه على ما كان عليه قبل [5/ 89] التسمية وهو أجودها، قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ 33. الثاني: إجراؤه مجرى غِسْلِينٍ 34 في لزوم «الياء» وإجراء حركات الإعراب على النون. الثالث: إجراؤه مجرى «عربون» في إجراء الإعراب على «النون» ولزوم «الواو» مع كونه مصروفا. والرابع: إجراؤه مجرى «هارون» يعني فيكون كما قبله إلا أنه لا ينون لأنه غير مصروف. وقد زاد السيرافي 35 رحمه الله وجها آخر وهو: استصحاب «الواو» في الأحوال كلها مع فتح «النون» وعدم سقوطها في الإضافة، وزعم أنه ثابت في كلام العرب، وأشعارها بالرواية الصحيحة، قال: كأنهم حكوا لفظ المرفوع في حال التسمية، وألزموا طريقة واحدة وأنشد: 3763 - ولها بالماطرون إذا... أكل النّمل الّذي جمعا
الحديث: 3763 - الجزء: 8 - الصفحة: 4096
................................
خلفة حتّى إذا ارتبعت... ذكرت من جلّق بيعا 36
قال المصنف في شرح الكافية 37 بعد ذكر هذه الأوجه على هذا الترتيب الذي ذكرناه: «ولم يذكر سيبويه 38 إلا الوجهين الأولين».
وقوله ما لم يجاوزا سبعة أحرف أشار به إلى أن الحكم المذكور للمثنى والمجموع مشروط بألا يجاوزا سبعة أحرف، فإن جاوزا سبعة أحرف أي بعلامتي التثنية والجمع فإنهما لا يعربان حينئذ بالحركات، بل يعربان بما كانا يعربان قبل التسمية بهما حقّا، إذ لا يعرب بالحركات إلا مفرد أو ما يشبه المفرد، ولا شك أن منتهى الاسم بالزيادة سبعة أحرف، وبزيادة علامة التثنية على ما هو سبعة، أو علامة الجمع تخرج الكلمة عن قاعدة المفردات، فوجب أن لا يعرب بالحركات، وذلك كقولك في تثنية اشهيباب، وجمعه: [اشهيبانان] 39، واشهيبانون.
ثم إن الشيخ ذكر فرعا 40 وهو: «أنك إذا سميت بـ «ذين» أو بـ «تين» اسمي الإشارة جازت فيه حكاية التثنية، قال: ومن لم يحك ألزمهما الألف وصرفهما فقال: جاءني ذان، ورأيت ذانا، ومررت بذان، لأنه لا يكون في الأسماء المفردة ما آخره «ياء» و «نون» زائدتان قبلهما حرف مفتوح، فلا بد من رده إلى مثال الأسماء، وهو أن تصير [الياء] ألفا حتى يشبه الأسماء المفردة 41، -
الجزء: 8 - الصفحة: 4097
[إجراء حاميم وياسين مجرى قابيل]
قال ابن مالك: «ويجري نحو حاميم مجرى هابيل».
قال: ويفيد بهذه المسألة قولهم في المثنى إذا سمي به أن فيه وجهين وهما: حكاية التثنية، وإلزامه الألف ومنعه الصرف».
قال ناظر الجيش: لم يظهر [لي] وجه ذكر المصنف لهذه المسألة هنا إذ لا تعلق لها بما هو مذكور قبلها، ولا بما هو مذكور بعدها، على أن الإشارة إليها قد تقدمت في الباب الذي قبل هذا الباب، والمراد: أنك إذا سميت بـ «حاميم» أو «طاسين» أو «ياسين» أو بما يوازنها كان ممنوع الصرف كـ «هابيل» إلا أن «هابيل» ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، و «حاميم» وموازنة ممنوع الصرف للعلمية وشبه العجمة 42.
لكن قد تقدم لنا في الباب السابق أن المصنف قال في شرح الكافية 43: «وحكم سيبويه 44 لـ «حاميم» اسم مذكر بمنع الصرف تشبيها بـ «هابيل» في الوزن، وعدم لحاق الألف واللام».
فلم يجعل المصنف العلة المقارنة للعلمية شبه العجمة كما رأيت، والظاهر أن العلة المؤثرة إنما هي شبه العجمة لا ما ذكره المصنف، ودليل استعمال، «حاميم» غير مصروف قول الشاعر:
3764 - يذكّرني حاميم والرّمح شاجر... فهلّا تلا حاميم قبل التّقدّم 45
الحديث: 3764 - الجزء: 8 - الصفحة: 4098
[المسمى به إذا كان ناقصا كمن وعن]
قال ابن مالك: (وإن كان ما سمي به حرفي هجاء ضعّف ثانيهما إن كان حرف لين، وإن كان حرفا واحدا كمّل بتضعيف مجانس حركته إن كان متحرّكا ولم يكن بعض كلمة، وإن يكنه وهو ساكن فبالحرف الّذي قبله على رأي، وبهمزة الوصل على رأي، وإن كان متحرّكا فبالفاء إن كان عينا، وبالعين إن كان فاء، وبأحدهما إن كان لاما لا بالتضعيف المستعمل في ما ليس بعضا خلافا لمن رآه).
قال ناظر الجيش: لما انتهى الكلام على الأمر الأول وهو: ما قد يكون إعرابه بالحرف شرع في الكلام على الأمر الثاني وهو: ما لا بد له من تكميل، وذلك إذا كان المسمى به حرفين من حروف الهجاء، أو حرفا واحدا منها.
