الباب السادس والأربعون باب البدل
1 [تعريفه، موافقته ومخالفته المتبوع، الإبدال من المضمر والظاهر]
قال ابن مالك: (وهو التّابع المستقلّ بمقتضى العامل تقديرا دون متبع ويوافق المتبوع ويخالفه في التّعريف والتّنكير ولا يبدل مضمر من مضمر ولا من ظاهر. وما أوهم ذلك جعل توكيدا إن لم يفد إضرابا). قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: البدل تابع المبدل منه وهو مع تبعيته في تقدير المستقل بمقتضى العامل وفي حكم تكريره ولذلك يعاد معه العامل [4/ 137] كثيرا نحو: لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ 3 ولَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ 4، وكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وإنّما نزل القرآن بلسان عربيّ مبين» 5، وكقول الأخطل 6: 3186 - حوامل حاجات ثقال يجرّها... إلى حسن النعمى سواهم نسّل إلى خالد حتّى أناخت بخالد... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمّل 7 وكقول الحطيئة: 3187 - كفيت بها مازنا كلّها... أصاغرها وكفيت الكهولا 8
الحديث: 3186 - الجزء: 7 - الصفحة: 3389
................................
ولكونه في حكم تكرير العامل منع أبو الحسن: مررت برجل قائم زيد أبوه، على البدل وأجازه على أن يكون أبوه صفة.
ولا يلزم من هذا تقدير عامل آخر إذا لم يعد العامل، كما لا يلزم ذلك في عطف النسق مع كثرة إعادة العامل وتقدير عامل آخر في كل بدل مذهب ابن خروف 9. قال: ولذلك بني البدل المفرد على الضم بعد المنادى المضاف نحو: يا أخانا زيد.
وظاهر قول سيبويه أن عامل البدل هو عامل المبدل منه؛ لأنه قال في بعض أبواب البدل: هذا باب من الفعل يعمل في الاسم ثم يبدل مكان ذلك الاسم اسم آخر فيعمل فيه كما عمل في الأول وذلك قولك:
رأيت قومك أكثرهم (ورأيت قومك ثلثهم) 10 فهذا تصريح بأن العامل في البدل ومتبوعه واحد، ولأنه قال في بعض أبواب الحال بعد تمثله بدخلوا الأول فالأول.
وإن شئت رفعت فقلت: (دخلوا) 11 الأول فالأول جعلته بدلا وحملته 12 على الفعل كأنه قال: دخل الأول فالأول.
ثم قال: فإن قيل: ادخلوا فالنصب الوجه ولا يكون بدلا لأنك لو قلت: ادخل الأول فالأول لم يجز 13. فهذا أيضا
تصريح بأن العامل في المبدل هو العامل في المبدل منه والأول أصرح.
ولا حجة لابن خروف في لزوم ضم المفرد المبدل من المضاف كما لا حجة لمن زعم أن عامل المعطوف غير عامل المعطوف عليه محتجّا بضم زيد في نحو: يا أخانا زيد.
والجواب عنهما: أن العرب التزمت في البدل والمعطوف أحد الجائزين في القياس وهو تقدير حرف النداء تنبيها على أنهما في غير النداء وفي تقدير المستقل بمقتضى العامل فلم يجز لنا أن تخالف ما التزمته.
وخص المعطوف والبدل بهذا لأن المعطوف غير المعطوف عليه وكذا البدل إذا لم يكن بدل كل من كل ولو لم يكن العامل في البدل والمبدل منه واحدا لزم إطراد إضمار الجار والجازم في الإبدال من المجرور والمجزوم وذلك ممتنع، وما أفضى إلى الممتنع ممتنع.
قلت: وإذ قد تقررت هذه القاعدة فلنعد إلى الكلام على حد البدل فالتابع يعم -
الجزء: 7 - الصفحة: 3390
................................ التوابع الخمسة والمستقل بمقتضى العامل تقديرا يخرج النعت وعطف البيان والتوكيد؛ لأن المتبوعات هي المستقلة بمقتضى العامل لفظا وتقديرا. ودون متبع يخرج المعطوف ببل ولكن فإنه داخل تحت المستقل بمقتضى العامل تقديرا ولكن حصول تقدير (الاستقلال) له بمتبع وحصوله للبدل بغير متبع فلذلك قلت: دون متبع. وتبدل المعرفة من المعرفة نحو: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ 1 اللَّهِ 14 وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكوفيين 15، والنكرة من النكرة نحو: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً 31 حَدائِقَ وَأَعْناباً 16، والمعرفة من النكرة نحو: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 52 صِراطِ اللَّهِ 17 والنكرة من المعرفة نحو: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ 15 ناصِيَةٍ 18 واشترط الكوفيون في إبدال النكرة من المعرفة اتحاد اللفظين كما هو في بِالنَّاصِيَةِ 15 ناصِيَةٍ والعرب لا تلتزم ذلك. ومن الحجج عليهم قول الشاعر: 3188 - ولن يلبث العصران يوم وليلة... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما 19 ومنها ما أنشد أبو زيد من قول الشاعر: 3189 - فلا وأبيك خير منك إنّي... ليؤذيني (التّحمحم) والصّهيل 20 ويبدل الظاهر من المضمر كثيرا. ومنه قول الشاعر: 3190 - على حالة لو أنّ في القوم حاتما... على جوده لضنّ بالماء حاتم 21
الحديث: 3188 - الجزء: 7 - الصفحة: 3391
................................
ومنه قول الآخر:
3191 - المنعمون بنو حرب وقد حذفت... بي المنيّة واستنبطأت أنصاري
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم... دون النّساء ولو باتت بأطهار 22
فبنو حرب بدل من الضمير المستكن في المنعمون، ولا يجوز أن يكون المنعمون مبتدأ وبنو حرب خبرا؛ لأن قوله وقد حذفت حال العامل فيه المنعمون فلو جعل بنو حرب خبرا لمبتدأ لزم الإخبار عن الموصول قبل تمام الصلة ويبدل المضمر من الظاهر نحو: رأيت زيدا إياه، والمضمر من المضمر نحو: رأيتك إياك.
ولم أمثل بهذين المثالين إلا جريا على عادة المصنفين المقلد بعضهم بعضا.
والصحيح عندي أن نحو: رأيت زيدا إياه لم يستعمل في كلام العرب نثره ونظمه ولو استعمل لكان توكيدا لا بدلا.
وأما رأيتك إياك فقد تقدم في باب التوكيد.
إن البصريين يجعلونه بدلا وإن الكوفيين يجعلونه توكيدا وإن قول الكوفيين عندي أصح؛ لأن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتصل في رأيتك إياك كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتصل في فعلت أنت والمرفوع توكيد بإجماع فليكن المنصوب توكيدا فإن الفرق بينهما تحكم بلا دليل.
وجعل الزمخشري من أمثلة البدل: مررت بك بك 23، وهذا إنما هو توكيد لفظي ولو صح جعله بدلا لم يكن للتوكيد اللفظي مثال يختص به، وعلى هذا وأمثاله نبهت بقولي: ولا يبدل مضمر من مضمر ولا من ظاهر.
وأما أوهم ذلك جعل توكيدا - ثم قلت: إن لم يفد إضرابا فنبهت بذلك على قول القائل: إياك إياي قصد زيد إذ كان المراد بل اياي.
انتهى [4/ 138] كلامه رحمه الله تعالى 24.
واعلم أن قوله: البدل في تقدير العامل المستقل بمقتضى العامل وفي حكم تكريره، كلام متين كاشف عن حقيقة البدل يرتفع به ما في كلام أكثرهم من الغبش.
وذلك إن منهم من يقول: إن البدل معمول لعامل مقدر وهو قول أكثرهم، حتى -
الحديث: 3191 - الجزء: 7 - الصفحة: 3392
................................
إنهم اختلفوا في جواز إظهاره إذا كان رافعا أو ناصبا بعد اتفاقهم على جواز إظهاره إذا كان خافضا.
ولا يخفي أن كونه يكون معمولا لعامل مقدر ينفي كونه تابعا والاتفاق على أنه تابع.
ولا شك أنه إذا كان معمولا لغير العامل الأول كان مستقلّا بنفسه غير تابع لشيء قبله.
وأما ظهور الخافض في قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ 25 فلقائل أن يقول:
إن «لمن» جملته أعني الحرف وما دخل عليه هو البدل والمبدل منه «للّذين» بجملته أيضا.
ولا يقول إن «من» خاصة بدل من «الّذين» خاصة ثم إن العامل في «الّذين» إنما هو «قال» واللام وصلة بين العامل ومعموله وقال: لم تعد، فكيف يقال إن العامل أعيد مع المخفوض.
ومنهم من عدل عن هذه العبارة أعني كون البدل معمولا لعامل مقدر إلى قوله: إن المبدل منه على نية الطرح ولكنه عنى بذلك أنه منوي الطرح معنى لا لفظا.
