[قال ناظر الجيش]: قيل: إنما عدل المصنف عن الاستثناء وإن وافق تبويب الأكثرين 1 لأنه أجراه على ما قبله من: باب المفعول معه، فكما بوّب لما بعد (واو مع) بالمفعول معه كذلك بوّب لما بعد (إلا) وما أشبهها بالمستثنى 2. وأقول: إنّما قال: باب المستثنى؛ لأنه يسرد تراجم الأبواب على ترتيب واحد ليكفي الإشارة إليه، في الفصل الذي قبل باب المبتدأ، حيث قال: والنصب للفضلة، وهي (المفعول المطلق) أو كذا، إلى أن قال: أو مستثنى فلا تناسب ترجمة الباب بالاستثناء؛ لأنه لم يتضمنه التقسيم المتقدم المتضمن لترتيب أبواب الكتاب، وكذلك قال - في المرفوعات - باب المبتدأ ولم يقل: باب الابتداء.
[تعريف المستثنى]
قال ابن مالك: (وهو المخرج تحقيقا، أو تقديرا من مذكور أو متروك بـ «إلّا» أو ما بمعناها بشرط الفائدة).
قال ناظر الجيش: المخرج جنس يتناول المستثنى، وغيره كالمخرج ببقية المخصصات 1 وقوله: «بـ (إلّا) وما بمعناها» يفصل المستثنى عن غيره، والأدوات التي بمعنى (إلّا) يأتي ذكرها في الباب إن شاء الله تعالى.
ولمّا كان الاستثناء ينقسم إلى نوعين: متّصل: وهو ما لو لم يستثن لدخل، ومنقطع: وهو ما لو لم يستثن لم يدخل، أتي بقوله: تحقيقا أو تقديرا، ليشمل الحدّ النوعين، فالمتصل: هو المخرج بـ (إلّا) تحقيقا نحو: قام القوم إلّا زيدا، أي أنّ اللفظ يشمله فإخراجه بالأداة محقّق.
والمنقطع: هو المخرج بـ (إلّا) تقديرا، نحو: جاء القوم إلّا حمارا، أي أنّ اللفظ الأول غير صادق عليه، لكن يقدّر دخوله فيما بعد الأداة، على الوجه الآتي بيانه 2 وقدّر إخراجه من الأول، من حيث قدّر دخوله، ثم إنّ المخرج منه قد يكون مذكورا في المتّصل والمنقطع، كالمثالين المتقدّمين 3، وهو الاستثناء التامّ وقد يكون غير مذكور، نحو: ما قام إلّا زيد، وهو الاستثناء غير التّام وسمّي المفرغ، أي أنّ العامل فرّغ فيه لما بعد (إلّا).
وإلى ذلك الإشارة بقوله: من مذكور أو متروك؛ فتقضي عبارته انقسام المخرج من المذكور والمتروك إلى التحقيق والتقدير المشار إليهما، أما المخرج تحقيقا، أو تقديرا من مذكور فواضح 4 وكذلك المخرج تحقيقا من متروك، وأما -
................................
المخرج تقديرا من متروك فلا يتضح؛ لأنّ المراد بالمخرج من متروك المفرّغ كما تقدّم، وهو من قبيل المتصل،
والمراد بالمخرج تقديرا المنقطع، فلا يجتمعان 1، وأشار بقوله:
بشرط الفائدة؛ إلى أنّه لا يستثنى نكرة من نكرة 2، ولا معرفة من نكرة 3. ولا نكرة من معرفة 4، ما لم تتحصّل الفائدة 5، فإن حصلت، وذلك بأن تكون النكرة - مخرجة أو مخرجا منها - مختصة، جاز.
ويتعلق بهذا الموضوع كلام ينتظم في مباحث:
الأوّل:
قال المصنف 6: الباء من قولي: بـ (إلّا) متعلقة بالمخرج واحترز بذلك من (إلّا) بمعنى (غير) كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 7 والتي بمعنى - - المخرج تقديرا، من مذكور: قوله تعالى ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: 157]، فإن الظن - وإن لم يدخل في العلم تحقيقا - فهو في تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر يذكره في كثير من المواضع فهو حين استثنى مخرج ما قبله تقديرا.
وينظر أيضا: الهمع (2/ 223) فقول المصنف: «تحقيقا، أو تقديرا» إشارة إلى قسمي المتصل، والمنقطع، وقوله: «من مذكور أو متروك» إشارة إلى قسمي التام والمفرغ.
................................
الواو كقوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ 1 أي: ولا الذين ظلموا 2.
قال الأخفش: والتي بمعنى (إن لم) كقوله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ 3. والزائدة كالأولى من اللتين في قول الشاعر - أنشده ابن جنّي في المحتسب 4.
1675 - أرى الدّهر إلّا منجنونا بأهله...... 5
أي: أراه منجنونا بأهله، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم.
ثم قال ابن جني: وعليه تأولوا أيضا قول ذي الرّمة: - - في هذا الموضوع بمنزلة سوى، كأنك قلت: لو كان فيهما آلهة سوى (أو غير) الله لفسد أهلهما يعني: أهل السماء والأرض، وشرح التصريح (1/ 349)، وينظر معاني القرآن للأخفش (1/ 115) تحقيق د/ فائز فارس، طبعة الكويت حيث قال: «فقوله تعالى: إِلَّا اللَّهُ صفة، ولولا ذلك لانتصب».
................................
1676 - حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة...... 1
أي: ما تنفكّ مناخة، و (إلّا) زائدة، كلّ هذا قول ابن جنّي فـ (إلا) - في هذه المواضع - غير مخرجة شيئا.
انتهى.
وهذا الاحتراز الذي أشار إليه مستغنى عنه؛ إذ لا إخراج في شيء من ذلك، إلا في التي بمعنى (غير) وقد قال - في شرح الكافية -: ولا حاجة للاحتراز من (إلّا) التي أصلها (إن لا) 2، كقوله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ 3 ولا من التي بمعنى (غير) كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 4؛ لأن السابق إلى ذهن السامع - على ذكر (إلّا) - معنى الاستثناء، فأغنى ذلك عن الاحتراز، ولا سيّما، وقد تقدّم ذكر (تخرج).
قال الشّيخ: أما احترازه من (إلا) بمعنى (غير) فكان ينبغي أن يقيّد (غير) بالصّفة؛ لأنّ (غير) يكون استثناء ويكون صفة 5. وأمّا قوله: والّتي بمعنى الواو فلا تكون (إلّا) كذلك في مذهب المحققين 6، والذي [3/ 27] استدلّ به مؤول بالاستثناء المنقطع.
وأما قوله: والتي بمعنى (إن لم) فليست توجد (إلا) البسيطة التركيب بمعنى (إن لم)، بحال، والتي في الآية الكريمة إِلَّا تَفْعَلُوهُ هي (إن الشرطية)، و (لا النافية) 7، ولم يتركّبا، بل كلّ منهما باق على موضوعه، وأما -
................................
قوله: والزائدة، وإنشاده ما أنشد فليست فيما ذكره زائدة، بل هي في (أرى الدهر) موجبة لنفي سابق، أي: والله لا أرى من الدهر إلا كذا وأمّا:
1677 - حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة
ففيه تأويلات، ذكرت في باب (كان) 1 انتهى.
وفي هذه المناقشات نظر:
1 - أما قوله: كان ينبغي أن تقيّد (غير) بالصّفة؛ فلا يحتاج إلى هذا التقييد فإن الأصل في غير (الصفة) 2 أن تكون صفة والاستشهاد بها إنّما هو بالحمل على (إلّا) فإذا قيل: هذه الكلمة بمعنى (غير) فإنما يحمل على أنها تفيد معناها باعتبار موضوعها الأصلي ولا يحمل على غيره إلا بقرينة وكيف يحمل (غير) - في كلامه - على معنى (إلّا) وهو قد قال: احترز بذلك من (إلّا) بمعنى (غير)، فلو حمل (غير) على معنى (إلا) لصار كلامه: احترز بذلك بـ (إلّا) من (إلّا) وهذا لا يقال 3.
2 - وأما قوله: (إلّا) لا تكون بمعنى الواو، في مذهب المحققين فالمصنف ما ادعى ذلك، وغايته إنّه احترز منها على تقدير صحّة مذهب الأخفش 4.
3 - وأما قوله: إن (إلّا) - البسيطة التركيب - لم توجد بمعنى (إن لم) بحال فصحيح.
