الباب الرابع عشر باب أفعال المقاربة
الجزء: 3 - الصفحة: 1257
................................
باب «كان» لمشاركتها لها في الدخول على مبتدأ وخبر، ورفع الاسم ونصب الخبر، إلا أن هذه الأفعال يرفض فيها غالبا ترك الإخبار بجملة فعلية فلذلك أفردت بباب 4. وجملتها ستة عشر فعلا، ثمانية منها للشروع وهي طفق وهب وما بينهما نحو: طفق زيد يقرأ وهب عمرو يصلي والأصل طفق زيد قارئا وهبّ عمرو مصليا إلا أنه من الأصول المرفوضة 5، وأغرب الثمانية علق وهب.
وخمسة منها للدنو من الفعل حقيقة وأشهرها «كاد» وأغربها «أولى» كقول الشاعر [2/ 76]:
861 - فعادى بين هاديتين منها... وأولى أن يزيد على الثّلاث 6
والثلاثة البواقي للإعلام بالمقاربة على سبيل الرجاء.
وأغربها 7 «حرى» يقال:
حرى زيد أن يجيء، والتزم في غير «ندور» كون خبرها جميعا مضارعا مجردا من «أن» مع القسم الأول، لأنّ «أن» تقتضي الاستقبال، والشروع ينافيه ولا بد من مقارنة «أن» للمضارع المخبر به بعد «أولى» و «حرى» و «اخلولق» وترك ذلك بعد «كاد وكرب» أولى من فعله، وفعله بعد عسى أولى من تركه، والأمران بعد -
الحديث: 861 - الجزء: 3 - الصفحة: 1258
................................ أو شك سواء 8 وورود عسى في الرجاء كثير. وورودها في الإشفاق 9 قليل وقد اجتمعا في قوله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ 10 ومن ورودها إشفاقا قول الأسود بن يعفر: 862 - عسيتم أن تصابوا ذات يوم... كما يستشرق الخزر العقاب 11 ومنه قول الآخر: 863 - عسيتم لدى الهيجاء تلقون دوننا... تظافر أعداء وضعف نصير 12 وقال الشاعر في طفق: 864 - طفق الخليّ بقسوة يلحى الشّجي... ونصيحة اللّاحي الخليّ عناء 13 وقال آخر في جعل: 865 - وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني... ثوبي فأنهض نهض الشارب الثّمل 14
الحديث: 862 - الجزء: 3 - الصفحة: 1259
................................ وقال الآخر في أخذت: 866 - فأخذت أسأل والرّسوم تجيبني... وفي الاعتبار إجابة وسؤال 15 وقال آخر في علقت: 867 - أراك علقت تظلم من أجرنا... وظلم الجار إذلال المجير 16 وقال في أنشأ: 868 - لمّا تبيّن مين الكاشحين لكم... أنشأت أعرب عمّا كان مكنونا 17 وقال في هبّ: 869 - هببت ألوم القلب في طاعة الهوى... فلجّ كأنّي كنت باللّوم مغريا 18 وقال في هلهل: 870 - وطئنا بلاد المعتدين فهلهلت... نفوسهم قبل الإماتة تزهق 19
الحديث: 866 - الجزء: 3 - الصفحة: 1260
................................
أي كادت.
والشائع في خبر كاد وروده مضارعا غير مقرون «بأن» كقوله تعالى: كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً 20 ووروده مقرونا «بأن» قليل 21. ما جاء في حديث عمر رضي الله عنه: «ما كدت أن أصلّي العصر حتى كادت الشّمس أن تغرب» 22، ومثله قول الشاعر:
871 - أبيتم قبول السّلم منّا فكدتم... لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السّلّ 23
وقال الشاعر في خبر كرب غير مقرون «بأن»:
872 - وما أنت أم ما رسوم الدّيار... وستّوك قد كربت تكمل 24
وقال آخر:
873 - كرب القلب من جواه يذوب... حين قال الوشاة هند غضوب 25
وقال في اقترانه «بأن»: - - والشاهد قوله: (فهلهلت نفوسهم... تزهق) حيث جاءت (هلهل) دالة على المقاربة فرفع بها الاسم (نفوسهم) ونصبت بها جملة الخبر.
الحديث: 871 - الجزء: 3 - الصفحة: 1261
................................ 874 -... وقد كربت أعناقها أن تقطّعا 26 وأول البيت: سقاها [2/ 77] ذوو الأحلام سجلا على الظّما. وقال آخر 27: 875 - قد برت أو كربت أن تبورا... لمّا رأيت بيهسا مثبورا 28 وقال 29 في خبر «أوشك» غير مقرون «بأن»: 876 - يوشك من فرّ من منيته... في بعض غرّاته يوافقها 30 وقال آخر في الاقتران «بأن»: 877 - ولو سئل النّاس التّراب لأوشكوا... إذا قيل هاتوا أن يملّوا ويمنعوا 31
الحديث: 874 - الجزء: 3 - الصفحة: 1262
................................
هذا كلام المصنف 32.
وإذا جعلنا «طفق» بفتح العين لغة في طفق بكسرها كانت الأفعال خمسة عشر لا غير، وقد جعلها الشيخ أربعة عشر؛ لأنه جعل «طبق» بالباء لغة في طفق أيضا 33 وقد ذكروا أن بعض النحويين يرى أن «عسى» حرف 34 وجعلها الشيخ مسألة خلاف 35 ولا يخفي أن مثل هذا الخلاف لا يعتد به وأن القول بحرفية الكلمة المذكورة قول لا ينبغي التشاغل به لقيام الدلائل القطعية على بطلانه 36.
وقد نقل الشيخ عن بعض النحويين أنه زاد في أفعال هذا الباب أفعالا، وهي:
قارب وكارب وقرب وأقبل وطل وأشفى وشارف وقرب ودنا وآثر وقام وقعد وذهب وازدلف ودلف وأزلف وأشرف وتهيأ وطار وانبرى وألم 37، ولم يستشهد على شيء من ذلك بشيء من كلام العرب.
ثم إنه ناقش المصنف في ذكر «حرى» فقال: المحفوظ أن «حرى» اسم منون.
