................................ الخضراوي: ولا يردف قسم على قسم فيجاب أحدهما وقوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها 1 [و] وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (1) وَالنَّهارِ [إِذا تَجَلَّى] 2، [و] وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى 3 هي عند الخليل وسيبويه عاطفة 4. وتقول: وحقك حق فلان لأقومن كما تقول: إن تخرجي وإن تدخلي البيت فأنت طالق، ولا يجوز بغير حرف عطف، وقال أبو علي: لم يجز سيبويه إدخال قسم على قسم 5، وليس هذا من ذلك على أنه قد قال: 2859 - ولقد علمت لتأتينّ منيّتي... [إنّ المنايا لا تطيش سهامها] 6 وقال السيرافي: لا يفصل بين القسم وجوابه ولا يبقى الأول بلا جواب 7، وكذا قال أبو علي في «الحلبيات» 8؛ فلزم من ذلك بقاء الاسم بلا جواب، وهذا أيضا لا يصح لأنه يصح أن يكون الجواب الأول ويحذف جواب ما بعده، كما تقول: والله إن قمت لأضربنك، وإن تقم والله أضربك 9 فلو كانت [4/ 64] الآي على تكرير القسم لكانت بحرف العطف ولا يصح ادعاء حذفه؛ لأن ذلك قليل لا يقال، وتقول: والله ثم الله لأفعلن كذا، وو الله فالله لأفعلن؛ فإن قلت: والله لأضربنك ثم الله لأخرجنك؛ جاز النصب والخفض، فإن قلت: ثم لأخرجنك الله؛ لم يجز إلا النصب أو تقول: ثم لأخرجنك والله، ولا تعطفه على ما تقدم؛ لأن حرف العطف بمنزلة حرف الجر لما ناب منابه، ولا يفصل بين حرف الجر ومعموله ولو جاء لكان على إضمار حرف الجر بلا عوض ولا يراه سيبويه إلا فيما سمع 10 ولم يجئ إلا في هذه الكلمة خاصة كقوله: -
................................
2860 - ألا ربّ من تغتشّه لك ناصح... ومن قلبه لي في الظّباء السّوانح 1
وغيره من الأسماء إنما جاء فيه مع حذف حرف القسم النصب كما أنشد المفضل والفراء:
2861 - أقول لبوّاب على باب دارها... أميرك بلّغها السّلام وأبشر 2
وأنشد أيضا:
2862 - أقول لقاسم والله عوني... حياة أبيك لي حملا ظهيرا 3
وفي شرح الشيخ: قال الخليل: إن العرب لا تقول: بالله بالنبي لأفعلن كذا، فلا تأتي بقسم حتى توفّي الأول فتقول: بالله لأفعلن بالكعبة لأفعلن» 4.
وقال الأستاذ أبو علي: ملخص كلام الخليل أنه لا يجتمع مقسم بهما إلا أن يكون الثاني هو الأول على التوكيد، ودليله أنا إذا قلنا: وحقك وحق زيد لأفعلن كذا، إذا لم تجعل الواو عاطفة فهو يحتمل وجوها أربعة:
الأول: أن يجعل «وحق زيد» توكيد الجملة المقسم بها، وهو فاسد؛ لأنه ليس توكيدا لفظيّا ولا معنويّا.
والثاني: أن يجعله متعلقا بمحذوف والجملة توكيد بجملة المقسم به، وفيه تأكيد الشيء قبل أن يتم ولا يؤكد الشيء ولا يحمل عليه شيء من الأشياء إلا بعد استقلاله.
والمؤكد هنا هو جملة القسم والجواب؛ فهما في هذا القصد كالمفرد فلا يؤكدان حتى يتمّا ويتقدّما والفصل بينهما بالتأكيد كالفصل بين أجزاء المفرد، وذلك لا يجوز.
والثالث: أن تجعلهما جملتين منقطعتين لكن جوابهما واحد وهو واضح الفساد؛ إذ كل قسم لا بد له من جواب؛ لأنهما منقطعان ليس الثاني تأكيدا للأول.