ولذلك صرح ابن عصفور به حيث قال في حد البدل: إنه إعلام السامع بمجموع الاسمين أو الفعلين على جهة تبيين
الأول بالثاني وعلى أن ينوي بالأول منهما الطرح معنى لا لفظا 26. فاحترز بقوله: على جهة تبيين من المعطوف نسقا وبقوله على أن ينوي بالأول الطرح من النعت والتأكيد وإنما قال معنى لا لفظا؛ لأن نحو ضربت زيدا يده جائز، فلو لم يعتد بزيد في اللفظ لم يكن للضمير ما يعود عليه.
وظاهر كلام من قال: ينوي بالأول الطرح أن البدل معمول لعامل مقدر أيضا وفيه ما تقدمت الإشارة إليه.
والحق: أن العامل فيه هو العامل في المبدل منه.
وقد عرفت أنه مذهب سيبويه 27، وأنه اختيار المصنف.
ولا يتصور أن يقدر له عامل؛ لأن كونه تابعا بإجماع النحاة يمنع من تقدير عامل؛ لأن تقدير العامل يلزم منه الحكم للبدل بالاستقلال والحكم باستقلاله يخرجه عن كونه تابعا، ولما كان كذلك وكان البدل هو المعتمد عليه في الإخبار أتى المصنف في حده بهذه العبارة الحسنة وهو قوله: التابع المستقل بمقتضى -
الجزء: 7 - الصفحة: 3393
................................
العامل تقديرا، فأفاد أن العامل في البدل هو العامل في المبدل وأن المبدل منه مستقل بمقتضى العامل لفظا والبدل مستقل بمقتضاه تقديرا.
ثم أفاد بقوله إنه في حكم تكرير العامل أنه ليس معمولا لعامل مقدر ولكنه محكوم له بحكم ما له عامل مقدر.
وأنت إذا اعتبرت كلام المصنف مع كلام غيره في هذا الموضوع تبين لك ترجحه بل قوته وضعف غيره.
ثم إن المصنف مثّل لاختلاف البدل والمبدل منه في التعريف والتنكير ببدل الشيء من الشيء ومثال ذلك في بدل البعض: أكلت الرغيف ثلثه، وأكلت رغيفا ثلثا منه، وأكلت رغيفا ثلثه.
وأكلت الرغيف ثلثا منه.
ومثال بدل الاشتمال: أعجبتني الجارية حسنها، وجارية حسن لها والجارية حسن لها، وجارية حسنها.
واعلم أن ما ذكر المصنف أنه مذهب الكوفيين وهو اتحاد اللفظين في إبدال النكرة من المعرفة ذكره ابن عصفور عن أهل بغداد ولم يقيد إبدال النكرة بكونه من معرفة بل قال إن أهل بغداد يشترطون في إبدال النكرة من غيرها أن تكون لفظ الأول مستدلين بأنه لم يرد إلا كذلك كقوله تعالى: بِالنَّاصِيَةِ 15 ناصِيَةٍ 28، وقال الشاعر:
3192 - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة... ورجل رمى فيها الزّمان فشلّت 29
قال: واشترطوا فيها الوصف، ووافقهم على هذا الشرط أهل الكوفة ثم إنه رد ذلك بقول الشاعر:
3193 - فلا وأبيك خير منك
وهو مما رد به المصنف، وبقول الآخر:
3194 - إنّا وجدنا بني سلمى بمنزلة... كساعد الضّبّ لا طول ولا قصر 30
قال: فلا طول ولا قصر نكرتان وهما بدل من ساعد الضب ولم ينعتا ولا هما من لفظ الأول 31. ثم قد عرفت قول المصنف إن المضمر لا يبدل من ظاهر، وأنه -
الحديث: 3192 - الجزء: 7 - الصفحة: 3394
................................
يقول أن ذلك غير مستعمل في كلام العرب، وأنه إن استعمل كان توكيدا، وكذا قوله لا يبدل مضمر من مضمر أيضا.
وقد قال: إنه إنما مثل بذلك جريا على عادة المصنفين المقلد بعضهم بعضا.
وأما ابن عصفور فإنه فعل ما فعله المصنفون.
فقال: البدل ينقسم بالنظر إلى الإظهار والإضمار أربعة أقسام ظاهر من ظاهر ومضمر من مضمر ومضمر من مظهر وظاهر من مضمر.
إلا أن في بدل المضمر من غيره في بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال تكلف إعادة الظاهر كما سيبين.
فمثال ذلك في بدل الكل ضربت زيدا أخاك، وزيد ضربته إياه، وضربت زيدا إياه، وزيد ضربته أخاك.
ومثاله في بدل البعض: أكلت الرغيف ثلثه، والرغيف أكلته ثلثه، وثلث الرغيف أكلته إياه، فالضمير في أكلته يعود على الرغيف وإياه يعود على الثلث، وثلث الرغيف (الرغيف) أكلت الرغيف اياه، فيعيد الضمير على الثلث فقد تكلف تكرار الرغيف في المسألتين الأخيرتين.
ومثال ذلك في بدل الاشتمال: عجبت من الجارية حسنها والجارية عجبت حسنها وحسن الجارية الجارية عجبت منها منه وحسن الجارية عجبت من الجارية منه فتكلفت أيضا تكرار الجارية في الوجهين الأخيرين.
قال: وهذه المسائل التي تؤدي إلى تكلف [4/ 139] تكرار الظاهر فيها خلاف بين النحويين فمنهم من منع ومنهم من أجاز.
فالذي منعها حمله على ذلك خلو الجملة الواقعة خبرا من ضمير يعود على المخبر عنه لأنك إذا قلت: ثلث الرغيف
أكلت الرغيف إياه، لم يكن في الجملة التي هي أكلت الرغيف الواقعة خبرا لثلث ضمير عائد على الثلث.
ولا يقال إن إياه المبدل من الرغيف عائد على الثلث فلا يحتاج معه إلى عائد؛ لأن البدل على تقدير تكرار العامل والاستئناف، فكأنك قلت: إياه أكلت.
وعلى هذا تخلو الجملة الواقعة خبرا من ضمير عائد على المبتدأ، وكذلك مسألة ثلث الرغيف (الرغيف) أكلته إياه فان أكلته في موضع خبر الرغيف والضمير في أكلته عائد عليه والجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر الثلث ولا ضمير فيها وإياه غير معتد به؛ لأنه على نية الاستئناف.
والذي أجاز اعتد بالضمير المبدل لما كان العامل فيه غير موجود في اللفظ فصار لذلك من تمام الجملة المتقدمة؛ ولذلك لا يتكلم بالبدل وحده كما يتكلم بالجمل -
الجزء: 7 - الصفحة: 3395
[أقسام البدل وما يختص به كل قسم]
قال ابن مالك: (فإن اتّحدا معنى سمّي بدل كلّ، من كلّ، ووافق أيضا في التّذكير والتّأنيث، وفي الإفراد وضدّيه، ما لم يقصد التّفصيل، وقد يتّحدان لفظا إن كان مع الثّاني زيادة بيان، ولا يتبع ضمير حاضر في غير إحاطة إلّا قليلا.
ويسمّى بدل بعض إن دلّ على بعض الأول، وبدل اشتمال إن باين الأوّل وصحّ الاستغناء به عنه ولم يكن بعضه، وبدل إضراب أو بداء إن باين الأوّل مطلقا وقصدا وإلّا فبدل غلط.
ويختصّ بدلا البعض والاشتمال بإتباعهما ضمير الحاضر كثيرا وبتضمّن ضمير أو ما يقوم مقامه).
المستأنفة 32. انتهى.
وقد خلص المصنف من هذا كله بقوله: إن المضمر لا يبدل من مضمر ولا من ظاهر.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 33: إن اتحد البدل والمبدل منه معنى سمي البدل بدل كلّ من كلّ نحو: مررت بأخيك زيد.
وعبرت عن هذا النوع ببدل كلّ من كلّ جريا على عادة النحويين وهي عبارة غير مطردة فإن المراد بها أن يكون مسمى البدل والمبدل منه واحدا فيدخل في ذلك ما لا يطلق عليه كل نحو: إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ 1 اللَّهِ 34 فالعبارة الجيدة أن يقال بدل موافق من موافق.
ولا بد في هذا النوع من التوافق في التذكير والتأنيث نحو: رأيت أخاك زيدا وجاريتك رقاش وفي الإفراد كما سبق وفي ضديه وهما التثنية والجمع نحو: عرفت ابنيك المحمدين وأصحابك الزيدين.