قال ثعلب: أنت حرى بذلك أي خليق وحقيق، قال: ونصوا على أنه يعني: حرى لا يثني ولا يجمع وقيل: إن «حرى» بمعنى «عسى» وقد فسروا «حرى» في قول الأعشى:
878 - إن تقل هنّ من بني عبد شمس... فحرى أن يكون ذاك وكانا 38
-
- ومجالس ثعلب (2/ 365)، والعيني (2/ 182)، وابن الناظم (60)، والشذور (331)، وأوضح المسالك (1/ 78)، والتصريح (1/ 206)، وابن عقيل (1/ 126) وشرح شواهده (ص 66)، والأشموني (1/ 261)، والهمع (1/ 130)، والدرر (1/ 106)، واللسان (وشك).
والشاهد قوله: «لأوشكوا أن يملوا ويمنعوا» حيث جاء خبر (أوشك) مضارعا مقترنا «بأن» وهو الكثير.
- ومجالس ثعلب (2/ 365)، والعيني (2/ 182)، وابن الناظم (60)، والشذور (331)، وأوضح المسالك (1/ 78)، والتصريح (1/ 206)، وابن عقيل (1/ 126) وشرح شواهده (ص 66)، والأشموني (1/ 261)، والهمع (1/ 130)، والدرر (1/ 106)، واللسان (وشك).
الحديث: 878 - الجزء: 3 - الصفحة: 1263
................................
بالمعنيين فقيل: إن معناه فحقيق، وقيل: فعسى.
قال الشيخ 39: فذكروا في حرى الاسم أن معناه فعسى يعني أنها للرجاء كما أن عسى للرجاء فيكون «لحرى» الاسم معنيان: أحدهما: أن معناها خليق، والثاني: وأن معناها الرجاء، قال: فهؤلاء قد فسروا «حرى» المنون الذي
هو اسم «بعسى» التي هي فعل 40. انتهى.
وثبوت «حرى» بالتنوين بمعنى خليق لا ينبغي ثبوت «حرى» فعلا بمعنى «عسى» وقد قال الشيخ: إن كان ما ذكره المصنف نقلا عن اللغويين فهو صحيح 41 ولا شك أن المصنف من الراسخين في علم اللغة، والعجب من الشيخ كونه نسب المصنف إلى أنه تصحف عليه اللفظ.
قال: فاعتقد أن «حرى» المنون غير منون وأنها فعل كما صحف في غيره 42، ولا شك في قبح نسبه ابن مالك إلى التصحيف، ولقد كان قدره أجل وأعلى فرحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه به وكرمه.
ثم قال الشيخ - نقلا عن صاحب البسيط وغيره -: والمشهور أن هذه الأفعال من أخوات «كان» لكن خبرها لا يكون إلا مضارعا يعني كما ذكر المصنف، وذهب الكوفيون إلى أن الفعل بدل من الاسم [2/ 78] بدل المصدر 43 وكأنهم بنوا هذا على أن هذه الأفعال ليست ناقصة، فالمعنى عندهم: قرب قيام زيد، وكرب خروج عمرو، ثم قدمت الاسم وأخرت المصدر فقلت: قرب زيد قيامه ثم جعلته بالفعل، وذهب بعض النحويين إلى أنه مفعول؛ لأنها في معنى: قارب زيد الفعل - - والدرر (1/ 103)، برواية (فجر)، ويروى أيضا برواية: (إن تكن هي من عبد شمس أراها) والشاهد: قوله (فحرى أن يكون ذاك) حيث عدت (حرى) من أفعال المقاربة واستعملت بمعنى: حقيق.
الجزء: 3 - الصفحة: 1264
................................
وهي تامة وهو مذهب أبي بكر خطاب 44 وتقديره: عسى زيد القيام 45، وذهب بعضهم إلى أن موضع الفعل نصب بإسقاط حرف الجر، إذ يسقط كثيرا مع «أن»، فمعنى: عسى زيد أن يقوم: عسى زيد القيام 46، ثم قال:
والقول الأول هو الصحيح.
انتهى 47.
واعلم أن خبر هذه الأفعال بالنسبة إلى اقترانه بأن وعدم اقترانه بها ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يجب فيه الاقتران، وقسم يجب فيه عدم الاقتران وقسم يجوز فيه الأمران، وهذا التقسيم ينقسم إلى ثلاثة أقسام أيضا: قسم الاقتران فيه أولى من عدم الاقتران، وقسم بالعكس، وقسم يستوي فيه الأمران، وقد عرف مما تقدم 48.
وقد عرفت من كلام المصنف في المثمن أن الأفعال التي هي المقاربة الفعل ما هو ملحق بأفعال الشروع في التجرد من (أن) وهو «هلهل» ومنها ما هو ملحق بأفعال الرجاء في عدم التجرد وهو «أولى»، ومنها ما يجوز فيه الأمران وهو «كاد وكرب وأوشك» لكن التجرد مع كاد وكرب أعرف، كما أن الاقتران مع عسى من أفعال الرجاء أعرف 49، والظاهر أن الموجب لإعطاء «هلهل» حكم أفعال الشروع في ذلك، ولإعطاء «أولى» حكم «حرى» «واخلولق» إنما هو الاستعمال أعني استعمال العرب 50، وأما أوشك فقد تقدم من كلام المصنف أن الأمرين فيها على السواء.
الجزء: 3 - الصفحة: 1265
[حديث طويل عن خبر هذه الأفعال]
قال ابن مالك: (وربّما جاء خبراهما مفردين منصوبين وخبر «جعل» جملة اسميّة أو فعليّة مصدّرة بـ «إذا» أو
«كلّما»، وندر إسنادها إلى ضمير الشأن ودخول النّفي عليها، وليس المقرون «بأن» خبرا عند سيبويه، ولا يتقدّم هنا الخبر وقد يتوسّط وقد يحذف إن علم، ولا يخلو الاسم من الاختصاص غالبا، ويسند «أوشك» «وعسى» «واخلولق» لأن يفعل، فيغني عن الخبر، ولا يختلف لفظ المسند لاختلاف ما قبله، فإن أسند إلى ضميره اسما أو فاعلا طابق صاحبه معها كما يطابق مع غيرها، وإن كان لحاضر أو غائبات جاز كسر سين «عسى»).
