تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4419-4458

الباب الخامس والستون باب عوامل الجزم

صفحات 4419-4458

................................  رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ 1» انتهى.
ومما قيل: إنّ «إن» فيه بمعنى «إذ» قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ 2، وما ورد في الحديث: «وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» 3 وكذا حمل على ذلك قوله: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 4. قال الشيخ 5: «وحملها على أنها شرط في هذا كله سائغ، فلا ينبغي العدول عن ذلك إلا بدليل واضح» انتهى.
وأقول: قد قال الزمخشري 6 في قوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ 7: «إنما ساغ دخول إن لكون الموت مجهول الوقت» وهو كلام حسن، فيمكن أن يقال [ذلك] [في] الآية الشريفة وهي: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ وكذا في الحديث الشريف وهو «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» وهو أن مشيئة الله سبحانه تعالى مجهولة الوقت، وأما قوله تعالى: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فيمكن أن يكون المراد بالإيمان فيها: كمال الإيمان، ولا شك أن كمال الإيمان بامتثال جميع الأوامر واجتناب جميع النواهي، ومن تعاطى الرّبا لا يكون كامل الإيمان، فاتجه أن يخاطب بـ «إن كنتم مؤمنين».
ثم إن الشيخ أنشد 8 بيت الفرزدق وهو قوله: 4080 - أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم 9 وقال 10: قد يؤول ذلك على معنى إذ، قال: ومذهب سيبويه والخليل وأبي سعيد أنها في البيت للشرط، والمعنى: أتغضب إن افتخر مفتخر بحزّ أذني قتيبة لأن من شأن المفتخر أن يقول: حززنا أذني قتيبة وفعلنا، فيكون من وقوع السبب موقع المسبب، ولا يمكن أن يكون شرطا على ظاهره من غير تأويل، لأن حز أذني قتيبة -

................................  ماض حقيقة، قال السيرافي 1: والعرب تعادل وتفاضل بين الفعلين الماضيين في المواقعة فيستقبل بهما الكلام كقوله تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ 2 ومنه قول الشاعر: 4081 - إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن... عارا عليك وربّ قتل عار 3 وقول الآخر: 4082 - إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم... بعتيبة بن الحارث بن شهاب 4 والمخاطب بهذا مقتولان، والقتل قد وقع بهما.
وإنما تأويل ذلك على فعل غير هذا الظاهر، وكأنهم افتخروا بقتله فقال: إن يفتخروا بقتلك فإن الأمر كذا وزعم المبرد 5 وجماعة أن «أن» في البيت مفتوحة وجعلوها مخففة من الثقيلة كأنه قال: أتغضب لأنه أذنا قتيبة حزّتا، ورد ابن عصفور 6 ذلك بأن «أن» المصدرية لا تقدم فيها الأسماء على الأفعال لا تقول: يعجبني أن زيد قام، وخرّج البيت تخريجا آخر.
قال الشيخ 7: ووهم ابن عصفور في رده لأنه فهم من القائل بذلك أنه يقول: إن أن المصدرية هي التي تنصب الفعل، والقائل بذلك إنما أراد أنها المخففة من المشددة وأنها لما خففت ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر على حد: -

................................  4083 - قد علموا... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل 1 انتهى.
ويمكن أن يجاب ابن عصفور بجواب آخر على تقدير أن «أن» في البيت هي التي تنصب الفعل، وهو أن يقال: إن ثمّ فعلا مضمرا مسندا إلى قوله «أذنا قتيبة» التقدير: أتغضب أن حزّ أذنا قتيبة، و «حزّتا» المذكور تفسير ذلك المحذوف، وحاصل الأمر: أن تكون صلة «أن» حذفت وبقى معمولها كما حذفت صلة «ما» الحرفية وبقي معمولها في قولهم: لا أصحب فلانا ما أنّ حراء مكانه، التقدير ما ثبت أنّ حراء مكانه.
وإذ قد انقضى الكلام على هذا الباب فلنذكر حكم أدوات الشرط بالنسبة إلى الإعراب ناقلين في ذلك كلام ابن عصفور قال 2 رحمه الله تعالى: «وما كان من الجوازم حرفا فلا موضع له من الإعراب، وما كان منها اسم مكان أو زمان أو مصدرا - وأعني بذلك «أيّا» المضافة إلى المصدر - كان في موضع نصب على الظرفية أو على المصدرية، وما كان منها اسما لغير ما ذكر فإن دخل عليه حرف خفض كان مخفوضا به، ويكون المجرور متعلقا بفعل الشرط، وإن لم يدخل عليه حرف خفض فإن كان الفعل الذي بعده غير متعدّ كان مبتدأ نحو: من يقم أقم معه، وإن كان متعديا فإن كان فاعل الفعل ضميرا يعود على اسم الشرط كان أيضا مبتدأ نحو قولك: من يضرب زيدا أضربه، وإن لم يكن ضميرا يعود على اسم الشرط فإن كان الفعل لم يأخذ مفعوله كان مفعولا مقدما نحو قولك: من يضرب أضربه، وإن كان قد أخذه فإن كان المفعول ضميرا عائدا على اسم الشرط أو سببا له، جاز فيه الرفع على الابتداء، والنصب بإضمار فعل، والاختيار الرفع نحو قولك: من يضربه زيد أضربه، ومن يضرب غلامه زيد أضربه، وإن كان المفعول أجنبيّا لم يجز فيه إلا الرفع على الابتداء نحو قولك: من يضرب زيدا أضربه، ومن يضرب [5/ 176] غلامه زيدا أضربه، وحكم المضاف إلى اسم الشرط في الإعراب حكم اسم الشرط في جميع ما ذكر» انتهى.
-

................................  والذي يتلخص من ذلك أن اسم قد يكون في محل نصب، وقد يكون في محل خفض، وقد يكون في محل رفع، وقد يجوز فيه أن يكون في محل نصب أو رفع، ويستثنى من أسماء الشرط «مهما» فإنها لا تكون إلا مبتدأة أو مفعولة غير مقيدة بحرف جر ولا مضاف إليها، ثم نصب المنصوب إما على الظرف أو المصدرية أو المفعولية، والعامل فيه حينئذ فعل الشرط، وخفض المجرور إما بحرف، أو بإضافة اسم إليه، فإن كان الجار حرفا فهو متعلق بفعل الشرط، وإن كان اسما فيجيء فيه ما ذكر في اسم الشرط من نصب وخفض ورفع، ورفع المرفوع إنما يكون على الابتداء خاصة، وحيث جاز في الاسم المذكور الرفع والنصب فالمسألة من باب «الاشتغال».
واعلم أن الشيخ ذكر هذه المسألة 1 وتضمن إيراده لها تقاسيم منتشرة يحتاج في ضبطها إلى عسر ولخص تلك التقاسيم في «الارتشاف» واقتصرت على ما ذكره فيه، قال رحمه الله تعالى 2: «واسم الشرط إن كان ظرفا أو أريد به المصدر كان في موضع نصب والعامل فيه فعل الشرط، وإن كان غير ذلك وفعل الشرط لازم فمبتدأ نحو: من يقم أقم معه، وخبره الفعل، أو متعد لم يأخذ مفعوله وهو مسند إلى ظاهر نحو: من يضرب زيد أضربه، أو إلى متكلم نحو: من أضرب تضربه، أو إلى مخاطب نحو: من تضرب أضربه فمفعول بفعل الشرط، أو إلى ضمير غائب عائد على اسم الشرط نحو: من يضرب أضربه، فمبتدأ أو على غيره نحو: هند من تكرم أكرمه فمفعول، أو أخذه تقديرا - يعني أو أخذ مفعوله تقديرا - نحو قوله تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ 3 - أي من يشأ الله إضلاله يضلله - أو لفظا والفاعل سببي لاسم الشرط والمفعول أجنبي نحو: من يضرب أخوه زيدا أضربه فمبتدأ فقط، أو ضميره نحو: من يضربه أخوه أضربه، أو سببي نحو: من يضرب أخوه غلامه أضربه فالمسألتان من الاشتغال، أو مضمر يعود على اسم الشرط متصلا فلا يجوز إلا أن يكون مخاطبا نحو: من يضربك أضربه، أو غائبا على غير اسم الشرط نحو: هند من يضربها أضربه فالرفع بالابتداء فقط، أو منفصلا ولاسم الشرط في فعله ضمير أو سببي منصوب أو مجرور فالمسألة من الاشتغال، نحو، من -