وأما كون التي في الآية 5 هي (إن) الشرطية و (لا) النافية، فقد صرّح المصنف بذلك، في شرح الكافية كما تقدّم نقله عنه والظّاهر أنّ الموجود في نسخ شرح التسهيل - من قوله: والتي بمعنى (إن لم) - غلط من النسّاخ؛ لأنّ المصنف -
................................ لا يخفى عليه مثل هذا، مع أنه قد ثبت عنه في شرح الكافية ما ناقضه 1 وإذا كان الكلامان لرجل واحد، وأحدهما صحيح، والآخر لا يستقيم؛ رجع غير المستقيم إلى ما كان مستقيما، فإن قيل: وعلى تقدير الرجوع إلى قوله - في شرح الكافية -: لا حاجة إلى الاحتراز؛ لأنّ أداة الاستثناء بسيطة، وهذه مركبة؛ قيل: إنما احترز للمشابهة اللفظية إذ اللفظ بهما واحد 2. وأما قوله - فيما أنشده شاهدا على الزيادة -: إنه مولّد 3 فالمصنف إنما ذكر أنه احترز من ذلك على مذهب من يراه - إن ثبت - وقد ذكر في تأويل: 1678 - ما تنفك إلّا مناخة أربعة أقوال؛ أحدها: القول بالزيادة، فدلّ ذلك على أنه لا يرى زيادتها، إنّما نقله نقلا 4. المبحث الثاني: قال الشيخ: بدأ المصنف بـ (إلّا)؛ لأنّها أمّ الباب، لكثرة تصرّفها، إذ يستعمل ما قبلها تامّا 5، وغير تامّ 6 ولا يستعمل غيرها إلا حيث يكون تامّا 7، إلا (غيرا) فإنّها تستعمل استعمال (إلّا) إلا أنّ الغالب عليها الوصفية بخلاف (إلّا) فإنّ الغالب عليها الاستثناء وتستعمل (إلّا) بين الصّفة والموصوف، وبين الحال وصاحبها وتقع بعدها، كلّما صحّ أن تكون صفة كالجمل الاسمية والفعلية؛ لذا قال سيبويه: فحرف الاستثناء (إلّا) يعني أنه حرفه الموضوع له، الأصليّ فيه 8. -
................................
المبحث الثالث:
قال الشيخ: قدّم المصنف ذكر نوعي الاستثناء - المتّصل والمنفصل - وذكر أن الإخراج يكون بـ (إلا)، وما بمعناها ولا يستوي في الأدوات التي بمعنى (إلا) الاستثناءان، فإنّ الأفعال لا يستثنى بها المنفصل، كـ (خلا) وأختيها 1، فكان ينبغي أن يبين ذلك، إذ ظاهر كلامه التسوية 2 انتهى.
وليس هذا موضع تبيين ما يختصّ بالمتصل، وبالمنقطع من الأدوات حتّى ينبغي له ذلك، وليس أيضا في كلامه ما يقتضي عموم إدخال كلّ الأدوات في الاستثناءين، فيلزم من كلامه التسوية المشار إليها.
المبحث الرابع:
اختلف النحاة، في أنّ المستثنى - في الاستثناء المتصل - يخرج من ماذا؟ فذهب الكسائيّ إلى أنه يخرج من المستثنى منه، أي: المحكوم عليه فقط 3؛ فـ (زيد) من نحو: جاء القوم إلّا زيدا، مسكوت عنه بالنسبة إلى المجيء وعدمه، إن لم يحكم عليه بشيء، غير أنه أخرج من القوم المحكوم عليهم بالحكم المتقدم واستدلّ الكسائيّ بقوله تعالى: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى 4 وأجيب عن ذلك بأنّه جاء تأكيدا 5 فقيل: إنّ المعاني المستفادة من الحروف لا تؤكد، فلا يقال: ما قام زيد نفيا، فيؤكد معنى (ما)؛ لأنّ الحرف وضع للاختصار، والتأكيد مبني على الإطالة، فلا يجمع بينهما، والجواب الحقّ أنّ أَبى أفاد معنى زائدا، وهو أنّ معنى السجود والمفهوم من الاستثناء ناشئ عن الإباء، لا عن غيره 6 وكذا قوله -
................................
تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ 1؛ لأنّ نفي الكون يقتضي نفي الأهلية فهو أبلغ في نفي السجود المستفاد من الاستثناء لو سكت عليه.
وقد أبطل مذهب الكسائيّ بالاستثناء المنقطع، فإنّ المخرج فيه من الحكم، لا من الاسم 2، وإذا ثبت ذلك في المنقطع ثبت في المتّصل؛ لأنّ معنى (إلّا) الاستثناء في الحالين، وبقولنا: لا إله إلّا الله، إذ لو كان ما بعد (إلّا) مسكوتا عنه لم يكن في اللّفظ إثبات للمقصود.
قال الشيخ: والذي يقطع ببطلان مذهبه أنّه لا يوجد في كلامهم: قام القوم إلّا زيدا، فإنّه قام 3. انتهى.
وفي كون هذا قاطعا بالبطلان نظر؛ لأنّ مراد الكسائيّ أنّا لم نحكم عليه بالقيام لأنه أخرج بالاستثناء، فالحكم مسند إلى القوم الذين ليس فيهم زيد، ومع أنّا لم نحكم عليه بالقيام لم نحكم عليه بعدمه، بل هو مسكوت عنه فالاستثناء عنده لم يفد إلّا عدم قصده بالحكم، كأنه يقول: ليس مقصودا بالحكم ولا يلزم تلبّسه، ومقتضى كلام الشّيخ أنّه مقصود بالحكم فأخرجه من القوم المحكوم عليهم بالقيام، ثم حكمت عليه بذلك، ويقال: حيث كان مقصودا بالحكم [3/ 28] لا يصحّ إخراجه بالاستثناء، وإذا لم يصح إخراجه بطل تصور قولنا: قام القوم إلا زيدا فإنّه قام 4. وذهب الفراء إلى أنّ المستثنى يخرج من الحكم لا من الاسم 5 بدليل المنقطع كما تقدّم في الرد على الكسائي وأجيب بأنه داخل مع المحكوم عليه تقديرا، فهو مخرج منه أيضا كما تقدم أول الباب ولم ينصر الكسائيّ أن يجيب عنه بهذا الجواب أيضا وذهب سيبويه والجمهور إلى أنّ الإخراج من كليهما، أي: من الاسم -
................................
الحكم؛ فالمستثنّى مخرج من المستثنى منه وحكمه من حكمه 1.
المبحث الخامس:
أورد الشّيخ على المصنّف أنّ الظاهر من قوله: وهو المخرج من مذكور أو متروك إنّ المستثنى يخرج من الاسم، كما هو رأي الكسائيّ 2.
والجواب: أنّ مراد المصنّف أنّه مخرج من الاسم المحكوم عليه بما تقدم، فيلزم أن يكون مخرجا من الاسم والحكم، لأنه إخراج من اسم مقيد بحكم، وما كان يظهر اختباره لمذهب الكسائيّ، إلّا لو قال: وهو المخرج من كذا، دون الحكم والمحكوم به عليه، وكما نقل عن الكسائيّ أنّه قال: يخرج من الاسم، دون الحكم، أما حيث أطلق الإخراج من الاسم فلا يؤخذ إلّا مع قيده.
المبحث السّادس:
قال ابن الحاجب: الاستثناء مشكل التعقّل؛ لأنك إذا قلت: جاء القوم إلا زيدا.
لم يخل إمّا أن يكون (زيد) داخلا في القوم أو لا، (فإن كان) غير داخل لم يستقم؛ لأنّ إجماع أهل العربيّة - في الاستثناء المتصل - أنه إخراج ما بعد (إلّا) ممّا قبلها، وإجماعهم مقطوع به، في تفاصيل العربية 3.
وقال القاضي 4: لا إخراج، وقول القائل: (عشرة إلا ثلاثة) موضوع بإزاء -
................................
سبعة، وقد تبين بطلانه يعني في كتب الأصول حيث نقلوا ذلك عنه وإن كان داخلا كان الإخراج ثابتا، وهو مشكل، فإنه إذا قيل: جاء القوم، وزيد منهم، فقد وجب نسبة المجيء إليه كأنّه منهم، فإذا خرج بعد ذلك فقد نفي عنه المجيء، فيصير مثبتا، منفيّا، في حال واحدة، وهو تناقض، ولهذه الشبهة فسّر القاضي إلى مذهبه المذكور 1، والصواب الذي يجمع رفع الإشكالين أن نقول: لا نحكم بالنسب إلّا بعد كمال ذكر المفردات، في كلام المتكلم، فإذا قال المتكلم قام القوم إلا زيدا فهم القيام أولا بمفرده، وفهم القوم بمفردهم، وأنّ فيهم زيدا، وفهم إخراج (زيد) منهم، بقوله: إلّا زيدا، ثّم حكم بنسبة القيام إلى هذا المفرد الذي أخرج منه (زيد) فحصل الجمع بين المسالك المقطوع بها على وجه مستقيم وهو أنّ الإخراج حاصل بالنسبة إلى المفردات وفيه توفية بإجماع النحويّين وأنّك ما نسبت إلا بعد أن أخرجت، فلا مناقضة حينئذ.
انتهى كلامه.
وهو تقدير حسن لكن يلزم منه أنّ المستثنى يخرج من الاسم دون الحكم.
وقد تقدم أنّه مخرج منهما على مذهب سيبويه فلا يتجه ما قال ابن الحاجب لذلك.
قال الشيخ: قول المصنّف: وهو المخرج، وقول النّحاة: الاستثناء إخراج كذا - ليس بجيّد أصلا، ولا يجوز، فإنّ المستثنى ما دخل قطّ تحت الاسم الأول، ولا تحت حكمه، فيوصف بالإخراج، إذ لو دخل ما صحّ إخراجه البتّة، وإصلاح ذلك أن يقال: المستثنى هو المنسوب إليه بعد الأداة مخالفة المنسوب إليه قبلها 2، وقوله: إنّ المستثنى ما دخل تحت الاسم الأول، غير جيد إذ لو لم يكن داخلا لم يكن لذكره فائدة، والذي ينبغي أن يقال: إنّه داخل في الأول، بالنسبة إلى اللفظ دالّ عليه، وعلى غيره وضعا، لا بالنسبة إلى قصد المتكلّم.