وأشرت بقولي: ما لم يقصد التفصيل إلى نحو قولك: عجبت من أخويك زيد وعمرو، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فأذن لها بنفسين في كلّ عام نفس في الشّتاء ونفس في الصّيف» 35 ومنه قول الشاعر: -
الجزء: 7 - الصفحة: 3396
................................ 3195 - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة... ورجل رمى فيها الزّمان فشلّت 36 ونبهت بقولي: وقد يتحدان لفظا إن كان مع الثاني زيادة بيان على قراءة يعقوب 37 وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا 38 قال أبو الفتح ابن جني «جاز إبدال الثانية من الأولى، لأن في الثانية ذكر سبب الجثو» 39. قلت: ومثل: هذا قول الشاعر: 3196 - رويد بني شيبان بعض وعيدكم... تلاقوا غدا خيلي على سفوان تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى... إذا ما غدت في المأزق المتداني تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم... على ما جنت فيهم يد الحدثان 40 وقد يكون بدل التفصيل بلفظ بعض كقولك: ضربت الناس بعضهم قائما وبعضهم قاعدا وإبدال الظاهر الدال على الإحاطة من ضمير الحاضر كثير لتنزله منزلة التوكيد بكل فمن ذلك قوله تعالى: تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا 41 فـ لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا بدل من الضمير في (لنا) وقد أعيد معه العامل مقصودا به التفصيل ومثله قول عبيدة بن الحارث 42 رضي الله تعالى عنه: 3197 - فما برحت أقدامنا في مقامنا... ثلاثتنا حتّى أزيروا المنائيا 43 فلو لم يكن في المبدل من ضمير الحاضر معنى الإحاطة جاء على قلة ولم يمتنع -
الحديث: 3195 - الجزء: 7 - الصفحة: 3397
................................
كما زعم غير الأخفش، والدليل على ثبوته قول أبي موسى الأشعري 44 - رضي الله تعالى عنه - «أتينا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نفر من الأشعريّين» 45، ومثله قول الشاعر:
3198 - وشوهاء تعدو بي إلى صارح الوغى... بمستلئم مثل الفنيق المرحل 46
ومثله:
3199 - بكم قريش كفينا كلّ معضلة... وأم نهج الهدى من كان ضلّيلا 47
ويسمى البدل بدل بعض إن دل على بعض ما دلّ عليه الأول نحو: مررت بقومك ناس منهم وضربت وجوههم أولها، ومنه على أحد الوجهين قوله تعالى:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 48 ويسمى البدل بدل اشتمال إن باين الأول أي إن لم يكن بدل كل فدخل في ذلك بدل البعض ويدل الإضراب والغلط.
فخرج بدل البعض بقولي: ولم يكن بعضه وخرج بدلا الإضراب والغلط بقولي: وصحّ الاستغناء به عنه.
فخلصت العبارة للمسمى بدل اشتمال وهو إما مصدر دالّ على معنى قائم بمسمى المبدل منه كعجبت من زيد حلمه.
أو صادر عنه كعجبت منه قراءته، أو واقع فيه كـ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ 49 أو واقع عليه كدعى زيد للطعام أكله، وأما على ملابس صالح للاستغناء عنه بالأول كـ قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ 4 النَّارِ 50 والصلاحية للاستغناء عنه بالأول شرط في هذه الأمثلة كلها وما أشبهها.
فان كان الملابس لا يغني عنه الأول كالأخ والعم وجيء به بدلا فهو بدل إضراب أو غلط كقولك: عجبت [4/ 140] من زيد أخيه وانطلقت إلى عمرو عمه، ومن شواهد بدل البعض قول الشاعر: -
الحديث: 3198 - الجزء: 7 - الصفحة: 3398
................................
3200 - وهم ضربوك ذات الرّأس حتّى... بدت أمّ الدّماغ من العظام 51
ومنها قول الآخر:
3201 - رأتني كأفحوص القطاة ذؤابتي... وما مسّني من منعم تستتيبها 52
ومن شواهد بدل الاشتمال قول الشاعر:
3202 - ذريني إنّ أمرك لن يطاعا... وما ألفيتني حلمي مضاعا 53
ومنها قول رؤبة:
3203 - أفحمتني في التّفنف التّفناف... قولك أقوالا مع التّخلاف
فيها ازدهاف أيّما ازدهاف 54
وقولي: ويسمى بدل إضراب أو بداء إن باين الأول مطلقا وقصدا نبهت به على أن من البدل ما يجري المعطوف ببل كقولك: أعط السائل رغيفا درهما أمرت له برغيف ثم رق قلبك عليه فأضربت عن الرغيف وأبدلت منه الدرهم، فهذا النوع مقصود فيه الأول والثاني كالناسخ والمنسوخ ولو جعل بينهما بل لكان حسنا ولكن يزول عنه ببل إطلاق البدل؛ لأن البدل تابع بل متبع.
وبدل البداء كبدل الإضراب لفظا ومعنى.
وقولي: إن باين الأول مطلقا أشرت به إلى أن البدل كله مباين بوجه.
فبدل الكل مباين لفظا موافق معنى، ومتحدان لفظا متباينان معنى بزيادة كقراءة يعقوب «وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها» 55.
وبدلا البعض والاشتمال متباينان لفظا ومعنى، لكن بينهما وبين متبوعهما ملابسة تجعلهما في حكم المتحدين فمباينتهما مقيدة لا مطلقة بخلاف بدل الإضراب، فإنه -
الحديث: 3200 - الجزء: 7 - الصفحة: 3399
................................
مباين لفظا ومعنى ولا ملابسة بينه وبين المتبوع فكان التباين مطلقا وإن كان أول المتباينين عاريا من القصد كقولك قاصدا زيدا لا عمرا: رأيت عمرا زيدا، فهو بدل غلط وذكر بل هنا أيضا حسن.
ونختص بدلا البعض والاشتمال بإتباعهما ضمير الحاضر كثيرا نحو:
3204 - وما ألفيتنى حلمي مضاعا 56
ويختصان أيضا بتضمنهما ضميرا عائدا على المبدل منه نحو: ضربت زيدا رأسه، وأعجبتني الجارية حسنها.
وقد يستغنى عن لفظ الضمير بظهور معناه نحو:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 57 ومنه قول الشاعر:
3205 - لقد كان في حول ثواء ثويته... تقضّى لبانات ويسأم سائم 58
ومما يغني عن الضمير اقتران البدل بالألف واللام كقولك: ضربوك ذات الرأس، ومنه على أحد الوجهين قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ 59، ومنه قول الراجز:
3206 - يحمدك الإحسان كلّ النّاس... ومن رجاك آمن من ياس 60
ومن الاستغناء عن الضمير بالألف واللام قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ 4 النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ 61. انتهى كلام
المصنف رحمه الله تعالى 62.
وأنا أتبعه بالتنبيه على أمور:
منها: أن أقسام البدل عنده خمسة - وهي عند غيره ستة؛ لأنهم ذكروا أن من الأقسام بدل النسيان، وما ذكروه هو الحق.
ولا يتوهم أن بدل النسيان يشمله بدل الغلط؛ لأن بدل الغلط لم يقصد إلى ذكره البتة، وإنما سبق إليه اللسان، وبدل النسيان قصد إلى ذكره ولكن بعد ذكره تبين أنه ليس هو المقصود بالذكر، إنما -
الحديث: 3204 - الجزء: 7 - الصفحة: 3400
................................
المقصود بالذكر غيره وانما حصل النسيان فلم يذكر ذلك الغير الذي هو المقصود في الأصل وذكر هذا.
قال ابن عصفور: والبدل ستة أقسام، ثلاثة اتفق النحويون على جوازها وورد بها السماع واثنان جائزان في القياس ولم يرد بهما سماع وواحد ورد به السماع إلا أن النحويين اختلفوا فيه هل هو من هذا الباب أو من باب العطف.
فالثلاثة التي ورد بها السماع بدل الشيء من الشيء وبدل البعض من الكل وبدل الاشتمال والاثنان الجائزان قياسا ولم يرد بهما سماع بدل الغلط وبدل النسيان.
والواحد الذي ورد به السماع، واختلف فيه بدل البداء وهو أن تبدل اسما من اسم بشرط أن يكون الأول قد بدا لك في ذكره، وذلك نحو ما ذكره أبو زيد من قولهم: أكلت لحما سمكا تمرا وكقول الشاعر:
3207 - ما لي لا أبكي على علّاتي... صبائحي غبائقي قيلاتي 63
قال: فأبدل الصبائح من العلات فكأنه قال: ما لي لا أبكي على صبائحي ثم إبداله في ذلك فأبدل الغبائق ثم بدا له فأبدل القيلات.
قال: ومن الناس من جعل ذلك من باب العطف وحذف منه حرف العطف.
قال: والصحيح أن الوجهين ممكنان.
انتهى.
وظاهر كلامه يعطي أن ما ذكره ونحوه يجوز فيه أن يكون بدلا وان يكون معطوفا، وذلك غير ظاهر، لأن البدل هو المستقل بالحكم دون المبدل منه.
ولا شك أن قاصد البدلية بعد ذكر الأول أضرب عنه فكأنه طرحه وجعل المقصود بالحكم هو الثاني وأما اذا جعل ذلك من باب العطف فإن كلا من المعطوف والمعطوف عليه مقصود بالحكم فقاصد البدل لا يقصد العطف وقاصد العطف لا يقصد البدل.
نعم إن كان مراد ابن عصفور أن الوجهين جائزان في الجملة بالنسبة إلى هذا التركيب فذاك شيء آخر.