................................  لم يضربه إلا هو أضربه، ومن لم يضرب أخاه إلا هو أضربه، ومن لم يمرر به إلا هو أمرر به، وإن لم يكن فاسم الشرط مبتدأ نحو: من لم يضرب زيدا إلّا هو أضربه» انتهى.
وأقول: إن الذي ذكرته عن ابن عصفور فيه كفاية، ولا شك أن الإنسان إذا علم أن أدوات الشرط لها صدر الكلام، وأنها إذا كانت معمولة لعامل لفظي وجب أن يكون مؤخرا عنها، وكذا إذا كان يعلم أن العامل الجائز العمل فيما قبله إذا نصب ضمير اسم سابق جاز في ذلك الاسم الرفع والنصب، وتكون المسألة من باب «الاشتغال» أهدى إلى ما ذكر.
وبالجملة إذا كان الناظر عالما بالقواعد لا يخفى عليه الحكم في الصور التي ذكرها الشيخ، وكذا ما ذكره ابن عصفور لا يكاد يخفى لأن القواعد تؤدي إليه ولا تقتضي خلافه، ولهذا لم يكن في كلام المصنف تعرّض إلى ذلك وإنما ذكرته قصدا لزيادة تقديره، والتنبيه على ما لعل الخاطر يذهل عنه.
وبعد فلا بد من الإشارة إلى أمور: منها: أن اسم الشرط إذا كان مبتدأ كان خبره فعل الشرط وذهب بعضهم 1 إلى أن الخبر هو الشرط والجزاء معا مستدلّا بأن الكلام لا يتم إلا بالجواب، وردّ 2 هذا الاستدلال بأن الافتقار إلى الجواب إنما أوجبه التعليق، كما أنك إذا قلت: لولا زيد لأكرمتك لا يتم إلا بالجواب وليس داخلا في الخبر، ومما استدل به على أن الخبر هو الشرط وأن الجزاء لا مدخل له في الخبرية أن فعل الشرط هو الذي يتحمل ضمير المبتدأ، وأن الجواب لا يلزم فيه ضمير فيقال: من يقم يقم زيد 3، لكن قال الشيخ 4: «إن الحكم ليس كذلك لأن اسم الشرط إذا كان غير ظرف ولا مصدر لزم أن يكون في جملة الجزاء ضمير يعود على اسم الشرط نحو: من يقم يقم معه، ومن يضرب أضربه، قال: ولا يجوز أن تعرّى جملة الجزاء من الضمير فيكون المتعلق به فعل الجزاء أجنبيّا أصلا، ولا يجوز: من يضرب أقتل خالدا حتى تقول: من أجله، أو تحذفه للعلم به نقل ذلك عن العرب الأخفش، قال: ولذلك تأوّل النحويون قول الشاعر: -

................................  4084 - فمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإنّي وقيّار بها لغريب 1 وقول الآخر 2: 4085 - فمن يك سائلا عنّي فإنّي... وجروة لا ترود ولا تعار 3 وقول الآخر: 4086 - فمن تكن الحضارة أعجبته... فأيّ رجال بادية ترانا 4 فإن جمل الجزاء في هذه الأبيات ليس فيها ضمير يربط جملة الجزاء بجملة الشرط، قال 5: وهذا يقوّي قول من يقول: إن جملتي الشرط والجزاء معا هما الخبر، ولكن المختار مذهب الأكثرين».
انتهى.
وما ذكره من أن جملة الجزاء لا بد أن تشتمل على ضمير يعود على اسم الشرط، في التزامه نظر، وكنت أسمع من شيخي برهان الدين إبراهيم الرشيدي 6 جزاه الله تعالى عني أفضل الجزاء، أن الذي يشترط عود ضمير من الجزاء إلى اسم الشرط -

................................  هو الأخفش، وكنت أفهم عنه أن المعمول به في هذه المسألة خلاف [5/ 177] ذلك، وها أنت قد رأيت الشيخ أيضا إنما ذكر ذلك عن الأخفش خاصة 1، ويدل على أن الأصح خلاف قول الأخفش الأبيات التي أنشدها، وأما قوله: إنها تؤول، فالخصم لا يسلم ذلك، وقد قال الله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ 2 وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 3 فالجواب في هاتين الآيتين الشريفتين لم يكن فيه ضمير يعود على اسم الشرط، وليس ارتباط الجزاء بالشرط مفتقرا إلى ضمير، لأن الارتباط يحصل بالتعليق وبالعمل أيضا.
ومنها: أن جواب الشرط كخبر المبتدأ فلا بد من تغايرهما لتحصل الفائدة، ولهذا كان المعنى في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» 4: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيّة وقصدا كانت هجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا، وقد يحمل الكلام على معنى يكون ذلك المعنى مسوغا للاتخاذ ظاهرا كقول القائل: إن لم تطعني فقد عصيتني، فإنه أراد بذلك التنبيه على العقوبة كأنه قال: إن لم تعطني فقد وجب عليك ما وجب على العاصي.
ونقل الشيخ 5 عن صاحب كتاب «الإعراب» 6 أنه قال 7 في قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ 8: نبّه تعالى بأنه [ما] بلغ على الوعيد اللاحق، فكأنه قال: فلست تعدم الجزاء على ذلك، قال: وهذا من باب التلطّف في الإخبار بالوعيد لمن كان عند الآمر بمنزلة، قال: ويحتمل أن يريد تعالى: وإن لم تفعل لخوف أحد فلا تسقط عنك المطالبة، بل أنت غير مبلغ ومراده: قطع العذر -

................................  عنه، ولذلك قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ 1 وقيل: هو على تقدير: إن تبلغ بعضا فكأنك غير مبلّغ، قال: ومن ذلك قولك: إن قلت زيد قائم فهو قائم، تريد: فهو حق أي في نفس الأمر كذلك كقوله: 4087 - إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا... أو قلت زانك ربّي فهو قد فعلا 2 وترتّب هذا على الشرط تقدر فاعلم أو فتبيّن أو نحوه: وكذلك قوله تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ 3، هذا كله كلام صاحب «الإعراب».
ومنها: أن العطف على الشرط إما بـ «الواو» أو بغيرها، فإن كان بـ «الواو» وتكررت أداة الشرط نحو: إن آتك وإن أدخل دارك فعبدي حرّ، عتق بالفعلين كليهما وبواحد منهما، لأن تكرير الأداة يدل على الاستقلال وأنه علّق عتق العبد على وجود كل واحد منهما، فمتى وجد واحد وحده أو مضموما إلى غيره فقد وجد ما علق عليه فيعتق، وإن لم تتكرر الأداة نحو: إن آتك وأدخل دارك فعبدي حرّ، عتق بفعل الفعلين معا ولا يبالى بأيّهما بدأ، وإن كان العطف بـ «الفاء» أو بـ «ثم» نحو: إن آتك فأدخل دارك أو ثمّ أدخل دارك فعبدي حرّ، عتق العبد إذا فعل الفعلين وبدأ بالأول، وسواء أكرر أداة الشرط أم لم يكررها، وإن كان العطف بـ «أو» نحو: إن أدخل دارك أو أزرك فعبدي حرّ فبفعل الفعلين أو أحدهما يعتق العبد، لأنه علق العتق على وجود أحدهما، فمتى وجد أحدهما وحده أو مضموما إلى الآخر صدق عليه أنه وجد أحدهما فيعتق، وسواء أيضا أكررت مع «أو» أداة الشرط أم لم تكررها 4. ومنها: أن الشرط الذي لا يقتضي التكرار لو انفرد كقولك: إن اغتسلت في الحمّام فأنت طالق، إن ربط بالفاء بما يقتضي التكرار وأمكن تكراره فإما أن يكون مناسبا للفعل المكرر أولا: إن كان مناسبا نحو قولك: كلّما أجنبت منك إجنابة فإن اغتسلت في الحمّام فأنت طالق، فإن أجنب ثلاثا واغتسل لكل إجنابة طلقت ثلاثا، -

................................  فإن أجنب منها ثلاثا واغتسل واحدة فزعم أبو يوسف 1 أنها تطلق عليه ثلاثا 2، وزعم الفراء أن قول أبي يوسف غلط 3، وإن كان غير مناسب نحو: كلّما دعوتني فإن سقط هذا الحائط فعبد من عبيدي حرّ، فإن دعاه ثلاث دعوات وسقط الحائط فعليه عتق ثلاثة أعبد، ولا يلزم في غير المناسب التكرار، هذا مذهب الفراء، أصول البصريين تقتضي التكرار في المربوط بالفاء على ما يقتضي التكرار إذا كان الفعل قابلا سواء أكان مناسبا أم غير مناسب ولا يجوز أن يكون فعل الشرط إلا مما يمكن فيه التكرار يعني إذا كان بعد ما يقتضي التكرار نحو: كلّما وما أشبهها.
انتهى من شرح الشيخ 4. ودلّ هذا على أن لا يعتق إلا عبد واحد في ما إذا قال: كلّما دعوتني فإن سقط هذا الحائط فعبد من عبيدي حرّ، ودعاه ثلاث دعوات وسقط الحائط، لأن فعل الشرط الذي هو سقوط الحائط «لا يمكن فيه التكرار، وهم قد قالوا: ولا يجوز أن يكون فعل الشرط إلا مما يمكن فيه التكرار».
ثم إن الشيخ تكلّم على إعراب «كلّما» فقال 5: «وكلّما في هذه المسائل منصوبة على الظرف والعامل فيها محذوف يدل عليه جواب الشرط المعطوف بالفاء بعدها، والتقدير: أنت طالق كلما أجنبت منك جنابة فإن اغتسلت في الحمّام فأنت طالق، وكذلك عبد من عبيدي حرّ كلما دعوتني فإن سقط هذا الحائط فعبد من عبيدي حر، وتبيين ذلك أن «ما» المضاف إليها «كل» هي ما المصدرية وفيها معنى العموم فإذا قلت: لا أصحبك ما طلعت الشمس فمعناه لا أصحبك مدّة طلوع الشمس، فحذف «مدة» وأقيم المصدر مقامه ثم جعلت «ما» والفعل قائمة -

