الباب الثالث والثلاثون باب حبّذا
[أصلها - فاعلها - تمييزها - مخصوصها - إفرادها]
قال ابن مالك: (أصل «حبّ» من «حبّذا» حبب، أي صار حبيبا، فأدغم كغيره، وألزم منع التّصرّف وإيلاء ذا فاعلا، في إفراد، وتذكير وغيرهما، وليس هذا التركيب مزيلا فعليّة «حبّ» فتكون مع «ذا» مبتدأ، خلافا للمبرّد، وابن السّرّاج، ومن وافقهما، ولا اسميّة «ذا» فيكون مع «حبّ» فعلا، فاعله المخصوص خلافا لقوم، وتدخل عليها «لا» فتحصل موافقة «بئس» معنى ويذكر بعدهما المخصوص بمعناهما مبتدأ مخبرا عنه بهما، أو خبر مبتدأ لا يظهر، ولا تعمل فيه النّواسخ، ولا يقدّم، وقد يكون قبله أو بعده تمييز مطابق، أو حال عامله «حبّ»، وربّما استغني به، أو بدليل آخر عن المخصوص، وقد تفرد «حبّ» فيجوز نقل ضمّة عينها إلى فائها، وكذا كلّ فعل حلقيّ الفاء، مراد به مدح أو تعجّب، وقد يجرّ فاعل «حبّ» بباء زائدة، تشبيها بفاعل «أفعل» تعجّبا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: الصحيح أنّ (حبذا) فعل وفاعل، [3/ 108] ولكنه جرى مجرى المثل، فاستغني فيه بـ (ذا) عن (ذي)، في نحو قول الراجز:
2039 - يا حبّذا القمراء واللّيل السّاج... وطرق مثل ملاء النّسّاج 2
وعن (ذين) في نحو قول الشاعر: -
الحديث: 2039 - الجزء: 5 - الصفحة: 2587
................................ 2040 - حبّذا أنتما خليليّ إن لم... تعذلاني في دمعي المهراق 3 وعن (أولئك) في نحو قول الشاعر: 2041 - ألا حبّذا أهل الملا غير أنّه... إذا ذكرت سلمى فلا حبّذا هيا 4 وأصل (حبّ): حبب، وهو وزن يندر في المضاعف؛ لاستثقال ضمة عين، تماثلها اللّام، لكن سهّله هنا عدم ظهوره، للزوم الإدغام وعدم التصرف، بخلاف: لبّ الرجل؛ فإنّه يقال فيه: لببت ولم يلبب؛ فثقل وقلّت، ودلنا على أنّ (حبّ) في الأصل: حبب؛ قولهم فيه - إذا جرّد -: حبّ؛ إن قصد نقل حركة العين إلى الفاء، وإن لم يقصد ذلك قيل: حبّ بالفتح 5 ويروى بالوجهين قال الشاعر: 2042 - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها... وحبّ بها مقتولة حين تقتل 6 ولا يجوز مع ذكر (ذا) إلا الفتح 7، والذي اخترته من كون (حبّ) باقيا على فعليّته، وكون (ذا) باقيا على فاعليته هو اختيار أبي علي الفارسيّ، وابن برهان، وابن خروف، وهو ظاهر كلام سيبويه، وزعم قوم - منهم ابن هشام -
الحديث: 2040 - الجزء: 5 - الصفحة: 2588
................................
اللخميّ - أنّ مذهب سيبويه جعل (حبّذا) مبتدأ مخبرا عنه بما بعده 8. قال ابن خروف: (حبّ) فعل، و (ذا) فاعله، و (زيد) مبتدأ، وخبره (حبّذا) هذا قول سيبويه، وأخطأ من زعم غير ذلك.
