................................
2664 - ألا ربّ مولود وليس له أب...... البيت
وأنشد أيضا البيت الذي يليه وهو:
2665 - وذي شامة غرّاء في حرّ وجهه... مجلّلة لا تنقضي لأوان
قال: [فالمولود الذي ليس له أب عيسى عليه السّلام، والذي له ولد ولم يلده أبوان هو آدم عليه السّلام وصاحب الشامة] هو القمر؛ شبه الكلف الذي يظهر فيه المسمى أرنب القمر بالشامة.
وزعم بعضهم أنها للتكثير وذلك في موضع المباهاة والافتخار نحو قوله:
2666 - فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة... بآنسة كأنّها خطّ تمثال 1
2667 - فيا ربّ مكروب كررت وراءه... وعان فككت الغلّ عنه ففدّاني 2
لأنه يريد أن لها أياما كثيرة، وكثير منه فك الأسرى، وكرّه وراء المكروبين، وهذا وأمثاله لا حجة فيه لهم؛ لأن «رب» في هذه الأماكن وأمثالها للمباهاة والافتخار.
والمباهاة لا تتصور إلا بما لا يقل نظيره من غير المفتخر؛ إذ ما يكثر من المفتخر وغيره لا يتصور الافتخار به؛ فتكون «رب» في هذه الأماكن التي للمباهاة والافتخار لقليل النظير فكأنه قال: الأيام التي لهوت فيها والليالي يقل وجود مثلها لغيري، وكأنه قال: الأسرى الذين فككت والمكروبون الذين كررت وراءهم هم من الكثرة بحيث يقل فك غيري لهم؛ ويمكن أيضا أن يريد أن هذه الأشياء التي يفتخر بها هي وإن كانت قد وقعت كثيرا من المفتخر فإنها بالنظر إلى شرف هذا المفتخر وجلالة قدره قليلة، وأيضا فإن المفرد بعد «ربّ» يكون في معنى جمع، والمفرد لا يكون في معنى جمع إلا إذا اقترن به لفظ عموم نحو: كلّ رجل، ويقع تمييزا في نحو: عشرين رجلا أو في نفى نحو: ما قام رجل، أو في تقليل نحو: قلّ رجل يقول ذلك إلا زيد.
فلولا أن «ربّ» للتقليل لما كان المفرد بعدها في معنى جمع.
انتهى 3.
ولم يظهر لي قوله، ولا قول غيره: إن «رب» في الأماكن التي ذكرها لتقليل النظير؛ فإن معنى الحرف إنما يكون حاصلا لما باشره الحرف؛ فكيف تباشر «رب» -
................................
شيئا والمعنى (الذي) 1 وضعت له قائم بكلمة أخرى غير ما باشرته.
وأما قوله: فلولا أن «ربّ» للتقليل لما كان المفرد بعدها في معنى جمع بل هذا الذي ذكره أدل على أنها للتكثير، ثم إنه قال: قال أبو العباس المبرد: النحويون كالمجمعين على أن «رب» جواب لكلام متقدم، فإذا قلت: رب رجل عالم لقيت؛ فهو جواب لمن قال: هل لقيت رجلا عالما؟ أو قدر سؤاله كذلك فتقول له: رب رجل عالم لقيت، أي: لقيت من جنس الرجال العلماء؛ إلا أن ذلك ليس بالكثير، والدليل على أن «رب» جواب أنّ واو «ربّ» عاطفة نائبة عن «رب» بدليل أنها لا يدخل عليها حرف عطف؛ لا تقول: رب رجل ثم وامرأة؛ فإذا تبين أنها عاطفة، والعرب تستعملها وإن لم يتقدمها كلام فتقول: ورجل أكرمته؛ ابتداء كما قال:
2668 - وبلدة ليس بها أنيس... [إلّا اليعافير وإلّا العيس] 2
دل على أن «رب» جواب حتى تكون الواو قد عطفت الجواب على السؤال المتقدم، أو المقدر، ولولا أنها كذلك لما ساغ وقوع حرف عطف أول الكلام 3. انتهى.
وفي ما ذكره أمران:
أحدهما: أنا (إذا) 4 سلمنا له أن «رب» جواب وأن المراد بقولنا: رب رجل عالم لقيت: لقيت من جنس الرجال العلماء، إلا أن ذلك ليس بالكثير لا يتم مراده..
فإن القائل بأن معنى «رب» التكثير يجوز استعمالها للتقليل على سبيل القلة والندور.
ثم ما ذكروه إنما قرره على تقدير أن تكون «رب» جوابا أبدا.
وقد تقدم لك من كلام المصنف أنها قد تكون جوابا، وقد تكون غير جواب.
وثانيهما: قوله: إن واو «رب» عاطفة، واستنتاجه من ذلك أنها عطفت الجواب على السؤال فإن جوابا لا يعطف على سؤال، ولو عطف جواب على سؤال لكان سؤالا، لا جوابا.
وما برحت أستشكل هذا في كلام [4/ 28] هذا الرجل.
-
................................
ولا شك في جلالة قدره في هذا الفن فربما يكون مراده بعطف هذا الجواب على السؤال معنى خاصّا غير المتبادر إلى الأفهام.
وبعد: فقد ذكر في شرح الإيضاح أنها تكون للتقليل فقال: والصحيح أنها تكون لتقليل الشيء في نفسه، أو لتقليل نظيره، وأنها تكون للتكثير، ومثّل تقليل الشيء في نفسه بالبيتين المتقدمين اللذين أولهما:
2669 - ألا ربّ مولود وليس له أب......
وبالبيت الذي أنشده المصنف وهو الذي أوله:
2670 - وذي إخوة.........
وقال بعد إنشاده البيت المذكور: لأنه إنما يريد بالإخوة هنا: دريد بن حرملة المزني، وهو الذي قتل أخاه معاوية، فلما قتله قال هذا الشعر، وقوله:
2671 -... كما تركوني واحدا لا أخا ليا
يبطل توهم الكثرة هنا؛ لأن الّذين تركوه بلا أخ كانوا بني حرملة، ولم يكن له أخ قبل غير معاوية وحده.
ومما مثل للتقليل قول زهير 1:
2672 - وأبيض فيّاض (يداه) 2 غمامة... على معتفيه ما تغبّ فواضله 3
قال: أراد بالأبيض: حصن بن حذيفة بدليل قوله بعد:
2673 - حذيفة ينميه وبدر كلاهما... إلى باذخ يعلو على من يطاوله 4
وذكر غير ذلك.
ومثل تقليل نظير الشيء بقول امرئ القيس: -
................................
2674 - فإن أمس مكروبا فيا ربّ بهمة... كشفت إذا ما اسودّ وجه جبان 1
وبقوله:
2675 - وإن أمس مكروبا فيا ربّ قينة... منعّمة أعملتها بكران 2
وبقول أبي (كبير) 3 الهذلي:
2676 - أزهير إن يشب القذال فإنّه... رب هيضل مرس لفقت بهيضل 4
ثم قال: وكذلك هي في كل موضع استعملت فيه للمباهاة والافتخار؛ لأن الإنسان إنما يفتخر بما يقل نظيره من غيره ويكثر منه.
ثم قال: ما ذكروه من أنها في التقليل نظيرة «كم» في التكثير؛ بناء منهم على أن «كم» لا تكون إلا للتكثير وذلك مختلف فيه؛ لأن منهم من ذهب إلى أنها تقع للقليل والكثير؛ فعلى هذا قول عمارة بن عقيل 5:
2677 - فإن تكن الأيّام شيّبن مفرقي... وأكثرن أشجاني وقلّلن من غربي
فيا ربّ يوم قد شربت بمشرب... شفيت به عن الصّدي بارد عذب
وكم ليلة قد بتّها غير آثم... بناحية الحجلين منعمة القلب 6
إنما ساغ له فيه أن يجمع بين «رب» و «كم» مع أنه أراد تكثير أيامه ولياليه في مذهب من زعم أن «رب» للتقليل، و «كم» للتكثير؛ لأنه راعى فيما أدخل عليه «رب» كونه قليل النظير، وراعى فيما أدخل عليه «كم» كونه كثيرا في نفسه.
-
................................
ومن زعم أن «رب» تقع على القليل والكثير؛ لم يحتج إلى هذا التأويل.
انتهى.
ولم يمثل التكثير بـ «رب»، وكأنه اكتفى عنه بذكر هذا البيت - أعني قوله:
2678 - فيا ربّ يوم.........
وذلك أنه أثبت أن مراد الشاعر تكثير أيامه ولياليه التي فعل فيها ما ذكره.
وذلك إنما يتم له بجعل ما أدخل عليه «رب» قليل النظير، أو بأن يجعل «رب» للتكثير.
وأما ابن أبي الربيع فإنه يرى أن معنى «رب» إنما هو التقليل قال: وذهب الكوفيون إلى أنها تكون للتقليل والتكثير وهي عندهم من الأضداد ثم ذكر عنهم الأبيات التي استدل بها على التكثير وقد تقدمت.
ثم قال: وما قاله الكوفيون باد بأول نظر، وإذا حقق معنى التقليل صح قول البصريين.
وكان الأستاذ أبو علي يذهب إلى أنها تدخل لتقليل النظير 1، ثم أتبع هذا الكلام بما يناسبه 2. والذي يظهر أن «رب» للتكثير وأنها تستعمل للتقليل قليلا كما قال المصنف رحمه الله تعالى.