المبحث السّابع:
قد تقدّم أنّ المصنف إنما احتاج - بعد قوله: وهو المخرج تحقيقا - إلى قوله: أو تقديرا -
................................
ليشمل الحدّ المنقطع أيضا، ووجه إخراجه تقديرا أنّه لمّا لم يتناوله لفظ المستثنى منه - كما في المتّصل - قدّر دخوله فيه، ليصدق عليه لفظ المخرج وعلى هذا فلفظ «المخرج» صادق على المنقطع كصدقه على المتّصل لكنّ المتّصل يخرج تحقيقا، لتحقّق دخوله في المستّثنى منه والمنقطع يخرج تقديرا لأنه لم يتحقق دخوله في المستثنى منه، بل هو مقدّر الدخول، كما تقدم.
والمشهور من كلام النّحاة أنّ المنقطع ليس يخرج من شيء، ولهذا قال ابن الحاجب: إنّ حد الاستثناء مشكل؛ لأنّ الاستثناء يجمع المتّصل والمنقطع، ولا يميز المتصل إلّا بالإخراج، ولا إخراج في المنقطع، وكلّ أمرين نصل أحدهما مفقود في الآخر يستحيل جمعهما في حدّ واحد، فالأولى أن يحدّ كلّ منهما على حدته، المتصل على حدته، والمنقطع على حدته 1. انتهى.
فإن عنى هؤلاء أنّ الإخراج من اللفظ لم يكن فيه مخالفة للمصنف، وإن عنوا أن لا إخراج أصلا، لا لفظا ولا تقديرا وضحت المخالفة، نعم، قد ذكر النحاة أن المنقطع ينقسم إلى قسمين: قسم يتصوّر فيه الاتصال بوجه ما من المجاز، وقسم لا يتصور فيه ذلك، كما يأتي تقريره في المبحث التاسع، فيمكن الرّجوع بقول المصنّف: إن المنقطع يخرج أيضا إلى ما ذكروه، لكنّ المصنّف جعل كل منقطع مخرجا تقديرا، وهم إنما صوّروا الاتّصال مجازا في أحد القسمين، واستأنس المصنف لما قرّره بقول ابن السّرّاج:
إذا كان الاستثناء منقطعا فلا بد أن يكون الكلام الذي قبل (إلا) قد دلّ على ما يستثنى، فتأمل هذا فإنه يدقّ، فمن ذلك قوله جلّ وعلا: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 2 فالعاصم الفاعل، ومَنْ رَحِمَ قد دلّ على العصمة والنجاة، فالتقدير - والله أعلم -: لكن من رحم يعصم أو معصوم 3.
وعلى هذا التقدير قال المصنّف: لو قلت: صهلت الخيل إلّا البعير، ورغت الإبل إلّا الفرس؛ لم يجز، لأنّ المستثنى منه لا يتناوله بوجه من الوجوه، فلا يصحّ استعماله لعدم الفائدة 4. -
................................
وأقول: ليس في كلام ابن السّرّاج، ولا فيما أشار [3/ 29] إليه المصنّف من امتناع: (صهلت الخيل إلا البعير) ما يقتضي تقدير دخول المستثنى المنقطع في المستثنى منه، غاية ما يلزم أن يكون للّفظ الأول دلالة عليه، أو إشعار به، وقد قال هو في شرح الكافية: المراد بذلك ما هو من مألوفات المذكور، كالمتاع وآثار المكان ممّا يستحضر بذكر ما قبل أداة الاستثناء فلذلك يحسن استثناء الحمار، ونحوه ممّا يألفه الناس، ولا يحسن استثناء الذئب ونحوه مما لا يألفه الناس ويحسن استثناء الظّن بعد ذكر العلم، ولا يحسن استثناء الأكل، ونحوه 1.
المبحث الثّامن:
ذكر المصنف - على مقتضى تقريره في المنقطع - صورا؛ منها: تقدير دخول الثّاني في الأول، كقوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ 2، فالظنّ مستحضر بذكر العلم لقيامه مقامه في كثير من المواضع 3.
ومنها: الفائق ما قبله مع اتحاد الجنس نحو: له عليّ ألف إلا ألفين، ووجهه أنّ المقرّ إذا اقتصر على مقدار بمنزلة المنكر غيره فكأنّه قال: له عليّ ألف، لا غير، إلّا ألفين، فهما مخرجان تقديرا، ذكر ذلك الفراء 4.
وأقول: هذا الكلام - من الفرّاء - إنّما أتى به على قاعدته، في المستثنى الفائق للمستثنى منه، وستأتي.
ومنها: قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ 5؛ لأن العباد المضافين هم المخلصون 6 فلم يكن الغاوون فيهم، فالتقدير - والله أعلم -: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا غيرهم إلّا من اتبعك، وقد يجعل -
................................
متصلا، على أن يراد بالعباد: المخلصون وغيرهم 1، والانقطاع مذهب ابن خروف والاتّصال مذهب الزّمخشريّ 2.
ومنها قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 3. على إرادة:
لا من يعصم من أمر الله إلّا من رحمه الله، وهو أصحّ الوجوه والتقدير: لا عاصم اليوم من أمر الله لأحد، أو تقول: العاصم يستدعي معصوما فكان بمنزلة المذكور، كأنّه قيل: لا معصوم عاصم من أمر الله إلّا من رحمه الله، وفي هذه الآية الكريمة أربعة أوجه:
وجهان على الاتصال؛ أي: لا عاصم إلا الراحم، ولا معصوم إلّا المرحوم.
ووجهان على الانفصال؛ أي: لا عاصم إلا المرحوم، ولا معصوم إلا الرّاحم.
ومنها: المستثنى السابق زمانه زمان المستثنى منه كقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ 4 فـ ما قَدْ سَلَفَ وإن لم يكن داخلا في المنهيّ عن نكاحه فمن الجائز أن تكون المؤاخذة به باقية، فبين بالاستثناء عدم بقائها فكأنه قيل: الناكح ما نكح أبوه مؤاخذ بفعله إلا ما قد سلف.
ومنها: قولهم: لأفعلنّ كذا وكذا إلا حل ذلك أن أفعل كذا وكذا.
مثّل به سيبويه ثمّ قال: فإنّ (أفعل كذا وكذا) بمنزلة فعل كذا وكذا 5، وهو مبني على (حل) و (حل) مبتدأ كأنه قال: ولكن حلّ ذلك أن أفعل كذا وكذا.
قال السّيرافي: (إلا) بمعنى (لكن)؛ لأنّ ما بعدها مخالف لما قبلها وذلك أنّ قوله: (لأفعلنّ كذا وكذا) عقد بين عقده على نفسه وحلّه إبطاله، ونقضه كأنّه قال: عليّ فعل كذا مقصودا لكن إبطال هذا العقد فعل كذا 6.
قال المصنّف: وتقدير الإخراج في هذا أن يجعل قوله: (لأفعلنّ كذا) بمنزلة: لا -
................................
أرى لهذا العقد مبطلا إلا فعل كذا فهذا استثناء منقطع بجملة.
وجعل ابن خروف من هذا القبيل 1 قوله تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ 2 على أن يكون مَنْ 3 مبتدأ، و (يعذبه الله) خبرا وجعل الفراء من هذا قراءة بعض السّلف 4: فشربوا منه إلا قليل منهم 5. على تقدير: إلّا قليل منهم لم يشربوا 6.
وقال المصنّف 7: ومن هذا النوع 8 قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما للشيطان من سلاح أبلغ في الصّالحين من النّساء إلا المزوّجون أولئك المطهّرون المبرؤون من الخنا» 9.
ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن كثير وأبي عمرو: إلا امرأتك إنه مصيبها مآ أصابهم 10 فهي مبتدأ وما بعدها الخبر.
وبهذا التوجيه يكون الاستثناء في النّصب والرفع من: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ 11 وهو أولى من أن يستثنى المنصوب من (أهلك) والمرفوع من (أحد.)
ومنها: (إن لفلان مالا إلا أنه شقيّ) و (ما زاد إلا ما نقص) و (ما نفع إلا ما ضرّ) و (لا تكوننّ من فلان في شيء، إلا سلاما بسلام) وهي من أمثلة سيبويه 12 ومن أمثلة غيره: جاء الصالحون إلا الطالحين، وجاء زيد إلا عمرا، وما في الأرض أخبث منه إلا أباه، فالمستثنى في هذه الأمثلة مخرج تقديرا فكأنك قلت: عدم -
................................
البؤس، ثم استثنيت من البؤس كونه شيئا وما عرض له عارض، ثم استثنيت من العارض النقض، وما أفاد شيئا إلا ضرّا ولا تعامله بشيء إلّا مشاركة، وكأن السامع توهّم مجيء غير الصالحين فأزلت توهّمه بالاستثناء وكأنك عرفت علم السّامع، بمرافقة زيد لعمرو وقدّرت أنّه توهّم أنّك اقتصرت على زيد، اتكالا على علم السّامع بمرافقتهما، فأزلت توهّمه بالاستثناء 1 وكأنك قلت: ما يليق خبثه بأحد إلا أباه.