قال ناظر الجيش: قال المصنف: من عادة العرب في بعض ما له أصل متروك وقد استمر الاستعمال بخلافه أن ينبهوا على ذلك الأصل لأن لا يجهل، فمن ذلك جعل بعض العرب خبر «كاد وعسى» مفردا منصوبا 51 كقول الشاعر 52: في [2/ 79] أصح الروايتين.
879 - فأبت إلى فهم وما كدت آيبا... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر 53
فبقوله: «وما كدت آيبا» علم أن أصل كادُوا يَكُونُونَ 54 كادوا كائنين كما علم -
الحديث: 879 - الجزء: 3 - الصفحة: 1266
................................ «بالقود واستحوذ» أن أصل «مال واستعاد» مول واستعود 55 ومثال خبر عسى مفردا منصوبا قول العرب: «عسى الغوير أبؤسا» 56 يعني ذا بؤس، وقال الشاعر: 880 - أكثرت في العذل ملحّا دائما... لا تلحني إنّي عسيت صائما 57 وقد يجيء خبر جعل جملة اسمية: كقول الشاعر: 881 - وقد جعلت قلوص بني زياد... من الأكوار مرتعها قريب 58 وقد يجيء جملة فعلية مصدرة بإذا كقول ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: «فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا» 59. وليس المقرون بأن في هذا البيت خبرا عند سيبويه، بل هو منصوب بإسقاط -
الحديث: 880 - الجزء: 3 - الصفحة: 1267
................................
حرف الجر أو بتضمن الفعل معنى قارب.
قال سيبويه: تقول: عسيت أن تفعل.
فأن هنا بمنزلتها في قولك: قاربت أن تفعل أي قاربت ذلك وبمنزلة دنوت أن تفعل؛ واخلولقت السماء أن تمطر أي لأن تمطر، وعسيت بمنزلة اخلولقت السماء.
ولا يستعمل المصدر هنا كما لم يستعمل الاسم الذي الفعل في موضعه في قولك: بذي تسلم 60. هذا نصه.
قلت: والوجه عندي: أن تجعل «عسى» ناقصة أبدا فإذا أسندت إلى «أن والفعل» وجه بما يوجه وقوع حسب عليهما في نحو: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا 61 62 فكما لم تخرج حسب بهذا عن أصلها لا تخرج «عسى» عن أصلها (مثل) 63 وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً 64 بل يقال في الموضعين:
سدت «أن والفعل» مسدّ الجزأين 65، (ويوجه) 66 نحو فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ 67 بأن المرفوع اسم «عسى» وأن الفعل بدل سد مسد جزأي الإسناد كما يسد مسدهما لو لم يوجد المبدل منه 68، فإن البدل في حكم الاستقلال في أكثر الكلام، ومثله قراءة حمزة 69 ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم 70 بالخطاب على جعل (أن) 71 بدلا من «الذين» وسدت مسد المفعولين في البدلية كما سدت مسدهما في قراءة الباقين «ولا يحسبن» بالياء على جعل «الذين كفروا» فاعلا 72، ومثله: حتى (رئينا) 73 أنه لا حق لأحد منا في -
الجزء: 3 - الصفحة: 1268
................................ فضل 74 على رواية من رواه بالفتح في صحيح مسلم. ولا تتقدم أخبار هذه الأفعال: فلا يقال في «طفقت أفعل»: «أفعل طفقت» والسبب في ذلك أن أخبار هذه الأفعال خالفت أصلها بلزوم كونها أفعالا، فلو قدمت لازدادت مخالفتها للأصل، وأيضا فإنها أفعال ضعيفة لا تصرف لها، إذ لا ترد إلّا بلفظ الماضي، إلا «كاد وأوشك» فإن المضارع منهما مستعمل فلهن حال ضعف بالنسبة إلى الأفعال الكاملة التصرف، وحال قوة بالنسبة إلى الحروف فلم يتقدم أخبارها لتفضلها «كان» وأخواتها المتصرفة، وأجيز توسطها تفضيلا لها على «إن» وأخواتها، فيقال: طفق [2/ 80] يصليان الزيدان، وكاد يطيرون المنهزمون 75، وحكى الجوهري 76: مضارع طفق 77. ويجوز في هذا الباب حذف الخبر إن علم 78، ومنه ما جاء في الحديث النبوي الشريف: «من تأنى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد» 79 ومنه قول المرقش 80: 882 - وإذا ما سمعت من نحو أرض... بمحبّ قد مات أو قيل كادا فاعلمي غير علم شكّ بأنّي... ذاك وابكي لمقصد لن يقادا 81 أي لن يؤخذ له بقود، وقال آخر: 883 - قد هاج سار لسار ليلة طربا... وقد تصرّم أو قد كاد أو ذهبا 82
الحديث: 882 - الجزء: 3 - الصفحة: 1269
................................
والساري الأول: البرق، ومن حذف الخبر لدليل قوله تعالى:
فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ 83 فحذف الخبر وهو «يمسح» وترك مصدره دليلا عليه، وحق الاسم في هذا الباب أن يكون معرفة أو مقاربا لها كما يحق ذلك لاسم «كان» 84.
وقد يرد نكرة مختصة: كقول الشاعر:
884 - عسى فرج يأتي به الله إنّه... له كلّ يوم في خليقته أمر 85
وقد يسند «أوشك» و «عسى» و «اخلولق» إلى «أن يفعل» فيغني عن الخبر كقوله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ 86، فلو وقعت «عسى» و «أن يفعل» خبر اسم قبلها، فللمتكلم بذلك أن يضمر في «عسى» ضميرا هو اسمها أو فاعلها ويحكم على موضع «أن يفعل» بالنصب، وله أن يجرد «عسى» من الضمير، ويحكم على موضع «أن يفعل» بالرفع مستغنى به عن زائد، كما استغنى به بعد حسب عن مفعول ثان، وأوشك واخلولق مثل «عسى» في هذين الاستعمالين، فيقال: الزيدان أوشكا أن يفعلا، وأوشك أن يفعلا، والعمران اخلولقا أن يفوزا، واخلولق أن يفوزا.
أشار إلى ذلك في الثلاثة سيبويه 87 رحمه الله تعالى.
وإن أسندت «عسى» إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو إناث غائبات جاز كسر «سينها» وفتحها والفتح أشهر، ولذلك قرأ به ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، والكوفيون، ولم يقرأ بالكسر إلا نافع 88. انتهى كلام المصنف.