وأقول: المسمى به إما حرفان أو حرف واحد، والحرفان: ثانيهما إما صحيح وإما معتل، وعلى كلا التقديرين: إما أن يكون كل منهما كلمة مستقلة وإما بعض كلمة، فهذه أربعة أقسام، والحرف الواحد إما كلمة مستقلة وإما بعض كلمة، وهو إما ساكن أو متحرك، وهذه أربعة أقسام أيضا، فعلى هذه الأقسام التي تذكر أحكامها في هذا الموضع
ثمانين.
أما المسمى به الذي هو حرفان وثانيهما صحيح فحكمه البقاء على ما كان دون تغيير 46 سواء أكان كلمة مستقلة أم بعضا من كلمة، فيقال في «عن» مسمى بها: عن وعنا، وعن رفعا ونصبا وجرّا، وكذا إذا سمي بنحو «ضر» من: ضرب يقال: ضر، وضرا، وضر، في الأحوال الثلاثة.
وأما الذي ثاني حرفيه معتل فحكمه تضعيف ذلك المعتل 47 سواء في ذلك ما كان كلمة مستقلة، وما كان بعضا من كلمة فيقال في «كي» و «لو» و «لا» مسمّى بها:
كيّ ولوّ ولاء، رفعا، وكيّا ولوّا ولاء نصبا، وكيّ ولوّ، ولاء جرّا، وكذا يقال -
الجزء: 8 - الصفحة: 4099
................................
في «بي» من «بيع» و «قو» من «قول» و «عا» من «عاقبة» إذا سمّى بها:
بيّ، وقوّ، وعأّ بالتضعيف رفعا ونصبا وجرّا.
وقد علم هذان الحكمان من قوله: وإن كان ما سمّي به حرفي هجاء ضعّف ثانيهما إن كان حرف لين، الثاني بالمنطوق والأول بالمفهوم.
وإنما وجب التضعيف في ما ذكره لأن الاسم المعرب لا يكون آخره حرف لين تجري عليه حركات الإعراب 48.
وأما إبدال الألف المزيدة على ما ثانيه «ألف» همزة قلما عرف في التصريف 49.
وأما الحرف الواحد الذي هو كلمة مستقلة فإن كان متحركا فحكمه أن يزاد عليه حرف من جنس حركته ثم يضعف ذلك الحرف، كما إذا سميت بـ «التاء» من ضربت، وب «الكاف» من: ضربك، وب «التاء» من: ضربت [5/ 90] فيقال: توّ وكاء وتيّ رفعا، وتوّا وكاء وتيّا نصبا، وتوّ وكاء وتيّ جرّا 50، وإلى هذا الحكم الإشارة بقوله «وإن كان حرفا واحدا كمّل بتضعيف مجانس حركته إن كان متحرّكا ولم يكن بعض كلمة».
وإن كان ساكنا كما لو سميت بـ «التاء» من نحو: ضربت هند فلم يذكره المصنف، والظاهر أن حكمه حكم الساكن الذي هو بعض كلمة [في أن يكمل بهمزة وصل كما سيبين لا بشيء مما قبله وأما الذي هو بعض كلمة] فقد علمت أنه قسمان أيضا، ساكن ومتحرك، أما الساكن: فحكمه أن يكمل بحرف قبله واختلف فيه:
فقيل 51: بالحرف الذي كان قبله قبل أن يقتطع ويسمى به، وقيل: بهمزة الوصل، فإذا سميت بثاني «ضرب» قيل على القول الأول: ضر، وعلى القول -
الجزء: 8 - الصفحة: 4100
................................
الثاني: أر قيل: وهو مذهب سيبويه 52، وإلى هذا أشار بقوله: وإن يكنه وهو ساكن فبالحرف الّذي كان قبله على رأي، وبهمزة الوصل على رأي أي: وإن يكن الحرف الواحد بعض كلمة.
وأما المتحرك: ففي الذي يكمّل به خلاف: فقيل: إن كان الحرف المسمى به عين كلمة كمّل بفائها، وإن كان فاء كمّل بعينها، وإن كان لاما كمّل إما بالفاء وإما بالعين 53.
[فإذا سميت بالأوسط من: ضرب قلت: ضرّ، وإذا سميت بالأول منه قلت:
ضرّ أيضا]، وإذا سميت بالثالث منه كنت مخيرا بين أن تقول: ضبّ أو ربّ، وقيل 54: إنما يكمّل الحرف المتحرك بالتضعيف في ما ليس بعضا.
وقد عرفت أن التضعيف المذكور هو: أن تزيد على الحرف حرفا من جنس حركته، ثم يضعف ذلك الحرف، فعلى هذا القول يقال: ضاء، وراء، وباء 55.
ولو سميت بـ «الصاد» المضمومة من: ضرب قلت: ضرّ، وضرّا، وضرّ.
ولو سميت «الضاد» المكسورة من: ضرب قلت: ضيّ، وضيّا، وضيّ 56.
وإلى هذا الحكم أشار بقوله «وإن كان متحركا فبالفاء إلى قوله خلافا لمن رآه».