................................  المصدر، ولا يريد بذلك مطلق المصدر فيصدق بالمرة الواحدة، بل العرب لم تستعمل «ما» التوقيتية إلا بمعنى العموم، ثم دخلت عليها «كل» فأكدت معنى العموم الذي فيها فانتصبت على الظرف؛ قال الله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها 1، وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ [5/ 178] لَهُمْ جَعَلُوا 2، وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ 3، ولذلك كثر مجيء الفعل الماضي بعدها، لأن «ما» التوقيتية كذلك، و «ما» التوقيتية شرط من حيث المعنى وإن لم يكن إلا على ما ذهب إليه المصنف فقد ذكر هو الجزم بها عن بعض العرب 4، وقال تعالى: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ 5 لما جرت مجرى الشرط في المعنى جرت مجراه في الجواب فدخلت «الفاء» لما كان الجواب فعل أمر كما تدخل في نحو: إن جاء زيد فاضربه، ولم تدخل في قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ كما لم تدخل في: إن قام زيد قام عمرو، فحكم «كلما» حكم أداة الشرط في اقتضاء جملتين تترتب إحداهما على الأخرى.
قال 6: وإنما تعرضت لإعراب «كلّما» في هذه المسائل وإن كان من واضح الإعراب لأن أبا الحسن بن عصفور زعم أن «كلّما» في هذه المسائل مرفوعة بالابتداء، وقال 7: لا يجوز فيها في هذه المسائل المذكورة غير ذلك، قال: وجملة الشرط والجواب في موضع خبرها، قال: ولا بد من عائد يعود عليها ملفوظ به أو مقدر، ودخلت «الفاء» على جملة الشرط والجواب وهي في موضع خبر المبتدإ لأن «كلّما» اسم عام وبعدها فعل، وكل اسم عام مضاف إلى موصوف بفعل قابل لأداة الشرط أو ظرف أو مجرور والخبر مستحق ذلك الظرف أو المجرور أو الفعل دخلت «الفاء» عليه لعلّة ذكرت في باب «الابتداء» 8 قال: فعلى هذا إذا -

................................  قلت: كلّما أجنبت منك إجنابة فإن اغتسلت في الحمّام [فعبدي حرّ، فالمعنى: كل وقت أجنبت فيه منك إجنابة فإن اغتسلت في الحمام] بعده فعبدي حرّ، ولا بد من ذلك لترتبط الصفة بالموصوف والخبر بالمخبر عنه، وتكون جملة الشرط والجواب مستحقة بكل إجنابة أجنبها، وكذلك أيضا يلزم وإن لم يكن فعل الشرط مناسبا لفعل «كلّما» نحو قولك: كلّما أجنبت منك إجنابة فإن جاء زيد فعبدي حرّ، كأنه قال: كل وقت أجنبت فيه منك إجنابة فإن جاء زيد فيه فعبدي حرّ، وتكون جملة الشرط والجواب أيضا مستحقة بكل إجنابة أجنبها.
قال الشيخ 1: وهذا الذي ذهب إليه ابن عصفور تبعه عليه الأبّذيّ، وهذا الذي ذهب إليه مدفوع بالسماع والقياس: أما السماع: فالمحفوظ من [لسان] العرب نصب «كلّما» هذه والقرآن العزيز مملوء من ذلك وكذا أشعار العرب، ولم يسمع من العرب الرفع بل النصب، والنصب على ما ذكرناه من الظرف، لأن «كلّا» مضاف إلى «ما» الظرفية، والعامل في هذا الظرف هو الفعل الواقع جوابا فـ «بدّلناهم» عامل في «كلّما» من قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ 2 وكذلك بقية الآيات الشريفة وهي قوله تعالى: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا 3، كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها 4 كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها 5، كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها 6، والفعل بعد «كلّما» في موضع صلة «ما» الظرفية لا في موضع الصفة.
وأما القياس: فإنه لو كانت «ما» نكرة موصوفة للزم من ذلك شيئان: أحدهما: أن النكرة الموصوفة إنما تتقدّر بشيء لأنها مبهمة فلا دلالة فيها على أن ذلك الشيء هو وقت لأن العام لا دلالة له على تعيين بعض أفراده فتقديره أن «ما» بمعنى: وقت ليس بشيء لأن «ما» إذا كانت نكرة لا دلالة لها على تعيين أن ذلك الشيء هو وقت.
-

................................  والثاني: أنه لو كان الفعل واقعا صفة للزم أن يعود منه ضمير على الموصوف ولا يحذف إلا قليلا ولم يوجد في جميع استعمالات «كلما» ضمير يعود على الموصوف، فدلّ على أن الفعل ليس بصفة، وإنما هو صلة «ما» و «ما» حرف فلا يعود عليها ضمير، قال: وإنما غلّط الأستاذ أبا الحسن في ذلك أنه رأى أن ما بعد «كلّما» هو شرط دخلت عليه «الفاء»، فإذا نصب «كلّما» فما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله فعدل إلى وجوب الرفع في «كلّما» فرارا من عامل النصب فيها وقد ذكرنا أنه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، قال 1: وأيضا قد تقرر عند الجمهور 2 أن الخبر عن الموصول أو الموصوف بشروطه، شرط دخول الفاء عليه أن يكون مستحقّا بالصلة أو الصفة، وهذه الجملة الواقعة خبرا لـ «كلّما» إذا رفعت «كلما» هي شرطية، فليست مستحقة بالصلة ولا الصفة، بل المستحق إنما هو قوله: فأنت طالق أو فعبد من عبيدي حرّ، وهذا جواب للشرط لا خبر عن المبتدأ، إلا أن يقال: ما كان مستحقّا بشيء ومترتبا عليه جعل كأنه مستحق بما قبله، وهذا كله ضعيف.
ثم ذكر 3 عن صاحب «البسيط» أنه قال: كلّما» تأتيني أكرمتك، على رأي سيبويه 4 «ما» مصدرية بمنزلة: ما تدوم لي أدوم لك، ومقصود بها الحين أي: أزمان إتيانك أكرمك، ثم أدخلت «كلا» على المصدر بتأويل الزمان فاكتسب منها الزمان، فانتصب على ذلك، فحينئذ لا تكون شرطية، ومعناها: أزمان دوامك كلها أدوم لك، وقد قيل: إنها شرطية بمنزلة «لما» مع الماضي، وقيل: هي «كل» المتضمنة للشرط وأصلها: كل مضافة إلى اسم موصوف بمعنى: الأزمان كأنه قال: كلّ زمن تأتيني فيه أكرمك، والأول باطل لوجود معنى الكلية فيها فلا تكون بمنزلة «لما»، ويبطل الثاني أنه لزم طريقة الفعلية، ولو كان بمنزلة كلّ رجل يأتيني لجاز كون الجواب فيها بالجملة الاسمية والفاء، ولا تكون ذلك لبقاء «كلما» بلا عامل، وأيضا لجاز رفعها على الابتداء كما في [كلّ] رجل يأتيني له درهم، ولا تدخل «كل» هذه على «ما» الشرطية في قولك: ما تفعل أفعل، لأنها تدل أيضا على -

................................  العموم فلا تدخل عليه نفسه لأن العموم يعم.
انتهى.
ما ذكره الشيخ بحثا ونقلا في مسألة «كلّما».
وقوله «إن ما المصدرية الظرفية فيها معنى [5/ 179] العموم» لم أتحققه، لأن «ما» المذكورة مؤولة مع الفعل الذي بعدها بالمصدر، والمصدر لا عموم له، ولا شك أن حكم ما هو مؤول بشيء حكم ذلك الشيء الذي أوّل به، وإذا كان كذلك فمن أين يجيء العموم؟ ثم إن قوله في: لا أصحبك ما طلعت الشمس «إن معناه: لا أصحبك مدّة طلوع الشمس فحذفت مدة وأقيم المصدر مقامها ثم جعلت «ما» والفعل قائمين مقام المصدر غير ظاهر، لأن الذي أقيم مقام المضاف المحذوف الذي هو «مدة» إنما هو «ما» والفعل، لا المصدر وإنما «ما» والفعل مؤوّلان بالمصدر، والشيخ عكس الأمر فجعل القائم مقام المضاف هو المصدر، ثم جعل «ما» والفعل قائمين مقامه، والذي يظهر أن عموم الوقت المستفاد من نحو قولنا: لا أصحبك ما طلعت الشمس، ليس مستفادا من كلمة «ما» إنما استفيد ذلك من اسم الزمان المقدر إضافته إلى المصدر المؤول وهو «مدة» لأن هذه الكلمة بإضافتها إلى شيء يستفاد منها عموم وقت ما أضيفت إليه، ويدل على هذا الذي قلته أنك لو لم تأت بـ «ما» والفعل بل أتيت بالمصدر الصريح، وأضفت هذه الكلمة - أعني مدّة - إليه لأفاد ذلك العموم كقولك: لا أصحب زيدا مدّة طلوع الشمس، هذا الذي أدى إليه النظر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأما قوله - أعني الشيخ - «إن ما التوقيتية شرط من حيث المعنى فقد ينازع فيه، وأما أن المصنف ذهب إلى أن لها عملا [فلا] أستحضر الآن أين ذكر المصنف ذلك، نعم ذكر المصنف أن «ما» الشرطية قد تستعمل ظرفا وكذا «مهما» وقد تقدم الكلام على ذلك، فإن كان هذا هو الذي قصده الشيخ لم يثبت ما ذكره لأن «ما» هذه ليست التوقيتية وإنما هي الشرطية نفسها، لكنها مع كونها شرطا قصد منها الظرفية، ثم يقال: إن قوله تعالى: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ 1 من هذا القبيل الذي ذكرته - أعني أن ما في الآية الشريفة شرطية، ومع كونها شرطية -