- - والشاهد فيه قوله: أو قد كاد حيث حذف خبر كاد لدلالة ما قبله عليه.
الحديث: 884 - الجزء: 3 - الصفحة: 1270
................................
وقد علم منه أن الضمير في خبريهما إنما هو عائد على كاد وعسى.
ثم ها هنا أمور:
الأول: كما جاء المصدر بعد «طفق» مغنيا عن الخبر؛ جاز ذلك بعد أوشك.
قال الشاعر:
885 - لأوشك صرف الدّهر تفريق بيننا... ولا يستقيم الدّهر والدّهر أعوج 89
التقدير: لأوشك صرف الدهر أن يفرق بيننا، فحذف الخبر لدلالة المصدر عليه.
الثاني: قول المصنف: «أو كلّما وندر إسنادها إلى ضمير الشأن ودخول النفي عليها» لم يتعرض إلى شرحه، وكذا الشيخ أيضا معتذرا بأن المصنف لم يشرحه.
وأقول: أما قوله: «أو كلما» فيحتاج إلى إيراد شاهده، وأما قوله: «وندر إسنادها إلى ضمير الشأن» فقد تقدم في باب المضمر أن كاد من قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ 90 أن كاد مسندة إلى ضمير الشأن في [2/ 81] قراءة من قرأ «يزيغ» بالياء 91، ولكن هذه القراءة ثابته في السبعة، فلا يوصف مثلها بالندور 92، وأما دخول النفي عليهما فكأنه يعني به ما عدا (كاد) - - الناظم (61)، وينظر في هذه المسألة أيضا شرح الألفية للمرادي (1/ 333)، والتصريح (1/ 210)، وأوضح المسالك (1/ 84)، وشرح الجمل لابن عصفور (2/ 138).
الحديث: 885 - الجزء: 3 - الصفحة: 1271
................................
من أفعال الباب المذكورة؛ لمباشرة النفي لكاد وليكاد في القرآن العزيز 93 ولكثرة ذلك في كلام العرب نثرها ونظمها.
الثالث: قد عرفت أن مذهب سيبويه في المقرون «بأن» الواقع بعد أسماء هذه الأفعال: أنه ليس بخبر وتقدم اختيار المصنف فيه أنه بدل من الاسم الواقع قبله، فتحصل لنا من ذلك أن المذاهب ثلاثة، أعني: في المقرون بأن الواقع بعد الاسم المسند إليه الفعل خبر، مفعول به، بدل.
أما كونه مفعولا به فقد نسبه المصنف إلى سيبويه كما عرفت، وغير المصنف إنما يجعل ذلك مذهب المبرد 94.
وأما كونه خبرا فهو مذهب الجمهور وهو الدائر على ألسنة النحاة والمعربين، ولا خفاء أنه المشهور 95.
وأما كونه بدلا من الاسم قبله كما اختاره المصنف، فقال الشيخ: إنه مذهب الكوفيين 96، وظاهر كلام المصنف أنه قال ذلك من قبل نفسه غير معول فيه على مذهب ومستند القائل بالمفعولية أن «أن» وما بعدها يتقدر بالمصدر ولا يخبر بمصدر عن جثة 97 ومستند القائل بالخبرية أن «أن» هنا مع ما بعدها لا يتقدر بالمصدر، لأنها إنما أتى بها لتدل أن في الفعل تراخيا، ونظير ذلك مجيئهم «بأن» في خبر «لعلّ»، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض» 98. -
الجزء: 3 - الصفحة: 1272
................................
قالوا: ومما يدل على أن المقرون «بأن» هو الخبر أنهم لما ردوه إلى الأصل نطقوا باسم الفاعل ولم ينطقوا بالمصدر نحو 99: «إنّي عسيت صائما» 100.
ومن الناس القائلين بأنه خبر من زعم أنّ «أن» والفعل يتقدر بالمصدر، وقال:
يجوز أن يخبر بأن والفعل؛ لأن المصدر قد يخبر به عن العين على جهة المجاز نحو:
زيد عدل ورضي 101، ومنه:
886 -... فإنّما هي إقبال وإدبار 102
قالوا: ومن ذلك قوله تعالى: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ 103 أي افتراء، وأما كونه بدلا فقد أبطل من أجل أنه إبدال قبل تمام الكلام، والبدل لا يتأتى كذلك؛ لأن البدل إذا خرج من الكلام كان ما بقي بعده كلاما نحو:
أعجبني عبد الله علمه، فلو اقتصر على: «أعجبني عبد الله» كان كلاما مستقلّا، ولو قيل: عسى زيد، لم يكن كلاما مستقلّا.
واعلم أن في قول المصنف: بأن «عسى» إذا أسندت إلى أن والفعل يوجه ذلك بما يوجه به وقوع حسب عليهما - نظرا 104، وذلك أن الفعل لا بد له من فاعل وإذا -
الحديث: 886 - الجزء: 3 - الصفحة: 1273
................................
كان له مفعول وجب أن يكون متميزا عن الفاعل ولا شك أنّ «أن والفعل» مع «حسب» وأخواتها إنما سدت مسد الجزأين المشتركين في المفعولية خاصة، وذلك بعد أن أسند الفعل الذي هو «حسب» مثلا إلى فاعله.
وأما «عسى» في نحو: أن يقوم؛ فلم يسند إلى فاعل: أن «أن» والفعل سدّا مسد فاعل «عسى» ومفعولها.
ولا نظير لذلك؛ لأن أن والفعل إما أن يسدّا مسد فاعل أو مفعول وإما أنهما يسدان مسدهما معا فلا نظير لذلك إلا أن يقول المصنف: لما كان الفاعل [2/ 82] والمفعول هنا أصلها المبتدأ والخبر كان حكمها حكم المفعولين في باب «ظننت» فكما سدّا مسدهما هناك سدّا هنا، وفيه بعد، لأنه لو جاز الاستغناء «بأن والفعل» عن الاسم والخبر في هذا الباب، لجاز الاستغناء بهما في باب «كان» فكان يقال: كان أن يقوم، وإذا لم يتم أنّ «أن والفعل» يسدّان مسدّ فاعل «عسى» ومفعولها لم يتم القول بالبدلية في عسى زيد أن يقوم.