وقال صاحب البسيط 57: «إذا سميت بالباء من: ضرب قلت على رأي سيبويه والخليل 58: باء، وعلى رأي الأخفش 59: ضب، وعلى رأى المازني 60:
رب، وعلى رأي غيرهم 61 ترد الكلمة بأسرها فتقول: ضرب» انتهى.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4101
قال ابن مالك: (ويجعل «فو» «فما»، وذو المعرب «ذوا أو ذوّا»).
ولا تخفى مخالفة هذا الذي نقله 62 لما ذكره المصنف.
واعلم أن «حرفا» في قول المصنف «وإن كان حرفا» يشمل الصحيح والمعتل:
لكنهم لم يمثلوا إلا بالصحيح فبقى علينا أن نعرف حكم الحرف الواحد المعتل، وكذا حكم الحرفين المعتل أولهما.
قال ناظر الجيش: هذا الذي ذكره كالمستثنى مما تقدم، وذلك أنه قدم لنا أن المسمى به إذا كان ثانية حرف لين ضعف ذلك اللين، فكأنه قال: إلا فو وذو مسمّى بهما فإن كلّا منهما آخره لين ولا يضعف بل يرد «فو» إلى فم، و «ذو» ذوا، أو ذو، أما ردّ «فو» إلى فم فلأن العرب حين أفردته عوضت عن الواو الميم، وجعلتها حرف الإعراب، ولولا فعلت العرب ذلك لكان يرّد إليه ما حذف منه أصلا وهو «الهاء» كما رد إلى «ذو» ما حذف منه 63.
وأما رد «ذو» إلى ذوا أو ذوّ: فليس الحال فيهما على التخيير، ولكن هما مذهبان فسيبويه على الأول، والخليل على
الثاني، وقد تقدم في أول الكتاب أن الإمامين المشار إليهما مختلفان في أصله: فعند سيبويه أن «ذو» وزنه «فعل» 64 وأصله: ذوي كـ «فتى» ثم أعلت اللام بقلبها ألفا كما أعل «فتى» ثم حذف فهو عنده من باب «طويت».
وقال الخليل 65: وزنه «فعل» - بسكون العين - وهو من باب «قوة» وأصله: ذوّ مثل: فوّ، فمن ثمّ رده كل منهما في التسمية به إلى أصله عنده، وأصل «الذال» على كلا القولين الفتح، وفي شرح الشيخ 66 ما يقتضي الطعن في مذهب الخليل، وإذا حقق كان ذلك الطعن مدفوعا، وإنما تركت إيراده خشية الإطالة.
الجزء: 8 - الصفحة: 4102
[أحكام مختلفة في المسمى به]
قال ابن مالك: (وتقطع همزة الوصل إن كان ما هي فيه فعلا، ويجبر الفعل المحذوف آخره أو ما قبل آخره، والمحذوف «الفاء» و «اللّام» أو «العين» و «اللّام» بردّ المحذوف، وتحذف «هاء» السّكت ممّا هي فيه، ويدغم المفكوك للجزم أو للوقف).
قال ناظر الجيش: هذا الكلام يشتمل على ذكر ثلاثة أشياء وهي:
ذكر بقية ما بقى من الأمر الثاني وهو: ما لا بد له من تكميل.
وذكر ما لا بد له من حذف شيء منه وهو الأمر الثالث.
وذكر ما لا بد له من إدغام إن كان قبل التسمية به مفكوكا وهو الأمر الرابع، وقدم على ذلك ذكر حكم يتعلق بـ «همزة الوصل» وكأنه قصد أن ينظم الأحكام التي يختص بها الفعل إذا سمي به ويوردها جملة.
وإذ قد عرف ما قصده من نظم المسائل فأقول:
اعلم أن المسمى به إن كان فعلا يختص بأحكام زائدة على الأحكام [التي] يشترك هو والاسم فيها فمنها: أنه إن كان ذا همزة وصل عادت الهمزة همزة قطع بعد التسمية فيقال في: انطلق، واستخرج مسمّى بهما: ذهب إنطلق،
وقام إستخرج؛ بقطع الهمزة فيهما، وقد علل ذلك بأن ما جاء بهمزة الوصل من الأسماء قليل فلا يقاس عليه، وقد أخرج هذا اللفظ من جنس الأفعال إلى جنس الأسماء فكان حمله على الأكثر في الأسماء أولى 67.
وعلم من كلام المصنف أن ذا همزة الوصل من الأسماء تستمر همزته إذا سمّي به على ما كانت عليه دون قطع لأنه إنما نقل من اسمية إلى اسمية فوجب بقاؤه على ما كان عليه [دون قطع].
وعن ابن الطراوة 68 أنها تقطع قال: «لأن همزة الوصل إنما كانت فيه حين كان -
الجزء: 8 - الصفحة: 4103
................................
جاريا على الفعل وقد خرج عن ذلك بالعلمية 69.
وقد ردّ عليه بأن العرب لم تعتبر ما ذكره ويدل عليه: هبة الله علما، ولا شك أن الأصل فيه: وهبة، وإنما حذفت «الواو» لجريان الكلمة على الفعل، وقد بقيت الكلمة على ما كانت عليه بعد أن صارت علما 70.