ثم قال المصنف: وسبيلك هذا السّبيل، فيما يرد من أمثال هذا البحث 2.
المبحث التاسع:
قسّم النحاة الاستثناء المنقطع قسمين: قسم يتصوّر فيه الاتصال على جهة المجاز وقسم لا يتصوّر فيه الاتصال بحال، وبنوا عليهما اللّغة الحجازية واللّغة التّميميّة 3.
كما سيأتي في موضعه، فمثال ما لا يتصوّر فيه الاتصال بحال قوله تعالى: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى 4 فـ ابْتِغاءَ وَجْهِ ليس من جنس جزاء النّعمة، وجعلوا منه قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 5 قالوا: فالمرحوم ليس من جنس العاصم وكذا قوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ 6 ومثال ما يتصوّر فيه الاتصال على جهة المجاز: ما في الدّار أحد إلا حمارا، قالوا: ووجه المجاز في ذلك أحد أمرين: إما أن يقام الثاني مقام الأول لكون المحلّ للأوّل فلمّا وجد فيه [3/ 30] الثاني، جعل كأنّه الأول لحلوله محلّه فيجعل الحمار كأنّه (أحد)، لقيامه مقام الأحد، وذلك أنّ الدار إنّما يتخذها من يعقل من الآدميّين، فلما لم يوجد فيها إلا ما لا يعقل عومل معاملته، لقيامه مقامه، وأما أن يكون أطلق الأول على مسماه، وعلى ما يلابس مسماه، فكأنّه قال: ما في الدّار أحد، ولا ما لابسه، فأراد بالأحد الأحد، وما يلابسه، -
[الاستثناء المتصل والمنقطع]
قال ابن مالك: (فإن كان بعض المستثنى منه حقيقة فمتصل، وإلّا فمنقطع، مقدر الوقوع بعد «لكن» عند البصريين، وبعد «سوى» عند الكوفيّين).
فيكون من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورا له أو كان منه بسبب.
المبحث العاشر:
قد علم شمول الحدّ للمستثنى المفرّغ له العامل وإن كان ليس في الكلام لفظ مفرغ منه لكنّه مفرغ من العموم المفهوم من معنى الكلام المتقدم؛ لأنّ معنى: ما قام إلّا زيد: ما قام أحد إلا زيد، ولهذا ذكر النحاة أنّ تسمية هذا استثناء إنما هو بالنظر إلى المعنى، لا إلى اللفظ.
قال ناظر الجيش: لمّا أفهم قوله في الحدّ: تحقيقا أو تقديرا أنّ المستثنى نوعان 1؛ أراد أن يبين حقيقة كلّ منهما، فقال 2: إن كان المستثنى بعض ما استثني منه حقيقة فهو متصل، نحو: قام الرجال إلّا زيدا، وإن لم يكن كذلك فهو منقطع، ومنفصل، وقيد البعض تحقيقه احترازا من المنقطع المستعمل، قال: فإنه لا يكون إلا مما يستحضر بوجه ما، عند ذكر المستثنى منه، وذكر ما نسب إليه، نحو: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ 3 ولأنّ ذكر العباد 4 يذكّر بالإله الحقّ فبهذا الاعتبار 5 لا يكون المستثنى غير بعض؛ إلّا لأنّ المستثنى منه لا يتناوله وضعا 6، فإن تناوله بغير ذلك فله حظّ من البعضية مجازا، ولذلك قيل له: مستثنى، فإن لم يتناوله بوجه من الوجوه لم يصح استعماله، لعدم الفائدة، ثم مثل لذلك بما تقدّم، من: (صهلت الخيل إلّا البعير)، قال: فلو قلت: صوتت الخيل إلا البعير لجاز؛ -
................................
لأن التصويت يستحضر بذكره الخيل، وغيرها من المصوّتات، فكان لذلك بمنزلة الداخل فيما قبله.
وهذا الكلام من المصنّف موافق لكلامه في الحدّ، ولما تقدم تقديره عنه في المبحث السابع من المباحث السابقة، وقد علم ما فيه، وإنّما عدل المصنّف عن لفظ الجنسيّة إلى لفظ البعضية 1؛ لأنّ المستثنى قد يكون بعض ما هو من جنسه، هو منقطع، غير متصل، كقولك: قال بنوك، إلا ابن زيد.
قال الشيخ: وهذا الذي ذكره المصنف من أنّه إذا لم يكن 2 بعض المستثنى منه حقيقة - هو المنقطع - هو مذهب الأستاذ أبي علي 3 ورده بعض أصحابنا بقوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى 4، فالموتة الأولى هي بعض الموت، والاستثناء مع ذلك منقطع 5. انتهى.
وفي هذا الرد نظر أمّا أولا: فلأنا لا نسلّم أنّ الموتة الأولى هي بعض الموت المنفيّ؛ لأن المنفي هو الموت في الجنة، والموتة الأولى ليست بعضه قطعا 6.
ثم قال الشيخ: والصحيح أن يقال: الاستثناء المنقطع هو ألّا يكون المستثنى بعض المستثنى منه، أو يكون بعضه إلا أنّ معنى العامل غير متوجّه عليه 7. انتهى.
ثم إنّ (إلّا) - فيه - تقدر عند الكوفيين بـ (سوى)، وعند البصريين بـ (لكن) كما أشار إليه 8، وهل تقديرهما عندهم بـ (لكن) تقدير معنى، أو على أنّ -
[إعراب المستثنى بـ «إلّا»، وبيان العامل فيه]
قال ابن مالك: (وله بعد «إلّا» من الإعراب، إن ترك المستثنى، وفرّغ العامل له، ما له مع عدمها، ولا يفعل ذلك دون نهي، أو نفي صريح، أو مؤول).
(إلّا) قامت مقامها لفظا، اضطرب في ذلك كلام النحاة.
فقال أبو بكر المالقيّ: المعروف بالخفاف 1 - عند كلامه على الاستثناء المنقطع - قد تقدم أنّ الاستثناء إخراج بعض من كلّ، فكان ينبغي ألّا يجوز هذا، لأنّ الثاني بعض الأول، ولكّنّ العرب حملت - في هذا الباب - (إلّا) على (لكن) لاشتراكهما، في أصل وضعهما، في أنّ ما بعد كلّ واحدة مغاير لما قبلها، ولا يشترط في (لكن) أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، فإذا قلت: ما في الدار أحد إلا حمارا، فالمعنى: لكنّ حمارا فيها، ونقل الشيخ عن أبي الحسن بن الضائع كلاما قريبا من هذا الكلام (2)، وزاد ابن الضّائع بأن قال: إنّهم لمّا أوقعوا بعدها هذا اللفظ المفرد - كما تقع بعدها وهي استثناء - سمّوها استثناء، وإنما هي بالحقيقة استدراك، وعلى هذا هل خير أم لا، وهل يلفظ به، أو لا؟ خلاف، وسيأتي.
والمشهود إطلاق الاستثناء عليها في المنقطع، كما هي في المتّصل؛ لأنها من تمام الكلام الأول ظاهرا، وإنما تقدّر بـ (لكن) من حيث المعنى 2.
قال ناظر الجيش: قد علمت أنّ الاستثناء متصل، ومنقطع، وأن المتصل تامّ، وغير تام، وقد بدأ بذكر غير التام، وهو المفرغ 3 بقوله: وله أي: وللمستثنى، وأشار بذلك إلى أن المستثنى بـ (إلا) يقام في اللفظ مقام المستثنى منه، إذا لم يذكره 4، -
................................
ويفرّغ العامل، لما بعد (إلا) نحو: ما جاءني إلا زيد 1، وما لاقيت إلا عمرا، وما مررت إلا بعمرو، فيعرب ما بعد (إلا) بما كان يعرب به دونها؛ لأنه صار خلفا عن المستثنى منه حين ترك، وفرغ عامله لما بعد (إلا).
وإنما شرط تفريغ العامل للمستثنى - مع ترك المستثنى منه - احترازا من أن يترك، ولا يحصل تفريغ، نحو: ما قام إلا زيدا إلا عمرا، وما قام زيد إلا عمرا [3/ 31] فإنّ الأصل في المثال الثاني: ما قام زيد، ولا غيره، وعمرا، مستثنى منصوب من غيره المحذوف.
وأمّا المثال الأول فقال المصنف: أصله ما قام أحد إلا زيدا إلا عمرا، فإن أراد أنّ (أحد) فاعل، و (إلّا زيد) بدل منه؛ فغير واضح 2، وإن أراد أنّ (قام) وإن فرّغ (زيد)، لكنّه لم يفرّغ لـ (عمرو)، فواضح 3، ويصدق حينئذ على المثال المذكور أنّ المستثنى منه ترك فيه ولم يفرغ العامل بالنسبة إلى (عمرو).
وقوله: ولا يفعل ذلك دون نهي... إلى آخره؛ إشارة إلى أنّه لا يترك المستثنى منه، ويفرّغ عامله لما بعد (إلا) دون وجود نهي صريح، أو مؤول 4، فمثال النّهي الصريح قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ 5، ومثال النفي الصّريح قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ 6، وأراد المصنف بالنّهي المؤوّل -
................................