لأن المصنف إنما وجه ذلك بأن البدل في حكم الاستقلال فقال: كأن المبدل منه لم يوجد فآل الأمر إلى القول بأن «أن والفعل» سدّا مسدّ الجزأين أيضا في نحو: عسى زيد أن يقوم كما سدّا مسدهما في نحو عسى أن يقوم زيد، وقد عرفت ما فيه 105.
وأما تنظير المصنف المسألة المذكورة أعني: «عسى زيد أن يقوم» على أن يقوم -
الجزء: 3 - الصفحة: 1274
................................
بدل بقوله تعالى: ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملى 106 بالخطاب في قراءة حمزة فليست الآية الشريفة نظير ما ذكره، لأن «تحسبن» قد أخذ فاعله على أن المعربين لهم توجيهات في الآية الشريفة 107 فلم يكن ما قاله المصنف متعينا، أما إذا كان الفعل الواقع بعد اسم من أسماء هذه الأفعال غير مقرون «بأن» فلا خلاف فيه أن الفعل داخل على المبتدأ والخبر.
الرابع: قد ذكر المصنف أن أخبار هذه الأفعال لا تتقدم، وأنها قد تتوسط كما عرفت ولم يشعر كلام المصنف بأن في منع تقدمها على الأفعال خلافا، لكن نقل الشيخ عن صاحب البسيط أنه قال: لا يجوز تقدم أخبار أفعال المقاربة عليها اتفاقا، وأما التوسط فلا كلام فيه، غير أن النحاة ذكروا أن الخبر إذا كان مقرونا بأن نحو:
عسى زيد أن يقوم ففي جواز توسطه خلاف، منهم من أجازه وهم المبرد والسيرافي والفارسي 108 وصححه ابن عصفور 109، ويمنع ذلك الشلوبين، فلم يجبره في عسى أن يذهب زيد، إلا أن يكون زيد فاعلا بذهب 110، وعلل ذلك بأن «عسى» غير متصرف فلا يتقدم خبره على اسمه، ورد عليه «بليس» فإنها غير متصرفة والتوسط جائز فيها بإجماع، والذي يجيز توسيطه يجيز هذا الوجه الآخر.
قال الشيخ: -
الجزء: 3 - الصفحة: 1275
................................
«وتسد أن وصلتها» في ذلك مسد الاسم والخبر كما سدت مع صلتها مسد معمولي ظننت في ظننت أن يقوم زيد 111. انتهى.
والظاهر أن «عسى» في هذا التركيب تكون تامة «فأن وصلتها» في موضع الفاعل بها، والاسم الواقع بعد الفعل الذي هو الصلة فاعل الفعل 112 واعلم أنه قد يتعين في بعض التراكيب أحد القولين لموجب كما في قوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً 113 فإنه معين أن يكون: «ربك» فاعل «يبعثك» ولا يجوز أن يكون اسم عسى، لما يلزم منه من الفصل بين «أن يبعثك» وبين مَقاماً مَحْمُوداً ب رَبُّكَ وهو أجنبي من يَبْعَثَكَ لأنه مرفوع [2/ 83] «بعسى» 114.
وثمرة خلاف المذهبين تظهر في التثنية والجمع، فعلى مذهب المبرد ومن وافقه تقول: أن يقوما أخواك وأن يقوموا إخوتك، وأن يخرجن الهندات، وعلى مذهب الشلوبين يحتم رفع ما بعد «أن وصلتها» بالفعل فلا يكون في الفعل الذي هو صلة «أن» ضمير فتقول: عسى أن يقوم أخواك، وأن يقوم إخوتك وأن تقوم الهندات 115.
قال الشيخ: «والحق أنه يحتاج في جواز التوسط إلى سماع من العرب» 116.
وهذا من الشيخ وقوف منه مع الظاهر وإذا كانت القواعد تقتضي جواز شيء فما المانع من القول به.
- (ص 218)، وأوضح المسالك (1/ 84).
الجزء: 3 - الصفحة: 1276
[حديث في عسى - نفي كاد - مضارع كاد]
قال ابن مالك: (وقد يتّصل بها الضّمير الموضوع للنّصب اسما عند سيبويه حملا على «لعلّ» وخبرا مقدّما عند المبرّد، ونائبا عن المرفوع عند الأخفش، وربّما اقتصر عليه. ويتعين عود الضمير من الخبر إلى الاسم وكون الفاعل غيره قليل، وتنفى «كاد» إعلاما بوقوع الفعل عسيرا أو بعدمه وعدم مقاربته ولا تزاد خلافا للأخفش واستعمل مضارع «كاد» «وأوشك» وندر اسم فاعل «أوشك» و «كاد» ومضارع «طفق»). قال ناظر الجيش: اشتمل الكلام على مسائل خمس: الأولى: أن العرب قالوا: عساني وعساك وعساه، فوصلوا «بعسى» الضمير الموضوع للنصب، واختلف النحاة فيه على ثلاثة مذاهب 117. قال المصنف: إذا كان معمول «عسى» ضميرا فحقه أن يكون بلفظ الموضوع للرفع نحو: عسيت ومنها وعست وعسيتم كما يقال: كنت وكنا وكنت وكنتم، وهذا الاستعمال هو المشهور، وبه نزل القرآن العزيز، قال الله تعالى: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا 118. ومن العرب من يقول: عساني وعساك، فيستغني بالموضوع للنصب عن الموضوع للرفع كقول الشاعر: 887 - ولي نفس أقول لها إذا ما... تنازعني لعلّي أو عساني 119
الحديث: 887 - الجزء: 3 - الصفحة: 1277
................................ وقول الآخر: 888 -... يا أبتا علّك أو عساكا 120 وقول الآخر: 889 - أصخ فعساك أن يهدى ارعواء... لقلبك بالإصاخة مستفاد 121 فالمتكلم بهذا وأمثاله جائز بإجماع، لكن اختلف في هذا الضمير، أهو منصوب المحل أم مرفوعه، فاتفق سيبويه والمبرد على أنه منصوب المحل، «وأن والفعل» في موضع رفع إلا أن سيبويه يجعل المنصوب اسما والمرفوع خبرا حملا على لعل، والمبرد يجعل المنصوب خبرا مقدما و «أن والفعل» اسما مؤخرا 122 وذهب الأخفش: إلى أن الضمير وإن كان بلفظ الموضوع للنصب محله رفع بعسى، نيابة عن الموضوع للرفع كما ناب الموضوع للرفع عن الموضوع للجر في نحو: أما أنا كأنت، وعنه وعن الموضوع للنصب في نحو: مررت بك أنت وأكرمته هو 123. وقول الأخفش هو الصحيح عندي لسلامته من عدم النظير، إذ ليس فيه إلا نيابة ضمير غير موضوع [2/ 84] للرفع عن موضوع له، وذلك موجود كقول الراجز: 890 - يا ابن الزّبير طالما عصيكا... وطالما عنّيتنا إليكا 124
الحديث: 888 - الجزء: 3 - الصفحة: 1278
................................