ومنها: أنه إذا كان قد حذف آخره أو حذف ما قبل آخره، أو حذف منه «الفاء» و «اللام»، أو حذف [5/ 91] منه «العين» و «اللام» جبر برد المحذوف في هذه الصور كلها، فمثال المحذوف الآخر 71: يرمي، ويغزو من: لم يرم، ولم يغز، إذا سمي بهما فترد «الياء» و «الواو» فتقول: هذا يرم ويغز، ونظرت إلى يرم ويعز ورأيت يرمي ويغزي، ترد «الياء» في الأول، و «الواو» في الثاني، ثم حذف «الياء» من يرمي كما تحذفها من «قاض»، وأما يغز فبعد رد الواو تقلبها «ياء» وتقلب الضمة قبلها كسرة لأجل الياء والموجب لذلك أن اسما معربا لا يكون في آخره «واو» قبلها ضمة، فيعود اللفظ بـ «يغز» كاللفظ بـ «يرم» سواء، ويكون حكمهما حكم المنقوص.
ومثال المحذوف ما قبل الآخر: يبع ويقم [ويخف] من: لم يبع، ولم يقم، ولم يخف، فإذا سميت [بها قلت: يبيع، ويقوم، ويخاف رفعا، ويبيع، ويقوم ويخاف نصبا وجرّا، وكذا 72 إذا سميت] بنحو: بع وقل، قلت: بيع، وقول رفعا، وبيعا، وقولا نصبا، وبيع، وقول جرّا، وقد عرفت في باب «منع الصرف» أن مثل هذا الوزن لا أثر له في المنع من الصرف.
ومثال المحذوف «الفاء» و «اللام» 73: عه إذا سميت به وهو أمر من: وعي فتحذف «هاء» السكت - كما سيأتي - وترد الفاء وهي «واو» واللام وهي «ياء» فتقول: جاء وع 74، ورأيت وعيا، ومررت بوع.
واعلم أنك لا ترد «الفاء» من: يق، ويف من: لم يق، ولم يف إذا سميت بهما، بل ترد اللام فقط، كأنهم يستغنون بحرف المضارعة عن «الفاء» فلا يردونها -
الجزء: 8 - الصفحة: 4104
................................
فنقول: قام يق ويف، ورأيت يقي ويفي، ومررت بيق ويف.
ومثال المحذوف «العين» و «اللام»: ره، إذا سميت به 75، وهو أمر من «رأى» حذفت «هاء» السكت على ما ستعرف، ورددت ما كان حذف منه وهو الهمزة، والياء اللتان هما: العين واللام، ولما ردت الهمزة عادت «الراء» إلى أصلها من السكون، لأن الحركة التي كانت عليها إنما هي حركة الهمزة نقلت إليها منها، ثم حذفت، فلما عادت، عادت «الراء» إلى ما كانت عليه في الأصل فوجب الإتيان بهمزة الوصل فيقال فيها بعد العمل المذكور: ارأي، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا فتصير:
ارأى، قالوا: وهو منصرف لأنه لا مانع من صرفه، ووزنه: افعل 76.
وفي ذلك نظر، لأن هذه الزنة تغلب في فعل الأمر من الثلاثي، ولا شك أن:
ارأى يوازن اعلم، وقد نصّوا على أن نحو: إصبع إذا سمي به منع الصرف وبعض النحويين لا يعيد «الراء» إلى سكونها الأصلي بل يتركها متحركة 77، فإذا تركت بحالها وردّت الهمزة والياء لزم أن يقال: رأى كـ «عصا» لأن الياء لما ردّت انقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وإن كان المحذوف «العين» و «اللام» على حرفين بحرف المضارعة نحو: ير من قولك: لم ير فإن عين الكلمة لا ترد حينئذ، كما أنك لا ترد «الفاء» من نحو:
يف ويق من قولك: لم يق ولم يف، فتقول: قام يرى، ورأيت يرى، ومررت بيرى، غير مصروف للعلمية ووزن
الفعل 78.
ومنها: أنه إذا سمّي به و «هاء» السكت مصحوبة له حذفت «الهاء» المذكورة، لأن الإتيان بها كان لموجب وقد زال، ومثال ذلك ما تقدم من نحو:
عه، وره مسمّى بهما.
وكذا لو كان الفعل على أكثر من حرف واحد، كما إذا سميت بـ «ارمه» مثلا فإنك تقول فيه: إرم رفعا وجرّا، وإرمي نصبا، وتعود همزته همزة قطع 79.
الجزء: 8 - الصفحة: 4105
................................
وإذا سميت بنحو: اخشه تقول: إخشا، تحذف «الهاء» وترد اللام المحذوفة وتقطع الهمزة.
ومنها: أن المفكوك للجزم أو الوقف إذا سمي به يدغم أحد المثلين في الآخر، ومثال ذلك: أن يسمى بـ «يردد» [من لم يردد] فتقول فيه: يردّ رفعا، ويردّ نصبا وجرّا ويجب منع صرفه 80.
وكذا إذا سمي بـ «اردد» يدغم، وإذا الإدغام تحركت «الراء» فيستغنى عن همزة الوصل، فيقال: ردّ رفعا، وردّا نصبا، وردّ جرّا، لأنه لا مانع من صرفه إذ ذاك 81.