وأما وصف مجرورها: فقد عرفت ما ذكره المصنف من أن المبرد، وابن السراج، والفارسي يرون وجوب ذلك،
وأن أكثر المتأخرين عليه وما أوردوه من الشبهتين للقائلين بذلك، وما أجاب به عنهما وما ذكره أيضا من أن هذا - أعني وجوب وصف مجرور «ربّ» خلاف مذهب سيبويه، وما استدل به كلام سيبويه المتضمن استغناء مجرورها عن الوصف.
وذكر ابن عصفور عن [هؤلاء] الثلاثة - أعني المبرد، وابن السراج، والفارسي - ما ذكره المصنف عنهم من التزام الوصف، ثم قال 3: وهو الصحيح عندي واستدل على عدم لزومه بقول الشاعر:
2679 - ألا ربّ مولود وليس له أب......
قال: ومما يبين لك أن المخفوض بها لا يفتقر في كل المواضع إلى الصفة؛ أنك تجد أماكن إن جعلت فيها ما بعد المخفوض بـ «رب» صفة لم يبق للمخفوض بها -
................................
ما يعمل فيه إلا في اللفظ ولا في التقدير؛ لأن معنى الكلام لا يقتضي عاملا محذوفا بل تجد المعنى مستقلّا من غير حذف نحو قول امرئ القيس:
2680 - فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة... بآنسة كأنّها خطّ تمثال 1
ألا ترى أن المعنى مستقل بما في اللفظ خاصة، وإن رمت تتكلف حذف عامل فقدرت: ظفرت بها، أو: تمتعت بها؛ كان زائدا غير مفيد، فإن ذلك المعنى حاصل من غير حذف؛ لأن لهوه بالآنسة في ذلك اليوم وتلك الليلة ظفر بها وتمتع.
قال: وهذا الذي ذكرناه من غير لزوم الوصف هو الذي يعطيه كلام سيبويه؛ لأنه قال في باب [حروف] الجر: «وإذا قلت: ربّ رجل يقول ذلك؛ فقد أضفت القول إلى الرجل بـ «رب».
فدل هذا من كلام سيبويه على أنه لم يجعل «يقول ذلك» صفة لـ «رجل».
وأما ابن أبي الربيع فإنه قال: ذهب أبو علي إلى أن مخفوض «رب» لا بد له من الصفة؛ وتابعه على ذلك جماعة من
حذاق هذه الصناعة 2، وخالفه في هذا ابن طاهر وجماعة من خلاف المتأخرين 3. قال: وظاهر كلام سيبويه أن مخفوضها لا يلزم الصفة وكان الأستاذ أبو علي يتأول كلام سيبويه 4. انتهى.
وقد تقدم قول ابن خروف إن معنى التقليل والتكثير الذي دلت عليه يقوم مقام وصف مجرورها... إلى آخره.
وأما تخريج المصنف قول سيبويه: رب رجل يقول ذلك؛ على أن «يقول» مضارع «قال» بمعنى: فاق في المقاولة، ويجعل ذلك فاعلا إلى آخره؛ فتخريج غير ظاهر، ولا يخفى أن ذلك يبعد أن يكون مراد سيبويه.
وقد قال الشيخ: المتبادر إلى الذهن - من هذا المثال - أن ذلك منصوب لا مرفوع، وأن الفاعل بـ «يقول» هو ضمير عائد على «رجل»، ولما كانت «رب» حرفا محكوما له بحكم الزائد لم يتنزل منزلة الحرف الذي لم يحكم له بحكم الزائد فاحتمل أن عاد الضمير فاعلا على مجرورها؛ فليس نظير بزيد افتخر؛ لأن «بزيد» -
................................
في موضع نصب، وهذا ليس في موضع نصب؛ بل في موضع رفع بالابتداء و «رب» كأنها حرف زائد 1. انتهى.
وهو تخريج حسن مبني على تقرير صحيح كما سيأتي في كلام ابن عصفور.
وأما مضيّ ما يتعلق به: فهو مشهور وهو مذهب المبرد 2، والفارسي 3 واختاره ابن عصفور 4 ولهذا يتأول النحاة رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 5 بأن المعنى: ربما ودّ، وأنه عبر عن المستقبل بالماضي؛ لكونه متحقق الوقوع، ولكن قد عرفت أن المصنف لم يلتزم ذلك، وأنه أجاز كون العامل مستقبلا وذكر الأدلة على ذلك، على أن الشيخ قال في الأدلة: إنها تحتمل كذا، وتحتمل كذا، قاصدا إبطال ما ذهب إليه المصنف.
وأما لزوم تنكير مجرورها مع لزوم تصديرها: فأمر معروف.
وقد قال ابن عصفور: ولا تدل على معرفة محضة أصلا.
قال: وزعم بعضهم أنها تجر الاسم المعرف باللام فيقول: رب الرجال لقيت، وأنشدوا قول الشاعر:
2681 - ربّما الجامل المؤبّل فيهم
بخفض الجامل قال: والرواية الصحيحة بالرفع.
وقال أيضا: و «ربّ» من الحروف التي لها صدر الكلام؛ وسبب ذلك أنها كما ذكرنا للتقليل، والتقليل يجري مجرى النفي؛ فعوملت معاملة ما يجعل له صدر الكلام؛ لذلك قال: وأيضا؛ فإنها للمباهاة، والافتخار مثل «كم»، وهي للتقليل فهي نقيضة «كم»، والشيء يجري مجرى نقيضه كما يجري مجرى نظيره 6. انتهى.
ولو قيل: إن سيبويه قد سوّى بينها، وبين «كم» الخبرية كما تقدم.
ولا شك أن «كم» لها صدر الكلام فلتكن «رب» لشبهها بها كذلك؛ لكان قولا.
والمراد من لزوم تصديرها أنها تتصدر لزوما على ما تتعلق به؛ فيقال: رب رجل عالم لقيت، ولا يقال: لقيت رب رجل عالم، وليس المراد تصديرها أول الكلام فقد تقع هي خبرا عن شيء كما سيأتي؛ وإنما المراد أن تكون هي صدر جملتها.
-
................................
وأما مباشرتها الضمير المجهول: فأمر معروف أيضا.
وكأن مسألة مباشرتها الضمير كالمستثناة من قوله: إن تنكير مجرورها لازم وأشار إلى قلّته بذكر «قد» في قوله: وقد تجرّ ضميرا وهذا الضمير لا يبعد عن النكرة؛ لأنه ضمير مجهول ومفسره نكرة؛ ولذلك علل ابن عصفور دخولها على ضمير النكرة بأن قال: وذلك أن ضمير النكرة من طريق المعنى نكرة؛ لأن الضمير هو الظاهر في المعنى، وإنما يكون ضمير النكرة محكوما له بحكم المعرفة من طريق نيابته مناب ما عرف بالألف واللام إذا عاد على متقدم؛ لأنك إذا قلت: لقيت رجلا فضربته؛ أغنى عن أن تقول: فضربت الرجل المتقدم الذكر، فلما ناب مناب اسم فيه الألف واللام حكم له بحكم المعرفة لذلك، فلما
كان الضمير في باب «رب» مفسرا بالنكرة بعده كان نكرة من كل وجه؛ لأنه إذ ذاك لا ينوب مناب اسم معرف بالألف واللام 1. انتهى.
ودل كلامه على أنه لا يحكم على ضمير نكرة بأنه نكرة على الإطلاق، بل يفصل القول في ذلك كما رأيت.
وقال في شرح الإيضاح - مشيرا إلى كلام أبي علي -: هذا الذي ذكره من أن الضمير في قولك: ربه رجالا، وأمثاله معرفة إلا أنه أجري مجرى النكرة في دخول رب عليه لمّا أشبهه في أنه غير معين ولا مقصود قصده - هو مذهب كثير من النحويين.
والصحيح عندي: أن ضمير النكرة معرفة إذا فسّرته نكرة متقدمة عليه وإذا فسّرته نكرة متأخرة عنه، فإنه إن كان واقعا موقع ظاهر معرفة؛ فهو معرفة، وإن كان واقعا موقع ظاهر نكرة؛ فهو نكرة، والدليل على ذلك أن ضمير الغيبة العائد على ما قبله نائب مناب تكرار الظاهر.
فإذا قلت: زيد ضربت؛ فالأصل: زيد ضربت زيدا؛ إلا أنهم كرهوا التكرار؛ فأنابوا الضمير مناب الظاهر، فعلى هذا قولك: لقيت رجلا فضربته؛ أصله: لقيت رجلا فضربت الرجل؛ لأن النكرة إذا أعيدت فإنما تعاد بالألف واللام؛ إشعارا بأن المراد النكرة المعهودة في الذكر لا غيرها، إلا أنهم فرّوا من التّكرار؛ فوضعوا الضمير موضع الاسم الداخل عليه الألف واللام.
فكما أن الاسم المباشر بالألف واللام معرفة كذلك الضمير القائم مقامه.
وأما ضمير الغيبة العائد على ما بعده فقد يضعه العرب [4/ 30] موضع ظاهر معرفة؛ -
................................
فيكون إذ ذاك معرفة؛ لوقوعه موقع معرفة وذلك نحو: نعم رجلا زيد؛ فالضمير المستتر في «نعم» واقع موقع ظاهر معرفة؛ لأن فاعل «نعم» إذا كان ظاهرا فبابه أن يكون معرفا بالألف واللام أو مضافا إلى ما هي فيه فالضمير في «نعم» نائب عن الظاهر معرفة يراد به الجنس، وكأنك قلت: نعم الجنس، ثم فسرت الجنس الذي أردت بقولك: رجلا، وقد تضعه العرب موضع نكرة؛ فيكون إذ ذاك نكرة؛ لوقوعه موقع نكرة وذلك نحو:
ربّه رجلا، فالضمير مع «رب» واقع موقع ظاهر نكرة لأن المخفوض بـ «رب» إذا كان اسما ظاهرا لا يكون إلا نكرة فالضمير المخفوض بـ «رب» إذا نائب عن ظاهر نكرة، وكأنك قلت: ربّ شيء، ثم فسرت الشيء الذي أردت بقولك: رجلا 1. انتهى.