قلت: صرّح المبرد في المقتضب، وابن السّراج في الأصول، بأنّ (حبّ) و (ذا) جعلتا اسما مرفوعا بالابتداء 9، ولا يصحّ ما ذهب إليه من ذلك؛ لأنّهما مقرّان بفعلية (حبّ) وفاعليّة (ذا) قبل التركيب، وأنّهما بعد التركيب لم يتغيرا، معنى ولا لفظا، فوجب بقاؤهما على ما كانا عليه، كما وجب بقاء حرفية (لا) واسميّة ما ركّب معها، في نحو: لا غلام لك، مع أنّ التركيب قد أحدث في اسم (لا) لفظا ومعنى ما لم يكن، فبقاء جزأي (حبذا) على ما كانا عليه أولى؛ لأنّ التركيب لم يغيرها، لا لفظا، ولا معنى، وأيضا: لو كان (حبّذا) مركبا تركيبا مخرجا من نوع إلى نوع لكان لازما كلزوم تركيب (إذ ما) ومعلوم أنّ تركيب (حبّذا) لا يلزم، لجواز الاقتصار على (حبّ) عند العطف 10 كقول بعض الأنصار رضي الله عنه 11:
2043 - فحبّذا ربّا وحبّ دينا 12
أراد: حبّذا دينا، فحذف (ذا) ولم يتغيّر المعنى، ولا يفعل ذلك بـ (إذ ما) -
الحديث: 2043 - الجزء: 5 - الصفحة: 2589
................................
وغيرها من المركّبات تركيبا مخرجا من نوع إلى نوع، فعلم بذلك أنّ تركيب (حبّذا) ليس تركيبا مخرجا من نوع إلى نوع.
وأيضا: لو كان (حبّذا) مبتدأ لدخلت عليه نواسخ الابتداء، كما تدخل على غيره من المبتدآت، فكان يقال: إنّ حبّذا زيد، وكان حبذا زيد، وفي منع ذلك دلالة على أنّ (حبّذا) ليس مبتدأ.
وأيضا: لو كان مبتدأ للزم إذا دخلت عليه (لا) أن يعطف عليه منفيّ بـ (لا) أخرى، فكان يمتنع أن يقال: ألا حبّذا زيد، حتّى يقال: ولا المرضيّ فعله، ونحو ذلك، كما يفعل مع المبتدأ الذي (حبّذا) مؤدّ معناه 13.
واختار ابن عصفور اسمية (حبّذا) مستدلّا بأنّ العرب قد أكثرت من دخول (يا) عليها، دون استيحاش، وزعم أنّ فعل ذلك مع غيرها، ممّا فعليته محققة مستوحش 14 كقوله:
2044 - ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال 15
وعكس ما ادعاه أولى بالصحة؛ لأنّ دخول (يا) على فعل الأمر أكثر من دخولها على (حبّذا) فمن ذلك قراءة الكسائيّ: ألا يا اسجدوا لله 16 وقال العلماء: تقديره: ألا يا هؤلاء اسجدوا؛ فكذلك يكون التقدير في «يا حبّذا»:
يا قوم حبّذا، أو نحو ذلك.
-
الحديث: 2044 - الجزء: 5 - الصفحة: 2590
................................ فإنّ حذف المنادى، وإبقاء حرف النداء يجوز بإجماع، ومنه قول الشاعر: 2045 - يا لعنة الله والأقوام كلّهم... والصّالحين على سمعان من جار 17 وليس بشيء قول من قال - في قراءة الكسائيّ -: إنّ معناه: ألا ليسجدوا فحذف لام الأمر، وبقي الفعل مجزوما؛ لأنه قد روي عن الكسائيّ أنّ القارئ بروايته إذا اضطرّ للوقوف على الياء يقف بالألف، ويبدأ بعدها (اسجدوا) بضم الهمزة 18؛ فعلم بذلك أنه فعل أمر قبله (يا) وقد جعل بعض العلماء (يا) في مثل هذا لمجرّد التنبيه، دون قصد نداء، مثل (ها) ومثل (ألا) الاستفتاحية 19، وهذا هو الظاهر من كلام سيبويه في باب: عدّة ما يكون عليه الكلم 20، ويؤيد هذا كثرة دخولها على (ليت) 21 في كلام من لا يحضره منادى، ولا يقصد نداء، كقوله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ 22، وكثرة معاقبتها (ألا) -
الحديث: 2045 - الجزء: 5 - الصفحة: 2591