وفي شرح الشيخ 82: «وإنما وجب الإدغام في ما ذكرنا لأن العلة المقتضية للفكّ في الفعل لم تكن في الاسم - أعني في «يردد واردد - لما سمي بهما، وإذا كان كذلك وجب الرجوع إلى قياس اعتلال الأسماء، لأن الكلمة انتقلت إلى نوع آخر فصار لها حكم النوع الذي نقلت إليه، ولذلك إذا سميت [بقيل] تقول فيه: قيل على رأي سيبويه 83، ولو سميت بصيد وعور قلت: صاد وعار، ولو سميت بعاور قلت: عائر لأنه يصير كفاعل نحو: قائم، ولو سميت باغضض قلت: إغضّ، قاله سيبويه 84، قال الشارحون لكلامه: لأنك [إذا] نقلت إلى ما الألف فيه وصل فتقطع الهمزة وتحرك آخره فيلزم الإدغام، لأنه لا يجوز في المضاعف أن تظهر عينه ولامه مع تحريك الآخر، إذ ليس
في الدنيا عربيّ يقول: يردد، هذا إن كان الفك لجزم أو وقف، وإن كان الفكّ شاذّا أي لغير ذلك كأن يسمى بألبب من قوله:
3765 - قد علمت ذاك بنات ألببه 85
لا يغير، ولا يقال: ينبغي أن يغير لأن العرب إنما شذّت فيه في موضعه، فإذا انتقل عن ذلك الموضع انبغى أن يرجع فيه إلى القياس لأن اللفظ الذي عزمت فيه -
الحديث: 3765 - الجزء: 8 - الصفحة: 4106
[جواز الإعراب والحكاية في الجار والمجرور]
قال ابن مالك: (وإعراب ما جرّ من حرف وشبهه كائن على أكثر من حرف، وإضافته إلى مجروره معطى ما له مستقلّا بالتّسمية أجود من حكايتهما).
العرب على الشذوذ فيبقى على حاله فلو تغير عنه كأن تصغره لأدغمت فقلت:
أليبّ» انتهى.
قال ناظر الجيش: تقدم الوعد بذكر المسألة عند ما ذكر أن المركب من حرف واسم حكمه الحكاية، وأن في نحو: من زيد، ومنذ يومين يجوز فيه مع الحكاية إعراب الأول مضافا إلى ما بعده فها هو ذا قد أشار إلى هذا الحكم.
وحاصل الأمر: أنه إذا سمي بحرف جار ومجروره وكان حرف الجر [5/ 92] على حرف واحد فليس في ذلك إلّا الحكاية كما تقدم، وإن كان على أزيد من حرف واحد بأن يكون على حرفين نحو: من زيد، أو أكثر نحو: منذ يومين
جازت الحكاية، والأرجح أن يعرب الأول ويضاف إلى ما بعده، وهذا الوجه هو الذي ذكره سيبويه 86 مقتصرا عليه، ومن ثمّ قال المصنف: إنه أجود من حكايتهما، لكنه أطلق كلامه فيما هو على حرفين.
وأما ابن عصفور فإنه قيد جواز الإعراب في ذلك بكون ثاني الحرفين من ذلك الحرف الجار حرفا صحيحا كـ «من» و «عن»، وأما إذا كان معتلّا فذكر أن مذهب الجمهور أنه لا يجوز إلّا الحكاية نحو: في زيد 87، أما المبرد 88 والزجاج 89 فإنهما أطلقا ولم يفرقا بين ما ثانية حرف صحيح وما ثانيه حرف علة حتى نقل 90 عنهما أنهما أجازا الإعراب في الحرف الواحد الجار نحو «الياء» من: يزيد.
ولم أعلم ما أراد المصنف بقوله: «وشبهه» فالله تعالى أعلم بمراده بذلك ما هو؟ -
الجزء: 8 - الصفحة: 4107
................................
وأفاد بقوله: معطى ما له مستقلّا بالتّسمية أنك تقول في نحو: من زيد، ومن زيد، ومن زيد رفعا ونصبا وجرّا كما تقول: من، ومنا، ومن في الأحوال الثلاثة، وكذا يكون العمل في: منذ يومين سواء 91.
وتقول في على زيد مسمّى به: على زيد في الأحوال الثلاثة، لأن «على» لو استقل بالتسمية كان حكمه حكم المقصور.
وتقول في نحو: في زيد على ما اقتضاه إطلاق المصنف: فيّ زيد، وفيّ زيد، وفيّ زيد رفعا ونصبا وجرّا فتضعف الحرف الثاني من «في» كما لو سميت بها وحدها 92.
وقد ذكروا الإعراب 93 الأول في نحو: من زيد مسمّى به وجها وهو: تشبيه حرف الجر لكونه خافضا لما بعده بالاسم المضاف من حيث كان خافضا لما بعده، قالوا: فعلى هذا لا يجوز الإعراب في نحو: بزيد ولا في نحو: في زيد بل تجب الحكاية؛ لأن المضاف لا يكون على حرف واحد أصلا ولا على حرفين أحدهما حرف علة إلّا ما شذ من: فيك وذي مال 94.
واعلم أن الكلمة الأولى - أعني الجارة - كما أعطيت حال الإعراب ما لها مستقلة هكذا الكلمة الثانية - أعني المجرورة - يجب أن تعطى في هذه الحالة أيضا ما لها لو سمّي بها مستقلة، فعلى هذا إذا سمي بنحو: ممّ، وعمّ وجب أن يقال حال الإعراب: من ماء، وعن ماء رفعا، ومن ماء، وعن ماء نصبا، ومن ماء، وعن ماء جرّا 95. -
الجزء: 8 - الصفحة: 4108
[حكم الفعل والعلامة في لغة يتعاقبون]
قال ابن مالك: (ويلحق نحو: أسلمت، وأسلما، ويسلمان، وأسلموا، ويسلمون في لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة» بمسلمة، ومسلمين، ومسلمين مسمّى بها، ونحو «فعلن» في تلك اللّغة معرب غير منصرف).