الحديث: 3207 - الجزء: 7 - الصفحة: 3401
................................
والحق أن هذا ونحوه من باب البدل ويدل على ذلك الحديث الشريف وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الرّجل ليصلّي الصّلاة ثم ينصرف ما كتب إلا له نصفها ثلثها (ربعها إلى العشر)» 64، فإنه لما قال صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الرّجل ليصلّي الصّلاة وما كتب له نصفها» أضرب صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك وأخبر [4/ 141] أنه قد يصلى وما كتب له ثلثها، وكذلك ما ذكر بعد إلى العشر ولا مجال للعطف هنا والعجب أن ابن عصفور استدل بهذا الحديث الشريف بعد قوله: والصحيح أن الوجهين ممكنان 65.
ومنها: أن الشيخ قال في الأبيات التي أنشدها المصنف وهي:
3208 - رويد بني شيبان بعض وعيدكم
إن المصنف يعني أن جيادا بدل من خيلي 66 قال: لكنه أعاد العامل وليس حرف جر (4). قال: وقد تقدم لنا ذكر الخلاف في إعادة العامل إذا كان غير حرف جر 67. انتهى.
والعجب من الشيخ كيف حكم بهذا حتى إنه جعله مراد المصنف أيضا وهو لا يصح أن يكون مراده لوجهين: أحدهما:
أحدهما: أن جيادا لم يوافق خيلي فأين الاتحاد لفظا.
ثانيهما: أن المصنف لا يجيز إعادة العامل غير الخافض مع البدل فكيف ينسب إليه ما لا يقول بجوازه وإنما الفعل الذي هو تلاقوا جيادا بدل من تلاقوا غدا خيلي.
هذا هو مراد المصنف وهو المقصود للشاعر، ولا يجوز أن يظن غير ذلك.
وهذا الذي قلته هو الذي يطابق قول المصنف: وقد يتحدان لفظا إن كان مع الثاني زيادة بيان.
ولا يخفى ذلك على من له أدنى تأمل.
ومنها: أنك تفهم من قول المصنف مشيرا إلى البدل: ولا يتبع ضمير حاضر في غير إحاطة إلا قليلا أن البدل الظاهر يكون من ضمير الغائب وأن ذلك جائز في -
الحديث: 3208 - الجزء: 7 - الصفحة: 3402
................................ الأبدال الثلاثة وأنه يكون من ضمير الحاضر أيضا إذا كان بدل بعض كقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ 68 أو بدل اشتمال كقول الشاعر: 3209 - بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا 69 أو بيت الألفية: ومن ضمير الحاضر الظّاهر لا... تبدله إلّا ما إحاطة جلا 70 أبين للمقصود من عبارته في التسهيل. قال ابن عصفور: وفي البدل من الضمير خلاف منهم من أجاز الإبدال من الضمير الغائب كان أو لمتكلم أو لمخاطب في جميع أقسام البدل وهو مذهب الأخفش 71 ومنهم من أجازه في ضمير الغائب خاصة في جميع أقسام البدل. وأما ضمير المتكلم والمخاطب فيبدل منهما إبدال شيء من شيء. وأما غيره من أقسام البدل فجائز كقوله: 3210 - ذريني إنّ أمرك لن يطاعا... وما ألفيتني حلمي مضاعا (5) فأبدل حلمي من الياء في ألفيتني وإنما لم يجز الإبدال من الضميرين المذكورين بدل شيء من شيء لأن المقصود ببدل الشيء من الشيء تبيين الأول وضمير المتكلم والمخاطب لا يدخلهما لبس فلم يجز فيهما؛ إذ لا فائدة فيه. والأخفش يستدل على جوازه بالسماع والقياس. فأما القياس فإنه قد جاز أن يبدل من ضمير الغائب بدل شيء من شيء بلا خلاف نحو قوله: 3211 - على حالة لو أنّ في القوم حاتما... على جوده لضنّ بالماء حاتم 72
الحديث: 3209 - الجزء: 7 - الصفحة: 3403
................................
«فحاتم» بدل من الضمير في «جوده» فكما جاز ذلك ثم يجوز هاهنا؛ لأن ضمير الغائب أيضا لا يدخله لبس؛ ولهذا امتنعوا من نعته فلو كان القصد من البدل إزالة اللبس لا متنع من ضمير الغائب كما امتنع نعته فإذا ثبت جوازه حيث لا لبس لم ينكر مجيئه في ضمير المتكلم والمخاطب وهذا فاسد لأن نعت ضمير الغيبة لم يمتنع من حيث لم يدخله لبس بل امتنع من حيث ناب مناب ما لا ينعت وهو الظاهر المعاد.
أو ترى أن قولك: لقيت رجلا فضربته، الهاء نابت مناب قولك: فضربت الرجل، وأنت لو قلت فضربت الرجل العاقل لم يجز فكذلك لم يجز نعت ما ناب منابه وقد تقدم تبيين ذلك في باب النعت.
وإنما الذي امتنع نعته من المضمرات لأنه لا يدخله لبس ضمير المتكلم وإلمخاطب فإذا تبين أن ضمير الغيبة قد يدخله اللبس ويكون في ذلك على حسب ما يعود عليه فإن عاد على ملبس كان مثله وإن عاد على غير ملبس كان مثله، وإذا امتنع نعته جاز الإبدال منه؛ إذ لا مانع منه، وتبين أن ضمير المتكلم والمخاطب يمتنع الإبدال منهما كما يمتنع نعتهما.
وأما السماع فقوله تعالى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ 73 فالذين عنده بدل من الضمير في «ليجمعنكم» وقال حميد:
3212 - أنا سيف العشيرة فاعرفوني... حميدا قد تذرّيت السّناما 74
فحميد بدل من الياء في فاعرفوني 75.
قال: ولا حجة في ذلك لاحتمال أن يكون الَّذِينَ محمولا على الاستئناف وأن يكون «حميدا» منصوبا بإضمار فعل على الاختصاص وكأنه قال: أعني حميدا فيكون مثل قول الآخر: -
الحديث: 3212 - الجزء: 7 - الصفحة: 3404
................................
3213 - إنّا بني نهشل لا ندّعي لأب... عنه ولا هو بالأبناء يشربنا 76
انتهى كلام ابن عصفور.
ولا يخفى ضعف التخريج الذي ذكره على أن لك أن تقول: التبيين الذي حصل بالبدل ليس لإزالة لبس يحصل في ضمير الخطاب أو التكلم لأن المخاطب معلوم والمتكلم معلوم من حيث أنها مخاطب ومتكلم وقد تكون صفة أحدهما مجهولة فيجاء بالبدل ليبين تلك الصفة كما في قوله تعالى: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 77 الآية الشريفة أو اسم أحدهما مجهول كما في قول القائل:
3214 - أنا سيف العشيرة......... البيت
فالحق أن إبدال الظاهر من ضمير الحاضر إذا كان البدل كل من كل دون إحاطة جائز كما قال الأخفش، لكنه قليل كما قال المصنف.
ومنها: أن المراد ببدل البعض أن يكون بدل الكل من الكل سواء أكان ذلك البعض أقل من المبدل منه أم مساويا أم أكثر كأكلت الرمانة ثلثها أو نصفها أو ثلثيها وذلك أن البصريين يوقعون بعض الشيء على أكثره كما يوقعونه على النصف منه وعلى الأقل الأقل من النصف.
الكسائي وهشام 78 أن بعض [4/ 142] الشيء لا يقع إلا على ما دون نصفه.
قيل: وعلى هذا يمنع الكسائي وهشام أن يقال في قبضت المال نصفه أو ثلثيه أنه أبدل فيه بعض الشيء من جميعه.
وأشار إلى ذلك ابن عصفور في شرح الإيضاح 79. ثم قال:
والذي يعلم به الجائز من غير الجائز من مسائل هذا النوع من البدل يعني بدل البعض هو أن ترد المسألة إلى أصلها الذي اختصرت منه بأن يظهر العامل في البدل فيصير الكلام جملتين كما كان قبل أن يختصر فإن ساغ الاكتفاء بكل واحدة من -
الحديث: 3213 - الجزء: 7 - الصفحة: 3405
................................
الجملتين كانت المسألة جائزة، وإلا فهي ممتنعة.
فعلى هذا يجوز جدعت زيدا أنفه لأنك لو قلت جدعت زيدا جدعت أنفه كان الاكتفاء بكل واحدة من الجملتين سائغا.
ومن ذلك قول جرير:
3215 - هذي الّذي جدعت تيما معاطسها... ثمّ اقعدي بعدها يا تيم أو قومي 80
ولو قلت: قطعت زيدا أنفه لم يجز؛ لأنك لو قلت قطعت زيدا قطعت أنفه لم يكن الاكتفاء بالجملة الأولى سائغا.
ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: قطعت زيدا وأنت تريد بذلك أنك قطعت أنفه كما يجوز لك أن تقول: جدعت زيدا وأنت تريد جدعت أنفه ويجوز أن تقول: ما أفصح زيدا لسانه لأنك تقول: ما أفصح زيدا، ما أفصح لسانه، فيحصل الاكتفاء بكل من الجملتين.
ولو قلت ما أفصح كلام زيد لسانه لم يجز وذلك؛ لأنك لو قلت: ما أفصح كلام زيد ما أفصح كلام لسانه لم يكن الاكتفاء بالجملة الثانية سائغا، ألا ترى أنك لا تقول: ما أفصح كلام لسان زيد وإنما تقول: ما أفصح كلام زيد أو ما أفصح من زيد.
انتهى.
وقد عرفت أن مما مثل به المصنف لبدل البعض قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 81 وقال: إن ذلك على الوجهين وكأنه يقصد بالوجه الآخر أن تكون «من» فاعله «بحجّ» كأنه قيل: أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا 82 لكن قال ابن عصفور: أن هذا القول فاسد من جهة المعنى، وذلك أن المعنى يصير إلى أن الله تعالى له على الناس كافة مستطيعهم وغير مستطيعهم أن يحج البيت المستطيع 83.
قال: وهذا خلف 84. هذا كلامه.
ولا يظهر لي امتناع أن يقال: فرض الله تعالى على الناس أن يحج البيت المستطيع منهم.
ثم ذكر ابن عصفور وجها ثالثا وعزاه إلى الكسائي وهو أن: من تكون شرطا والجواب محذوف كأنه قيل: فعلم -
الحديث: 3215 - الجزء: 7 - الصفحة: 3406
................................
ذلك ورأى أن حذف جواب الشرط لفهم المعنى أحسن من حذف الضمير من البدل.
قال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه حسن جدّا 85. انتهى.
وعجبا منه كيف أجاز هذا الوجه واستحسنه ولم يفسده بأن يقول: يلزم من وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (2) وجوب الحج على الناس أجمعين، ولا شك أن في الناس من هو غير مستطيع ويلزم من مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 86 فعليهم ذلك أن الحج لا يجب الا على المستطيع.
وقد ذكر ابن أبي الربيع هذا القول عن الكسائي 87 كما ذكره ابن عصفور واستبعده، ولم يرضه.
ومنها: أن قول المصنف: وبدل الاشتمال إن باين الأول وصحّ الاستغناء به عنه ولم يكن بعضه قد علم معناه بما ذكره هو في شرحه.
والظاهر أن الضمير المجرور بالباء في قوله: وصح الاستغناء به عنه يرجع إلى المبدل منه وأن الضمير المجرور بعن يرجع إلى البدل لأنه قال: انه أخرج بهذا بدلي الإضراب والغلط..... ولا شك أن المبدل في هذين لا يصح الاستغناء به عن البدل لأنه غير مقصود في بدل الغلط ومعدول عنه في بدل الإضراب، وما كان غير مقصود أو معدولا عنه إلى غيره لا يصح الاستغناء به، وهذا بخلاف المبدل منه في بدل الاشتمال فإنه يصح الاستغناء به.
ثم أوضح ذلك بعد قوله: فإن كان الملابس لا يغني عنه الأول كالأخ والعم وجيء به بدلا، فهو بدل إضراب أو غلط، كقولك: عجبت من زيد أخيه وانطلقت إلى عمرو عمه.
ومن ثمّ كان المشتمل في بدل الاشتمال هو الأول كما سيأتي أن ذلك هو القول الأصح؛ ولهذا لما ذكر ابن عصفور بدل الاشتمال وأن شرطه أن يكون الأول مشتملا على الثاني.
قال: وأعني بذلك أن يذكر الأول فيجوز الاكتفاء به عن الثاني، وذلك أن تقول: سرق عبد الله ثوبه أو فرسه؛ لأنه قد يجوز أن تقول: سرق عبد الله وأنت تعني الثوب أو الفرس.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ 4 النَّارِ 88 فالنار بدل من الأخدود؛ لأنه يجوز أن تقول: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ وأنت تعني النار، لأنه قد علم أن ذلك إنما -
الجزء: 7 - الصفحة: 3407
................................
كان لأجل النار التي اتخذوها في الأخدود؛ لإحراق المؤمنين والمؤمنات لا الأخدود نفسه.
فعلى هذا يجوز
أعجبني عبد الله حسنه ولا يجوز أعجبني عبد الله غلامه لأنه قد يجوز أن تقول: أعجبني عبد الله وأنت تعني الحسن ولا يجوز أن تقول:
أعجبني عبد الله وأنت تعني غلامه؛ لأنه لا يفهم من الأول 89. قال: ولا يكتفى في معرفة بدل الاشتمال أن يكون الثاني مفهوما من الأول، بل لا بد من أن يجوز استعمال الأول وحده على حدة، ويكون الثاني مفهوما منه فلا يجوز أسرجت القوم دابتهم وإن كان معلوما من قولك أسرجت القوم أنك قصدت الدابة؛ لأنه لا يجوز أن تقول: أسرجت القوم وأنت تعني الدابة 90. انتهى.
والذي يظهر أن هذا الشرط الذي ذكره وهو جواز استعمال الأول وحده غير محتاج إلى اشتراطه ولهذا لم يتعرض إليه [4/ 143] المصنف.
وإنما كان غير محتاج إليه، لأن البدل تابع لاسم متقدم هو جزء كلام، والكلام لا بد من صحته في نفسه إما حقيقة وإما مجازا ولا شك أن قولك: أسرجت القوم لا يصح لا حقيقة ولا مجازا.
فامتناع البدل إنما كان لامتناع التركيب المشتمل على المبدل منه لا لأمر يرجع إلى البدل كما هو في: أعجبني عبد الله غلامه.
ومنها: أن بعضهم أثبت ورود بدل الغلط في كلام العرب واستدل بما يحتمل التأويل وأن بعضهم أثبت بدل كل من بعض محتجّا بقولهم: لقيته غدوة يوم الجمعة؛ لأن العامل الواحد لا يعمل في نوع من المعمولات إلّا في واحد منه إلّا على طريق الإتباع وجعل منه:
3216 - كأنّي غداة البين يوم تحمّلوا... [لدى سمرات الحيّ ناقف حنظل] 91
ولا معول على هذا القول؛ لأن ظرفي الزمان إذا كان أحدهما أعم من الآخر جاز للعامل الواحد أن يكون عاملا فيهما.
ومنها: أن السهيلي رد بدل البعض وبدل الاشتمال إلى بدل الشيء من الشيء 92 -
الحديث: 3216 - الجزء: 7 - الصفحة: 3408
................................
قال: فقولك: أكلت الرغيف ثلثه التقدير فيه أكلت بعض الرغيف ثم بينت ذلك البعض بقولك: ثلثه وكذا قولك:
أعجبتني الجارية حسنها، فالإعجاب إنما هو لصفة من صفاتها فحذفت المضاف إليها وأقمتها مقامه، ثم بينت ما تلك الصفة فقلت: حسنها أو ظرفها 93. قال: فقد عادت الأقسام كلها في الحقيقة إلى قسم واحد وهو بدل الشيء من الشيء 94.
ولقائل أن يقول: إذا كان الأصل في أكلت الرغيف ثلثه أكلت بعض الرغيف ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ثم فسر ذلك المحذوف وفي أعجبتني الجارية حسنها أعجبتني صفة الجارية ثم حذف وأقيم وفسر كما يقول السهيلي فأي فائدة لهذا العمل وقد كان المتكلم في غنى عن ذلك بأن يقول ابتداء: أكلت ثلث الرغيف [و] أعجبني حسن الجارية.
ويكفي أن قائل هذا القول خالف بقوله الإجماع.
ومنها: أن الذي اختاره المصنف من أنه قد يستغنى في بدلي البعض والاشتمال عن لفظ الضمير بظهور معناه هو الصحيح.
وقد ذكر الدليل على ذلك من الكتاب العزيز ومن أشعار العرب.
ومن الدليل على ذلك أيضا قوله تعالى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ 95 «فـ» «من غمّ» بدل اشتمال كما أن مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 96 بدل بعض ولا ضمير ملفوظ به فيهما والتقدير: من استطاع إليه سبيلا منهم، ومن غم فيها، أو من غمها.
وأما البيت الذي أنشده المصنف وهو قول القائل:
3217 - لقد كان في حول ثواء ثويته
فالضمير في ثويته عائد على ثواء والضمير العائد على المبدل منه مقدر التقدير:
ثويته فيه أي في الحول.
وأما البيت الآخر الذي أنشده وهو:
3218 - يحمدك الإحسان كلّ النّاس
فالإحسان بدل من ضمير (يحمدك) بدل اشتمال.
الحديث: 3217 - الجزء: 7 - الصفحة: 3409
[من أحكام البدل وحكم اجتماع التوابع]
قال ابن مالك: (فصل: المشتمل في بدل الاشتمال هو الأوّل، خلافا لمن جعله الثّاني أو العامل، والكثير كون البدل معتمدا عليه، وقد يكون في حكم الملغى، وقد يستغنى في الصّلة بالبدل عن لفظ المبدل منه، ويقرن البدل بهمزة الاستفهام إن تضمّن متبوعه معناها.