................................ الاستفتاحية، قبل (ليت) و (ربّ) كقول الشّاعر: 2046 - ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة... بواد وحولي إذخر وجليل 23 وكقول الآخر: 2047 - يا ليت شعري هل يقضى انقضاء نوى... فيجمع الله بين الرّوح والجسد 24 وكقول امرئ القيس: 2048 - ألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل 25 وكقول امرئ القيس أيضا: 2049 - فيا ربّ مكروب كررت وراءه... وطاعنت عنه الخيل حتّى تنفّسا 26 وذهب قوم إلى أنّ (حبّ) حين ضمّ إليها (ذا) نزّل منها منزلة حرف زائد، في الفعل، وصار المجموع فعلا مقتصرا على فاعل، فجعل المخصوص فاعلا، فإذا -
الحديث: 2046 - الجزء: 5 - الصفحة: 2592
................................ قيل: حبّذا زيد، فـ (حبّذا) بمجموعيه فعل، فاعله زيد 27. وهذا قول في غاية من الضّعف؛ لأنّه مؤسس على دعوى مجردة عن الدليل، مع ما فيه من تغليب أضعف الجزءين على أقواهما، ومن ادّعاء تركيب فعل، من فعل واسم، ولا نظير لذلك 28؛ بل المعروف تركيب اسم من فعل واسم، كـ: (برق نحره) (3)، و (تأبّط شرّا) 29. والصحيح: أنّ (حبّ) فعل يقصد به المحبّة والمدح وجعل فاعله (ذا) ليدلّ بذلك على الحضور في القلب، ولم يغيرا لجريانهما مجرى الأمثال، فإن قصد به بغض وذمّ قيل: لا حبّذا [3/ 109] كما قال الشاعر: 2050 - ألا حبّذا عاذري في الهوى... ولا حبّذا الجاهل العاذل 30 وقال الآخر: 2051 - لا حبّذا أنت يا صنعاء من بلد... ولا شعوب هوى منّا ولا نقم 31
الحديث: 2050 - الجزء: 5 - الصفحة: 2593
................................
وإلى هذا أشرت بقولي: وتدخل عليهما (لا)، فتحصل موافقة «بئس» معنى.
ثمّ قلت: ويذكر بعدهما المخصوص بمعناهما مبتدأ مخبرا عنه بهما، أو خبر مبتدأ لا يظهر.
فأشرت بذلك إلى أنّك إذا قلت: حبّذا زيد، أو نحو ذلك؛ فإنّ الواقع بعد (حبّذا) يسمّى المخصوص، وأنه مرفوع بالابتداء، وخبره (حبّذا) و (ذا) هو صاحب الخبر في المعنى، فأغنى عن العائد إغناء (ذلك) في قوله تعالى:
وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ 32. ويجوز كون المخصوص خبر مبتدأ مضمر كأنّه قيل - لمن قال: حبّذا - من المحبوب؟ فقال: زيد، يريد: هو زيد، والحكم عليه بالخبريّة - هنا - أسهل منه في باب (نعم)؛ لأنّ مصعبه - هناك - نشأ من دخول نواسخ الابتداء، وهي هاهنا - لا تدخل؛ لأنّ (حبّذا) جار مجرى المثل، والمثل وما جرى مجراه لا يغيران 33 وهذا المعنى أيضا منع - هنا - من تقديم المخصوص، فلا يقال: زيد حبذا، وقد أغفل أكثر النحويّين التنبيه على امتناع تقديم المخصوص في هذا الباب وعلى امتناع نسخ ابتدائيته.
وهو من المهمات 34. وتنبّه ابن بابشاذ إلى
التنبيه على امتناع التقديم، ولكن جعل سبب ذلك، خوف توهّم كون المراد من «زيد حبّذا»: زيد أحبّ ذا 35، وتوهّم هذا بعيد، فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله؛ بل المنع من أجل إجراء (حبّذا) مجرى المثل، وما كان كذلك فلا يغيّر، بتقديم بعضه على بعض، ولا يغير ذلك 36. - - بظاهر صنعاء، نقم - بضمتين أو بفتحين -: جبل مطل على صنعاء اليمن، والهوى: المهوي.
والمعنى: لا محبوبة في الأشياء أنت يا صنعاء، ولا محبوب في الأشياء أيضا شعوب، ولا نقم.
والشاهد فيه: «لا حبّذا»؛ حيث دخلت عليها (لا) فساوت (بئس) في المعنى، والعمل.
ينظر الشاهد أيضا في: شرح ابن يعيش (7/ 139)، وشرح المصنف (3/ 26)، والهمع (2/ 89)، والدرر (2/ 117).