الشرط الذي فيه معنى النهي كقوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ 1، وأراد بالنّفي المؤوّل الاستفهام الذي فيه معنى النّفي، كقوله تعالى: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ 2.
قال المصنف 3: ومنه - أي من النفي المؤوّل زيد غير آكل إلا الخبر، وقوله تعالى: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ 4؛ لأن يَأْبَى بمعنى لا يريد، ومنه - أيضا - قوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ 5؛ لأنّ المراد بالكبير هنا الصعوبة، فكأنه قيل: لا يسهل إلّا على الخاشعين.
والحاصل: أنّ المستثنى منه لا يحذف مع إيجاب محضن؛ لأنّه يلزم منه الكذب، ألا ترى أنّ حقيقة قولك: نظرت إلا عمرا: عم نظري الناس إلا عمرا، وذلك غير جائز، بخلاف: لم أر إلّا زيدا، فلو كان في الإيجاب معنى النّفي عومل معاملته، نحو: عدمت إلا زيدا، وصمت إلا يوم الجمعة، فإنّ المعنى لم أجد، ولم أفطر.
ويتعلق بما تقدم أبحاث:
الأول:
يرجح الشيخ 6 قول المصنف - في الألفية -:
وإن يفرّغ سابق إلا لما...... بعد...
على قوله - هنا -: وفرّغ العامل له.
قال: لأنّ المفرغ قد يكون غير عامل، نحو: -
................................
ما في الدار إلا عمرو، فـ (في الدّار) هو المفرغ، والعامل في (عمرو) الابتداء.
الثاني:
قد علم - ممّا تقدم - أنه إذا لم يذكر المستثنى منه فقد يفرّغ العامل فيكون الحكم كما تقدم، وقد لا يفرغ، فينصب ما بعد (إلّا) على الاستثناء، لكنّه يتعين القول بالتفريغ إذا أدّى عدم القول به إلى حذف ما لا يجوز حذفه، ولا يتعين في غير ذلك، بل يجوز، فعلى هذا ما قبل (إلّا) إمّا أن يقتضي مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا، فإن اقتضى منصوبا، أو مجرورا جاز التفريغ، نحو: ما ضربت إلا زيدا، وما مررت إلّا بعمرو، وجاز أن يكون المفعول محذوفا؛ لأنه فضلة، فينصب ما بعد (إلّا) على الاستثناء من المحذوف، نحو: ما ضربت إلّا زيدا، وما مررت إلا عمرا، أي: ما ضربت أحدا، وما مررت بأحد 1، ومنه قول الشاعر:
1679 - نجا سالم، والنفس منه بشدقه... ولم ينج إلّا جفن سيف ومئزرا 2
أي: لم ينج شيء، وإن اقتضى مرفوعا، وكان غير فاعل، جاز التفريغ، والنصب على الاستثناء، نحو قول الشاعر:
1680 - هل هو إلّا الذئب لاقى الذّيبا 3
روي بالوجهين، فالرفع على التفريغ، والنصب على تقدير: هل هو شيء إلا الذيب، هذا مثال حذف مرفوع هو خبر، ومثال حذف مبتدأ قول الشاعر: -
................................
1681 - يطالبني عمرو ثمانين ناقة... وما لي يا عفراء إلّا ثمانيا 1
وإن قدّرت (ما) استفهامية، فلا حذف 2، وإن كان المرفوع المقتضي فاعلا وجب التفريغ، ولم يجز نصب ما بعد (إلّا) على الاستثناء، نحو: ما قام إلّا زيد 3؛ لأنّ الفاعل لا يحذف، ولمّا كان الكسائي يجوّز حذفه أجاز هذا النّصب على الاستثناء والرفع على البدل، وقد يقوي مذهب الكسائي قولهم 4: ما قام إلّا هند، بحذف التاء من الفعل، إلّا أن يعلل أنّه في معنى كلام لا يلحق التاء فعله، وهو: ما قام أحد إلّا هند، وليس بالقويّ.
الثالث:
التفريغ يأتي في جميع المعمولات، من فاعل، ومفعول، ومجرور، وظرف، وصفة، وحال، ولم يستثنوا إلّا المصدر المؤكد 5؛ إذ لا فائدة فيه؛ لأنّه بمنزلة تكرار العامل، فلا يجوز: ما قمت إلّا قياما، لأن يصير المعنى: ما قمت إلّا قمت، وأمّا قوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا 7 فمؤوّل، ومن التفريغ باعتبار الصفات قولهم: ما جاءني أحد إلّا قائم، وإلا أبوه قائم، إذا جعلت الوصف جملة، ومنه:
وما مررت بأحد، إلّا زيد خير منه، يعني أنّ (زيدا) خير من جميع من مررت به.
الرابع:
أورد الشيخ على قول المصنّف أنّ الإيجاب إذا كان فيه معنى النفي عومل -6
[حذف عامل المتروك]
وقال ابن مالك: (وقد يحذف - على رأي - عامل المتروك).
معاملته، نحو: عدمت إلّا زيدا، وصمت إلّا يوم الجمعة، إنّ هذا الّذي ذكره سائغ تقديره في كلّ موجب؛ إذ ما من فعل موجب إلّا ويمكن نفي نقيضه فيقدّر: قائم إلّا زيد بـ: لم يفعله - أي القيام - إلّا زيد.
1 انتهى.
والجواب: أنّ الّذي أشار إليه المصنف كلّ فعل إذا فسّر مدلوله كان نفيا، فإنّ مدلول (عدمت): لم أجد، ومدلول (صمت): لم أفطر، وأما المثال الذي مثّل به الشيخ فلا يصحّ كونه من هذ القبيل؛ لأنّ مدلول (قام) أمر ثابت، وأما نفي القعود فمن لازمه وإذا كان كذلك يلزم من صحة: عدمت إلّا زيد: قام إلّا زيد 2.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 3: أشرت بذلك إلى قول الشاعر:
1682 - تنوط التميم وتأبى الغبو... ق من سنة النّوم إلّا نهارا 4
يصف امرأة بالنّعيم، وكثرة الرّاحة، فهي تأبى أن تغتبق، أي: تغتذي بالعشيّ، لئلّا يعوقها عن الاضطجاع للرّاحة، ثمّ قال: إلّا نهارا، يريد: لا تغتذي الدهر إلّا نهارا، هذا معنى قول الفارسي، وأولى من هذا التقدير أن يكون أراد: تأبى الغبوق والصبوح إلّا نهارا، فحذف المعطوف، وأبقى المعطوف عليه وهو كثير 5.
[الاستثناء التام وأحكامه]
قال ابن مالك: (وإن لم يترك المستثنى منه فللمستثنى بـ «إلّا» النصب مطلقا بها لا بما قبلها، معدّى بها، ولا به مستقلّا، ولا بـ «أستثني» [3/ 32] مضمرا، ولا بـ «أن» مقدرة بعدها، ولا بـ «إن» مخففة، مركبة، منها ومن «لا» و «إلا» خلافا لزاعمي ذلك، ووفاقا لسيبويه، والمبرّد والجرجانيّ).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على الاستثناء المفرغ، شرع في الاستثناء التامّ، وهو أن يكون المستثنى منه مذكورا، وحكم المستثنى فيه النصب، سواء كان الاستثناء متصلا 1 أم منقطعا 2، بعد كلام موجب، أو منفيّ، قدّم المستثنى على المستثنى منه، أو أخّر، ولهذا قال: مطلقا، وإن شارك النصب على الاستثناء غيره، في بعض الصّور بشروط، كما سيأتي، وقيّد الاستثناء بـ (إلا)، كما قيّد في المفرغ؛ لأن الكلام - في هذا الفصل - إنما هو فيه، وقال المصنف: نبهت بقولي: مطلقا على أن المستثنى بـ (إلّا) إذا ذكر المستثنى منه ينصب في الموجب وغيره، لكن في الموجب لا يشارك النّصب، وفي غير الموجب يشاركه البدل راجحا ومرجوحا 3.
قال الشّيخ: قوله: في الموجب لا يشارك النصب - ليس بصحيح؛ لأنّه يشاركه النعت على ما تبين، وقد ذكر هو ذلك 4.
والجواب: أنّ كلام المصنف إنّما هو في ذكر المخرج، لتقدّم ذكره، وعود الضمير عليه في قوله: وله بعد (إلا) من الإعراب إن ترك إلخ، وإن لم يترك المستثنى منه فهو قسيم لقوله: ترك، وكلاهما داخل تحت قوله: المخرج، ومعنى الاستثناء والبدل بالنسبة إلى الإخراج واحد، أما النعت فلا إخراج فيه؛ بل هو من باب آخر، وحكمه في المعنى مغاير للمقصود هنا، فكيف يصحّ قول الشيخ: لأنه يشاركه النعت؟ ثم إنّ المصنف ذكر الخلاف في الناصب للمستثنى بـ (إلا) واختار مذهبا، -
................................
وطول في الاستدلال على مختاره، واستنباطه من كلام سيبويه، فيشار إلى ذلك على سبيل الاختصار؛ لأن الخطب فيه يسير، والأمر سهل.
والمذاهب التي ذكرها المصنف في العامل ستة:
أحدها: أنّ العامل (إلّا) نفسها، وهو مختاره 1، ونسبه إلى سيبويه 2، والمبرد 3، والجرجانيّ 4.