والرابع: أن تقدرهما جملتين ولكل واحد جواب إلا أنه حذف جواب -
................................
أحدهما، وأكدت بإحداهما الأخرى بعد أخذ الجواب ولا يخلو في هذا الوجه أن يجعل جواب الأول هو المحذوف
والذي في اللفظ جواب الثاني أو تعكس، فإن قدرت الأول ففيه مضعفان: حذف الأول لدلالة الثاني وليس مطردا، فإنه كالإضمار فليس إلا في نحو أبواب الاشتغال، وبالجملة فهو لا ينبغي؛ إذ لا يحذف الشيء حتى يكون قد علم.
والمضعف الثاني: التأكيد مع الحذف وهما متنافيان.
فقد امتنع أن تكون الواو هنا واو قسم على الوجوه الثلاثة من كل وجه، وعلى الرابع يضعف ويكون شاذّا فلم يبق إلا العطف، ولهذا الرابع تعرض الخليل أن يتكلم عليه وضعفه، فتدبره لأن الآخر بيّن (الفساد) 1. انتهى؛ يعني كلام الشلويين رحمه الله تعالى.
وقد علم منه أنّ كون الواو في: «وحق زيد» من قولنا: وحقك وحق زيد لأفعلن واو قسم كالتي قبلها ضعيف، وكذا يعلم ذلك من قول ابن عصفور:
فينبغي أن تجعل الواو الأولى حرف قسم وما بعدها حرف عطف: أن كونها حرف قسم كالأولى لا يمتنع رأسا.
وأما عبارة الخليل في المسألة فلم أر الجماعة ذكروها، وقد أورد الزمخشري في الكشاف بأنه قال: فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ «صاد، وقاف، ونون» مفتوحات؟ 2.
قلت: الوجه أن يقال ذلك نصب وليس بفتح، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف وانتصابها بفعل مضمر نحو: اذكر، فإن قلت: فهلا زعمت أنها مقسم بها، وأنها نصبت نصب قولهم: نعم الله لأفعلن، وإي الله لأفعلن على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم.
قلت: إن «القرآن» و «القلم» 3 بعد هذه الفواتح محلوف بهما، فلو زعمت ذلك لجمعت بين قسمين على مقسم عليه واحد وقد استكرهوا -
................................
ذلك 1. قال الخليل في قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (1) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى 2 وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (2) الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنها الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء.
قال سيبويه: قلت للخليل: فلم لا تكون الأخريان بمنزلة الأولى؟
فقال: إنما أقسم بهذه الأشياء على شيء [واحد] 3، ولو كان انقضى قسمه بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاما آخر فيكون كقولك: بالله لأفعلن، [و] بالله [لأخرجن] 4 اليوم، ولا يقوى أن تقول: وحقك وحق زيد لأفعلن، والواو الأخيرة واو قسم لا يجوز إلا مستكرها 5. قال: وتقول: وحياتي ثم حياتك لأفعلنّ فـ «ثمّ» هنا بمنزلة الواو 6. انتهى.
المسألة الثانية:
إذا أخبرت عن قسم غيرك، فلك أن تقول: أقسم زيد ليضربن عمرا ولك أن تحكي تقول: لأضربن قال الله تعالى (في كتابه العزيز) 7: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ 8، وقال تعالى: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى 9.
المسألة الثالثة:
الاستحلاف يجري مجرى اليمين إلا أنّ فاعل الفعل في جواب اليمين يكون على حسب الفاعل من غيبة، وخطاب، وتكلم [4/ 65] نحو: والله ليقومن زيد، والله لتقومن، والله لأقومن، وأما في الاستحلاف فتجوز المخالفة فيجوز أن يقال:
أستحلفه (ليفعلن) 10، ولأفعلن في الغائب، واستحلفتك لتفعلن، ولأفعلن في المخاطب، واستحلفني لأفعلن 11 في المتكلم.
شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة 778 هـ
دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)
[المجلد السابع]