وقد ذكر الشيخ 96 في شرحه عن صاحب البسيط في هذا الموضوع تقسيما بالنسبة إلى التسمية بحروف المعاني دون ما تدخل عليه زاعما أن كلام المصنف لم يتضمن ذلك، ثم إنني لم أورد ذلك لقلة فائدته، على [أن] ما ذكره تقدم التعرّض إليه عند الكلام على قوله: وإن كان ما سمّي به حرفي هجاء.
والناظر إذا تأمل ما ذكرناه ثمّ تحقق الاستغناء عما ذكره الشيخ عن صاحب البسيط هنا.
قال ناظر الجيش: قد تقدم لنا أن المركب من حرف وفعل محكيّ، وتقدمت الإشارة إلى أنه سيأتي أنه مستثنى من ذلك نحو: أسلمت، وأسلما، وأسلموا، وأسلمن، على لغة من يحكم بحرفية «الألف» و «الواو» و «النون» فلا يكون فيه
حكاية، بل يتعين إعرابه، وها هو قد أشار الآن إلى ذلك.
فالفعل الذي اتصلت به «تاء التأنيث» الساكنة نحو أسلمت من قولنا:
أسلمت هند إذا سمّي به يلحق بـ «مسلمة» مسمّى بها، فيكون معربا ممنوع كالعلم المؤنث بالتاء فيقال فيه: اسلمة رفعا، وأسلمت نصبا وجرّا، وينبغي إذا وقف عليه إذ ذاك أن تبدل التاء «هاء» 97.
والفعل المسند إلى ظاهر الذي اتصل به ألف الاثنين - ماضيا كان أو مضارعا - أو واو جمع - ماضيا كان أو مضارعا - على لغة يتعاقبون فيكم ملائكة 98 إذا اقتطع -
الجزء: 8 - الصفحة: 4109
[تسمية المذكر ببنت وأخت]
قال ابن مالك: (وإن سمّي مذكّر بـ «بنت» أو «أخت» صرف عند الأكثر، وتردّ «هنت» إلى «هنة» لفظا وحكما).
عما أسند إليه وسمّي به عومل ما اتصل به «الألف» معاملة المثنى مسمّى به، وما اتصل به «الواو» معاملة الجمع الذي على حده مسمّى به أيضا 99.
ويلحق «النون» في نحو: أسلما، وأسلموا، وهو الفعل الماضي لتصير الكلمة على حد المثنى والمجموع فيستحق إعرابهما، فيقال: أسلمان، ويسلمان رفعا، وأسلمين ويسلمين نصبا وجرّا، وأسلمون، ويسلمون رفعا، وأسلمين ويسلمين نصبا وجرّا، هذا إن أعربت بالحروف، وإن أعربت بالحركات فلا يخفى عليك ذلك لما تقدم من بيانه في هذا الباب.
والفعل الذي اتصلت به «نون» الإناث الحرفية، وهي المرادة بقوله: في تلك اللّغة أي لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة» إذا سمّي به معرب، كما أن ما تقدمه من نحو: أسلمان ويسلمان وأسلمون، ويسلمون معرب أيضا 100.
لكن نحو «فعلن» يتحتم أن يكون إعرابه بالحركات بخلاف ما سبق، فلذا أفرده بالذكر عن أخواته، ثم إنه ممنوع
الصرف للعلمية وشبه العجمة، إذ مثل هذا الوزن مفقود في الأوزان العربية، فيقال: ضربن رفعا وضربن نصبا وجرّا.
وقد اقتصر المصنف في المتصل به «النون» على التمثيل بالماضي، والظاهر أن المضارع كذلك 101، فلو سمّي بنحو: يضربن من: يضربن الهندات وجب له من الإعراب ومنع الصرف ما وجب لـ «ضربن» لما سمّي به.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان:
أما الأولى: فقد تقدم الكلام في باب «منع الصرف» ولا شك أن ذلك الباب -
الجزء: 8 - الصفحة: 4110
[حكم التسمية بالأسماء الموصولة]
قال ابن مالك: (وينزع من «الألى» الألف واللّام، وكذا من «الّذي» و «الّتي» و «اللّائي» و «اللاتي» وتجعل الياء منهنّ حرف إعراب إن ثبتت قبل التّسمية وإلّا فما قبلها).
أولى بذكرها فيه من هذا الباب.
وحاصل الأمر فيها: أن التاء في «بنت» و «أخت» عند سيبويه 102 والجمهور للإلحاق؛ لأن «تاء» التأنيث لا يسكن ما قبلها بل يلزم تحركه لفظا كـ «تمرة» أو تقديرا كـ «قطاة» ولأنها تثبت وقفا في لغة الجميع، و «تاء» التأنيث لا تثبت لفظا إلّا في لغة طيئ، بل تقلب «هاء» 103.
وأما المسألة الثانية: فهي مسألة «هنت» إذ سمّي بها، فأشار إلى أن «هنتا» إذا سمي بها تردّ إلى: هنه لفظا وحكما، [أما الرد لفظا] فبأن [يحرك ما قبل التاء، وتعود الكلمة إلى أن يوقف عليها بالهاء، وأما الرد حكما فبأن] تمنع الصرف 104.