وقد تبدل جملة من مفرد، ويبدل فعل من فعل موافق في المعنى مع زيادة بيان.
وما فصّل به مذكور وكان وافيا ففيه البدل والقطع، وإن كان غير واف تعيّن قطعه إن لم ينو معطوف محذوف.
ويبدأ عند اجتماع التّوابع بالنّعت، ثمّ بعطف البيان، ثمّ بالتّوكيد، ثمّ بالبدل، ثمّ بالنّسق).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 97: مذهب الفارسي كون المشتمل هو الأول ومذهب غيره أنه التابع، وظاهر قول المبرد أنه العامل 98 ومذهب الفارسي هو الصحيح؛ لأن الثاني والثالث لا يطردان؛ لأن من البدل الاشتمال: أعجبني زيد كلامه وفصاحته، وكرهت عمرا ضجره، وساءني خالد فقره وعرجه، والثاني في هذا وأمثاله غير مشتمل على الأول فلم يطرد كون الثاني مشتملا، وأما عدم اطراد الثالث فظاهر؛ لأن من جملة بدل الاشتمال قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ 99 والعامل فيه ليس مشتملا على المتبوع والتابع، والكثير كون البدل معتمدا عليه بما تدعو الحاجة إليه من خبر وغيره كقولك: إن الجارية هندا حسنها فاتن، وإن زيدا نجابته بيّنة، وكقول الشاعر:
3219 - وما كان قيس هلكه هلك واحد... ولكنّه بنيان قوم تهدّما 100
وقل الاعتماد على المبدل منه وجعل البدل في حكم الملغي كقول الشاعر: -
الحديث: 3219 - الجزء: 7 - الصفحة: 3410
................................
3220 - فكأنّه لهق السّراة كأنّه... ما حاجبيه معيّن بسواد 101
فجعل حاجبيه وهو بدل في حكم ما لم يذكر فأفرد الخبر، ولو جعل الاعتماد على البدل لثنّى الخبر كما تقول: إن زيدا يديه منبسطتان بالخير، ولو جعلت البدل في حكم الملغي لقلت: إن زيدا يديه منبسط بالخير، ومثل كأنه ما
حاجبيه معين قول الآخر:
3221 - إن السّيوف غدوّها ورواحها... تركت هوزان مثل قرن الأعضب 102
فجعل الخبر للسيوف وألغى غدوها ورواحها ولو لم يلغهما لقال: تركا كما تقول: الجارية خلقها وخلقها سيان.
ومن الاعتماد على المبدل منه وجعل البدل في حكم الملغي قولك: زيد عرفت أخاه عمرا وجاء الذي رغبت فيه عامر.
وقد يستغنى في الصلة عن لفظ المبدل منه كقولك: أحسن إلى الذي وصفت زيدا بالنصب على الإبدال من الهاء المقدرة وبالجر على الإبدال من الذي بالرفع على جعله خبر مبتدأ.
ويجب اقتران البدل بهمزة استفهام إن تضمن المبدل منه معناها نحو: كيف زيد أمريض أم صحيح.
وما عندك أدرهم أم دينار وكم دراهمك أعشرون أم ثلاثون.
وقد تبدل جملة من مفرد كقولك: عرفت زيدا أبو من هو [4/ 144] أي عرفت زيدا أبوته.
ومنه قول الشاعر:
3222 - لقد أذهلتني أمّ سعد بكلمة... أتصبر يوم البين أم لست تصبر 103
فالجملة الاستفهامية التي بعد «كلمة» بدل منها؛ لأن الكلمة هنا بمعنى الكلام.
ومنه قول الآخر:
3223 - إلى الله أشكو بالمدينة حاجة... وبالشّام أخرى كيف يلتقيان 104
قال أبو الفتح بن جني: كيف يلتقيان بدل من حاجة كأنه قال: إلى الله أشكو -
الحديث: 3220 - الجزء: 7 - الصفحة: 3411
................................
هاتين الحاجتين تعذر التقائهما 105. ومن إبدال الجملة من المفرد قوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ 106 فإن وما عملت فيه بدل من ما وصلتها على تقدير: ما يقال لك إلا أن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم.
وجاز إسناد «يقال» إلى «إنّ» وما عملت فيه كما جاز إسناد «قيل» إليها في وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ 107، ومن إبدال الجملة من المفرد هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ 108 قال
الزمخشري: «هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من «النجوى»» 109.
ومن إبدال الجملة من المفرد قول ابن الزبير الأسدي 110:
3224 - لمّا دنا منّي سمعت كلامه... من أنت لا لاقيت أمر سرور 111
ويبدل فعل من فعل موافق له في المعنى مع زيادة بيان كقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً 68 يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً 112، وكقول الشاعر:
3225 - متى تأتنا تلمم بنا في دارنا... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا 113
وكقول الآخر:
3226 - إنّ عليّ الله أن تبايعا... تؤخذ كرها أو تجيء طائعا 114
وإذا قصد تفصيل مذكور بما هو صالح للبدلية وكان وافيا بآحاد المذكور جاز -
الحديث: 3224 - الجزء: 7 - الصفحة: 3412
................................
البدل والقطع كقول الشنفرى:
3227 - ولي دونكم أهلون سيّد عملّس... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل 115
فلك في «سيد» وما بعده إن تجعله بدلا من أهلون ولك أن تقطعه على إضمار مبتدأ.
فلو كان المفصل غير واف بأحاد المذكور تعين القطع على الابتداء وجعل الخبر من وضمير مجرورها كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اجتنبوا الموبقات: الشّرك بالله والسّحر» 116 على تقدير منهن الشرك بالله والسحر.
ومثله قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ 117 أي منها مقام إبراهيم، ويروى «اجتنبوا الموبقات الشّرك بالله والسّحر» بالنصب على البدل وحذف معطوف، والتقدير: اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر وأخواتهما.
وجاز الحذف لأن الموبقات سبع بيّنت في حديث آخر واقتصر هنا على ثنتين منها تنبيها على أنهما أحق بالاجتنباب.
ويبدأ عند اجتماع التوابع بالنعت؛ لأنه كجزء من متبوعه، ثم بعطف البيان؛ لأنه جار مجراه ثم بالتوكيد؛ لأنه شبيه بعطف البيان في جريانه مجرى النعت ثم بالبدل؛ لأنه تابع كلا تابع لكونه كالمستقل ثم بعطف النسق؛ لأنه تابع بواسطة فيقال مررت بأخيك الكريم محمد نفسه رجل صالح ورجل آخر، والله تعالى أعلم.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 118.
ثم إن الكلام يتعين في أمور:
الأول: أنك قد عرفت أن المشتمل في بدل الاشتمال فيه ثلاثة مذاهب وأن الأصح منها أن المبدل منه هو المشتمل على البدل.
أما أن بدل الاشتمال نفسه أي شيء هو فلم يتقدم فيه كلام.
وقد اختلفت العبارات فيه، فقال الزجّاجي: وهو صفة من صفات المبدل منه -
الحديث: 3227 - الجزء: 7 - الصفحة: 3413
................................
نحو: أعجبني زيد علمه 119 وردّ ذلك بقولهم: سرق زيد ثوبه.
وقال آخرون: هو الذي يكون محيطا بالمبدل منه كإحاطة الثوب في قولنا: سرق زيد ثوبه والقائلون بهذا هم الذين يقولون: إن الثاني مشتمل على الأول ورد ذلك بقولهم: سرق عبد الله فرسه والفرس ليس محيطا بالمبدل منه.
وقال آخرون: هو الذي يمكن الاكتفاء فيه بالمبدل منه عن البدل بمعنى أن الأول إذا ذكر وحده وكان المقصود إنما
هو البدل أمكن أن يستفاد منه المراد بطريق المجاز.
فتشمل هذه العبارة نحو: أعجبني عبد الله علمه، وأعجبني عبد الله ثوبه وأعجبني عبد الله فرسه، وهي التي صححها ابن عصفور 120 والتي يقتضيها كلام المصنف وهو قوله: ويسمى بدل اشتمال إن باين الأول وصح الاستغناء به عنه ولم يكن بعضه وهي أشد ما قيل:
وقد قال ابن الضائع 121: معنى الاشتمال أن يكون الاسم الأول يجوز أن يذكر ويراد به الثاني مجازا.
قال: وهذا أولى من غيره من الأقوال 122. انتهى.
ومنهم من قال: هو ما بينه وبين المبدل منه تعلق ما عدا نسبة الجزئية.
ولا شك أن هذه العبارة يدخل تحتها الأمثلة التي ذكرناها ولكن يشكل عليها نحو: مررت بزيد أبيه، فإن العبارة المذكورة تشمله لكن سيبويه نصّ على أنه ليس من بدل الاشتمال 123.