أراد: عصيت، فجعل الكاف نائبة عن التاء، ولأن نيابة الموضوع للرفع موجودة في ما أنا كأنت، ومررت بك أنت.
فلا استبعاد في نيابة غيره عنه 125، ولأن العرب قد تقتصر على عساك ونحوه، فلو كان الضمير في موضع نصب يلزم الاستغناء بفعل ومنصوبه عن مرفوعه، ولا نظير لذلك بخلاف كونه في موضع رفع فإن الاستغناء به نظير الاستغناء بمرفوع «كاد» في نحو: «من تأنّى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد» 126، ولأن قول سيبويه يلزم منه حمل فعل على حرف في العمل ولا نظير لذلك.
وقال السيرافي: وأما عساك وعساني، ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: قول سيبويه وهي أن «عسى» حرف بمنزلة «لعلّ» وذكر القولين الآخرين 127 وفي هذا القول أيضا ضعف لتضمنه اشتراك فعل وحرف في لفظ واحد بلا دليل 128، إلا أن فيه تخلصا من الاكتفاء بمنصوب فعل عن مرفوعه في نحو:
عساك أو عساكا، وفي نحو: عساك تفعل بغير «أن» ولا يخلص المبرد من ذلك 129، ويلزم المبرد أيضا مخالفة النظائر من وجهين آخرين:
أحدهما: الإخبار باسم عين جامد عن اسم معنى 130. - - (1/ 397)، وتعليق الفرائد (1049)، وشرح الرضي على الكافية (1/ 294)، وشرح الشافية للرضي (3/ 203)، وشرح شواهد الشافية (4/ 425)، والخزانة (2/ 257)، والمغني (1/ 153)، وشرح شواهده (1/ 446)، والعيني (4/ 519)، والأشموني (1/ 267). والشاهد قوله: «عصيكا»، حيث أتى بضمير النصب وهو الكاف نائبا عن ضمير الرفع وهو تاء المخاطب، وقد ذكر أبو حيان أن ذلك من باب البدل.
الجزء: 3 - الصفحة: 1279
................................ والثاني: وقوع خبر في غير موقعه بصورة لا تجوز فيه إذا وقع موقعه، وذلك أنك لو قلت في عساك أن تفعل: عسى أن يفعل إياك، لم يجز، وما لم يجز في الحالة الأصلية حقيق بأن لا يجوز في الحالة الفرعية، فتبين بأن قول أبي الحسن في هذه المسألة هو الصحيح، والله تعالى أعلم 131. هذا كلام المصنف وهو حسن إلا أن التزامه بالاستغناء بفعل ومنصوبه عن مرفوعه قد يجاب عنه بأن الخبر المحذوف للدلالة عليه، وإذا كان الخبر محذوفا استقام قول سيبويه وسلم من الخدش، وأما قوله: يلزم منه حمل فعل على حرف في العمل، فهذا إنما يلزم لو لم يكن للفعل عمل أصلا، ولكن الفعل - أعني «عسى» - ثابت غاية ما في الباب أن معمولا أوقع موقع معمول حملا على الحرف الذي هو لعل فلم يحمل الفعل على الحرف في العمل. وقد صحح النحويون مذهبه رحمه الله تعالى في هذه المسألة 132 وأبطلوا القولين الآخرين 133. أما قول الأخفش: فإن بعض العرب صرح بعد «عسى» المتصل بها ضمير النصب بالاسم مرفوعا مكان «أن يفعل»، فقال: 891 - عساها نار كأس وعلّها... تشكّى فآتي نحوها فأعودها 134
الحديث: 891 - الجزء: 3 - الصفحة: 1280
................................ قالوا: فهذا قاطع ببطلان مذهب أبي الحسن إذ قال: «نار»: بالرفع، ولو كان في وضع نصب لقال نار [2/ 85] ونصب، ومن ثم قال صاحب البسيط: ولو ظهر الخبر بغير «أن» لافتضح الأخفش. وأما قول المبرد: فإن العرب إذا أسندت «عسى» إلى «أن والفعل» استغنت عن الخبر وحصل لها التمام فكانت «أن وصلتها» فاعلا بها، وشيء آخر وهو أن فيه الخروج عما استقر «بعسى» من جعل المخبر عنه خبرا، والخبر مخبرا عنه وذلك إحالة للمعنى، وليس في قول سيبويه إلا الخروج عما استقر لها من العمل وهو أمر لفظي 135. وقال الشيخ في: 892 - طالما عصيكا 136 إن قول المصنف فيه: إنه من وضع ضمير النصب موضع الرفع غير صحيح، قال: لأن الفارسي وغيره ذكروا أن هذا من إبدال «تاء» الضمير «كافا» وهو من شاذ البدل 137، قال: ويدل على أنه من باب البدل تسكين آخر الفعل له في قولهم: عصيك، ولو كان ضمير نصب لم يسكن كما لم يسكن في «عساك» و «رماك» ولا شك أن القول بالبدل محتمل، والقول بنيابة ضمير عن ضمير محتمل أيضا، فلا يدفع أحد الاحتمالين بالآخر وأما التسكين فلا شك أنه يقوي دعوى الأخفش، لأن الضمير وإن كان ضمير نصب قد وضع موضع ضمير الرفع، وأسند الفعل إليه، فوجب إعطاء الفعل الحكم الذي يستحقه حين إسناده إلى الضمير الموضوع للرفع 138. وأما قول المصنف: وربما اقتصر عليه - فأشار بذلك إلى ما تقدم من قول القائل: 893 - يا أبتا علّك أو عساكا (5) وقول الآخر: 894 - تنازعني لعلّي أو عساني 139
الحديث: 892 - الجزء: 3 - الصفحة: 1281
................................