................................  هي ظرفية وعلى هذا لا يحتاج إلى قول الشيخ إنها - أعني ما التوقيتية - لما جرت مجرى الشرط في المعنى جرت مجراه في الجواب فدخلت «الفاء» لما كان الجواب فعل أمر.
وبعد فتفسير صاحب «البسيط» لكلمة «كلّما» حيث قال: «ما مصدرية بمنزلة: ما تدوم لي أدوم لك ومقصود بها الحين أي: أزمان إتيانك أكرمك ثم أدخلت «كلا» على المصدر بتأويل الزمان فاكتسب منها الزمان فانتصب على ذلك» أبين وأوضح من تفسير الشيخ، لأنه جعل المصدر المؤول قائما مقام الزمان المحذوف، ثم حكم بأن «كلا» صار مدلولها زمانا لإضافتها إلى ما قام مقام الزمان، ولم يدّع عموما في «ما» فعلمنا أن العموم إنما استفيد من الكلمة الموضوعة [له] وهي «كلّ».
ومنها: مسألتان ذكرهما الشيخ 1: الأولى: إذا كان قبل فعل الشرط وبعده فعل ليس جوابا فإن حملت على الأول رفعت مثاله: تؤجر أمرت بمعروف وتثاب، أو على الثاني جاز الرفع والجزم مثاله: تؤجر إن أمرت بالمعروف وتنهى عن المنكر، فالجزم في «وتنهى» بالعطف على محل «أمرت» والرفع على الاستئناف.
الثانية: إذا أتيت بأفعال بعد فعل الشرط من معناه فإن عطفتها بـ «الواو» نحو: إن تحسن وتكرم أباك وتصل رحمك وتأمر بمعروف وتنه عن منكر فالله يثيبك، فالجواب مستحق بالمجموع إن لم تعطفها فإبدال بداء 2 ليس فيه إبطال، فالظاهر أن الجواب مستحقّ بجميعها إن وقعت، وبواحد منها إن وقع، وإن كانت ليست من معنى فعل الشرط لزم أن ترتفع، فيرفع الأول على الحال وتعطف البواقي عليه 3.

[لو الشرطية معناها وما تختص به]

قال ابن مالك: (لو حرف شرط يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، واستعماله في المضيّ غالبا، فلذا لم يجزم بها إلّا اضطرارا، وزعم اطّراد ذلك على لغة، وإن وليها اسم فهو معمول فعل [مفسّر] بظاهر بعد الاسم، وربّما وليها اسمان مرفوعان، وإن وليها «أنّ» لم يلزم كون خبرها فعلا خلافا لزاعم ذلك).
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 1: «من حروف المعاني «لو» وهي في الكلام على ضربين: موصولة وشرطية؛ فالموصولة هي التي تأتي مع الفعل في تأويل مصدر كما في قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ 2 وقد تقدم ذكرها.
وأما الشرطية فهي لتعليق ما امتنع لامتناع شرطه فتقتضي جملتين ماضيتين الأولى [منهما] مستلزمة للثانية، لأنها شرط والثانية جوابه، وتقتضي أيضا امتناع الشرط لأنه لو ثبت لثبت جوابه، وكان الإخبار بذلك إعلاما بإيجاب لإيجاب، لا بتعليق ما امتنع لامتناع شرطه فتخرج «لو» عن معناها، ولا تقتضي امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته لأنه لازم، والشرط ملزوم، ولا يلزم من انتفاء الملزوم انتفاء اللازم، بل إن كان مساويا للشرط امتنع بامتناعه كما في نحو: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، وإن كان أعم من الشرط لم يلزم أن يكون ممتنعا في نفس الأمر لامتناع شرطه بجواز كونه لازما لأمر ثابت فيكون هذا نصّا ثابتا لثبوت ملزومه كما في قولك: لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه، فإن تركه السؤال محكوم بكونه مستلزما للعطاء، وبكونه ممتنعا والعطاء محكوم بثبوته على كل حال، والمعنى أن إعطاءه حاصل مع ترك السّؤال فكيف مع السؤال؟ وكما في قول عمر رضي الله عنه: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» 3 فإن عدم الخوف محكوم بكونه مستلزما لعدم المعصية، وبكونه ممتنعا وعدم المعصية [5/ 180] محكوم بثبوته، لأنه إذا كان ثابتا على تقدير ثبوت عدم الخوف فالحكم بثبوته على تقدير الخوف أولى، وكما في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ -

................................  ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ 1 لأن عدم النفاد ثابت على تقدير كون ما في الأرض من شجرة أقلاما مدادها البحر وسبعة أمثاله وعلى تقدير عدم ذلك، وقد ظهر من هذا أن «لو» حرف شرط في الماضي وأنها تقتضي نفي تاليها واستلزام ثبوته ثبوت تاليه، لأنهما شرط وجواب ولا تقتضي نفي الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته، وقال أكثر النحويين 2: لو حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره أي: على امتناع الثاني لامتناع الأول، وكان شيخنا 3 رحمه الله تعالى يرى أنه تفسير لـ «لو» بأخص من معناها لأنه يقتضي كون جوابها ممتنعا غير ثابت على وجه، وذلك فيها غير ثابت بدليل مجيء جوابها ثابتا في نحو ما تقدم من الأمثلة، ولا شك أن ما قاله الشيخ في تفسير «لو» أحسن وأدلّ على معنى «لو» مما قاله النحويون غير أن ما قالوه عندي تفسير صحيح واف بشرح معنى «لو» وهو الذي قصد سيبويه رحمه الله من قوله: لو لما كان سيقع لوقوع غيره 4، يعني أنها تقتضي فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره، والمتوقّع غير واقع فكأنه قال: لو تقتضي فعلا امتنع لامتناع ما كان يثبت لثبوته، وهو نحو ما قال غيره، ولنرجع إلى بيان صحته فنقول: قولهم: لو تدلّ على امتناع الثاني لامتناع الأول يستقيم على وجهين: الأول: أن يكون المراد أن جواب «لو» ممتنع لامتناع الشرط غير ثابت لثبوت غيره بناء على مفهوم الشرط في عرف اللغة لا في حكم العقل، فإنك إذا قلت: إن قام زيد قام عمرو فهو دالّ في عرفهم على أنه إذا لم يقم زيد لم يقم عمرو، لأن الأصل فيما علّق على شيء أن لا يكون معلقا على غيره، فجرى العرف على هذا الأصل، ولذلك فهموا عدم جواز القصر في السفر عند عدم الخوف 5 من قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ 6 وعلى هذا إذا قلت: -

................................  لو جئتني لأكرمتك فقد دلت «لو» على أن المجيء مستلزم للإكرام وعلى أنه ممتنع، ففهم منه أن الإكرام ممتنع أيضا غير ثابت بوجه كما يفهم من نفي شرط إن نفي جوابه. والوجه الثاني: أن يكون المراد أن جواب [لو] ممتنع لامتناع شرطه، وقد يكون ثابتا لثبوت غيره، لأنها إذا كانت تقتضي نفي تاليها واستلزامه لتاليه فقد دلّت على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه متى انتفى شيء انتفى مساويه في اللزوم مع احتمال أن يكون ثابتا لثبوت أمر آخر فيصح إذن أن يقال: لو حرف يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه لا يقتضي كونها تدل على امتناع الجواب على كل تقدير، بل على امتناعه لامتناع الشرط المذكور مع احتمال كونه ثابتا لثبوت أمر آخر، وغير ثابت لأن امتناع الشيء لامتناع علّة لا ينافى ثبوته لثبوت علة أخرى، ولا انتفاءه لانتفاء جميع علله. وعند أكثر المحققين 1 أن «لو» لا تستعمل في غير المضي وذهب قوم إلى أن استعمالها في المضي غالب وليس بلازم لأنها قد تأتي للشرط المستقبل بمنزلة «إن» واحتجوا بنحو قول الشاعر: 4088 - ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا... ومن دون رمسينا من الأرض سبسب لظلّ صدى صوتي ولو كنت رمّة... لصوت صدى ليلى يهشّ ويطرب 2 وقول الآخر 3: 4089 - ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت... عليّ ودوني جندل وصفائح لسلّمت تسليم البشاشة أوزقا... إليها صدى من جانب القبر صائح 4

................................  وقال الله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ 1، وليس بحجة 2 لأن غاية ما فيه أن ما جعل شرطا لـ «لو» مستقبل في نفسه، أو مقيد بمستقبل، وذلك لا ينافي امتناعه في مضي لامتناع غيره، ولا يحوج إلى إحراج «لو» عما عهد من معناها إلى غيره.
ولما كانت «لو» للشرط في الماضي كان دخولها على المضارع على خلاف الأصل فلم تجزمه في سعة الكلام كما تجزمه «إن» وإن كانت مثلها في الاختصاص بالفعل، وحكى الشجري 3 أن بعضهم يرى الجزم بها لغة والمعروف أنه لا يجزم بها إلا في ضرورة كقوله: 4090 - تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا (4) وقول الآخر: 4091 - لو يشأ طار به ذو ميعة... لاحق الآطال نهد ذو خصل 4 وذهب الشيخ - رحمه الله تعالى - في شرح الكافية 5 إلى منع الجزم بـ «لو» في السعة والضرورة، وقال عن تسكين «النون» من: يحزنك: «فهذا من تسكين ضمة الإعراب تخفيفا كما قرأ أبو عمرو: وينصركم 6 ويأمركم 7، ويشعركم 8 وقرأ بعض السلف: ورسلنا لديهم يكتبون 9» وعن - - الشرح: الجندل: الحجارة، والصفائح: الحجارة العراض تكون على القبور، وهي جمع: صفيحة، وزقا: صاح، والصدى: هو الذي يجيبك بمثل صوتك... إلخ ما سبق في البيت السابق، والصدى أيضا: ذكر البوم وقيل هو طائر كالبومة كانت العرب تزعم أنه يخرج من رأس القتيل ويصيح: اسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثأره، ولعله المراد هنا.
والشاهد فيه وقوع «لو» للتعليق في المستقبل كما في البيت السابق.
وانظر البيتين في شرح ابن الناظم (ص 711) والتذييل (6/ 938) والمغني (ص 261) والعيني (4/ 453) والبيت الأول في الهمع (2/ 64) والدرر (2/ 80) والأشموني (4/ 38).