والفرق بين «هنت» و «أخت» أنهم لما وقفوا على: هنة قالوا: هنه بالتحريك والإبدال، بخلاف «أخت» قالوا: فرجع في التسمية إلى حال الوقف لأنه القياس [5/ 93] وذلك أن مذكره: هن، فوجب إذا قصد إلى تأنيثه أن تزداد عليه علامة التأنيث، هكذا ذكر الشيخ هذا الفرق في شرحه 105، ولم أتحقق ما قاله.
ونقل 106 عن صاحب البسيط أنه قال: «إن سمّي بهنت من الوصل كان كبنت وصلت أو وقفت، وإن سمي به من الوقف كان كتيه في الوصل والوقف» انتهى.
وليس في كلام المصنف تفرقة بين الحالين، ولا يبعد أن ما ذكره صاحب البسيط هو الظاهر.
قال ناظر الجيش: حاصل ما أشار إليه أن الاسم الموصول إذا سمي به دون صلته، وكان فيه ألف ولام نزعتا منه، سواء أكان مفردا أم جمعا لمذكر [أم لمؤنث]، إلا -
الجزء: 8 - الصفحة: 4111
................................
أنه لم يذكر «الذين» مع الكلمات التي ذكرها ولم يتعرض إلى ذكر صيغة المثنى من المذكر والمؤنث، والظاهر أنه لا فرق بين الجميع بالنسبة إلى نزع الألف واللام منها حال التسمية بها.
وإنما نزعت اللام من هذه الكلمات؛ لأنها زائدة 107، وقد حذفها من قرأ 108 صراط لذين أنعمت عليهم 109 وقال بعضهم: إن كانت للتعريف نزعت وإلّا فلا 110، ويظهر أن هذا القول هو الذي يقتضيه القياس.
ثم إن هذه الكلمات التي ذكرت إذا سمي بها وجب إعرابها؛ لأن المقتضي للبناء وهو شبه الحرف في الافتقار إلى الصلة قد زال 111، وأنت قد عرفت ما في «الذي» و «التي» من اللغات وهي: إثبات الياء مشددة أو مخففة، وحذفها مع إسكان الآخر الذي قبلها، أو تحريكه، فمن أثبت «الياء» قبل التسمية جعلها حرف الإعراب، فإن كانت مشددة [جرت] 112 الحركات الثلاث عليها كما تجري على نحو: صبي وزكي، وإن كانت مخففة أعربت الكلمة إعراب المنقوص فيقال: لذ رفعا وجرّا، ولذيا نصبا كـ «شج» و «عم» ومن حذف الياء ثم سمّى بالكلمة بعد الحذف جعل الإعراب على ما قبلها سواء أكان ساكنا أم متحركا فيقال: لذ، ولذا، ولذ رفعا ونصبا وجرّا كما تفعل بـ «أب» و «يد» و «دم» 113، وقد فهم هذا من قول المصنف: وإلّا فما قبلها لأنه يريد: وإلا تكن «الياء» ثابتة قبل التسمية فما قبله هو حرف الإعراب، وهذا أعم من أن يكون ساكنا أو متحركا.
وأما «الألى» فبعد نزع «اللام» منها تصير كـ «على» فتعرب إعراب المقصور 114، بأن تقدر فيها الحركات [الثلاث]، وتكون منوّنة، ولا تمنع الصرف لشبه صيغتها بصيغة «عمر» لأن طريق العلم بعدل هذه الصيغة سماع الاسم من العرب غير مصروف، نعم لو سمي بها مؤنث منعت الصرف للعلمية والتأنيث، -
الجزء: 8 - الصفحة: 4112
[أسماء الحروف الهجائية وحكمها]
قال ابن مالك: (وما ذكر من اسم حرف فموقوف، فإن صحب عاملا اختير جريه مجرى موازنه مسمّى به، وقد يقال: هذا با).
والحكم بالصرف وعدمه لا يتعلق بهذا الباب لأن ذلك يعرف من بابه.
وإذا سميت 115.
قال ناظر الجيش: قد يقال: لا مدخل لهذه المسألة في هذا الباب فما وجه إيرادها فيه؟
ويجاب عن ذلك: بأن الموجب لإيرادها هنا أنه حكم على ما ذكره بأنه إذا صحبه عامل أجري مجرى موازنة مسمّى به على المختار، فلما كان حكم ما ذكره محالا على حكم ما سمّي به من موازنة، وحكم المسمّى به الموازن قد علم من هذا الباب سوّغ له ذلك إيراد هذه المسألة هنا.
والمقصود الذي أشار إليه تبيين حكم أسماء الحروف بالنسبة إلى الإعراب وغيره، فليعلم أن أسماء الحروف إن ذكر شيء منها غير مصحوب بعامل كان موقوفا نحو:
ألف، جيم، كاف، عين، صاد، قاف، يا، تا، ثا، بالقصر في الثلاث 116، وقد تقدم في أول الكتاب 117 ذكر المذاهب في كل من هذه الكلمات وما عومل معاملتها -
الجزء: 8 - الصفحة: 4113
من الأسماء في ذكره غير مصحوب بعامل أهو معرب أم مبني؟ أم ليس محكوما عليه بإعراب ولا بناء؟ وإن ذكر مصحوبا بعامل وجب إعرابه، ويجب حينئذ إجراؤه مجرى ما وازنه إذا كان ذلك الموازن مسمّى به 118، وأنت قد عرفت في هذا الباب حكم الموازن كيف يصنع به إذا جعلته اسما لشيء.