وكلامه يعطي التفرقة بين الضميرين - أعني المجرور بـ «رب» والمرفوع بـ «نعم» فإنه حكم على المجرور بـ «رب» بأنه نكرة وعلى المرفوع بـ «نعم» بأنه معرفة وكلام غيره يعطي التسوية بين الضميرين وهو الظاهر فإن كلّا منهما ضمير مجهول مفسر بما بعده.
وقول ابن عصفور: إن المرفوع بـ «نعم» واقع موقع ظاهر معرفة قد لا يسلم، بل يقال: فاعل «نعم» قسمان: اسم معرف بالألف واللام، أو ضمير مفسر بنكرة؛ فليس الضمير نائبا عن المعرف باللام بل هو قسيمه، ولو قال: إن الضمير المذكور معرفة من جهة أن «زيدا» ذكر بعده وهو المخصوص بالمدح؛ فتبين بذلك أن المراد بالضمير هو «زيد»، وإذا كان المراد بالضمير هو «زيد» اتجه أن يحكم على ذلك الضمير بأنه معرفة لكان أقرب على أن في هذا نظرا أيضا.
وقد أطال ابن عصفور الكلام في هذه المسألة، والذي ذكره في باب «كان» أخلص مما ذكره هنا، وهو أنه قال 2: إن ضمير النكرة يعامل في باب الإخبار معاملة النكرة.
وذلك أن تعريفه إنما هو لفظي؛ لأنك إذا قلت: لقيت رجلا فضربته؛ علم أنك إنما تعني بالضمير: الرجل المتقدم الذكر، وأن الملقي هو المضروب، وأما أن يعلم من هو في نفسه فلا.
فلما علم من يعني به كان معرفة من هذا الطريق، وأيضا فإنه ينوب مناب تكرار الظاهر، والظاهر إذا كرر كان بالألف واللام فلمّا ناب مناب معرفة بالألف واللام كان هو معرفة، ثم قال بعد هذا: فإذا -
................................ ثبت أن تعريفه لفظي والإخبار عن النكرة كما تقدم في باب الابتداء إنما امتنع من طريق معناها لا من طريق لفظها جرى ضمير النكرة مجرى النكرة. هذا كلامه وتبين منه: أن ضمير النكرة على الإطلاق نكرة، وأنه إذا قيل فيه: إنه معرفة فإنما القصد بذلك التعريف لفظا لا أنه معرفة حقيقة. فإن قيل: قول المصنف: وقد تجر ضميرا بعد قوله: إنه يلزم تنكير مجرورها، يقتضي أن الضمير الذي باشرته محكوم بتعريفه. فالجواب: أن «ربّ» في الغالب إنما تجر الأسماء الظاهرة وجرها المضمر قليل؛ فيمكن أن يقال: إن ضميرا في كلام المصنف إنما قابل به الظاهر المفهوم من قوله: وتنكير مجرورها فإن الذي يوصف بالتنكير بطريق الأصالة إنما هي الأسماء الظاهرة، ولم يكن قوله: وقد تجر ضميرا مقابلا لتنكير المجرور من حيث هو منكر. وأما مسألة أن يعطف على مجرور «رب» مضاف إلى ضمير: فهو بالحقيقة فرع قولنا: ربه رجلا؛ لأنه قد ثبت أن الضمير في «ربه» نكرة لكونه مجهولا مفسرا بنكرة، ولا شك أن الضمير في: «وأخيه» من: رب رجل وأخيه؛ ضمير نكرة فهو نكرة أيضا فلم تخرج «رب» عن كونها داخلة على نكرة. فإن قيل: إذا كان كذلك؛ فلا حاجة إلى التنصيص على هذه المسألة؛ لأن «رب» فيها باقية على أصلها من مباشرة ما هو نكرة. فالجواب: أنه إنما ذكر ذلك؛ لئلا يتوهم أن «رب» مختصة بمباشرة هذين الشيئين فقط - أعني الاسم الظاهر النكرة والضمير المجهول المفسر بما بعده - فذكر ذلك تنبيها على أن أمرا ثالثا يكون من مدخولها وهو الاسم المضاف إلى ضمير اسم نكرة وإنما جعل نحو: «وأخيه» - من: رب رجل وأخيه - من مدخولها؛ لأنه معطوف على «رجل»، و «رب» داخلة عليه، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه. وأما حكم «ما» اللاحقة لها: فقد تقدم لك عند الكلام على الكاف قول المصنف: إن «ما» تزاد بعد «رب» كافة وغير كافة، وعرف منه أن الكاف قسم من الزائدة. ولكن ابن أبي الربيع جعل الكاف قسيمة الزائدة، فإذا وقع بعد «ربما» ما يقع بعد «ربّ» أعني أن يجر الاسم بعد «ربما» كما يجر بعد «رب» فـ «ما» زائدة كقوله: 2682 - ربّما ضربة بسيف صقيل... [بين بصرى وطعنة نجلاء] 1
................................
وإذا لم يجر الاسم بعد «ربما» بل وقع بعدها الجملة فـ «ما» كافة.
ولا بأس بما قاله.
قال: ولا تجد من حروف الجر ما كفّ عن مجرور، إلا «ربّ»، وكاف التشبيه على أحد الوجهين في قولك: كن كما أنت.
قال: وأكثر ما يكون الكف في الحروف الداخلة على الجمل المؤثرة فيها نحو: إن زيدا قائم، وليت عمرا خارج، وما زيد قائما، فإذا دخلت على «إن» وأخواتها «ما» كفتها عن العمل وكذلك «ما» إذا وقعت بعدها «إن» كفتها عن العمل 1. انتهى.
وما ذكره ابن هشام الخضراوي عن بعضهم أن «ما» في «ربما» بمنزلة «ما» في التعجب [4/ 31] لكنها موصوفة كقولهم: مررت بما عجب لك.
وما نقله عن أبي علي أن بعضهم جعل «ما» في قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ 2، وقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ 3 اسما بمنزلتها في التعجب وما بعدها بدل 4؛ لا معول عليه.
وأما ما حكاه - أعني الخضراوي - أيضا عن ابن يسعون أنه حكم على «ما» في قوله: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا 5 أنها نكرة موصوفة أي: رب ودّ يوده الذين كفروا 6؛ فقد رده هو عليه بأنه باطل.
قال: لأن «لو» تحتاج على هذا التقدير إلى جواب، ولا يكون إلا من جنس ما قبلها.
ولا يصح هنا، وإنما هي بمنزلة أن معمولة لما قبلها كقوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ 7، و [يَوْمَئِذٍ] يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [وَعَصَوُا الرَّسُولَ] لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ 8، وكذا: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ 9.
وأما ما يليها من الجمل - أعني «ربّما» إذا كانت «ما» كافة - فقد تقدم ذكرها عن المغاربة أنهم كالمطبقين على أن «ربما» لا تليها الجمل الاسمية وأن هذا هو مذهب سيبويه؛ لقوله عند ذكر الحروف التي لا يليها إلا الفعل، ومن تلك الحروف - - الأشموني (2/ 231)، والمغني (ص 146)، والهمع (2/ 38). هذا، والبيت لعدي بن الرعلاء الغساني.
................................
«ربما» جعلوا «رب» مع «ما» بمنزلة كلمة واحدة وهيئوها ليذكروا بعدها الفعل؛ لأنهم لم يكن لهم سبيل إلى «رب يقول»؛ فألحقوها وأخلصوها للفعل 1. ومن ثم قال الخضراوي: «ربّما» عند سيبويه حرف يدخل على الفعل ويختص به.
ولا يدخل على الجمل الابتدائية 2. وقال ابن أبي الربيع عند ذكر مباشرة «ما» لـ «ربّ» وأنها قد تكون زائدة وكافة: وأما إذا كانت «ما» كافة فإنها تصير حينئذ من الحروف الطالبة للجمل الفعلية؛ فلا يقع بعدها إلا الفعل ولا
يكون الفعل إلا ماضيا، ولا يكون إلا ظاهرا ولا يكون إلا مقدما؛ فتقول: ربما قام زيد، وربما ضربت عمرا، ولا تقول: ربما عمرا ضربته؛ إلا أن يأتي في الشعر فيقتصر على موضعه.
ثم قال: إلا أن العرب تدخلها على المضارع فيصير ماضيا ثم إنه استطرد إلى ذكر الآية الشريفة وهي قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا 3، وذكر فيها ما ذكره غيره من التقدير 4، وهو أن ذلك لمّا كان أمرا مقطوعا بوقوعه أخبر عنه مع كونه مستقبلا بما يخبر به عن الماضي كما قال تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ 5 ووَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ 6 قال: فكان الأصل قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا: ربما ودّ الذين كفروا، إلا أن العرب تحكي الماضي فيصير كأنه حال واقع فيخبر عنه إخبار الحال ومن هذا قوله تعالى: فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ 7، والإشارة لا تكون إلا لحاضر، فأشار إليها سبحانه على تقدير وجودها 8. انتهى.