والحق أن الخبر محذوف ولم يمتنع حذفه، لأنها أشبهت «لعلّ»، فجاز حذفه كما جاز حذف أخبار هذه الحروف من حيث كان الكلام في الأصل مبتدأ وخبرا.
المسألة الثانية: لا بد من عود ضمير من الخبر في هذا الباب إلى الاسم، كما لا بد منه في غير هذا الباب، إلا أن الضمير في غير هذا الباب لا يشترط كونه فاعلا، بخلاف الضمير في هذا الباب فإن الفاعل لا يكون غيره إلا قلة ولا يكون ما ورد على قلة إلا مؤولا بأنه هو 140، فمن ذلك قول الشاعر:
895 - وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني... ثوبي فأنهض نهض الشّارب الثّمل 141
فجاز جعل فاعل الفعل المخبر به غير ضمير الاسم، لأن المعنى: وقد جعلت إذا ما قمت أثقل وأضعف، فصح ذلك وكذا قول الآخر 142:
896 - وقفت على ربع لميّة ناقتي... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه... تكلّمني أحجاره وملاعبه 143
فجاز هذا، لأن معناه: حتى كاد يكلمني.
أورد المصنف ذلك ثم قال: وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي: وكون الفاعل غيره قليل 144. انتهى.
وقال صاحب الإفصاح: خبر أفعال المقاربة لا يكون إلا لفاعل فعل المقاربة لا لسببه، لا تقول: طفق زيد يتحدث أخوه، لأنها إنما جاءت لتدل على أن فاعلها قد تلبس [2/ 86] بهذا الفعل وشرع فيه لا غيره ثم أول «يثقلني ثوبي» على ما -
الحديث: 895 - الجزء: 3 - الصفحة: 1282
................................
تقدم، ثم قال: ويدل على هذا أنه عطف على هذا الفعل ما هو له فقال: فأنهض، وقد يكون هذا قد صح بسبب «فأنهض» لأنه المقصود، فكأنه قال: أنهض نهض الشارب الثمل لضعفي عن حمل ثوبي، لأن الفاء تربط ما بعدها بما قبلها لما فيها من معنى السببية 145. انتهى.
وقد ناقش الشيخ المصنف في ثلاثة أشياء:
أحدها: في قوله: يتعين؛ قال: لأنه قال بعد: وكون الفاعل غيره قليل؛ فدل على أنه لا يتعين فإصلاحه أن يقول: ويكثر عود ضمير من الخبر إلى الاسم.
ثانيها: أنه جعل ذلك حكما في جميع هذه الأفعال، وقد ذكر أصحابنا أن «عسى» خاصة يجوز أن يكون الفاعل للفعل الذي هو خبرها ضمير اسمها وأن يكون سببا منه، وأنشدوا:
897 - وماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده... إذا نحن جاوزنا حفير زياد 146
برفع جهده ونصبه.
ثالثها: أنه قال: وكون الفاعل غيره قليل؛ وهو عند أصحابنا لا يجوز وتأولوا ما ورد من ذلك، وكذا قال هو «إنه إن ورد فيكون مؤولا» قال: وكلام المصنف مثبّج 147، لأنه أثبت في متن الكتاب أن كون الفاعل غير الضمير قليل، ثم ذكر أنه يكون مؤولا، وإذا كان مؤولا فلا يثبت للقلة حكم ألبتة 148. انتهى.
والجواب عن الأولى أن يقال: إن عود الضمير متعيّن قطعا سواء أكان هو الفاعل -
الحديث: 897 - الجزء: 3 - الصفحة: 1283
................................
أم غيره والقليل كون الفاعل غير الضمير، مع أنه إذا كان الفاعل غير الضمير لا بد من ضمير عائد ليحصل الربط، أعني ربط جملة (المبتدأ بالخبر) 149 فالفاعل في «يثقلني» غير الضمير وهو ثوب، وقد عاد الضمير إلى الاسم وهو الياء المضاف إليها الفاعل فإن مدلولها مدلول التاء المسند إليها جعلت 150.
وعن الثانية: على تقدير صحة رواية «جهده» بالرفع: أن المصنف لا يرى ذلك، بل يؤول هذا كما أول «يثقلني ثوبي» والتقدير: وماذا عسى الحجاج يبلغ 151، وقد عرفت أن صاحب الإفصاح أطلق القول، ولم يستثن «عسى» فكان كلامه موافقا لكلام المصنف.
وعن الثالثة: أن كون الكلام في تأويل كلام آخر لا يهمل اعتبار ظاهره فالفاعل في الظاهر هو غير الضمير، وإذا أول الكلام رجع إلى كونه الضمير فلا منافاة بين قوله:
«وكون الفاعل غيره قليل» مع أنه يؤول ما ورد من ذلك، فرحم الله تعالى الشيخ كأنه لكثرة جنوحه إلى مؤاخذة المصنف يرتكب التعسفات في إيراداته ومناقشاته.
المسألة الثالثة: مباشرة النفي «لكاد» قال المصنف في شرح الكافية 152: قد اشتهر القول بأن «كاد» إثباتها نفي ونفيها إثبات حتى جعل هذا المعنى لغزا فقيل:
898 - أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود 153
ومراد [2/ 87] هذا القائل كاد.
ومن زعم هذا فليس بمصيب، بل حكم «كاد» حكم سائر الأفعال في أن معناه -
الحديث: 898 - الجزء: 3 - الصفحة: 1284
................................
منفي إذا صحبها حرف نفي وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قال قائل كاد زيد يبكي فمعناه قارب زيد البكاء فالمقاربة ثابته والبكاء منتف فإذا قال: لم يكد يبكي، فمعناه لم يقارب البكاء، فمقاربة البكاء منفية، ونفس البكاء منتف انتقاء أبعد من انتقائه عند ثبوت المقاربة 154، ولهذا كان قول ذي الرمة:
899 - إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح 155
صحيحا بليغا؛ لأن معناه: إذا تغير حب كل محب لم يقارب حبي التغير، وإذا لم يقاربه فهو بعيد منه، فهذا أبلغ من أن يقول: لم يبرح، لأنه قد يكون غير بارح وهو قريب من البراح بخلاف المخبر عنه بنفي مقاربة البراح، وكذا قوله تعالى:
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها 156 هو أبلغ في نفي الرؤية من أن يقال.