الثاني: أنّ العامل ما قبل (إلّا) معدّى بها، ونسبه إلى السيرافي 5.
الثالث: أنّ العامل ما قبل (إلّا) على سبيل الاستقلال، ونسبه إلى ابن خروف 6.
الرابع: أن العامل (أستثني) مضمرا بعد (إلّا)، نسبه إلى الزّجاج 7.
الخامس: أنّ العامل (أنّ) مقدرة، ونسبه إلى الكسائيّ 8.
السادس: أنّ العامل (أن) المخففة، و (لا) فـ (إلّا) مركبة منهما، ونسبه -
................................
إلى الفرّاء 1.
قال غير المصنف: فإن نصبت ما بعدها غلبت حكم (أنّ) والحرف محذوف، وإن رفعت غلبت حكم (لا) فعطفت.
وقد ردّ السادس 2: بأنّ فيه إدغاما لتركيب، ولا دليل عليه، وأنّه لو صحّ التركيب لم يصحّ العمل الّذي كان قبله؛ لأنّ المعنى قد تغيّر معه، وكلّ مركب تغير معه المعنى يتغير معه الحكم، كما في (إذ ما) و (حسبما) وبأنّه غير مستقيم لفظا ومعنى، أمّا اللفظ فلأنّك لو لفظت به لم يستقم، وأمّا المعنى فعلى خلاف ذلك 3.
وقد ردّ الخامس 4: بأنّ (أن) لا تضمر، وبأنّه كان يجب النصب أبدا 5، وبأنّه دعوى لا يقوم عليها دليل، وبأنه يلزم أن يكون لها عامل يعمل فيها؛ لأنّها مع ما تعمل فيه في تأويل المصدر، فيجعل العامل فيها عاملا فيما قدّرت من أجله، ويستغنى عنها.
وردّ الرابع 6: بأنّ فيه مخالفة النظائر؛ إذ يجمع بين فعل وحرف يدلّ على معناه، لا بإظهار، ولا بإضمار، ولمنافاة قصدهم بوضع الحرف وهو الاختصار 7. -
................................ وردّ الثالث 1: بأن «إلّا» لها اقتضاء في المستثنى؛ لأنها لو حذفت لم يكن لذكره معنى، فلو لم تكن عاملة، ولا موصلة عمل ما قبلها إليه - أي: المستثنى - مع اقتضائها إياه لزم عدم النظير 2، والذي دعا ابن خروف إلى هذا الرأي انتصاب (غير) على الحال 3، وفيه معنى الاستثناء، كما أنّ (ما عدا) و (ما خلا) مصدران 4 بمعنى الحال 5، وفيهما معنى الاستثناء. اه. وسيأتي الكلام في نصب (غير) وفي مواضع (ما خلا) ونحوه 6. وأما المذهب الأول: وهو الذي ذكره المصنف - فقد طوّل فيه، استنباطا واستدلالا والذي ذكره يحتمل التأويل والرد، ولا فائدة في التطويل، وكون «إلّا» هي العاملة فقط مذهب مرجوح 7، ونحن نتحاكم إلى المصنف، بما قرره في باب المفعول معه، من أنّه لو كانت الواو هي الناصبة لوجب اتصال الضمير إذا وقع مفعولا معه، ومن الضرورات قول الشاعر: 1683 - فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة... تكون وإيّاها بها مثلا بعدي 8
................................
على أنّ المصنف قد اعتذر عن انفصال الضمير بعد (إلّا) بما ليس بالقوي 1، وقد ذكروا - في هذا المذهب - أنّه ليس لنا حرف ينصب فقط، وإنّ الحرف العامل في الاسم حقّه أن يعمل ما اختصّ الاسم به وهو الجرّ 2.
وأمّا المذهب الثاني: وهو أنّ العامل ما قبل (إلّا) بواسطة (إلّا) فهو أقوى المذاهب المذكورة، وأرجحها 3 وهو رأي الجمهور (4)، وعزاه جماعة إلى سيبويه 4، ونظّروه بالمفعول معه، فإنّ العامل فيه ما قبل الواو، وبواسطتها، وهو الصحيح 5، وقد ردّه المصنّف بصحة تكرير الاستثناء، نحو: قبضت عشرة إلّا أربعة إلّا درهما إلّا ربعا، إذ لا فعل في المثال المذكور - إلّا (قبضت)، فإذا جعل معدّى بـ (إلّا) لزم تعديته إلى الأربعة بمعنى الحطّ، وإلى الدّرهم بمعنى الجبر، وإلى الرّبع بمعنى الحطّ، وذلك حكم بما لا نظير له، فإنّه استعمال فعل واحد، معدّى بحرف واحد، على معنيين متضادين».
اه 6.
والجواب: أنّ (إلّا) - في هذا الكلام - ليست بمعنى الحطّ فقط؛ وإنما جاء إدخال الدرهم في الحكم، من جهة أنه مستثنى [3/ 33] من منفيّ فهو مثبت، فـ (إلّا) حطته من الأربعة الخارجة، فلزم دخوله في الحكم لذلك 7، ومما ردّ به المصنف هذا المذهب قولنا: قاموا إلا زيدا إلّا عمرا، فإنّ الثاني موافق للأول، في المعنى، فإن جعلا منصوبين بالفعل، معدّى إليهما بـ (إلّا) لزم من ذلك عدم النظير؛ إذ ليس في الكلام فعل معدّى بحرف واحد، إلى شيئين، دون عطف، فوجب اجتنابه».
اه 8. - - ديوان الهذليين (1/ 159)، وشرح التصريح (1/ 105)، وفي ديوان أبي ذؤيب (ص 33).
والشاهد فيه: اتصال الضمير - إياها - شذوذا، بواو المعية، والأصل ألا يتصل الضمير بها؛ لأنها ليست الناصبة بنفسها.
[حكم المستثنى المتصل في الكلام التام المنفي]
قال ابن مالك: (فإن كان المستثنى بـ «إلّا» متصلا، مؤخّرا عن المستثنى منه المشتمل عليه نهي أو معناه، أو نفي، صريح أو مؤول، غير مردود به كلام، تضمّن الاستثناء اختير فيه - متراخيا - النصب، و - غير متراخ - الإتباع إبدالا عند البصريين، وعطفا عند الكوفيين).
ويمكن الجواب عنه بأن يقال: لا تسلم أنّ مدلول (إلّا) الثانية، في هذا التركيب مدلول (إلّا) الأولى، فيلزم ما قاله، ولو كان مدلولها كالأولى وجب العطف، ونحن نعقل الفرق بين قولنا: قاموا إلّا زيدا إلّا عمرا، وقولنا: قاموا إلّا زيدا، وإلّا عمرا؛ لأن (إلّا) - مع العطف - أخرجت زيدا وعمرا من القوم، فمدلول الأولى والثانية واحد 1، ولذا احتيج إلى العطف، وأمّا مع عدم العطف فليس مدلولها واحد؛ لأنّ الثانية أخرجت عمرا من قوم ليس زيد منهم، ولا يلزم ما ذكره المصنف، وليعلم أنّ صاحب الكتاب وغيره ذكروا الخلاف في المسألة، ولم يفرقوا بين المتّصل 2، وقال ابن الحاجب - بعد ذكر الخلاف وتقريره: وإنّما هذا في الاستثناء المتّصل، فامّا المنقطع فالعامل فيه نفس (إلّا)؛ لأنّها تعمل عمل (لكن) ولها خبّر مقدّر على حسب المعنى 3، ومنهم من يقول: إنّه يظهر 4 ومنهم من يجعله إذا كلاما مستأنفا.
اه.
وقد تقدّم أنّ تقدير (إلّا) بـ (لكن) في المنقطع، هل هو تفسير معنى، أو على أنّ (إلّا) قامت مقامها لفظا، والأوّل 5 أظهر؛ فعلى هذا لا فرق بين المتّصل والمنقطع، بالنسبة إلى ما يدعى كونه عاملا، وقد صرّح سيبويه بذلك.
قال ناظر الجيش: تقدّم أنّ المستثنى بـ (إلّا)، إذا ذكر المستثنى منه ينصب مطلقا، وأنّه قد يشارك النصب في بعض الصّور، والغرض الآن تبيّن مواضع -
................................
المشاركة، فإن تعينت علم أنّ النصب متعين لما سواها، وبدأ المصنف بذكر المتصل؛ لأنّ البدل فيه راجح، بشروط، وأخّر الكلام على المنقطع؛ لأنّ النصب فيه راجح، أو واجب.
واشترط في جواز البدل مع الاتصال ثلاثة شروط: تأخير المستثنى عن المستثنى منه، وأن يشتمل على المستثنى منه نفي أو نهي، وأن يكون الكلام داخلا عليه النفي غير مردود به كلام تضمن الاستثناء.
أمّا الشرط الأول فواضح، وحكم المستثنى إذا قدّم النصب، وله حكم آخر، يأتي الكلام عليه.