ومن جهة أن «ربما» لا يليها إلا الجمل الفعلية احتاج أبو علي في قول الشاعر:
2683 - ربّما الجامل المؤبل فيهم
إلى أن جعل «ما» نكرة موصوفة وجعل «الجامل» خبر مبتدأ محذوف والجملة الاسمية هي التي وصفت «ما» بها كما تقدم تقرير ذلك.
وقد علمت أن المصنف يخالف ذلك، فيرى أن «ربما» يليها الجملة الاسمية كما تليها الجملة الفعلية؛ لأنه لم يكن في كلامه تعرض لما ذكره الجماعة من اختصاص «ربما» بالجمل الفعلية، -
................................
ولهذا صرح بخلاف أبي علي في المسألة حيث لم يجعل «ما» نكرة موصوفة في البيت المذكور بل جعلها كافة.
وأما عملها محذوفة فتذكر في الفصل الذي ختم به المصنف هذا الباب - أعني باب حروف الجر - إن شاء الله تعالى.
وأما ما تتعلق به، وما هو موضعها مع مجرورها من الإعراب؛ فقد ذكرنا أن المصنف لم يتعرض لذكره.
وسبب عدم تعرضه لذلك أن حكم «رب» عنده حكم حروف الجر فكما أن «بزيد» من قولك: مررت بزيد - مثلا - تتعلق بـ «مررت» هكذا: «رب رجل» من قولك: رب رجل لقيت تتعلق بـ «لقيت».
والظاهر أنه يعلق: «رب رجل» من قولك: رب رجل أتاني بـ «أتاني»، فالحكم عنده واحد في جميع الصور.
هذا هو الظاهر؛ لسكوته عن ذكر ما تتعلق به.
وأما الجماعة فإنهم ذكروا ذلك.
فأما ابن عصفور فإنه قال في شرح الجمل 1: وينبغي أن يعلم أن الاسم المخفوض بـ «رب» هو معها بمنزلة اسم واحد يحكم على موضعها بالإعراب، فإن كان العامل الذي بعدها رافعا كانت في موضع رفع على الابتداء نحو قولك: رب رجل عالم قام؛ فلفظ «رجل» مخفوض بـ «رب» وموضعه مع «رب» رفع على الابتداء وإن كان العامل الذي بعدها متعديا ولم يأخذ معموله كان الاسم الذي بعد «رب» في موضع نصب ويكون لفظه مخفوضا نحو قولك: رب رجل عالم لقيت، وإن أخذ المتعدي معموله جاز الحكم على موضع الاسم بعد «رب» بالرفع والنصب، ويكون لفظه مخفوضا نحو: رب رجل عالم لقيته؛ لأن «رب» كأنها زائدة في الاسم فكأنك قلت: رب رجل عالم لقيته؛ فكما يجوز في «رجل» في هذه المسألة أن يرفع وينصب كذلك يجوز في الاسم الواقع بعد «رب» أن يحكم عليه بذلك.
والدليل على أن «رب» بمنزلة حرف زائد على الاسم أنها لو لم تكن كذلك لما جاز: رب رجل عالم ضربته؛ لأنك لو جعلت «رب رجل» متعلقا بـ «ضربت» لكنت قد عديت الفعل إلى الاسم وإلى [4/ 32] ضميره وذلك لا يجوز.
ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: زيدا ضربته؛ على أن يكون «زيدا» منصوبا بـ «ضربت» هذه الملفوظ بها؟ ولو جعلته متعلقا بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر وتكون المسألة من -
................................
باب الاشتغال لم يجز؛ لأنه لا يجوز في الاشتغال إضمار الفعل وإبقاء الاسم مجرورا لا يجوز أن تقول: بزيد مررت به؛ بل تقول: زيدا مررت به؛ فدل ذلك على أن «رب» كأنها زائدة وكأنك قلت: رب رجل عالم لقيته، أو رجلا عالما لقيته؛ على حسب ما تنوي.
وكذلك يجوز أن تقول: رب رجل عالم وغلام ضربته؛ بالخفض على اللفظ،
وبالرفع وبالنصب على الموضع على حسب ما تنوي، ويجوز أن تقول: رب رجل عالم وغلام ضربت؛ بالنصب، والخفض؛ فالخفض على اللفظ، والنصب على الموضع؛ لأنك لو أسقطت «رب» كان الكلام منصوبا، قال امرؤ القيس:
2684 - وسنّ كسنّيق سناء وسنّما... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض 1
بنصب «سنم» عطفا على موضع «سن» المخفوض بواو «رب»؛ لأن الواو لو لم تدخل عليه كان الاسم منصوبا بـ «ذعرت» ويجوز الخفض في «سنم» على اللفظ 2.
وقال في شرح الإيضاح 3: اختلفوا في موضع «رب» مع الاسم المجرور بها فمذهب الزجاج، ومن وافقه أنها وما عملت فيه في موضع نصب أبدا تقول: رب رجل قد ضربت، ورب رجل قد أتاني؛ فهي في موضع نصب بـ «ضربت»، وب «أتاني» إلا إن قدّرت «ضربت» و «أتاني» في موضع الصفة لـ «رجل»، فتكون «ربّ» وما عملت فيه في موضع نصب بعامل مضمر.
ومذهب الأخفش، والجرمي ومن تبعهما 4 أن «رب» تزاد في الإعراب ويحكم على موضع مخفوضها بالرفع، أو بالنصب، أو بهما؛ ففي نحو: ربّ رجل عالم أتاني؛ يحكم على الاسم المجرور بأنه في موضع رفع بالابتداء، وفي نحو: ربّ رجل عالم لقيت؛ يحكم بأنه في موضع نصب بـ «لقيت» وكأنك قلت في الأول: فلان أتاني، وفي الثاني: فلانا لقيت، وفي نحو: رب رجل عالم لقيته، أو مررت به؛ يجوز في الاسم المجرور أن يكون في موضع رفع، بالابتداء وأن يكون في موضع نصب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده وكونه في موضع رفع بالابتداء أولى كما هو -
................................
معروف في نحو: زيد لقيته، وزيد مررت به.
وتبين اعتبار الموضع بالعطف فيقال: رب رجل عالم وأخوه أتياني؛ بالرفع، ورب رجل عالم وأخاه لقيت؛
بالنصب، ورب رجل عالم وأخوه وأخاه لقيتهما، ورب رجل عالم وأخوه وأخاه مررت بهما؛ بالرفع والنصب، والاختيار الرفع كما عرفت، والخفض على اللفظ جائز في جميع الصور التي ذكرت.
قال: والصحيح عندي ما ذهب إليه الأخفش؛ لأن جعل «رب» غير زائدة في الإعراب يؤدي إلى أشياء لا تجوز في كلام العرب.
منها: أن يكون الفعل المتعدي إلى مفعوله بنفسه لا يصل إليه إلا بوساطة «رب» وذلك نحو قولك في جواب من قال: ما لقيت رجلا عالما: رب رجل عالم لقيت؛ إذ لو لم تجعل «رب» زائدة في الإعراب لكان «لقي» متعديا بواسطتها والفعل المتعدي بنفسه لا يحتاج في وصوله إلى مفعوله إلى واسطة حرف جر.
واعتذر الرماني عن ذلك بأن قال 1: «رب» دخلت على معمول الفعل كما دخل الجار في قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ 2 إلا أن اللام دخلت على معمول تَعْبُرُونَ على سبيل الجواز لما كان تقديمه وتأخيره سائغين.
ولما وجب في الفضلة المجرورة بـ «رب» التقديم على الفعل وجب دخول «رب» عليها؛ لأنه ليس بعد الجواز إلا الوجوب.
وهذا الذي اعتذر به ليس لشيء؛ لأن العامل إذا تقدم معموله عليه لم يقوّ في وصوله إليه إلا باللام خاصة، وأيضا فإن المفعول إذا لزم تقديمه على العامل لم يلزم أن يقوّى في وصوله بحرف الجر؛ إذ لك أن تقول: لأي رجل ضربت؛ قدّم اللام على المفعول وإن شئت أسقطتها، فتقول: أي رجل ضربت.
ومنها: أنك تقول في جواب من قال: ما لقيت رجلا عالما، وما مررت برجل عالم: رب رجل عالم لقيته، ورب رجل عالم مررت به، ولولا أن «رب» زائدة في الإعراب لم يسغ ذلك؛ لأن الفعل لا يتعدى إلى اسم بحرف جر ويتعدى مع ذلك إلى ضمير بنفسه أو بحرف جر لا تقول: بزيد لقيته، ولا: بزيد مررت به، وإن جاء ما ظاهره ذلك يؤول كقوله: -
................................
2685 - هذا سراقة للقرآن يدرسه... [والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب] 1
فالضمير المتصل بـ «يدرس» عند النحويين عائد على الدرس المفهوم من «يدرس»، ولا على «القرآن»، وكأنه قال: للقرآن يدرس الدرس، ونحو قراءة من قرأ (وللظالمين أعد لهم عذابا أليما) 2.
فـ «للظالمين» متعلق بفعل مضمر يفسره ما بعده والتقدير: وأعد للظالمين أعد لهم عذابا أليما، وهو مع ذلك قليل.
ومنها: أنك تقول في جواب من قال: ما يقول ذلك رجل عالم: رب رجل عالم يقول ذلك، ولولا أن «رب» زائدة في الإعراب والاسم المجرور بها في موضع رفع بالابتداء لم يسغ ذلك؛ لأن فاعل «يقول» ضمير عائد على «رجل» فلو لم يكن «رب رجل» في موضع رفع بالابتداء بل مجرورا متعلقا بـ «يقول» للزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره، وذلك لا يسوغ في باب من الأبواب ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول: بزيد فرح، تريد أن زيدا فرح بنفسه.