................................  تسكين الهمزة من لو يشأ: «وهذا لا حجّة فيه لأن من العرب من يقول: جأ يجئ وشأ يشأ فقال: يشأ ثم أبدل الألف همزة كما قيل في: عالم وخاتم: عألم وخأتم، وكما فعل ابن ذكوان في تأكل منسأته 1 [حين قرأ بهمزة ساكنة والأصل: منسأته مفعلة من نسأه: زجره بالعصا، ولذلك سميت: منسأة] فأبدل الهمزة ألفا ثم الألف همزة ساكنة فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشأ». و «لو» مختصة بالأفعال فلا تباشر الجمل الاسمية، ولكن يليها الاسم مرفوعا ومنصوبا، فإن وليها المرفوع فإن كان غير «أن» وصلتها فهو مرفوع بفعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم نحو «لو ذات سوار لطمتني» ولو زيد قائم أبوه قمت، وإن كان «أنّ» وصلتها كما في قولك: لو أنّك جئتني لأكرمتك فهو عند سيبويه 2 في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف، وقد شذّ ابتداء «أنّ» بعد «لو» كما نصبت «غدوة» بعد «لدن»، وعند الأخفش 3 في موضع رفع بـ «ثبت» مضمرا كما هو كذلك بعد «ما» النائبة عن الظرف كقولهم: لا أفعل ما أنّ حراء مكانه، ولا أكلمه ما أنّ في السّماء نجما 4، وإن ولي «لو» اسم منصوب فقد يكون منصوبا بما بعده كما في قولك: لو زيدا ضربت لأكرمتك، وقد يكون منصوبا بفعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم وغير مفسر، فالأول نحو: لو زيدا رأيته أكرمك ولو عمرا [5/ 181] كلمت أخاه أعطاك، والثاني قولهم: اضرب ولو زيدا، وألا شراب ولو ماء 5، وندر المجيء باسمين مرفوعين بعد «لو» في قول الشاعر: 4092 - لو بغير الماء حلقي شرق... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري 6

................................  وحمله أبو علي 1 على أن «حلقي» فاعل لفعل مضمر يفسره «شرق» و «شرق» خبر مبتدأ محذوف مدلول عليه بالفاعل والتقدير: لو شرق بغير الماء حلقي هو شرق، وحمله شيخنا 2 - رحمه الله تعالى - على أن «حلقي» مبتدأ و «شرق» خبره و «بغير الماء» متعلق بالخبر، وقد ابتدأ الكلام بعد «لو» لأنها لما لم تعمل لم يسلك بها سبيل «إن» في الاختصاص بالفعل أبدا، فنبّه على ذلك بمباشرتها «أنّ» كثيرا وبماشرتها غيرها قليلا 3. ومحلّه عندي على أن يكون قوله: «حلقي شرق» مبتدأ وخبرا في موضع نصب بـ «كان» الشانية مضمرة تقديره: لو كان الأمر أو الشأن حلقي شرق بغير الماء كنت كالغصّان، وكان بالماء اعتصاري 4. وزعم الزمخشري 5 أن الخبر بعد «لو أنّ» ملتزم مجيئه فعلا ليكون ذلك عوضا عن ظهور الفعل المقدر بين «لو» و «أنّ» ومنع صحة قولك: لو أنّ زيدا [حاضري] لأكرمته، قال الشيخ رحمه الله تعالى 6: وما منعه سائغ في كلام العرب كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ 7 ومنه قول الراجز: 4093 - لو أن حيّا مدرك النّجاح... أدركه ملاعب الرّماح 8

    • غصصت بالماء أغصّ غصصا إذا شرقت به أو وقف في حلقك فلم تكد تسيغه، ورجل غصّان: غاص، وقوله اعتصاري أي نجاتي وملجئي.
      والمعنى: لو شرقت بغير الماء اسغت شرقي بالماء، فإذا غصصت بالماء فبم أسيغه؟ والشاهد فيه المجيء باسمين مرفوعين بعد «لو» وهو نادر لأن «لو» لا يليها إلا الأفعال، وقد اختلف في تخريج ما في البيت كما هو موضح بالنص، والبيت في الكتاب (3/ 121) والمستقصى (2/ 408) وشرح الكافية الشافية (3/ 1636) والتذييل (6/ 943، 944).

................................  وقول الشاعر 1: 4094 - ولو أنّ حيّا فائت الموت فاته... أخو الحرب فوق القارح العدوان 2 وقول الآخر: 4095 - ولو أنّ ما أبقيت منّي معلّق... بعود ثمام ما تأوّد عودها 3 وقول الآخر: 4096 - ولو أنّها عصفورة لحسبتها... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما 4 هذا آخر كلام بدر الدين رحمه الله تعالى 5. وقد اختلفت عبارات النحاة في تفسير معنى «لو» فالجاري على ألسنة المعلمين والمعربين 6 أنها حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، أي: امتناع الثاني لامتناع - - والمغني (ص 270) وشرح شواهده (ص 663) والعيني (4/ 466).

................................  الأول، وقد عبّر عنها المصنف بما عرفت وقوله في شرح الكافية 1: «لو حرف يدل على انتفاء تال يلزم لثبوته ثبوت تاليه» أخلص وأبين من قوله هنا 2 حرف شرط يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه لأن هذه العبارة تقتضي أن يستلزم نفي ما يلي [لو] نفى الذي يليه وهو الجواب، وليس هذا بمراد، بل المراد أن ثبوت الأول يستلزم ثبوت الثاني.
ثم قال شرح الكافية بعد ذكره الحد المذكور 3: «فقيام زيد من قولك: لو قام زيد لقام عمرو محكوم بانتفائه فيما مضى، وكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام من عمرو، وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له؟ لا تعرض لذلك، بل الأكثر كون الثاني والأول غير واقعين، قال: وعبارة سيبويه عنها أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره 4، يعني أنك إذا قلت: لو قام زيد لقام عمرو فمقتضاه، أن القيام من عمرو كان متوقعا لحصول قيام من زيد على تقدير حصوله، قال: وليس في هذه العبارة تعرض لكون الثاني صالحا للحصول بدون حصول الأول أولا، والحقّ فيه أنه صالح لذلك، وأن الأول محكوم بعدم حصوله لأنه قد يقال: لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه، فـ «ترك» السؤال محكوم بعدم حصوله و «العطاء» محكوم بحصوله على كل حال، والمعنى: إن عطاءه حاصل مع ترك السؤال فكيف مع السؤال؟ ومنه قول عمر رضى الله تعالى عنه: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» انتهى.
والذي قاله النحاة 5: إن الذي ذكره سيبويه في «لو» هو المطرد فيها، وكونها حرف امتناع لامتناع غير مطرد فيها بدليل قولنا: لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا، فإنه لا يلزم من انتفاء الإنسانية انتفاء الحيوانية وإذا جعلنا مدلول «لو» ثبوتيّا اطرد ذلك: لأن ثبوت الإنسانية يلزم منه ثبوت الحيوانية.
وأما قول المصنف: «إنه ليس في عبارة سيبويه تعرّض لكون الثاني صالحا للحصول بدون حصول الأول أولا فالجواب عنه أنه لا يحتاج إلى ذلك، لأن المراد من «لو» إفهام أن الأول لم يقع، وأن الثاني يقع لوقوعه.
أي: يكون وجوده مترتبا -

................................  على وجوده، فـ «لو» إنما أتي بها لذلك، أما كون الثاني يوجد بدون الأول أو لا يوجد فلا مدخل لـ «لو» فيه.
وبعد فقد قال بدر الدين: وإن قول من قال: لو تدل على امتناع الثاني لامتناع الأول يستقيم على وجهين: أحدهما: أن يكون مرادهم أن جواب «لو» ممتنع لامتناع الشرط في عرف اللغة لا في حكم الفعل إلى آخر ما قرره.
ثانيهما: أن يكون مرادهم أن جواب «لو» ممتنع لامتناع شرطه وقد يكون ثابتا لثبوت غيره، لأنها إذا كانت تقتضي نفي تاليها واستلزامه لتاليه فقد دلّت على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه متى انتفى شيء انتفى مساويه في اللزوم مع احتمال أن يكون ثابتا لثبوت أمر فيصح إذن أن يقال: لو حرف يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه لا يقتضى كونها تدل على امتناع الجواب على كل تقدير، بل على امتناعه لامتناع الشرط المذكور مع احتمال كونه ثابتا لثبوت أمر آخر وغير ثابت، لأن امتناع الشيء لامتناع علة لا ينافي ثبوته لثبوت علّة أخرى، ولا انتفاءه لانتفاء جميع علله» انتهى 1. وأقول: إن الذي ذكره في الوجه الثاني حسن، ولكن لم يتجه لي عليه معنى الآية الشريفة وهي قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ 2 لأن مقتضى ما قرره أن يكون امتناع عدم النفاد يوجد لامتناع كون ما في الأرض من شجرة أقلام، وكون البحر يمده من بعده سبعة أبحر، ويلزم من امتناع عدم النفاد وجود النفاد لأن امتناع عدم الشيء يلزم منه وجود ذلك الشيء والأمر بخلاف ذلك.
وقد ذكر ابن الضائع لقول من قال: إنها للامتناع توجيها حسنا من جهة أنه خاصّ لا عامّ، فقال 3: «ليس قولهم في الامتناع خطأ بل له وجه صحيح وذلك أن «لو» في أصل وضعها كما زعم سيبويه - يعني أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، قال: فلم يقع لأن سببه لم يقع أيضا فلا [5/ 182] خلاف بين كلام سيبويه وكلام من قال بالامتناع، وإجماع النحويين أو أكثرهم على أخذ الامتناع فيها دليل -