وأما الشرط الثاني فاحترز به من الموجب، نحو: اذهبوا إلّا زيدا، وسيظفرون إلّا عمرا، والموجب من الكلام في الاستثناء ما كان الكلام بعد (إلّا) مثبتا فيه، فيدخل الأمر، والتخصيص، وإن كانا - في الجواب بالفاء، والنيابة عن الشرط - غير واجبين، ويدخل الشّرط أيضا، وقد ذكر مثال الخبر والأمر، وأما التخصيص فكقولك: لولا خاصمت القوم إلّا زيدا، ومثال الشّرط: إن قام القوم إلّا زيدا، ومثال النهي: لا يقم أحد إلّا زيد، وأمّا معنى النّهي فكقول عائشة - رضي الله تعالى عنها -: «نهى عن قتل جنان البيوت إلا الأبتر وذو الطفيتين» 1 التقدير:
لا تقتل جنان البيوت إلّا الأبتر، وذو الطفيتين 2.
ومثال النفي الصّريح: ما قام أحد إلا زيد، ومثال المؤول قوله تعالى:
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ 3، وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا -
................................
الضَّالُّونَ 1. فإن (من) استفهام في اللفظ ونفي في المعنى، والبدل من الضمير في (يغفر) ومن الضمير في (يقنط) وأكثر ما يكون معنى النّفي في الاستفهام إذا كان بـ (هل) أو (من) وقد يكون في الاستفهام بـ (أيّ) ولذلك عطف بعدها بـ (إلّا) في قول الشّاعر:
1684 - فاذهب فأيّ فتى في النّاس أحرزه... عن حتفه ظلم «دعج» ولا جبل 2
ومن النّفي المؤوّل: قلّ رجل يقول ذلك إلّا زيد وكذا: أقل رجل يقول - إذا قصد بهما النفي - 3.
قال الشيخ: وارتفاع (زيد) على أنّه بدل من الضمير المستكن في المثالين؛ لأنّ المعنى: ما يقول ذلك إلا زيد، ولا يجوز أن يكون المستكن بدلا من (رجل) في (قلّ رجل)؛ لأن (قلّ) لا تعمل إلّا في النكرة ولا تعمل إلا في منفيّ، ولا من (أقلّ) في (أقل رجل)؛ لأن (أقلّ رجل) لا يمكن تعريفه 4 كقولك: إلا زيد، وإن أريد بـ: (قلّ رجل) أو (أقلّ رجل) التعليل، لا النّفي المحض، فمذهب ابن خروف أنه لا يجوز في (إلا زيد) النصب للإيجاب 5. وأجاز السيرافي البدل؛ لأنه نفي للتكثير، فالمعنى: ما يقول ذلك كثيرا إلا زيد 6. اه.
ولا يعد فيما أجازه السيرافي، ومن النفي المؤول قراءة بعض السلف 7 فشربوا -
................................ منه إلا قليل منهم 1 لأنّ قبله فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي (2)؛ فلذلك صار فَشَرِبُوا مِنْهُ بمعنى: لم يتركوه [3/ 34] فلم يكونوا منه 2 ومنه أيضا ما أنشده الأخفش: 1685 - لدم ضائع تغيّب عنه... أقربوه إلا الصبا والجنوب 3 وكذلك قول الآخر: 1686 - وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر، إلّا النؤي والوتد 4 لأنّ (تغيّب) بمعنى: لم يحضر، (وتغير) بمعنى: لم يبق على حاله 5. ونقل الشيخ في إعراب: قليل منهم أن يكون مبتدأ، والخبر محذوفا وهو رأي الفراء 6 وأن يكون إلا قليل صفة للضّمير في: شربوا 7 على رأي من يجوّزه 8، وهو ابن عصفور، وأن يكون إلا قليل بدلا من الضمير، -
................................
فتكون (إلّا) محكوما لها بحكم (غير) ثم قال: وما ساغ من التأويل في الآية الكريمة 1 ساغ في التبيين.
اه.
2.
قال المصنف 3: وقلت: المشتمل عليه ولم أقل: الكائن معه أو نحو ذلك؛ تنبيها على أنّ النهي والنفي قد يوجد ولا يكون له حكم لكونه منقوصا نحو:
لا تأكلوا إلّا اللحم إلا زيدا، وما شرب أحد إلا الماء إلا عمرا، فإن هذا، وأمثاله بمنزلة ما لا نهي فيه ولا نفي إذ المراد: أكلوا اللحم إلا زيدا، وشربوا الماء إلا عمرا.
انتهى.
ولو قلت: ما شارب أحد إلا الماء إلا زيد رفعت، إما على الخبريّة عن (شارب) وإما على الابتدائيّة وهو أولى.
قال ابن عمرون 4: فإن لم تجعل للمبتدأ خبرا، كما في: أقائم الزيدان ما أرى لمنع نصب (زيد) وجها.
انتهى 5.
والظاهر أنّ نصبه متعين ثم قال المصنف - بعد تمثيله بما تقدم -: ومنه:
ما مررت بأحد إلا قائما إلّا أخاك، ذكره الفارسيّ في التذكرة 6، وقال: لا يجوز كون (قائم) صفة لـ (أحد) لأنّ (إلّا) لا تعترض بين الصفة والموصوف، ولا كونه حالا من التاء؛ لأنه يصير المعنى: مررت قائما بأحد، وهو لا يجوز، فكذا ما في معناه، وإذا بطل هذا ثبت أنّ (قائما) حال من (أحد) منصوب؛ لأنّه بعد إيجاب.
ونقل الشيخ عن ابن هشام 7 تمهيد هذه القاعدة وتقريرها بالأمثلة واستطرد إلى أن قال: تقول: ما أتاني بنو محمد، إلّا بنو جعفر، إلا خالدا، فنفيت عن بني محمد الإتيان سوى بني جعفر، وأوجبته لبني جعفر ثم أخرجت (خالدا) وهو منهم - مما أدخلتهم فيه من الإتيان فلم يكن فيه إلّا النصب، لا غير، وعكس هذه - - صفة للضمير».
اه.
................................
المسألة: أتاني بنو محمد إلا بنو جعفر إلا خالد، برفعه حملا على المعنى؛ لأنك لما استثنيت من إيجاب نصبت، كما قدمنا، فـ «بنو جعفر» قد تغيب عنهم الإتيان وكأنك قلت: ما أتاني (بنو جعفر) ثم استثنيت منهم خالدا فأدخلته فيما نفيته فصار موجبا له بعد نفي 1. انتهى.
وفي المثالين اللذين ذكرهما ابن هشام 2 نظر؛ فإنّ الظاهر فيهما الانقطاع وكلاهما إنما هو في المتصل إلا (أن) 3 يريد الاتصال بتأويل.
وأما الشرط الثالث: وهو أن يكون غير مردود به كلام تضمن الاستثناء فاحترز به عن رد قول القائل: قاموا إلا زيدا، وأنت تعلم أنّ الأمر بخلاف ذلك، فتدخل النفي وتأتي بالكلام، مثل ما نطق به المردود عليه، فتنصب (زيدا) ولا ترفعه؛ لأنك لم تقصد معنى: ما قام إلا زيد، وكذا إذا قال: لي عندك مائة إلا درهمين، وأردت جحد ما ادعاه، فإنك تقول: ما لك عندي مائة إلا درهمين، كأنّك قلت: ما لك عندي الذي ادّعيته، ولو رفعت الدرهمين كنت مقرّا بهما، جاحدا لثمانية وتسعين؛ لأنّ المستثنى المبدل ممّا قبله في حكم الاستقلال فكأنّك قلت - إذا رفعت -: مالك عندي إلا درهمان 4، وهذه الثلاثة شروط جواز البدل.
وبقي لرجحان النصب على الاستثناء شرط رابع: وهو ألا يتراخى، أي: يتباعد ذكر المستثنى، عن ذكر المستثنى منه نحو الأمثلة المتقدمة فإن حصل التراخي كان النصب على الاستثناء راجحا، والبدل مرجوحا وذلك نحو قولك: ما ثبت أحد في الحرب ثباتا نفع الناس إلا زيدا، ولا تنزل على أحد من تميم إن وافيتهم إلا قيسا 5؛ لأنّه إنّما رجح الإتباع في غير الإيجاب على النّصب؛ لأنّ معناه ومعنى النّصب واحد، وفي الإتباع تشاكل اللفظين، وهو مطلوب وللقرب تأثير في طلب المشاكلة، فلما تباعدا تباعدا بينا رجح النصب، لضعف الداعية، والأصل في هذا -
................................
قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها» فقال له العباس رضي الله عنه: «إلا الإذخر؟» فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إلّا الإذخر» 1. وقد يكون من هذا: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفيّه من أهل الدّنيا، ثم احتسبه إلا الجنّة» 2 وعللّ قوم هذا النوع بعروض الاستثناء، قال ابن السّراج: فإن لم تقدّر البدل، وجعلت قولك: (ما قام أحد) كلاما، لا تنوي فيه الإبدال من (أحد) ثم استثنيت؛ نصبت، فقلت: ما قام أحد، إلا زيدا 3.
قال المصنف - بعد ذلك -: فعلى هذا يكون للزوم النصب - بعد النفي سببان، التراخي، وعروض الاستثناء 4. ومراده بلزوم النّصب لزوم اختيار النّصب؛ لأن النصب غير لازم وقوله: إبدالا عند البصريين، وعطفا عند الكوفيين إشارة إلى الخلاف في المستثنى، إذا جعل تابعا لما قبله، فمذهب البصريين أنه بدل، وقد نصّ عليه سيبويه 5، وعليه إشكالان:
أحدهما: أنّه بدل بعض وليس معه - في نحو: ما قام أحد إلا زيد - ضمير يعود على المبدل منه.