ومنها: أنك تقول في جواب من قال [4/ 33]: ليس في الدار رجل عالم:
رجل عالم في الدار، ولولا أن «رب» زائدة في الإعراب والاسم المجرور بها في موضع رفع بالابتداء والمجرور الذي هو «في الدار» في موضع خبره لما ساغ ذلك؛ إذ المجرور الذي حرف الجر فيه غير زائد لا يجوز الابتداء به، لا يجوز أن تقول:
برجل عاقل في الدار؛ والسبب الذي لأجله امتنعت «رب» من أن يصل بها عامل إلى معموله ما ذكره (ابن عمر) 3 من أنها ضارعت حرف النفي وحرف النفي لا يصل به عامل، وقد تبين في ما تقدم ذكر مضارعتها بالحرف النفي.
فإن قيل: كيف تجعل «رب» زائدة، والزائد هو الذي يجوز إسقاطه في الكلام فلا يتغير المعنى؟ فالجواب: أن الزائد قسمان:
زائد في اللفظ والمعنى؛ وهذا النوع هو الذي إذا أسقط (من) 4 الكلام لم -
................................
يتغير المعنى، وذلك نحو قولك: ليس زيد بقائم، وما جاءني من أحد.
وزائد في الإعراب، لا في المعنى؛ فهذا النوع هو الذي إن أسقط من الكلام غيّر المعنى، وذلك نحو قولك: جئت بلا زاد، وغضبت من لا شيء؛ فـ «رب» من هذا القبيل، ألا ترى أنها زائدة في الإعراب، وأعني بذلك أنها لا يطلبها عامل
على أن يصل إلى معموله بها بل تطلب الاسم الذي بعدها فتعمل في موضعه، ولا يعتد بها فاصلة بينه وبينه كما لا يعتد بـ «لا» النافية فاصلة بين الخافض والمخفوض.
ونظيرها في ذلك «لولا» مع المضمر و «لعلّ» في لغة من جر بها في أنهما لا يصل بهما عامل إلى معموله وأنك إذا قلت: لعل زيد قائم، ولولاي لجاء زيد؛ كان «قائم» خبرا عن «زيد»، وحاضر المضمر بعد «لولا» خبرا عن الضمير، ولم يصل بـ «لعل» و «لولا» عامل إلى معموله كما أنك إذا قلت: رب رجل عالم في الدار؛ كان المجرور الذي هو «في الدار» خبرا عن «رجل» ولم يصل بـ «رب» عامل إلى معموله.
فإن قيل: النحويون يقولون: إن «رب رجل» من قولنا: رب رجل عالم لقيت؛ متعلق بـ «لقيت»، ولم يقل أحد بذلك في «لولا» من قولك: لولاي لجاء زيد، ولا في «لعل» من قولك: لعل زيد قائم؛ فالجواب: أن المجرور بـ «لولا» و «لعل» لا يكون أبدا إلا في موضع لا يتعلق فيه بعامل.
وأما المجرور بـ «رب» فقد يكون في موضع مفعول وذلك في قولك: رب رجل عالم لقيت، وأشباهه.
ألا ترى أن المجرور بـ «رب» تعلقه بعامل ليس على أنه لا يكون معمولا له إلا بوساطة حرف الجر، فإن قال قائل: قول سيبويه في قولك: رب رجل يقول ذلك: إنك قد أضفت القول إلى الرجل بـ «رب» يعطي أن «يقول» تعدّى إلى الرجل بوساطة «رب».
فالجواب: أن حرف الجر لا يلزم فيه أن تضيف عاملا إلى معمول، بل قد تضيف الخبر إلى المخبر عنه.
وإن لم يكن عاملا فيه فـ «ربّ» هي التي أضافت الفعل إلى الرجل على معنى التقليل، ولولاها لم يكن مضافا إليه على معنى القلة، كما أنك إذا قلت: لعل زيد قائم؛ كانت «لعل» مضيفة القيام إلى «زيد» على جهة الترجي؛ إذ لولا «لعل» لم يكن مضافا إليه على ذلك المعنى، وحروف الجر غير الزائدة متعلقة كانت بعامل أو غير متعلقة به إنما معناها الإضافة.
فإن كانت متعلقة أضافت العامل إلى المعمول، وإن كانت غير متعلقة أضافت المبتدأ -
................................
إلى المخفوض بها على المعنى الذي لها.
انتهى كلام ابن عصفور 1.
وقد اشتمل على مباحث حسنة، غير أن: في جعله «رب» في الزيادة نظيرة «لا» من قولهم: جئت بلا زاد - نظرا؛ وذلك أن الحكم بزيادة «لا» في مثل: جئت بلا زاد، الموجب له تخطي العامل إياها بعمله في ما بعدها وليس مثل ذلك موجودا في «ربّ».
وأما ما ذكره من أن: «ربّ» لو لم تكن زائدة في الإعراب لكان يلزم أن يكون الفعل المتعدي الى مفعوله بنفسه لا يصل إليه إلا بوساطة «ربّ» في نحو قولنا:
رب رجل عالم لقيته؛ فيمكن أن يجاب عنه بما تقدم، وهو: أن حرف الجر هنا لم يجلب للتعدي وإنما جلب لما يعطي من المعنى.
وبعد: فكلامه في شرح الإيضاح يقتضي الحكم عليها بالزيادة، وكلامه في شرح الجمل يقتضي أن حكمها حكم الحرف الزائد.
ولعل هذا القول أقرب.
وأما ابن أبي الربيع فإنه قال: ذهب أكثر النحويين إلى أن «رب» لا بد لها من فعل تتعلق به.
وسمعت لبعض المتأخرين كلاما يقتضي أن «لا» تحتاج إلى متعلق؛ وذلك أنه قال: إذا قلت: رب رجل عالم قد لقيته؛ فـ «رب» هنا حرف دخل على المبتدأ وخفضه وهو بمنزلة «بحسبك زيد» الأصل: حسبك زيد؛ فدخل حرف الجر فانخفض المبتدأ فكما أن المجرور هنا لا يحتاج إلى متعلق فكذلك: رب رجل عالم لا يحتاج إلى متعلق 2.
وهذا الذي قاله لا يثبت ولا يوجد له نظير؛ لأن حرف الجر هنا زائد، وحرف الجر إذا كان زائدا فلا يلزم أن يتعلق بشيء إنما يكون بحسب ما يدخل عليه.
فإن دخل على المفعول طلب أن يتعلق بفعل؛ لأن المفعول طالب له، وإن دخل على المبتدأ أو خبره أو على خبر «ليس»، أو خبر «ما» لم يطلب ما يتعلق به، ولا يمكنك أن تجعل «رب» هنا زائدة؛ لأنها تحرز معنى، والزائد لا يحرز معنى، وإنما هو مؤكد؛ لأن كل حرف خافض لا يكون إلا موصلا، وإنما خفض إذا كان زائدا ليبقى عليه عمله الذي أنس به.
وما أدته العرب للتوكيد، وليس له أصل فلا يكون خافضا؛ لأنه ليس موصلا، و «رب» خافضة فلا بد أن تكون موصلة أو منقولة منها إن جعلتها زائدة.
-
................................
فقد صح ما ذكرته أنها لا بد (لها) 1 من فعل تتعلق به [4/ 34] ولا بد أن يكون ظاهرا، أو محذوفا، وإذا كان محذوفا كان على وجهين:
أحدهما: أن يكون قد ناب منابه شيء فلا يظهر.
الثاني: أن لا يكون قد ناب منابه شيء؛ فيجوز أن يظهر وأن لا يظهر، ويكون ظاهرا إذا لم يكن معك ما يدل عليه، وإذا كان معك ما يدل عليه ولم تكن الصفة تقوم مقامه؛ فأنت بالخيار: إن شئت حذفته، وإن شئت أظهرته، وإذا
كانت الصفة تقوم مقامه فلا يجوز إظهار الفعل.
فمثال ما أنت فيه بالخيار أن تسمع إنسانا يقول لك: ما لقيت رجلا عالما؛ فتقول له: رب رجل عالم لقيت، ولك أن لا تذكر «لقيت» فتقول: رب رجل عالم، وتكتفي بكونه جوابا فإن كان ذلك منك ابتداء فلا بد من إظهار الفعل، وأكثر ما تكون جوابا، وإذا كانت غير جواب فهي على تقدير ذلك 2 إلا أن الفعل يظهر؛ لأن سامعك لا يعلم ذلك الفعل إذا حذفته.
ومثال ما يكون الفعل فيه لا يظهر لأن الصفة تقوم مقامه قولك: رب رجل يفهم هذه المسألة؛ لمن يقول لك: قد فهمتها، فالتقدير: رب رجل يفهم هذه المسألة (وجدت لكن مثل) 3 هذا لا يظهر، وبهذا كان الأستاذ أبو علي (يتأول) 4 كلام سيبويه لأنه قال: «رب» وصلت «يفهم» إلى «رجل»، أو ما هذا معناه فكان يقول: إن يفهم لا يصح أن يكون إلا صفة لـ «رجل»؛ لأن فعل المضمر لا يتعدى إلى ظاهره.
ألا ترى أنك لا تقول: بزيد افتخر؛ تريد: بنفسه افتخر زيد؛ لأن فاعل «افتخر» ضمير يعود إلى «زيد» فكذلك فاعل «يفهم» ضمير يعود إلى «رجل» فكيف يتعدى إلى رجل بحرف جر؟ فلا بد له من متعلق محذوف إلا أنه لا يظهر، ونابت الصفة منابه، فلما كان كذلك قال سيبويه 5 رحمه الله تعالى: إن «رب» -
................................