................................  أو كالدليل على صحته، وتبيين صحته أن: لو قام زيد قام عمرو لا بد فيه من عدم قيام زيد، إذ لو كان قام لزمه قيام عمرو فلم يكن لقولك: لو قام زيد قام عمرو فائدة، ومقتضى السببية أنه إذا لم يوجد السبب لا يوجد المسبب وإلا فإن كان المسبب يوجد وإن لم يوجد سببه فما معنى كونه سببا فيه؟ فيكون إذن كلام النحويين وسيبويه في ما هو سبب ومسبب، والمسائل المعارضة ليست سببا ومسببا في الحقيقة، إذ الصدق ليس سببا في عدمه في قوله تعالى حكاية: وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ 1 بل الأمر بالعكس، وكذلك متى كان كثرة الأقلام والمداد سببا في أن لا ينفد الكتاب، بل المظنون أن كثرة الأقلام والمداد سبب في نفاد المكتوب، وكذلك متى كان الخوف سببا في عدم المعصية، بل الأمر في ما يظن بالعكس، فمتى كان جواب «لو» يراد به إثباته أبدا على كل حال، أو نفيه أبدا على كل حال بولغ في ذلك فجيء بما هو سبب في عكس المراد أو يظن أنه سبب، فيصير سببا في المراد، فكأن المعنى: هذا يكون ولا بد» انتهى.
وهو تقرير حسن يتعيّن التعويل عليه، وعلى هذا لا فساد في شيء من التعاريف الثلاثة لـ «لو» وهي قولهم: حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، وحرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وحرف يدل على انتفاء تال يلزم لثبوته ثبوت تاليه، وهذا هو الذي ذكره المصنف، ولا شك أنه أقرب إلى فهم معنى «لو» ثم إنه يشمل صور المسائل كلها، ولا يحتاج معه إلى أن يجاب عما أورد على من قال: إنها حرف يدل على الامتناع، وكذا التعريف الذي ذكره إمام الصناعة سيبويه - رحمه الله تعالى - وهو: أنها لما كان سيقع لوقوع غيره، وقد تقدم الجواب عن اعتراض المصنف عليه بما اعترض به.
واعلم أن من الناس من قال 2: إن «لو» تكون للتعليق وهي التي ذكرت لها هذه التعاريف ووقع البحث والكلام فيها، وقد تكون لمجرد [ارتباط] الثاني بالأول من غير دلالة على امتناع أو غيره 3، وعلى ذلك قول المتنبي 4: -

................................  4097 - ولو قلم ألقيت في شقّ رأسه... من السّقم ما غيّرت من خطّ كاتب 1 قال 2: وضابط هذا القسم أن تقوم لنا قرينة تدل على ثبوت الثاني مطلقا، إما من مدلول الكلام وإما من خارج، فالأول كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ 3 فإن الآية الشريفة سيقت لبيان أن بين ثبوت أن كون ما في الأرض من شجرة أقلام وكون البحر يمده من بعده سبعة أبحر، وبين نفي النفاد ارتباطا، ولو فرض امتناع لزم أن يكون نفى النفاد منفيّا فيكون حاصلا وذلك باطل.
والثاني كقول عمر رضي الله عنه «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» فبين نفي الجواب ونفي العصيان ارتباط، ولو فرض امتناع لزم وجود العصيان على تقدير وجود الخوف وهو خلاف المقصود، وخلاف المعقول أيضا، والمقتضي لذلك أنه إذا أريد ثبوت شيء مطلقا، أو نفي شيء مطلقا علّق على أحد النقيضين لوجوده دائما، لكن إنما يذكر النقيض الذي يكون ثبوت ذلك الأمر أو نفيه على تقدير النقيض الآخر لو ذكر من الطريق الأولى كما يفهم من الآية الشريفة ومن الأثر المتقدمي الذكر، ولا شك أن القول بذلك إذا كان سالما من الخدش يتعين المصير إليه فإنه سهل مريح من تكلف أجوبة عن المسائل التي يشكل كون «لو» فيها للتعليق.
وذكر عن الشلوبين 4 أنه كان يرى أن «لو» تقتضي لزوم جوابها لشرطها فقط، وهذا مما يقوي القول بأنها قد تأتي لمجرد الارتباط، لأن الشلوبين يدّعي أن ذلك هو معناها دائما، وإذا كان كذلك فلا أقلّ أن يقال: إن ذلك ثابت لها في بعض الاستعمالات.
ثم ليعلم أن قول بدر الدين مقررا أمر التعريف الذي اختاره والده: «ولا تقتضي -

................................  امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته لأنه لازم والشرط ملزوم إلى آخر كلامه «تقرير حسن»، إلا أن ما قاله إنما يتم حيث يعقل سببية ومسببية بين الأول والثاني، أما إذا لم يعقل بينهما سببية ومسببية كما في الآية الشريفة وكما في الأثر، فلا يتم تقريره.
وقد بقيت الإشارة إلى أمور: منها: أن بعض العلماء قال: عبارة سيبويه مقتضية أن الثاني كان بتقدير وقوع الأول، فرتب الوقوع لإتيانه بالسين في قوله «سيقع» وهو كلام عجيب، بل العبارة تقتضي أن الثاني واقع عقيب الأول دون تأخّر، وأما «السين» فإنها إنما أتي بها لأن ما دخلت عليه مستقبل بالنسبة إلى وقت التلفظ بهذه العبارة.
ومنها: أن «اللام» في قول سيبويه «لوقوع غيره» للتوقيت كما هي في قوله تعالى: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ 1 بمعنى أن الثاني يكون ثبوته عند ثبوت الأول، فلا يقال: إن «اللام» للتعليل لأن ذلك يؤدي إلى أن عدم نفاد الكلمات معلل بأن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر وليس الأمر كذلك، قيل: وليس في عبارة سيبويه دلالة على أن الشرط منتف، وأجيب بأن ذلك يفهم من قوله «لما كان سيقع» لأن ذلك يدل على أنه لم يكن واقعا 2. ومنها: أن بعض العلماء قال 3: في عبارة ابن مالك نقص؛ فإنها لا تفيد أن اقتضاءها للامتناع في الماضي، قال: فيتعين أن يقال: لو حرف يقتضي في الماضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، وهو إيراد عجيب فإن ابن مالك قد قال بعد ذلك 4 «واستعماله في المضي غالبا» وإنما لم يأخذ قيد المضي في الحد لأنه يرى أنها تكون للتعليق في المستقبل كما تكون له في الماضي.
ومنها: [5/ 183] «أن الإمام فخر الدين 5 سلب «لو» الدالّة على الامتناع -

[أحوال جواب لو]

قال ابن مالك: (وجوابها في الغالب فعل مجزوم بـ «لم» أو ماض منفيّ بـ «ما» أو مثبت مقرون غالبا بلام مفتوحة، ولا تحذف غالبا إلّا في صلة، وقد تصحب ما).
مطلقا وجعلها لمجرد الربط واحتج بقوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ 1 قال 2: فلو أفادت «لو» انتفاء الشيء لانتفاء غيره لزم التناقض، لأن قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ يقتضي أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم، وقوله تعالى: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا يفيد أنه تعالى ما أسمعهم ولا تولوا، لكن عدم التولي خير فيلزم أن يكون قد علم فيهم خيرا وما علم فيهم خيرا، قال: فعلمنا أن كلمة «لو» لا تفيد إلا الربط» هذا كلامه.
قيل: وقد يمنع قوله: إن عدم التولي خير، فإن الخير إنما هو عدم التولي بتقدير حصول الإسماع، والغرض أن الإسماع لم يحصل فلا يكون عدم التولي على الإطلاق خيرا، بل عدم التولي المرتب على الإسماع.
وقيل 3: إن قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ على معنى الاستدلال، وقوله تعالى: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ على معنى الذم، فلذلك لا ينتج: لو علم فيهم خيرا لتولوا، وقال الزمخشري 4: ولو علم الله فيهم خيرا وقتا ما لتولّوا بعد ذلك، وقيل غير ذلك 5. قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 6 رحمه الله تعالى: «انفردت لو بلزوم كون جوابها في الغالب فعلا مضارعا مجزوما بـ «لم» نحو: لو قام زيد لم أقم، قال الشاعر: -

................................  4098 - فلو كان حمد يخلد النّاس لم تمت... ولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد 1 أو ماضيا مثبتا، أو منفيا بـ «ما»، فإن كان مثبتا فالأكثر أن تصحبه لام مفتوحة نحو وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ 2، وقد يخلو منها كما في قوله تعالى: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ 3 وقوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ 4، وإن كان منفيا بـ «ما» فالأكثر خلوّه من اللام كما في قوله تعالى: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ 5، وقد تصحبه كما في قولك: لو كان كذا لما كان كذا.
وقوله: في الغالب، احتراز من مجيء جواب «لو» جملة اسمية مصدرة باللام كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ 6، وبالفاء كما أنشده الشيخ 7 رحمه الله تعالى من قول الشاعر: 4099 - قالت سلامة لم يكن لك عادة... أن تترك الأصحاب حتّى تعذرا 8 لو كان قتل يا سلام فراحة... لكن فررت مخافة أن أوسرا فحمل ما بعد الفاء على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو راحة، والجملة جواب لـ «لو» وجاز أن يجاب بجملة اسمية مقرونة بالفاء تشبيها بـ «إن»، ويجوز عندي أن يكون ما بعد الفاء معطوفا على فاعل «كان» وجواب «لو» محذوف تقديره: لو كان قتل فراحة لثبتّ 9، كما حذف في مواضع كثيرة كما -