ثم إجراؤه مجرى موازنه هو المختار، وقد لا يجرى مجرى موازنه [وهذا يفهم من قول المصنف: «اختير جريه مجرى موازنه»].
لكن إعراب اسم الحرف لا بد منه وإن لم يصرح به في الكتاب للاستغناء بقوله:
فإن صحب عاملا؛ لأن الإعراب لازم للتركيب.
وإذا تقرر هذا علمت أنك تقول: «كتبت جيما وقافا ولاما وألفا، وهو واضح، وتقول: كتبت ياء ولاء وراء فتضعّف الحرف الثاني ثم تقلبه همزة فيجب المدّ على الألف حينئذ، كما أنك إذا سميت بشيء من هذه الثلاثة كذلك تفعل 119، وقد تقدم تعليل ذلك.
وإذا لم يجر الاسم المذكور مجرى الموازن وذلك على القول [غير] المختار فمقتضاه أنه يحكى فيقال: كتبت خا، كتبت تا، كتبت را بالقصر حكى ذلك الفراء 120.
ومما ينبّه عليه هنا أنهم ذكروا في الزاي لغتين 121: زي بوزن: كي، وزاي، فإذا سميت بها على اللغة الأولى أو صحبها عامل قلت: زيّ بالتضعيف، وعلى اللغة الثانية زاء بالمد؛ لأنك أبدلت من الياء همزة وإن كانت واقعة بعد ألف غير زائدة 122.
ولقائل أن يقول: لا يمتنع تصحيح الياء لو قيل به، بل ربما يقال: إن بقاءها دون إبدال متعين؛ لأن القاعدة تصحيح كل من «الياء» و «الواو» إذا وقع بعد ألف أصلية نحو: [واو، وآي] وقوله: وقد يقال: هذا با أشار به إلى أن نحو: با وتا قد -
الجزء: 8 - الصفحة: 4114
[أحكام أخرى لأسماء الحروف]
قال ابن مالك: (وقد يحكى المفرد المبنيّ به، وكذا الفعل غير المسند على رأي).
تعرف من غير مد فيؤتى به مقصورا منونا فيقال: هذا با وكتبت تا، ولا شك أن هذا قليل شاذ أن هذا قليل شاذ، لأن القياس أن أسماء الحروف المذكورة إذا ركبت وأعربت أن تجرى مجرى غيرها من الكلمات إذا سمّي به 123.
قال ناظر الجيش: تقدم لنا عند الكلام على قوله: ويعرب ما سوى ذلك أن المسمى به غير ما أشار إليه أول الباب يعرب وأنه يدخل تحت قوله: ما سوى ذلك أشياء كثيرة منها: الاسم المبني والفعل إذا لم يكن مسندا، وتقدم أيضا الوعد أن المفرد المبني والفعل غير المسند قد يحكيان مسمّى بهما [5/ 94] فها هو قد ختم الباب بالإشارة إلى الحكم المذكور.
واحترز بـ «المفرد» من المركب مع غيره فإن له الحكاية، وإن كان في بعض أقسامه قد ينضم الإعراب إليها كما
تقدم تفصيل [ذلك].
ومثال المفرد المبني: صاد، قاف، نون؛ إذا جعلت أسماء للسور فإن التقدير:
هذه صاد، فحكى اللفظ مع أنه مسمّى به وقد صحب عاملا وهكذا مثل الشيخ 124 لهذه المسألة، وفي التمثيل بذلك نظر من وجهين:
أحدهما: أن نحو: صاد، وقاف، ونون - ليس مجمعا على بنائه بل الراجح كونه معربا 125.
الثاني: أن النحاة ذكروا أن ما كان من أسماء السور متأتيا فيه الإعراب نحو:
صاد، وقاف، ونون يجوز فيه الأمران: الإعراب والحكاية، وقد أشار الزمخشري إلى ذلك في أول الكشاف 126، وإذا كان كذلك فلا يسوغ التمثيل بهذه الكلمات لما أراده المصنف، والأولى أن يمثل لذلك بنحو: قام من، ورأيت من، ومررت بمن مسمّى بها إن كان قد سمع نحو ذلك، ولا شك أن كلام المصنف -
الجزء: 8 - الصفحة: 4115
................................
يشعر بوروده.
وأما مثال الفعل غير المسند فـ «جلا» 127 من قول الشاعر:
3766 - أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا... متى أضع العمامة تعرفوني 128
فحكى «جلا» ولم يعربه مع أنه جعله اسما لأبيه 129.
وإنما قال: على رأي لأنهم لم يجمعوا على [أن] «جلا» في البيت قد جعل اسما، بل قد قيل بأن الموصوف محذوف والفعل صفة له، التقدير: أنا ابن رجل جلا أي: جلا الأمور وجرّبها، والقائلون بأنه جعل اسما لم يجمعوا على أنه خال من الضمير، بل قد قيل بأن فيه ضميرا، وأنه قد سمي بالجملة فحكيت، والقائلون بأنه خال من الضمير منهم من نفي عنه الحكاية وجعله معربا ممنوعا من الصرف للعلمية ووزن الفعل على القول باعتبار الوزن المشترك،
وهو رأي عيسى بن عمر، وعليه جعل «جلا» في البيت المذكور كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في باب منع الصرف 130.
الحديث: 3766 - الجزء: 8 - الصفحة: 4116