وصلت «يفهم» إلى «رجل» وإن كانت إنما وصلت «وجدت» ونابت «يفهم» منابه، ولما كان قولك: رب رجل يفهم؛ بمنزلة: أقل رجل يفهم، وتنزّل منزلته؛ صار بمنزلة المبتدأ والخبر، وصارت «رب رجل» مبتدأ و «يفهم» خبره، ولذلك أجراه بعض المتأخرين مجرى «بحسبك زيد»، وهذا إنما يجري فيها في بعض وجوهها، وأما الأصل فما ذكرته أولا.
ومن هذا - والله تعالى أعلم - قول امرئ القيس:
2686 - فيا ربّ مكروب كررت وراءه... وعان فككت الغلّ عنه ففدّاني 1
فإنك لا تقدر أن تعلق «رب مكروب» بـ «كررت»، ولا تقدر أن تقدّر محذوفا يتعلق به فيجري مجرى ما ذكرته 2. انتهى كلامه.
وأما الشيخ فإنه مقتف كلام هذين الرجلين، ولم يظهر لي ما الذي هو مختاره في المسألة المذكورة؛ فإنه قال: وفي قول المصنف: ولا مضيّ ما تتعلق به نصّ على أنها تتعلق كحروف الجر غير الزوائد 3 قال: وهذا مسألة اختلاف [فيها] 4. ذهب الرماني 5، وابن طاهر إلى أنها لا تتعلق بشيء، وحكاه شيخنا ابن أبي الربيع عن بعض المتأخرين 6، وذهب الجمهور إلى أنها تتعلق، واختلفوا [في موضع المجرور بها]؛ فذهب الزجاج 7 إلى أن مجرورها في موضع نصب أبدا، وذهب الجرمي 8، والأخفش إلى أنها تزاد في الإعراب ويحكم على موضع مجرورها بالنصب والرفع على حسب العوامل بعدها ويجوز [فيه] الاشتغال إذا كان العامل قد عمل في ضميره، أو سببيه نصبا، ويعطف على لفظه وعلى موضعه 9.
وذكر حذف الفعل الواقع بعد «ربّ» فقال: وحذف الفعل الذي يكون خبرا لمجرور «رب»، أو عاملا في موضعه، أو مفسرا لعامل نادر وفاقا لسيبويه 10 والخليل، لا كثير خلافا للفارسي 11، والجزولي 12، ولا ممنوع خلافا للكذة -
[لولا.. حكم الجر بها]
قال ابن مالك: (فصل: قد يلي عند غير المبرّد «لولا» الامتناعيّة الضّمير الموضوع للنّصب والجرّ مجرور الموضع عند سيبويه مرفوعه عند الأخفش، والكوفيّين).
الأصبهاني 1؛ إذ زعم أن ذكره واجب 2، ثم ذكر كلام ابن أبي الربيع المقدم آنفا المشتمل على الذكر والحذف، ثم قال: فصارت المذاهب في الفعل المقدر عاملا في «ربّ» بالنسبة إلى الحذف خمسة: الندور: وهو مذهب سيبويه، والخليل، والكثرة: وهو مذهب الفارسي، والمنع: وهو مذهب لكذة، ولزوم الحذف: نقله صاحب البسيط 3، قال: لأنه معلوم كما حذف في باسم، وتالله لأفعلن، والتفصيل: وهو ما ذهب إليه ابن أبي الربيع 4. انتهى.
وأقول: هذا الذي ذكرته، وأوردته من الكلام على «ربّ» هو الذي وصلت القدرة إليه.
ولا شك أن بعض المسائل، وبعض المباحث المتقدمة لم تنجل عند النفس انجلاء خالصا.
فسبحان من يعلم حقائق الأمور وخفاياها، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 5: إذا ولي «لولا» الامتناعية مضمر فالمشهور كونه أحد المضمرات المرفوعة المنفصلة؛ لأنه موضع ابتداء قال الله تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ 6، ومن العرب من يقول: لولاي، ولولانا، إلى لولاهنّ، وزعم المبرد 7 أن ذلك لا يوجد في كلام من يحتج بكلامه، وما زعمه مردود برواية سيبويه والكوفيين.
وأنشد سيبويه 8 رحمه الله تعالى:
2687 - وكم موطن لولاي طحت كما هوى... بأجرامه من قنّة النيق منهوي 9
-
- أصول ابن السراج والمقدمة وغيرهما (ت 607 هـ) وانظر: الأعلام (5/ 288)، والهمع (2/ 28).
................................
وأنشد الفرّاء 1:
2688 - أتطمع فينا من أراق دماءنا... ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن 2
ومذهب سيبويه في ياء «لولاي»، وكاف «لولاك» وشبههما أنها في موضع جر 3 بـ «لولا»؛ لأن الياء وأخواتها لا يعرف وقوعه إلا في موضع نصب أو جر، والنصب في «لولاي» ممتنع؛ لأن الياء [4/ 35] لا تنصب بغير اسم إلا ومعها نون الوقاية وجوبا، أو جوازا ولا تخلو منها وجوبا إلا وهي مجرورة وياء «لولاي» خالية منها وجوبا فامتنع كونها منصوبة وتعين كونها مجرورة، وفي ذلك مع شذوذه استيفاء حقّ لـ «لولا»؛ وذلك أنها مختصة بالاسم غير مشابهة للفعل، ومقتضى ذلك أن تجر الاسم مطلقا لكن منع من ذلك شبهها بما اختص به الفعل من أدوات الشرط في ربط جملة بجملة.
وأرادوا التنبيه على موجب العمل في الأصل فجروا بها المضمر المشار إليه.
ومذهب الأخفش 4 أن الياء وأخواتها في موضع رفع نيابة عن ضمائر الرفع المنفصلة ونظير ذلك نيابة المرفوع في: ما أنا كأنت، وشبهه.
انتهى كلام المصنف 5.
وكلام ابن عصفور موافق له.
وقد علمت في ما تقدم من كلام ابن عصفور أن «لولا» مع المضمر لا تتعلق بشيء كما أن «لعل» أيضا كذلك إذا جرت.
ومن ثم قال ابن أبي الربيع: تنزلت «لولا» مع الضمير - في لغة من يقول: لولاك، ولولاه - منزلة الباء في «بحسبك زيد»؛ ألا ترى أن «حسبك» مرفوع بالابتداء دخلت عليه الباء فعملت عملها المعهود لها، وهو الخفض، فشبهت بها «لولا»؛ لأن كل واحدة منها حرف مختص بالاسم قد دخل على المبتدأ فعملت
في المبتدأ الخفض؛ لذلك قال: وهذا لم تفعله العرب إلا مع الضمير قليلا، ثم قال: ومذهب الأخفش معترض؛ -
[لعلّ، ومتى.. هل يجر بهما]
قال ابن مالك: (ويجرّ بـ «لعلّ»، و «علّ» في لغة عقيل، وب «متى» في لغة هذيل). لأن الضمير المخفوض لا يكون إلا متصلا، ولا يتصل الضمير إلا بعامله، و «لولا» عنده ليست بعامله، وإنما الضمير عنده مرفوع بالابتداء والابتداء عامل معنوي 1. وقال ابن عصفور: والذي ذهب إليه الأخفش فاسد؛ لأن وقوع الضمير المتصل موقع المنفصل لا يجوز إلا في ضرورة شعر كقوله: 2689 - [وما نبالي إذا ما كنت جارتنا]... ألّا يجاورنا إلّاك ديّار 2 يريد: إلا إياك.. فإذا كان وضع المتصل موضع المنفصل قبيحا مع أنهما من قبيل واحد أي: منصوبان؛ فبالأحرى إذا كانا من بابين مختلفين بأن يكون المتصل ضمير خفض، والمنفصل الذي وقع موقع ضمير رفع 3. قال ناظر الجيش: قال المصنف: روى أبو زيد عن بني عقيل الجرّ بـ «لعل» (4)، وحكى الجر بها أيضا الفراء وغيره 4، وروى في لامها الأخيرة الفتح، والكسر، وأنشد باللغتين قول الشاعر: 2690 - لعلّ الله يمكنني عليها... جهارا من زهير أو أسيد 5 وروى الفرّاء 6 أيضا الجرّ بـ «لعلّ»، وأنشد: 2691 - علّ صروف الدّهر أو دولاتها... يدلننا اللّمّة من لمّاتها فتستريح النّفس من زفراتها 7
................................
وأما «متى» فهي في لغة هذيل حرف جر بمعنى «من»، ومنه قول الشاعر:
2692 - شربن بماء المزن ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج 1
ومن كلامهم: أخرجها متى كمه، أي: من كمه.
انتهى.
وقد أنكر بعض الناس الجرّ بـ «لعل»، ومنهم ابن عصفور وخرج قول الشاعر:
2693 - [فقلت ادع أخرى وارفع الصّوت جهرة]... لعلّ أبي المغوار منك قريب 2
على أن «لعل» ناصبة لضمير شأن محذوف، وأن «أبي المغوار» مجرور بلام محذوفة و «قريب» صفة لمحذوف التقدير: لعل لأبي المغوار منك جواب قريب 3.
وقال: إنه ارتكب في البيت ضرورتان: حذف ضمير الشأن، والجر بحرف محذوف.
ولا يخفى ما في هذا التخريج
مع بعده من التكلف.