الجزء: 5 - الصفحة: 2594
................................ وقد يكون قبل مخصوص (حبّذا) أو بعده تمييز مطابق أو حال: فأمّا التمييز فكثير متفق على استعماله مطابقا للمخصوص، فيما له من إفراد وتذكير، وفروعهما، كقولك: حبّذا رجلا الحارث، و: حبّذا غلامين ابناك و: حبّذا رجالا الزيدون، و: حبّذا امرأة هند، و: حبّذا جاريتين ابنتاهما، و: حبّذا نسوة الفواطم، فهذه أمثلة تقديم التمييز على المخصوص، فإذا قدّم عليه المخصوص وأخّر في كلّ واحد من الأمثلة المذكورة فهو سهل يسير، واستعماله كثير، إلّا أنّ الأوّل أولى وأكثر 37. فمن تقديم التمييز على المخصوص قول الشّاعر: 2052 - ألا حبّذا قوما سليم فإنّهم... وفوا إذ تواصوا بالإعانة والنّصر 38 ومن تأخير التمييز على المخصوص قول رجل من طيئ: 2053 - حبّذا الصّبر شيمة لامرئ... رام مباراة مولع بالمعالي 39 وقد يقع موقع هذا التمييز حال كقولك: حبّذا زيد مقصودا وقاصدا، ولا حبّذا عمرو صادرا ولا واردا، ومنه قول الشاعر: 2054 - يا حبّذا المال مبذولا بلا سرف... في أوجه البرّ إسرارا وإعلانا 40
الحديث: 2052 - الجزء: 5 - الصفحة: 2595
................................ والتزم بعض المتأخرين كون المنطوق بعد (ذا) تمييزا وليس ملتزما؛ لأنّ الحال قد أغنت عنه في النظم والنثر، وقد يستغنى هنا عن المخصوص لظهور معناه 41، فمن الاستغناء عنه قول بعض الأنصار - رضي الله تعالى عنهم -: 2055 - باسم الإله وبه بدينا... ولو عبدنا غيره شقينا فحبّذا ربّا وحبّ دينا 42 فاستغني عنه - هنا - بذكر التمييز وقد يستغنى عنه دون تمييز كقول الشاعر: 2056 - ألا حبّذا لولا الحياء وربّما... منحت الهوى ما ليس بالمتقارب 43 وقد تفرد (حبّ) فيجوز - حينئذ - أن تفتح حاؤها استصحابا لحالها، وأن تجعل عليها الضمة، التي كانت للعين، فيقال: حبّ زيد، وحبّ زيد. وهذا النقل جائز في كلّ فعل حلقيّ الفاء، على (فعل) مقصودا به التعجب، كقول الشاعر: 2057 - حسن فعلا لقاء ذي الثّروة المم... لق بالبشر والعطاء الجزيل 44
الحديث: 2055 - الجزء: 5 - الصفحة: 2596
................................
وقد يجرّ فاعل (حبّ) بباء زائدة، تشبيها بفاعل (أفعل) تعجبا، ومنه قول الشاعر:
2058 - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها... وحبّ بها مقتولة حين تقتل 45
يروى بضمّ الحاء، وفتحها، وحكى الكسائيّ: مررت بأبيات جاد بهن أبياتا، وجدن أبياتا 46؛ فحذف الباء، وجاء بضمير الرفع، وهذا الاستعمال جائز في كلّ فعل ثلاثيّ مضمّن معنى التعجّب 47. انتهى كلام المصنّف رحمه الله تعالى، وهو كلام يستغني الناظر فيه به عن النظر في غيره.
ثمّ لنشر إلى أمور:
منها: أنّ (حبّ) في الأصل متعدّ، وهو (فعل) بفتح العين، يقال: حببت زيدا، أحبّه كما يقال: أحببته وأحبه، وقد قرئ: فاتبعوني يحبكم الله 48، و (حبب) محوّل عنه، ولمّا حوّلت إلى (فعل) صارت لازمة؛ لأنها لحقت بأفعال الغرائز.
ذكر ذلك ابن عصفور، ثمّ قال: وكان ينبغي - على هذا - أن يسند إلى ما تسند إليه (نعم وبئس) من الأسماء، لكنهم أتوا بدل اسم الجنس باسم إشارة مشارا به إلى الجنس الممدوح من جهة أنّ (ذا) إشارة إلى ما قرب، كما أنّ (ذلك) إشارة إلى ما بعد، وهم إنّما يمدحون بـ (حبّذا) كلّ ما قرب من القلب وهو كلّ محبوب، فلو - - والتذييل والتكميل (4/ 593)، والهمع (2/ 89)، والدرر (2/ 118).
الحديث: 2058 - الجزء: 5 - الصفحة: 2597
................................
وضع الرجل موضع (ذا) لما فهم منه ما أرادوه من التقريب 49. قال: وإذا أرادوا معنى الذم أدخلوا عليها (لا) النافية؛ لأنّ نفي المدح ذمّ (2).