والثّاني: ما بينهما من التخالف فإنّ المبدل موجب، والمبدل منه منفيّ.
وأجابوا عن الأول بأن (إلّا) وما بعدها من تمام الكلام الأول، و (إلّا) قريبة مفهمة أنّ الثّاني قد كان يتناوله [3/ 35] الأول، فمعلوم أنّه بعض الأول، فلا يحتاج فيه إلى رابط بخلاف: قبضت المال بعضه.
وأما الإشكال الثاني فأجاب السيرافي عنه بأن قال: هو بدل منه في عمل العامل فيه وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البدلية؛ لأن مذهب البدل فيه أن يجعل الأول كأنّه لم يذكر، والثاني في موضعه، وقد يخالف الصفة والموصوف نفيا وإثباتا، نحو: مررت برجل لا كريم -
................................
ولا لبيب 1. وقال غيره - ممّن تعرض لشرح كتاب سيبويه -: إنّما يشترط في البدل أن يحلّ محلّ الأول، في العامل خاصة، وأما أن يكون على معناه فلا وقال ابن الضائع 2: لو قيل: إنّ البدل في الاستثناء قسم على حدته، ليس من تلك الأبدال، التي بينت في غير الاستثناء؛ لكان وجها وهو الحقّ، وقال - في موضع آخر -: اعلم أنّ البدل في الاستثناء إنما المراعى فيه وقوعه مكان المبدل منه فإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فـ (إلّا زيد) هو البدل وهو الذي يقع موقع (أحد)، فليس (زيد) وحده بدلا من (أحد) و (إلا زيد) هو الذي نفيت عنه القيام، فـ (إلا زيد) بيان لل (أحد) الذي عنيت.
ثم قال - بعد ذلك - «فهذا البدل - في الاستثناء - أشبه ببدل الشيء من الشيء من بدل البعض من الكل.
اه.
ومذهب الكوفيين أنه معطوف وجعلوا «إلا» من حروف العطف في هذا الباب خاصّة، والحامل لهم على ذلك وجود المخالفة المذكورة قال: فعليه كيف يكون بدلا وهو موجب ومتبوعه منفيّ؟ والعطف توجد فيه المخالفة في المعنى كالمعطوف بـ (بل) و (لكن) فلذا قالوا به.
قال الشيخ: وما ذهبوا إليه ممكن خال من التكلف، وقد ردّ القول بالعطف بأنّه:
لو كانت (إلّا) عاطفة لم تباشر العامل في نحو: ما قام إلا زيد، وحروف العطف لا تلي العوامل، ذكر ذلك الشيخ وفيه نظر؛ لأنّ لهم أن يقولوا: إنّ (إلّا) التي باشرت العامل، ليست هي العاطفة.
وقال المصنف - بعد نقل جواب السيرافي على التخالف 3: ويقوّى العطف أن يقول: تخالف الصفة والموصوف كلا تخالف؛ لأنّ نفي الكرم واللّبابة إثبات لضدّهما وليس كذلك تخالف المستثنى والمستثنى منه، فإن جعل «زيد» بدلا من (أحد) إذا قيل: ما فيها أحد إلا زيد يلزم منه عدم النظير؛ إذ لا بدل في غير محلّ -
[مسألتان في الاستثناء التام]
قال ابن مالك: (ولا يشترط في جواز نصبه تعريف المستثنى منه، خلافا للفرّاء، ولا في جواز الإبدال عدم الصلاحية للإيجاب خلافا لبعض القدماء).
النزاع إلّا وتعلق العامل به مساو لتعلقه بالمبدل منه، والأمر في (زيد) و (أحد) بخلاف ذلك، فيضعف كونه بدلا؛ إذ ليس في الأبدال ما يشبهه، وإن جعل معطوفا لم يلزم من ذلك مخالفة المعطوفات، بل يكون نظير المعطوف بـ (لا) و (بل) و (لكن) فكان جعله معطوفا أولى من جعله بدلا.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان:
الأولى: أنّ الفراء اشترط في جواز النّصب والإتباع تعريف المستثنى منه بخلاف قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ 1 فإنّ الاستثناء فيه من نكرة فيلزم فيه - على مذهب الفراء - الإتباع 2. قال المصنف 3: ولا حجة له؛ لأنّ النصب هو الأصل، والإتباع داخل عليه، وقد رجح عليه بطلب المشاكلة، فلو جعل بعد ترجيحه عليه مانعا منه لكان ذلك إجحافا بالأصل، فضعف هذا الاعتبار قول الفرّاء.
قوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ 4 في قراءة النصب، على أن يجعل مستثنى من (أحد) لا من الأهل، تتفق القراءتان في الاستثناء من شيء واحد، ولأنّه قد قيل: إنه قد أخرجها معهم، وقد روى سيبويه عن يونس وعيسى، أنّ بعض العرب، الموثوق بعربيّتهم يقول: ما مررت بأحد إلا زيدا، وما أتاني أحد إلا زيدا، بالنصب بعد النكرة، وهذا ينقض دعوى الفراء 5.
الثانية: أنّ بعض القدماء، ممن لم يسمّه سيبويه منع الإتباع في كلّ منفيّ، جاز -
[حكم تقدم المستثنى على صفة المستثنى منه]
قال ابن مالك: (وإتباع المتوسّط بين المستثنى منه وصفته أولى من النّصب، خلافا للمازني في العكس).
في لفظ الإيجاب ولم يجوّز فيه إلا النصب على الاستثناء 1.
نحو: ما أتاني القوم إلا أباك بخلاف: ما جاء أحد إلا زيد؛ لأن الإيجاب لا يصلح فيه، وردّ ذلك سيبويه 2. قال المصنف 3: وهو بالردّ حقيق، لمخالفته السماع والقياس، فمن السّماع الدالّ على البدل قوله تعالى: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ 4 وفَعَلُوهُ يقع في الإيجاب، وأما القياس فإنّه يقتضي جواز البدل أيضا؛ وذلك أنّ المسوّغ للبدل - فيما أجمع على جواز البدل فيه - الصلاحية لحذف المستثنى منه، وإقامة المستثنى مقامه، وذلك موجود - في: «ما أتاني أحد إلّا أبوك» فوجب تساويهما في الحكم بجواز البدل كما تساويا في تضمّن المسوّغ.
قال ناظر الجيش: إذا توسط المستثنى، بين المستثنى منه وصفته نحو: ما فيها أحد إلّا زيد خير من عمرو، وما مررت بأحد إلا عمرو خير من زيد؛ فالإتباع عند سيبويه 5 والمبرد 6 أولى من النصب، ومذهب المازنيّ عكس ذلك: وهو أنّ النصب على الاستثناء أولى من الإتباع، ولهذا قال المصنف: خلافا للمازنيّ في العكس 7 والصحيح [3/ 36] ما ذهب إليه سيبويه؛ لأنّ الصفة فضلة، فلا اعتداد -
................................
بالمقدّم عليها، ولأن المستثنى في نحو: ما جاء أحد إلا زيدا، إنما رجح إتباعه على نصبه، ولأنّه إذا أتبع شاكل ما
قبله لفظا، فإذا أتبع وبعده صفة متبعة شاكل ما قبله، وما بعده، فكان إتباعه متوسطا أولى من إتباعه غير متوسّط، ووجه ترجيح الإتباع أن الوصف فضلة، فلا اعتداد بالتقدم عليها.
قال المبرد: وكان المازنيّ يختار النصب ويقول: إذا أبدلته من شيء فقد طرحته من لفظي وإن كان في المعنى موجودا فكيف أنعت ما قد سقط 1.
قال المبرد: والقياس عندي قول سيبويه؛ لأنّ الكلام إنّما يراد معناه، والمعنى الصحيح أن البدل والمبدل منه موجودان معا لم يوضعا على أن يسقط أحدهما إلّا في بدل الغلط، فإنّ المبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام 2.
وقد رجح اختيار المازنيّ بأمرين:
أحدهما: أن البدل على نية تكرار العامل، فإذا أبدلت كنت قد فصلت بين الصفة والموصوف بجملة، وإمّا الفصل الثاني بالاستثناء، فيسهله كونه مفردا معمولا لما تقدّم 3.
الثاني: أنه إذا اجتمعت صفة وبدل قدمت الصفة عليه، والذي يظهر أنّ حكم البدل في باب الاستثناء - ليس جاريا على أحكام البدل في غيره، وتسميته بدلا إنّما هو باعتبار عمل العامل فيه وصحة حلوله محلّ المبدل منه، وبهذا يندفع ما أورده من الإشكالات، ومن أمثلة هذه المسألة: من لي إلّا زيد صديقا، مثّل بها سيبويه 4، فـ (من) مبتدأ و (لي) خبره، وفيه ضمير مرفوع ومنه استثني، و (صديقا) حال منه، والحال صفة في المعنى، فقد تقدّم المستثنى على الصّفة، وتعرض المصنف له في الشرح.
- تكون الصفة مقدمة على البدل.
اه.