وإذا نقل الأئمة أن الجر بـ «لعل» لغة لقوم من العرب؛ فكيف يسوغ إنكار ذلك، وقد رواه أبو زيد عن بني عقيل، وكذلك رواه الفراء أيضا كما ذكر المصنف؟!
وقال الشيخ: والصحيح ثبوت ذلك لغة وحكاها الأخفش والفراء 4، ثم إن الشيخ ذكر 5 احتمالا في ما استدل به على الجر بـ «متى»، وذلك بأن يكون «متى» في البيت الذي أنشده المصنف، وفي قول الآخر:
2694 - متى ما تعرفونا تنكرونا... متى أقطارها علق مصب طرفا 6
بمعنى «وسط» فتبقى على ما استقر فيها من الظرفية وإن لم تكن شرطا، ولا استفهاما.
وأقول: ما المحوج إلى هذا التخريج البعيد المتكلف بعد أن ثبت أن ذلك لغة بنقل الأئمة المعتبرين؟!
مواضع الجر بحرف محذوف، أحكامه، حكم الفصل بين الجار والمجرور
قال ابن مالك: (فصل في الجرّ بحرف محذوف.
يجرّ بـ «ربّ» محذوفة بعد الفاء كثيرا، وبعد الواو أكثر، وبعد «بل» قليلا، ومع التجرد أقلّ، وليس الجرّ بالفاء و «بل» باتّفاق، ولا بالواو خلافا للمبرّد، ومن وافقه، ويجرّ بغير «ربّ» أيضا محذوفا في جواب ما تضمّن مثله، أو في معطوف على ما تضمنه بحرف متّصل أو منفصل بـ «لا» أو «لو»، (أو) 1 في مقرون بعد ما تضمنه بالهمزة، أو «هلّا»، أو «إن»، أو الفاء الجزائيتين.
ويقاس على جميعها خلافا للفراء في جواب [نحو]: بمن مررت؟ وقد يجر بغير ما ذكر محذوفا.
ولا يقاس منه إلّا على ما ذكر في باب «كم» و «كان» و «لا» المشبهة بـ «إنّ»، وما يذكر في باب القسم، وقد يفصل في الضّرورة بين
حرف جرّ ومجرور بظرف أو جارّ ومجرور وندر في النّثر الفصل بالقسم بين حرف الجرّ والمجرور، والمضاف والمضاف إليه).
قال ناظر الجيش: اعلم أن الذي أشار إليه المصنف في هذا الفصل من جواز حذف حرف الجر وبقاء عمله مخالف لما يراه المغاربة؛ وذلك أنهم لا يجوزون الجر بحرف محذوف غير «رب» إلا إذا عوض عن ذلك الحرف غيره، وذلك إنما هو في باب «كم»، وباب القسم، والجر بحرف محذوف غير «ربّ» في غير هذين [4/ 36] البابين معدود عندهم من النادر الشاذ؛ فلا يقاس عليه.
أما المصنف فإنه يرى أن الجر بحرف محذوف غير «رب» جائز مقيس في غير هذين البايين كما هو جائز فيهما ولكن إنما يجوز ذلك في مواضع خاصة، والمواضع التي تضمنها كلامه سبعة:
فالأول: كونه في جواب كلام تضمن مثل ذلك الحرف.
والثاني: كونه في معطوف على ما تضمنه.
والثالث: كونه في مقرون بأحد أربعة أحرف مذكور بعد ما تضمنه، وأربعة الأحرف هي: الهمزة، و «هلّا»، و «إن، والفاء» الجزائيتان.
-
................................ والرابع: في باب «كم». والخامس: في باب «كان». والسادس: في باب «لا» المشبهة بـ «إنّ». والسابع: القسم، فزاد على ما ذكره المغاربة خمسة مواضع، ولا يبعد ما قاله عن الصواب. وكم له من استدراكات. فرحمه الله تعالى، وأحسن جزاءه بمنّه، وكرمه. وهذا الذي ذكرناه إنما هو في حكم غير «ربّ». أما إذا كان الحرف «ربّ» فهم متفقون على عملها محذوفة. وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى تصوير المسائل، وذكر أمثلتها وإلى ما يتعلق بلفظ الكتاب. فنقول: قد ذكر المصنف 1 أن الجر بـ «رب» محذوف بعد الواو كثير، وأن الجر بها محذوفة بعد الفاء أقل من ذلك وأن فعل، وأن فعل ذلك بعد «بل» أقل من فعله بعد الفاء، وأن فعله مع التجرد أقل من فعله بعد «بل»، ومثاله بعد الواو قول امرئ القيس: 2695 - وليل كموج البحر أرخى سدوله... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي 2 وقد أكثر المصنف من ذكر الشواهد على ذلك، ولا حاجة إلى إيرادها؛ لأن هذا كما قال الشيخ: لا يحتاج إلى مثال؛ لأن دواوين العرب ملأى منه 3. ومثاله بعد الفاء قول امرئ القيس: 2696 - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا... فألهيتها عن ذي تمائم محول 4 وقول الآخر: 2697 - فإن أهلك فذي حنق لظاه... تكاد عليّ تلتهب التهابا 5
................................ وقول الآخر: 2698 - إن يثن سلمى بياض الفود عن صلتي... فذات حسن سواها دائما أصل 1 وقول الآخر: 2699 - فإمّا تعرضنّ أميم عنّي... وينزعك الوشاة أولو النّباط فحور قد لهوت بهنّ عين... نواعم في المروط وفي الرّياط 2 قال الشيخ: وقول المصنف: يجر بـ «رب» محذوفة بعد الفاء كثيرا، ليس بكثير، بل هو قليل يكاد ألا يوجد منه إلا هذا الذي أنشده 3. ومثاله بعد «بل» قول الراجز: 2700 - بل بلد ملء الفجاج قتمه... لا يشترى كتّانه وجهرمه 4 ومثال الجر بها محذوفة دون واحد من الثلاثة قول الراجز: 2701 - رسم دار وقفت في طلله... كدت أقضي الحياة من جلله 5 قال المصنف 6: ولا خلاف في أن الجر في: فذي حنق، وبل بلد، ورسم -
................................ دار، وأشباهها بـ «ربّ» المحذوفة، وزعم المبرد أن الجر بعد الواو بالواو نفسها 1. ولا يصح ذلك؛ لأن الواو أسوة «الفاء، وبل» في إضمار «رب» بعدهما، ولأنها عاطفة لما بعدها من الكلام على ما قبلها، والعاطف ليس بعامل ولا يمنع كونها عاطفة افتتاح بعد الأراجيز بها؛ (لإمكان) 2 إسقاط الراوي شيئا من الأرجوزة متقدما، ولإمكان عطف الراجز ما افتتح به على بعض ما في نفسه. انتهى. وقال ابن أبي الربيع: العرب تحذف «رب» وتبقي عملها بعد واو العطف ولا يجوز إظهارها بعده، نحو قول امرئ القيس: 2702 - وفرع يغشّي المتن أسود فاحم... أثيث كقنو النّخلة المتعثكل 3 وهذا إذا كانت الواو عاطفة جملة على جملة، وأما إذا كانت معطوفة على «رب» نحو: ربّ مكروب، وربّ أسير؛ فتكون ظاهرة، وإنما يلزم حذفها في ما ذكرت لك. وقد أجرت العرب الفاء مجرى الواو فحذفت بعدها «ربّ» نحو: 2703 - فمثلك حبلى......... البيت ونحو: 2704 - فإن أهلك فذي حنق... البيت الآخر وقد حذفت قليلا بعد «ثمّ» والأصل في هذا كله الواو. ولا أعلم خلافا بين النحويين في ما ذكرته إلا أبا العباس المبرد فإنه قال: إن الواو بمنزلة «رب» وإن الواو تأتي على ثلاثة أقسام: عاطفة، وللحال، وبمنزلة «رب». وقال في مثل قول امرئ القيس: وفرع يغشّي المتن... إن الخفض في «فرع» بالواو، وليست عاطفة، وكأنه قال: ربّ فرع فوضعت العرب الواو موضعها، وبمعناها. واستدل على ذلك بقول الشاعر: 2705 - وقائم الأعماق خاوي المخترق... [مشتبه الأعلام لمّاع الخفق] 4
................................
قال: لأن الواو فيه ليست عاطفة؛ لأن هذا أول الأرجوزة فليس ثم ما يعطف عليه، فإذا صح أنها ليست عاطفة صح أنها بمنزلة «ربّ» 1. قال ابن أبي الربيع:
والحجة لقول الجمهور أن العرب لم تدخل عليها حرف العطف فلو كانت بمنزل «ربّ» لقالوا: وفرع، كما تقول: ورب فرع، إذا تقدم قبل ذلك «ربّ» لا يقال: كرهوا ذلك لاتفاق اللفظين؛ لأنهم قد قالوا: والله، وو الله، ويقول العرب: جاء زيد ووجهه حسن.
وأما الجواب عن:
2706 - وقاتم الأعماق خاوي المخترق
فالجواب عنه: أن العرب عادتها أن تستفتح قصائدها بما يكون فيه تأنيس للخاطر، فتتغزل كثيرا.
فكأنّ هذا لمّا أخذ في أرجوزته قام في نفسه ما جرت العادة به فقدره مقولا موجودا، فعطف عليه: «وقاتم الأعماق»، وينظر إلى هذا ما روي في قصيدة زهير:
2707 - دع ذا وعدّ القول في هرم... [خير البداة وسيّد الحضر] 2
ولا يعرفون قبلها شيئا وكان منهم من ينشدها:
2708 - لمن الديار تعنه البحر
لكن الحجة في رواية من روى أولها:
دع ذا وعدّ القول...