وقد قال المصنف: فإن كان الملابس لا يغني عنه الأول كالأخ والعم وجيء به بدلا فهو بدل إضراب أو غلط.
فإن قيل: لأي شيء جعل نحو: أعجبني زيد علمه أو ثوبه مثلا أو فرسه من بدل الاشتمال ولم يجعل منه: أعجبني (زيد) أبوه أو أخوه مثلا، -
الجزء: 7 - الصفحة: 3414
................................
ولا شك أنه يحتاج إلى فرق بين قولنا أعجبني زيد ثوبه أو فرسه وبين قولنا: مررت بزيد أبيه.
والذي يمكن أن يقال: قد تقرر أن من شرط صحة بدل الاشتمال صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه وإذا كان كذلك فالذي لا تسبب له في ما يقتضي إستناد الإعجاب إليه كالعلم والثوب والفرس يصح فيه أن يكون بدل اشتمال لأن لو قلت:
أعجبني علم زيد أو فرسه أو ثوبه فهم منه أن لزيد مدخلا في الإعجاب، ولو قلت:
أعجبني أبو زيد وأخوه لا يفهم منه أن لزيد مدخلا في ذلك؛ لأن الأب والأخ كل منهما يصح أن يصدر منه [4/ 145] ما يقتضي صحة إسناد الإعجاب إليه
والحاصل: أن الاستغناء بالمبدل منه عن البدل شرط لصحة بدل الاشتمال ولا يمكن الاستغناء المذكور إلا إذا كان المبدل منه لا تسبب له في حصول المعنى الذي دلّ عليه العامل فيه للبدل.
فإذا كان كذلك صح بدل الاشتمال كقولك:
أعجبني زيد علمه أو ثوبه أو فرسه، فإن الموجب لإعجاب هذه الثلاثة إنما هو اعتناء زيد وإصلاحه لها بخلاف قولك: أعجبني زيد أبوه - فإن صلاح الأب المقتضي للإعجاب لا مدخل لزيد فيه إنما الأب مستقل به.
وقال الشيخ بدر الدين ولد المصنف رحمهما الله تعالى: «بدل الاشتمال هو ما يدل على معنى في متبوعه أو يستلزم معنى في متبوعه - فالأول نحو: أعجبني زيد حسنه، وكقول الراجز:
3228 - وذكرت تقتد برد مائها... وعتك البول على إنسائها 124
والدال على ما يستلزم معنى في المتبوع كقولك:
أعجبني زيد ثوبه، وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ 125؛ لأن القتال في الشهر الحرام يستلزم معنى فيه وهو ترك تعظيمه، وكذا قوله تعالى:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ 126 فإن وقت الانتباذ وما عقبه يستلزم معنى -
الحديث: 3228 - الجزء: 7 - الصفحة: 3415
................................
في مريم عليها السّلام وهو كونها على غاية من التقى والبر والعفاف فلذلك صح في اذ ان تكون بدل اشتمال (من مريم) 127 انتهى.
ولم أتحقق ما قاله.
الأمر الثاني: قد عرفت قول المصنف: وقد يكون البدل في حكم الملغى واستدلاله على ذلك بالبيت الذي أوله:
«فكأنّه لهق السّراة»:
والبيت الآخر الذي أوله: «إنّ السّيوف».
ولا شك أن ما قاله المصنف هو الظاهر.
لكن ابن عصفور في شرح الإيضاح لما ذكر أن الأول يعني المبدل منه ينوي به الطرح معنى لا لفظا قال:
الدليل على ذلك أن العرب إذا أتت بعد البدل بخبر أو حال أو غير ذلك فإنما يعتمد به على البدل لا على المبدل منه.
ثم قال:
ولم يجيء ما ظاهره الاعتماد على المبدل منه إلا قول الشاعر، وأنشد البيتين اللذين استدل بهما المصنف، ثم خرج قوله: معين بسواد على أنه يراد به المصدر «كممزّق» في قوله تعالى: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ 128، وإذا أخبر بالمصدر كان موحدا.
وخرج قوله: غدوّها ورواحها على أنهما منصوبان على الظرف كحقوق النجم كأنه قال:
إن السيوف وقت غدوها ورواحها على هوازن تركتهم مثل قرن الأعضب.
فجاء الشيخ فقال في قول المصنف: وقد يكون البدل في حكم الملغى: هذا غير مسلم له، ولا حجة في الاستشهاد بما ذكر، ثم أورد كلام ابن عصفور هذا 129.
ولا يخفى ضعف التخريج الذي ذكر في البيتين ثم ليس المراد أن السيوف تركت هوازن في وقت غدوها ورواحها.
وقول المصنف:
وقد يكون البدل في حكم الملغى مشيرا بقد إلى التقليل لا يصادم قول ابن عصفور: إن العرب إنما تعتمد على البدل لا على المبدل منه؛ لأن ما قاله هو الأغلب والأكثر.
وقد تشذ العرب فتأتي بخلاف ذلك كما شذوا في أمور تخالف الأصول ووقع لهم ذلك في أبواب كثيرة لا تحصر 130. -
الجزء: 7 - الصفحة: 3416
................................
الثالث: قد علمت أن البدل يقرن بهمزة الاستفهام إن تضمن متبوعه معناه، وتقدمت أمثلة ذلك في كلام المصنف.
لكن قال الشيخ:
وكان ينبغي للمصنف أن يضيف إلى هذه المسألة مسألة الشرط فإنها شبيهة بها وذلك أنك إذا أبدلت من اسم شرط فلابد أن تدخل على البدل إن الشرطية.
مثال ذلك:
متى تقم (إن) ليلا أو نهارا قمت معك، ومن يضرب إن رجلا أو امرأة ضربته 131، قال: فأما قول الفرزدق:
3229 - متى تردن يوما سفار تجد بها... أديهم يرمي المستجيز المعوّرا 132
«فيوما» منصوب فيه بقوله:
تردن الناصب لمتى لأن الفعل يعمل في ظرفين اذا كان أحدهما مشتملا على الآخر ومتى مشتملة على اليوم لعمومها، ولا يجوز أن ينتصب يوما بتجد؛ لأن سفار في موضع نصب بتردن فيؤدي (ذلك) إلى الفصل به بين تردن ومعمولها وهو سفار وهو أجنبيّ منهما وبينه وبين عامله وهو تجد بسفار وهو أجنبي منهما، والفصل بالأجنبي بين عامل ومعمول غير جائز 133 انتهى.
وقد تقدم ذكر هذا البيت والكلام على بعض ذلك في باب المفعول المسمى ظرفا 134.
الرابع: وقد عرفت قول المصنف: وقد تبدل جملة من مفرد.
وما ذكر في الشرح من الآيات الشريفة ومن أشعار العرب مستدلّا به على ذلك ثم إن الشيخ بعد إيراده ذلك قال:
وهذا الكلام الذي انتزعه من هذه الدلائل على زعمه منازع فيه ومنازع في ما استدل به.
-
الحديث: 3229 - الجزء: 7 - الصفحة: 3417
................................
أما مسألة عرفت زيدا أبو من هو ففي الجملة الاستفهامية ثلاثة مذاهب:
أحدها: ما ذكر من أنها بدل من الاسم قبله.
والثاني: أنها في موضع الحال.
الثالث: أن عرفت ضمن معنى علمت المتعدية إلى اثنين وهو الصحيح عند بعض أصحابنا.
وأما قوله: بكلمة أتصبر فأتصبر في موضع نصب بكلمة وهو محكي لأن بكلمة في معنى بقوله فكما أن الكلام قد
يحكى به إجراء له مجرى القول فكذلك الكلمة، وأما كيف يلتقيان فليس بدلا في موضع نصب كما ذكر بل لما ذكر تباين ما بين الحاجتين مكانا استبعد التقاءهما، فقال: كيف يلتقيان على سبيل استبعاد التقائهما وتعذره.
وأما الآية الأولى: فإنه يؤدي إلى أن الحمل يسند إليها إذا يكون في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله وذلك غير جائز على مذهب البصريين.
وقد سبق لنا ذكر [4/ 146] المذاهب الثلاثة في هذه المسألة - يفرق في الثالث بين أن يكون الفعل مما يعلق نحو: ظهر لي أقام زيد أم عمرو فيجوز، أو مما لا يعلق فلا يجوز وأما الآية الثانية فـ هَلْ هذا في موضع نصب محكي بحال محذوفة أي قائلين: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ 135 كقوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا 136 أي قائلين ربنا تقبل منا، وأما بيت ابن الزبير فمن أنت محكي بقوله كلامه؛ لأن معناه سمعت قوله فهو في موضع نصب على الحكاية 137. انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
وفي ما ذكره بحث.
أما عرفت زيدا أبو من هو: فقد اعترف هو بأن في الجملة الاستفهامية ثلاثة مذاهب:
أحدها: ما ذكره المصنف وابن عصفور قد ذكر أيضا أن الجملة المذكورة بدل وأن ذلك من باب بدل الشيء من الشيء وأن التقدير: عرفت شأن زيد أبو من هو.