................................  في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ 1 وكما حذف هو والشرط في قول الشاعر 2: 4100 - إن يكن طبّك الدّلال فلو في... سالف الدّهر والسّنين الخوالي 3 قال أبو الحسن 4: يريد فلو كان في سالف الدهر لكان كذا وكذا انتهى كلامه رحمه الله تعالى وهو كلام والده في شرح الكافية 5 [إلا] تصدّر جملة الجواب بالفاء والبيتين اللذين أنشدهما فإنه ذكر في غير الشرح المذكور، لأنه ذكر أن البيتين من إنشاداته.
وأما قوله مشيرا إلى اللام «وقد تصحب ما» فمثاله قول الشاعر: 4101 - لو أنّ بالعلم تعطى ما تعيش به... لما ظفرت من الدّنيا بنقرون 6 وأما قوله مشيرا إلى اللام أيضا «ولا تحذف غالبا إلّا في صلة» فمثال ذلك 7 قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ 8، قال الشيخ 9: «ويعني بالصلة أن تكون لو وما دخلت عليه واقعة صلة قال: -

................................  وكون المثبت مقرونا غالبا بلام ولا تحذف غالبا إلا في صلة شيء اختاره هذا المصنف وتقييد لما أطلقه النحويون من قولهم: إن المثبت الواقع جوابا للو يجوز دخول اللام عليه وحذفها من غير اعتبار غلبة لا في الدخول ولا في الحذف، وقد نطق القرآن العزيز بهما قال الله تعالى: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً 1 وقال تعالى: أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ 2 وقال تعالى: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ 3، وأما في كلام العرب فخارج حذف اللام عن الحصر».
هذا كلام الشيخ والعجب منه أنه قال قبل ذلك عند شرح قول المصنف: مثبت مقرون غالبا بلام مفتوحة وأكثر ما جاء في القرآن العزيز مقرونا باللام 4، وإذا كان أكثر ما ورد في الكتاب العزيز مقرونا باللام كان ذلك شاهدا لقول المصنف.
ثم قال الشيخ 5: «وقد سقط قوله: ولا تحذف غالبا إلّا في صلة، من نسخة عليها خطه وتصحيحه، ثم قال: وتدخل إذن بين لو وجوابها فتقول: لو جئتني إذن لأكرمتك، قال: وقد جاء دخول اللام على إذن دون الفعل قال الشاعر: 4102 - لو تأتّي لك التّحوّل حتّى... تجعلي خلفك اللّطيف أماما ويكون الأمام ذو الخلقة الجب... لة خلفا مراكنا مستكاما لإذن كنت يا عبيدة خير الن... نّاس خلفا وخيرهم قدّاما 6 قال: ومن غريب ما وقع جوابا للو أفعل في التعجب مصحوبة باللام، قال عبد الله بن الحر 7: -

................................  4103 - فلو متّ في يوم ولم آت عجزة... يضعّفني فيها امروء غير عاقل لأكرم بها من ميتة إن لقيتها... أطاعن فيها كلّ خرق منازل 1 انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
وقد عرفت أن المصنف احترز بقوله «في الغالب» - كما قال الإمام بدر الدين - من مجيء [5/ 184] جواب «لو» جملة اسمية مصدرة باللام ومصدرة بالفاء، وأما المصدرة بالفاء فقد عرفت أن بدر الدين لم يجعل المصدر بالفاء جوابا وأنه أجاب عما استدل به والده من قول الشاعر: 4104 - لو كان قتل يا سلام فراحة 2 أن «فراحة» معطوف على فاعل «كان» الذي هو «قتل» وأن الجواب محذوف، ولا شك أن «كان» في البيت تامة، والمعنى على ما يراه المصنف: لو وقع قتل استرحت، فأوقع الشاعر موقع استرحت فهو راحة، والذي قاله بدر الدين هو الظاهر، بل هو الحق، بل يقال: إن جواب «لو» لا يكون جملة اسمية أصلا، وأما قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ 3 فقد أجيب عنه بأن جواب «لو» محذوف لدلالة ما بعده عليه، التقدير: لأثيبوا، والجملة التي هي «لمثوبة من عند الله خير» جواب قسم محذوف أي: والله لمثوبة من عند الله خير، ولا شك أن حذف جواب «لو» لدلالة المعنى عليه كثير في الكتاب العزيز وفي أشعار العرب، قال الله تعالى: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ 4 وقال تعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ 5 وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً الآية 6 التقدير في الأولى: ولو كنا صادقين ما آمنتنا أي ما صدقتنا، وفي الثانية: ولو افتدى به لم يقبل منه، وفي الثالثة: ولو أن قرآنا الآية لكان هذا -

................................  ظلمهم لأن ظلمهم متقدم على إنذارهم، وإنذارهم متقدم على إهلاكهم، ولأنها تقابل «لو» لأن «لو» في الغالب تدل على امتناع لامتناع و «لما» تدل على وجوب لوجوب، ويحقق تقابلهما أنك تقول: لو قام زيد قام عمرو ولكنه لما لم يقم لم يقم، ويقوى قول أبي علي أنها قد جاءت لمجرد الوقت في قول الراجز: 4106 - إنّي لأرجو محرزا أن ينفعا... إيّاي لمّا صرت شيخا قلّعا 1 والثالث: أن تكون بمعنى «إلا» بعد قسم كقوله: عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطا، وكقول الراجز: 4107 - قالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنين 2 وقد تكون بمعنى «إلا» بعد نفي دون قسم، ومنه قراءة عاصم وحمزة 3 وإن كل لما جميع لدينا محضرون 4، وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا 5 أي: وما كل إلا جميع، وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا.
ومثال وقوع جواب لما جملة ابتدائية قوله تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ 6. ومثال وقوع جوابها مقرونا بإذا المفاجأة قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ -

................................  مِنْها يَرْكُضُونَ 1 انتهى.
وأورد ذلك بدر الدين برمّته دون زيادة 2، وأنشد شاهدا لقول المصنف «وربّما كان ماضيا مقرونا بالفاء» قول الشاعر: 4108 - فلمّا رأى الرّحمن أن ليس فيهم... رشيد ولا ناه أخاه عن الغدر فصبّ عليهم تغلب ابنة وائل... فكانوا عليهم مثل راغية البكر 3 وأما قول المصنف «وقد يكون مضارعا» أي: جواب «لما» فشاهده قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا 4 قالوا: التقدير: جادلنا 5. وبعد فلنذكر أمورا: منها: أن الشيخ عند الاستشهاد بقوله تعالى: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا 6، وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ 7. في قراءة من شدد الميم 8. قال 9: «فأما قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ 10 - في قراءة من خفف إن أو ثقّلها وثقّل ميم لما 11 - فقال صاحب كتاب «اللامات» 12: قال محمد -

................................  ابن يزيد - يعني المبرد 1 -: هذا لحن لا تقول العرب: إن زيدا لما خارج، ولا إن زيدا لا خارج، وقال المازني 2: لا أدرى ما وجه هذه القراءة؟، وقال الفراء 3: التقدير: لمن ما فلما كثر الميمات حذف منهن واحدة، فعلى هذا القول هي لام توكيد، ونعني بكثرة الميمات أن نون «من» حين أدغمت في ميم «ما» انقلبت ميما بالإدغام فصارت ثلاث ميمات، وقال المازني أيضا: إن بمعنى ما ثم ثقّلت 4، قال صاحب كتاب «اللامات»: فذهب المازني إلى أن «إن» إذا كانت خفيفة كانت بمعنى ما ثم تثقّل، كما أن «إن» المؤكدة تخفف ومعناها الثقيلة.
انتهى كلامه.
قال الشيخ 5: وارتباك النحويين في هذه القراءة، وتلحين بعضهم لقارئها يدل على صعوبة المدرك فيها وتخريجها على القواعد النحوية، فأما التلحين فلا سبيل إليه ألبتة لأنها منقولة نقل التواتر في السبعة، وأما من قال: لا أدري ما وجهها؟ فمعذور لخفاء إدراك ذلك عليه، وأما تأويل «إنّ» المثقّلة بأنها المخففة التي هي نافية ففي غاية من الخطأ، لأنها لو كانت نافية لم ينتصب بعدها «كل» إنما كان يرتفع، وأيضا فإنه لا يحفظ من كلامهم أن تكون المثقلة نافية.
وأما تأويل الفراء المثقلة بأنها المخففة فالآخر في غاية [5/ 185] من الضعف، إذ لا يحفظ من كلامهم «لما» في معنى: لمن ما.
قال 6: وقد كنت من قديم فكّرت في تخريج هذه الآية الشريفة فظهر لي تخريجها على القواعد النحوية من غير شذوذ، وهو أن «لمّا» في قراءة من نصب «كلا» وخففت «إن» أو ثقلها هي الجازمة وحذف الفعل المعمول لها لدلالة معنى الكلام عليه، فيكون نظير قولهم: قاربت المدينة ولمّا، ويريد: ولمّا أدخلها، فيكون معنى الآية: وإن كلّا لمّا يبخس أو ينقص عمله، أو ما كان من هذا المعنى، فحذف -