فإن «ذا» إشارة إلى شيء، ولم يذكر قبل ذلك شيئا فتكون إشارة - والله أعلم - ما جرت العادة أن تستفتح القصائد به من الغزل، ووصف الأطلال، وغير [4/ 37] ذلك مما يجري في أول قصائدهم 3. انتهى كلام ابن أبي
الربيع.
ومثال الجر بغير «رب» محذوفا في جواب ما تضمن مثله نحو: «زيد» في - - وهو الشق، وانظر: ديوانه (ص 104)، والخصائص (1/ 228، 260)، وشرح المفصل (2/ 118)، (9/ 29)، والكتاب (2/ 301)، والهمع (2/ 36).
................................ جواب من قيل له: بمن مررت؟ وكقوله عليه الصلاة والسّلام إذ قيل له: فإلى أيّهما أهدي؟ قال: «أقربهما [منك] بابا» 1 بالجر على إضمار «إلى». ومن الجواب نحو: بلى زيد بالجر لمن قال: ما مررت بأحد، أو: هل مررت بأحد؟ ومثال ذلك بعد عطفه على الوجه المذكور قوله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 2 فجر اخْتِلافِ اللَّيْلِ بـ «في» مقدرة مع اتصاله بالواو لتضمن ما قبلها إياها، وقرأ عبد الله بإظهارها 3. ومثل ما في الآية قول الشاعر: 2709 - ألا يا لقومي كلّ ما حمّ واقع... وللطّير مجرى والجنوب مصارع 4 ومثله: 2710 - حبّب الجود للكرام فحمدوا... ولناس فعل اللّئام فلئموا 5 ومثله: 2711 - أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا 6 ومثله: 2712 - كالمرّ أنت إذا ما حاجة عرضت... وحنظل كلّما استغنيت خطبان 7 ومثال ذلك مع الفصل بـ «لا» قول الراجز: 2713 - ما لمحبّ جلد أن [ي] هجرا... ولا حبيب رأفة فيجبرا 8
................................
ومثال ذلك مع الفصل بـ «لو» ما حكى أبو الحسن في المسائل 1 من أنه يقال:
جيء بزيد، أو عمرو، ولو كليهما.
وأجاز في «كليهما» الجرّ على تقدير: ولو بكليهما، والنصب بإضمار ناصب، والرفع بإضمار رافع.
قال المصنف: وأجود من هذا المثال الذي ذكره الأخفش أن يقال: جيء بزيد وعمرو ولو أحدهما، كما قال الشاعر:
2714 - متى عذتم بنا ولو فئة منّا... كفيتم ولم تخشوا هوانا ولا وهنا 2
لأن المعتاد في مثل هذا النوع من الكلام أن يكون ما بعد «لو» أدنى مما قبلها في كثرة، وغيرها كقول النبي صلّى
الله عليه وسلّم: «التمس ولو خاتما من حديد» 3، وكقولهم:
ائتني بدابة ولو حمارا، ومن شواهد إضمار الجار في العطف بغير الواو قول الشاعر:
2715 - أيّه بضمرة أو عوف بن ضمرة أو... أمثال ذينك إيّه تلف منتصرا 4
قال المصنف: (أراد: أو) 5 بأمثال ذينك إيه.
قال الشيخ: ولا يتعين ما قاله؛ إذ يحتمل أن يكون «أو مثال ذينك» معطوفا على ما قبله، و «إيه» توكيد لقوله «إيه» المتقدمة 6. ثم قال المصنف: ومنها - أي: ومن شواهد إضمار الجار في العطف بغير الواو - قول القائل:
2716 - لك ممّا يداك تجمع ما تن... فقه ثمّ غيرك المخزون 7
أراد: ثم لغيرك المخزون، ومثال جر المقرون بهمزة الاستفهام، وب «هلّا» على الوجه المذكور ما حكى الأخفش في المسائل من أنه يقال: مررت بزيد، فتقول: أزيد ابن عمرو؟، ويقال: جئت بدرهم، فيقال: هلا دينار؟ قال أبو الحسن: وهذا كثير (1). ومثال الجر -
................................
بمضمر بعد «إن والفاء» الجزائيتين ما حكى يونس من قولهم: مررت برجل صالح إن لا صالح فطالح؛ على تقدير: إن لا أمر بصالح فقد مررت بطالح، وأجاز امرر بأيهم هو أفضل إن زيد وإن عمرو، على معنى: إن مررت بزيد، أو مررت بعمرو 1.
قال المصنف: وجعل سيبويه إضمار الباء بعد «إن» لتضمن ما قبلها إياها أسهل من إضمار «رب» بعد الواو 2، فعلم بذلك اطراده عنده.
وشبيه بما روى يونس ما في البخاري من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعة فخامس أو سادس» 3، ويجوز رفع «أربعة» على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وجرها على حذف المضاف، وبقاء عمله ونظائر الرفع أكثر.
قال: والقياس على هذه الأوجه كلها جائز، ومنعه الفراء 4 في نحو: زيد، لمن قال: بمن مررت؟ والصحيح جوازه لقوله عليه الصلاة والسّلام: «أقربهما منك بابا» بالجر؛ إذ قيل له: فإلى أيّهما أهدي.
وكقول العرب: خير، لمن قال: كيف أصبحت؟ 5 بحذف الباء وإبقاء عملها؛ لأن معنى «كيف»: بأي حال؟ فجعلوا معنى الحرف دليلا، فلو لفظ به لكانت الدلالة أقوى وجواز الجر أولى.
وقد يجر بحرف محذوف في غير ما ذكر مقيسا، ومسموعا.
فالمقيس نحو: بكم درهم؟ ولا سابق شيئا، وألا رجل جزاه الله خيرا، وقد ذكرت هذه الأنواع الثلاثة في أبوبها.
ومن المقيس نحو: ها الله لأفعلن، مما يذكر في باب القسم.
والمسموع كقول الشاعر:
2717 - سألت الفتى المكّيّ ذا العلم ما الّذي... يحلّ من التّقبيل في رمضان
فقال لي المكّيّ إمّا لزوجة... فسبع وإمّا خلّة فثمان 6
- (1) الارتشاف (ص 747).
................................
أراد: وإما لخلة، وكقول الآخر:
2718 - وكريمة من آل قيس ألفته... حتّى تبذّخ فارتقى الأعلام 1
أراد: في الأعلام، والأول أجود؛ لأن فيه حذف حرف (ثابت) 2 مثله في ما قبله، ولكن لا يقاس عليه لكون العاطف مفصولا بـ «إما»، وهي تقتضي الاستئناف، ومثل «فارتقى الأعلام» قول الآخر:
2719 - إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة... أشارت كليب بالأكفّ الأصابع 3
أراد: أشارت إلى كليب وفي صحيح البخاري قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلاة الرّجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمس وعشرين ضعفا» 4 بخفض «خمس» على تقدير الباء.
ومثله في جامع المسانيد على أحد الوجهين قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجّل ثلاث» 5 [4/ 38] على أن يكون المراد: المحجل [في] ثلاث.
والأجود أن يكون أصله: المحجل محجل ثلاث، فحذف البدل، وبقي مجروره كما فعل بالمعطوف في نحو: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة 6. هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولا مزيد عليه في الحسن واللطف.
وإذا تحققت كلامه عرفت أنه لو قال في متن الكتاب: وقد يجر في غير ما ذكر بحرف محذوف كان أولى من قوله فيه: وقد يجر بغير ما ذكر محذوفا، فإن كلامه السابق لم يتضمن أن الحرف الذي يجر به محذوفا حرف خاص حتى يقول: -
................................
وقد يجر بغيره وإنما تضمن أن ثمّ مواضع يحذف فيها الجار، ويبقى جره وهذا يوجب له أن يقول: وقد يجر في غير ما ذكر بحرف محذوف كما قدمنا.
ثم إن المصنف لما انقضى كلامه على الجر بحرف محذوف ذكر مسألة الفصل بين حرف الجر والمجرور فقال: وقد يفصل في الضرورة بين حرف الجر، ومجرور.. إلى آخره.
وقال في الشرح: وقد يفصل بين حرف جر ومجرور بظرف، أو مفعول به، أو جار ومجرور، ولا يكون ذلك إلا في ضرورة الشعر كقول الشاعر:
2720 - يقولون في الأكفاء أكثر همّة... ألا ربّ منهم من يعيش مالكا 1
أراد: ربّ من يعيش مالك منهم، وكقول الآخر:
2721 - ربّ في النّاس موسر كعديم... وعديم يخال ذا إيسار 2
أراد: ربّ موسر كعديم في الناس، وكقول الفرزدق:
2722 - وإنّي لأطوي الكشح من دون من طوى... وأقطع بالخرق الهيوع المراجم 3
أراد: وأقطع الخرق بالهيوع المراجم، ففصل بالمفعول به بين الباء ومجرورها، وأنشد أبو عبيدة 4:
2723 - إنّ عمرا لا خير في اليوم عمرو... وإنّ عمرا مخيّر الأحوال 5
أراد: لا خير اليوم في عمرو، وحكى الكسائي في الاختيار الفصل بين الجار والمجرور بالقسم نحو: اشتريت بو الله درهم، والمراد: بدرهم والله، أو: والله بدرهم وحكى الكسائي أيضا: هذا غلام والله زيد 6، وحكى أبو عبيدة: إنّ الشّاة تعرف ربّها حين تسمع صوت والله ربّها 7، ففصل بالقسم بين المضاف والمضاف إليه.