نعم قال بعد ذلك: إن بعضهم جعل هذا ونحوه من باب التضمين وإن عرفت -
الجزء: 7 - الصفحة: 3418
................................
ضمن معنى علمت فتكون الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني.
قال: وهو الصحيح عندي.
فغاية الأمر أن البدلية في هذا الكلام قد قال بها النحاة غير المصنف واحتمل الكلام المذكور مع ذلك وجها آخر فقيل به.
ولا شك أن قولا لا يدفع بقول.
فكيف يتجه للشيخ أن يبطل قول المصنف في مسألة بأن فيها قولا آخر يخالف ما قاله.
بل كان الواجب إبطال ذلك بدليل.
وأما قوله: إن أتصبر في موضع نصب بكلمة وهو محكي لأن بكلمة في معنى بقولة وأن الكلام يحكى به إجراء له مجرى القول فكذلك الكلمة.
فلا شك أن توجيه المصنف البدلية بأن الكلمة هنا بمعنى الكلام أقرب وأولى من قول الشيخ: إن كلمة في معنى قولة.
وأما قوله: إن «كيف يلتقيان» إنما قيل على سبيل استبعاد الالتقاء وتعذره فغير ظاهر؛ لأن هذا التقدير يقتضي انقطاع هذا الكلام عن الكلام الذي قبله وحينئذ يفوت مقصود الشاعر؛ لأن شكواه إنما هي تعذر التقاء الحاجتين لا الحاجتان أنفسهما إذ لا معنى لقول القائل: أشكو بالمكان الفلاني حاجة وبالمكان الفلاني حاجة أخرى، ويكفيك بفهم ابن جني وتخريجه فهما وتخريجا 138.
وأما قوله في الآية الشريفة أعني قوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ 139 إن ذلك - يعني تخريج المصنف - يؤدي إلى أن الحمل يسند إليها إلى آخر ما ذكره... فكلام عجيب؛ لأن المصنف لما ذكر ذلك كمل كلامه بأن قال: وجاز إسناد يقال إلى إن وما عملت فيه كما جاز إسناد قيل إليها في قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ 140 فأقام الدليل من الكتاب العزيز على صحة إسناد فعل القول إلى الجملة.
وبعد: فالشيخ جرى في ذلك على ما يقوله المغاربة في نحو: قيل زيد منطلق، وما قاله أبو البقاء لما تكلم على قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ 141 وهو أن قيل مسند إلى ضمير المصدر والتقدير: قيل هو أي قول والجملة مفسرة لذلك الضمير 142. والحق في هذه المسألة أن الإسناد إنما هو إلى لفظ الجملة والممتنع إنما هو -
الجزء: 7 - الصفحة: 3419
................................
الإسناد إلى معنى الجملة.
وقد عرف أن الإسناد اللفظي غير مختص بالاسم.
ولا تظن أن هذا نظير قولنا ضرب فعل ماض؛ لأن الاسناد هنا إلى اللفظ دون نظر إلى المعنى.
وأما في ما نحن بصدده وإن كان الإسناد فيه إلى اللفظ فمعنى اللفظ المسند إليه مقصود أيضا كما أن اللفظ مقصود.
وأما قوله في الآية الشريفة الثانية وهي: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ 143 إن هذه الجملة محكية بحال محذوفة أي قائلين: «هل هذا إلا بشر مثلكم» 144 فغير ظاهر؛ لأن المراد إظهار ما أسروه وتكلموا به قاصدين إخفاءه عن المؤمنين واستيقاف بعضهم بعضا عن اتباع النبي صلّى الله عليه وسلّم والذي أسروه هو قولهم: هل هذا إلا بشر مثلك
فالقصد من الآية الشريفة الإخبار بعين ما تكلموا به سرّا، فالنجوى التي أسروها هي هذا الكلام لا غيره.
وتخريج الشيخ لا يقتضي أن يكون الذي أسروه هو هذا، بل يقتضي أن يكون الذي أسروه شيئا آخر وأنهم أسروا ذلك حال قولهم: هل هذا إلا بشر مثلكم.
ولا شك في أن هذا يبعد أن يكون مرادا.
وانظر إلى حذق هذا الرجل - الذي هو الزمخشري - في قوله مشيرا إلى الجملة الاستفهامية «هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من النجوى» 145.
ولا شك أنه هدي في ما قاله إلى الصواب، ثم قد تبين أن المصنف لم يكن مستبدّا بالقول بأن الجملة تبدل من مفرد ولم يكن هو المنتزع لما قاله من الأدلة التي ذكرها بل قال ابن جني بذلك في شيء 146 وقال الزمخشري به في شيء آخر، وكذا قال ابن عصفور وغيره من النحاة به في الشيء الآخر 147 فكيف يقول الشيخ: وهذا الذي انتزعه - يعني المصنف - من هذه الدلائل على زعمه منازع فيه ومنازع في ما استدل به.
لم يكن هو المنتزع ولا المستدل بل المنتزع والمستدل غيره.
والذي انتزعه هو واستدل به إنما هو قوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ 148 -
الجزء: 7 - الصفحة: 3420
................................
الآية.... وقد بينّا صحة استدلاله بذلك.
وبعد.. فنقول إن إبدال الجملة من مفرد لا يظهر كونه ممتنعا وذلك أن المبدل تابع كما أن النعت تابع، وقد ثبت النعت بالجملة فما المانع من البدل.
فإن قيل:
المانع على نية تكرار العامل، والعوامل لا تسلّط لها على الجمل: فالجواب أن الجملة إذا أولت بالمفرد أعطيت حكمه.
ثم إنك قد عرفت أن العامل في البدل إنما هو العامل في المبدل منه على مذهب سيبويه 149.
وقولنا: إن البدل على نية تكرار العامل: المراد به أن البدل هو المستقل بمقتضى العامل لا أن ثم عاملا مقدرا.
وقد تقدم لنا تقرير هذا البحث في أول الباب.
وعلى هذا يتم قول ابن جني والزمخشري والمصنف ومن قال بقولهم: أن الجملة تبدل من مفسر، قال الإمام بدر الدين ولد المصنف: وكثيرا ما تبدل الجملة من الجملة إذا كانت الثانية أوفى بتأدية المقصود من الأولى كما قال:
3230 - أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا... وإلّا فكن في السّرّ والجهر مسلما 150
فأبدل «لا تقيمن» من «ارحل»؛ لأنه أوفى منه بتأدية معنى الكراهة لدلالته عليه بالمطابقة ودلالة ارحل عليه بالالتزام، ومن أمثلة ذلك في التنزيل: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ 81 قالُوا أَإِذا مِتْنا 151، وأَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ 132 أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ 152، واتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ 20 اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ 153. انتهى.
وهذا ذكره أصحاب علم المعاني، وذكروا أن الجملة المبدلة قد تنزل منزلة بدل البعض وقد تنزل منزلة بدل الاشتمال، وقرروا ذلك تقريرا حسنا 154. -
الحديث: 3230 - الجزء: 7 - الصفحة: 3421
................................
والحق أن: البدل الإعرابي بين الجمل لا يتحقق.
كيف والجملة المبدل منها قد لا يكون لها موضع من الإعراب.
وإنما المراد بذلك الإبدال اللفظي وهو الانتقال من ذكر جملة إلى ذكر جملة أخرى لوفاء الثانية بالدلالة على المقصود.
نعم إن كانت الجملة الأولى لها موضع من الإعراب أمكن أن تكون الثانية مبدلة من الأولى بدلا إعرابيّا؛ لأن الجملة التي لها موضع من الإعراب حكمها حكم المفرد.
الخامس: قد عرفت قول المصنف ويبدل فعل من فعل موافق في المعنى مع زيادة بيان - فقال الشيخ لا يلزم ما ذكره أنه يكون مع زيادة بيان بل قد يكون ذلك بالمرادف وهذا ظاهر من قوله: متى تأتنا تلمم بنا.
لأن أتاه وألمّ به مترادفان 155، ثم ذكر عن صاحب البسيط أنه قال في بدل الفعل من الفعل: اتفقوا على أنه يكون فيه
بدل الشيء من الشيء ولا يكون فيه بدل البعض لأنه لا يتبعض، واختلفوا في بدل الاشتمال فيه، فقيل: لا يكون لأن الفعل لا يشتمل على الفعل.
وقيل: يكون ومنه يَلْقَ أَثاماً 68 يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ 156.
وأما بدل الغلط فيه فجوزه سيبويه 157 وجماعة من النحويين 158، والقياس يقتضيه 159.
ثم ختم الشيخ الكلام على الباب بذكر مسألة وهي أن يقال: الأحسن أن لا يفصل بين البدل والمبدل منه وهو دون الصفة لأنه ليس من التمام فيفصل بالظرف والصفات ومعمول الفعل نحو: أكلت الرغيف في اليوم ثلثه، وقال تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا 2 نِصْفَهُ 160، ونحو ذلك والله سبحانه أعلم 161.
الجزء: 7 - الصفحة: 3422