لم يرها، لأن من لم ير، قد قارب الرؤية بخلاف من لم ير ولم يقارب 157، وأما قوله تعالى:
فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ 158 فكلام يتضمن كلامين مضمون كل واحد -
الحديث: 899 - الجزء: 3 - الصفحة: 1285
................................
منهما في وقت غير وقت الآخر 159، والتقدير: فذبحوها بعد أن كانوا بعداء من ذبحها غير مقاربين له، وهذا واضح.
وقد يكون نفيها إعلاما ببطء الوقوع، والثبوت حاصل كقوله تعالى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً 160 أي يفقهون ببطء وعسر.
وقال في شرح التسهيل: وزعم قوم أن كاد ويكاد إذا دخل عليهما نفي فالخبر مثبت وإذا لم يدخل عليهما نفي فالخبر منفي، والصحيح أن إثباتهما إثبات للمقاربة، ونفيهما نفي للمقاربة، فإذا قيل: كاد فلان يموت فمقاربة الموت ثابتة، وإذا قيل: لم يكد يموت فمقاربة الموت منفية ويلزم من نفي مقاربة الموت نفي وقوعه بزيادة المبالغة كأن قائلا قال: كاد فلان يموت فرد عليه بأن قيل لم يكد يموت، وقولك لم يكد يموت أبلغ في إثبات الحياة من قولك لم يمت، ولهذا قيل في قوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها 161 أن معناه لم يرها ولم يقارب أن يراها وفي قوله تعالى يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ 162 أن معناه لا يسيغه ولا يقارب إساغته، وقد يقول القائل: لم يكد زيد يفعل، ويكون مراده أنه فعل بعسر لا بسهولة وهو خلاف الظاهر الذي وضع له اللفظ ولإمكان هذا رجع ذو الرمة في قوله:
900 - إذا غيّر النّأي المحبّين......... البيت 163
إلى أن بدّل يكد بيجد وإن كان في يكد من المبالغة والجزالة ما ليس في يجد.
وأما قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: 71] فمحمول على وقتين، وقت عدم الذبح ووقت وقوع الذبح كما يقول القائل: خلص فلان وما كاد يخلص.
انتهى [2/ 88].
وهو كلام حسن منقح ليس فيه إلا قوله: إنّ «كاد» قد تنفي إعلاما بوقوع العمل عسيرا فإنه خلاف الظاهر كما قال رحمه الله تعالى، وقد قيل إنه رأي -
الحديث: 900 - الجزء: 3 - الصفحة: 1286
................................ ابن جني 164، وعليه خرج الآية الشريفة فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ 165 وقد عرفت أن تخريج الآية الشريفة على غير هذا، وأما استدلال المصنف على ذلك بقوله تعالى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً 166. فقد تنوزع فيه، ويقال: إن المراد من الآية الشريفة نفي مقاربة الخبر ليكون أبلغ من نفي الخبر دون المقاربة 167، وعلى هذا فلم يثبت أنها تنفي لتدل على الوقوع بعسر وبطء. المسألة الرابعة: أجاز الأخفش استعمال «كاد» زائدة 168 ومما استشهد به قوله تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها 169 وقول حسان: 901 - وتكاد تكسل أن يجيء فراشها... في جسم جرعبة وحسن قوام 170 قال المصنف: والصحيح أنها لا تزاد. وأما قوله تعالى: أَكادُ أُخْفِيها 171 فقيل في معناه: إن الساعة آتية أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية وقيل المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي 172، وقرأ أبو الدرداء وسعيد بن جبير رضي الله عنهما: (أكاد أخفيها) بفتح الهمزة من خفيت الشيء أخفيه إذا أظهرته 173، وبه فسر قول امرئ القيس: 902 - فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد 174
الحديث: 901 - الجزء: 3 - الصفحة: 1287
................................ وأما قول حسان فالمعنى فيه وصف المذكور بمقاربة الكسل دون حصوله وذلك بيّن. المسألة الخامسة: قال المصنف: ولازمت أفعال هذا الباب لفظ المضي إلا «كاد» و «أوشك» فإنهما اختصّا باستعمال مضارعهما، وكذا قال في شرح الكافية 175، وزاد بأن قال: واستعمل منهما اسم فاعل قليلا فشاهد «كاد» قول كثير. 903 - وكدت وقد جالت من العين عبرة... سما عاند منها وأسبل عاند أموت أسى يوم الرجام وإنّني... يقينا لرهن بالّذي أنا كائد 176 وشاهد موشك قوله أيضا: 904 - وقال النّاصحون تخلّ عنها... ببذل قبل شيمتها الجماد فإنّك موشك أن لا تراها... وتغدو دون غاضرة العوادي 177 ومثله قول الآخر 178: 905 - فموشكة أرضنا أن تعود... خلاف الخليط وحوشا يبابا 179
الحديث: 903 - الجزء: 3 - الصفحة: 1288
................................
انتهى 180.
وإلى هذا القليل الإشارة بقوله في الكتاب: وندر اسم فاعل أوشك وكاد 181.
واعلم أن مضارع أوشك أكثر من الماضي، ولذلك أنكر الأصمعي الماضي 182، ولكن قد حكى الخليل وغيره أوشك.
قال المصنف: «وذكر الجوهري: يطفق، ولم أره لغيره 183».
قال الشيخ: وحكى الكسائي: إن البعير يهرم حتى يجعل إذا شرب الماء مجّه، وفي شعر زهير الأمر من أوشك [2/ 89]:
906 - حتّى إذا قبضت أولى أظافره... منها وأوشك بما لم تخشه يقع 184
واستعمل في شعره أيضا أفعل التفضيل منه، قال:
907 - وما مخدر ورد عليه مهابة... يصيد الرجال كلّ يوم ينازل
بأوشك منه أن يساور قرنه... إذا سال عن خفض العوالي الأسافل 185
- والعيني (2/ 212)، وأشعار الهذليين (1293)، والأشموني (1/ 264)، والهمع (1/ 129)، والدرر (1/ 104). والشاهد قوله: «فموشكة أرضنا»؛ حيث استعمل اسم الفاعل من «أوشك».
الحديث: 906 - الجزء: 3 - الصفحة: 1289