................................  الفعل لدلالة قوله تعالى: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ عليه، لأنه تعالى لما أخبر أن كل إنسان لا يبخس شيئا من عمله أكد ذلك بالقسم عليه فقال: ليوفينهم ربك أعمالهم.
قال 1: ولم يهتد أحد من النحويين الذين وقفنا على كلامهم في هذه الآية إليه على وضوحه واتجاهه في علم العربية، والعلوم كنوز تحت مفاتيح الفهوم، ثم إني حين وصلت في تفسير القرآن العزيز في كتابي المسمى بـ «البحر المحيط» وجدت شيخنا أبا عبد الله بن النقيب 2 [قد حكى عن أبي عمرو بن الحاجب أن لمّا هنا هي الجازمة وحذف الفعل بعدها 3، ذكر ذلك] ابن النقيب في تفسيره الذي سمّاه بـ «التجريد» والتحبير لأقوال أهل التفسير» انتهى.
وأقول: أما الشيخ فقدره جليل، ولا يشك أحد في علو طبقته وارتفاع شأنه في علم العربية، وكم له من مشكل حلّه، وعسر خرّجه، وخفىّ أوضحه، وغامض أبرزه، وما أنشأه من المصنفات المختصرات والمطولات لا سيما التفسير يشهد له بأكثر مما ذكرته، ومن هو بهذه الصفات كيف لا يدرك مثل ذلك؟ فأنا واحد من أقل الطلبة الذين أخذوا عنه ولقد يسّر الله تعالى لي الجواب عن هذه الآية الشريفة، وهي وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ 4 بأن قلت: إن «لمّا» هي النافية، وأن الفعل المنفي بها محذوف يدل عليه قوله تعالى: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ وكان السائل عن ذلك بعض الفضلاء فبعد أيام قال لي: إن الجواب الذي ذكرته ذكره أبو شامة 5 في (شرح الشاطبية) نقلا عن -

................................  الشيخ أبي عمرو بن الحاجب 1 - رحمه الله تعالى - فحصل لي بذلك ابتهاج وشكرت الله تعالى أن هداني إلى ما هدى إليه هذا الرجل العالم العامل.
ومنها: أن الشيخ ذكر مسألة وهي: أقسمت لمّا لم تفعلنّ وقال 2: «قال أبو عمرو بن تقي 3: وقعت لمّا في الكتاب مشددة ومخففة وهو الوجه، ولذلك يقول النحويون في جواب القسم: لما أو لمّا على الشك، فوجه المخففة أنها لام التوكيد دخلت على «ما» وهي للنفي [و] لما كان أصلها أن تنفي الماضي أو الحال وكان هذا الفعل مستقبلا بدليل وجود «النون» معه أدخلوا «لم» في الموضع تحسينا لـ «ما» لأن «لم» تنفي الماضي بلفظ المستقبل ولما اجتمع نفيان انقلبا إيجابا فصلح دخول «النون» لأنها لا تدخل على المنفي، فكأنه قال: أقسمت عليك لتفعلنّ وهو المعني» انتهى.
ولم أتحقق ما ذكره عن هذا الرجل في هذه المسألة.
ومنها: أن الشيخ قال 4: «إن المصنف تسامح في أمرين: أحدهما: قوله: فهي ظرف بمعنى إذ، أو حرف، لأنه أخرج الكلام في «لما» مخرج الترديد، - يعني كأن المصنف خيّر [بين] الأمرين - قال (5): وهذا قول ثالث لم يقل به، لأن سيبويه يحكم بالحرفية والفارسي يحكم بالظرفية، قال: وهذا لا يجيز قول هذا فيها، وهذا لا يجيز قول هذا.
والثاني: قوله إنه حرف يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب، قال 5: لأن القائل بهذا لا يقتصر على هذا، بل يقول ذلك إذا كانا مثبتين، أما إذا كانا منفيين فإنه يقتضي امتناعا لامتناع، وأما إذا كان الأول مثبتا والثاني منفيا فيقتضي امتناعا لوجوب، وأما عكسه فبالعكس».
- = الشاطبية، ونظم المفصل للزمخشري ومقدمة في النحو، وتوفى سنة (665 هـ). انظر ترجمته في طبقات المفسرين (1/ 263 - 265)، وغاية النهاية (1/ 365).

................................  وأقول: إن قول المصنف «فهي ظرف أو حرف» معناه: فهي ظرف عند من يرى ظرفيتها، وهي حرف عند من يرى حرفيتها، ومراده أنها لا تخرج عند النحاة عن القسمين، وكيف يتصور لقائل باسمية كلمة أن يجيز القول بحرفيتها؟ أو لمن يقول بالحرفية كيف يجيز الاسمية؟ وإذا كان كذلك انتفى الترديد وأما قوله: إنها تقتضي وجوبا لوجوب، فليس المراد بالوجوب ما يقابل الامتناع فيتوجه عليه ما قاله الشيخ بل المراد به: وجود شيء لشيء أو وقوع شيء لشيء، فـ «لمّا» تدل على أن المذكور ثانيا حصل بحصول المذكور أولا، وهذا أعم من أن يتفق الأول والثاني في الإثبات أو النفي أو يختلفا.
ومنها: أن الشيخ قال 1: «ما استدلوا به لمذهب سيبويه: - يعني على حرفية لمّا - من قوله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا 2 لا دليل لهم فيه، لأنهم أخذوا قوله تعالى: لَمَّا ظَلَمُوا على ابتداء الظلم، فجعلوا بين الظلم والإهلاك زمانا غير زمانهما وهو زمان الإنذار، ولا يتعيّن حمل قوله تعالى: لَمَّا ظَلَمُوا لما ابتدأو الظلم، بل يصدق أنهم أهلكوا حين الظلم، لأن حين الظلم متسع لابتدائه ولغير ابتدائه، ألا ترى أنهم كانوا ظالمين وقت الإهلاك لم يخرجوا عن الظلم، فالإهلاك وقع وقت التباسهم بالظلم» انتهى.
ولك أن تقول: لا بد أن يتقدم الظلم منهم على إهلاكهم لأن الله سبحانه لا يؤاخذ بغير ذنب، فلا بد من تقدم وجود الظلم، ثم إذا أهلكوا وهم مستمرون في الظلم فلا بد أن يكون الإهلاك بسبب ظلم متقدم وإن انضم إليه ظلم آخر، ومقتضى ما قرره الشيخ أن الإهلاك إنما بسبب الظلم المتلبّسين هم به وقت إهلاكهم، وهو غير مسلّم.
ثم قال 3: «وقد ذكرت الاستدلال على صحة مذهب سيبويه في كتابنا المسمى [5/ 186] بـ «النكت الحسان في شرح غاية الإحسان» بوجهين 4 -

................................  وأزيدهما ها هنا بيانا: أحدهما: أنا وجدنا الفعل الذي يكون جوابا لها قد يأتي منفيّا بـ «ما» متأخرا عن الفعل الذي بعدها قال تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ 1 فلو كانت ظرفا لما صح لمعمول الفعل المنفي بـ «ما» أن يتقدم عليه، لا يجوز: حين جئت ما جئت، وقد تقدم، فدل على أنه ليس بظرف.
والثاني: أنا وجدنا جوابها يكون بـ «إذا» الفجائية قال تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ 2، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ 3 وهو كثير في القرآن العزيز وفي أشعار العرب ولا يصح لما بعد «إذا» الفجائية أن يعمل فيما قبلها، فلو كان ظرفا لما صلح أن يتقدم على «إذا» المذكورة قال 4: ومما يستدل به على بطلان [مذهب] أبي على إجماع النحويين على جواز زيادة «أن» بعد «لمّا» ولو كانت ظرفا والجملة بعدها في موضع خفض بالإضافة لما جاز الفصل بـ «أن» الزائدة بين المضاف والمضاف إليه، كما لا يجوز ذلك في الظروف المضافة إلى الجمل.
ثم ذكر 5 قول المصنف 6: ويقوّي قول أبي علي أنها قد جاءت لمجرد الوقت في قول الراجز: 4109 - إنّي لأرجو محرزا أن ينفعا... إيّاي لمّا صرت شيخا قلّعا 7 قال 8: ولا حجة في ذلك إذ يحتمل أن يكون جواب «لمّا» محذوفا لفهم المعنى أي: لمّا صرت شيخا قلعا حصل لي هذا الرجاء، فتكون إذ ذاك حرفا.
ومنها: أن المصنف قد قال 9: إن جواب [لمّا] قد يكون جملة اسمية مع الفاء -

................................  وإنه ربما كان ماضيا مقرونا بالفاء، وأنه قد يكون مضارعا، واستدل على المسألة الأولى بقوله تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ 1، وعلى الثانية بقول الشاعر: 4110 - فلما رأي الرحمن........ فصبّ عليهم..... 2 على أنه جواب لقوله: وعلى المسألة الثالثة بقوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا 3 كما عرفت، وقد نوزع في المسائل الثلاث: أما الأولى 4: فقيل: لا دليل له عليها لأنا ندّعي أن الجواب في الآية الشريفة محذوف، والتقدير: فلما نجاهم إلى البر انقسموا قسمين فمنهم مقتصد ومنهم غير مقتصد [فحذف الجواب وحذف المعطوف الذي هو: ومنهم غير مقتصد] لدلالة قوله تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ 5 عليه. وأما الثانية: فقيل: إن الذي استدل به عليها لا دليل فيه، لأنا ندّعي حذف الجواب أيضا لدلالة المعنى عليه التقدير: انتقم منهم فصب عليهم، كما حذف في قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 6 وفي قول امرئ القيس: 4111 - فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى... بنا بطن خبت ذي ركام عقنقل 7

جارٍ التحميل