ومنها: أنّ ابن عصفور استدلّ على أنّ (حبّذا) جعل بمنزلة لفظ واحد، فكانت مبتدأ، وإن كان أصلها الفعل والفاعل 50 بشيئين:
أولهما: أنّ (ذا) لا تتغير بحسب المشار إليه، فكما يقال: حبذا زيد، يقال:
حبذا الزيدان، وحبذا الزيدون، وحبّذا الهندات 51، وقد قال الشاعر:
2059 - وحبّذا نفحات من يمانية... تأتيك من قبل الرّيّان أحيانا 52
ثانيهما: أنّهم لا يفصلون بين (حبّ) و (ذا) بشيء، لا يقال: حبّ اليوم ذا.
فدلّ هذان الأمران على أنّهم أخرجوا الجملة المركبة، من (حبّ) و (ذا) عن أصلها، وجعلوها بمنزلة لفظ واحد.
انتهى.
وقد عرفت [3/ 110] ما استدلّ به المصنف على أن (حبّذا) - من قولنا:
حبّذا زيد - فعل وفاعل، لم يحصل فيهما تغيير، وكفى به، وأما ما استدلّ به ابن عصفور، فالجواب: أنّ (حبذا) جار مجرى المثل، وأنّ الأمثال وما جرى مجراها لا يغيّران، وأما قول ابن عصفور: إنّ (حبّذا) مبتدأ، مخبر عنه بما بعده، والتقدير:
المحبوب زيد، فقد تقدم نقل المصنف عن ابن خروف أنّ (حبّ) فعل، و (ذا) فاعله و (زيد) مبتدأ، وخبره (حبذا)، وأنّ ابن خروف قال: وهذا قول سيبويه، وأخطأ من زعم غير ذلك 53. ونصّ سيبويه هو أن قال: وزعم الخليل أنّ (حبذا) -
الحديث: 2059 - الجزء: 5 - الصفحة: 2598
................................
بمنزلة: حبّ الشيء، ولكنّ (ذا) و (حبّ) بمنزلة كلمة واحدة، نحو: لولا، وهو اسم مرفوع، كما تقول: يا ابن عمّ، فالعمّ مجرور ألا ترى أنّك تقول للمؤنث: حبّذا، ولا تقول: حبذه؛ لأنه صار مع (حبّ) على ما ذكرت لك، وصار المذكور هو اللازم؛ لأنّه كالمثل 54. انتهى.
ولا شكّ أن ظاهر كلامه يعطي ما ذهب إليه ابن عصفور وغيره.
ولكن قد قال بعض العلماء: لا تعلق لمن ينسب إلى سيبويه أنّ (حبذا) كلمة، اسم بهذا اللفظ؛ إذ ليس صريحا، بل لو قيل: إنّ ظاهره يعطي خلاف ذلك لكان الوجه، ألا ترى في تنظيره بـ (ابن عمّ) وقوله: فالعمّ مجرور؛ إشارة منه إلى تعليل بناء (ذا) مع المذكر والمؤنث على صورة واحدة، قال: ولهذا عول ابن خروف والشلوبين على هذا المفهوم 55.
ومنها: أن المنقول عن ابن كيسان أنّ (ذا) من (حبّذا) مشار به أبدا إلى مذكّر محذوف، والتقدير: حبذا حسن زيد، وحبّذا امرأة، وشأنه، وكذلك التقدير في:
حبذا الزيدان، وحبذا الزيدون، وحبذا الهندات، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه 56.
وقد ردّ ذلك: بأنّ هذه دعوى لا دليل عليها، إذ لم يتكلموا به في موضع وإنما يدعي الإضمار، لو نطق بذلك المضمر في موضع 57 وبأنّ ما بعد اسم الإشارة وصف له، ولا يحذف؛ لأنّه هو العمدة، لأنّ اسم الإشارة لازم الوصف في مواضع الإبهام، كما في النداء؛ لأنه كالمضمر في التفسير، وبأنه لو كان الأمر كذلك لجاز أن يقال: حبّذا، ويتمّ المقصود؛ لأنه ليس لازم الوصف، من حيث إنّ القائل بهذا القول قد جوّز الحذف 58. -
الجزء: 5 - الصفحة: 2599
................................
ولا شكّ أنّ هذا القول المنقول عن ابن كيسان بعيد عن المراد فلا ينبغي أن يعرّج عليه.
ومنها: أنّ الشيخ قال: دخول (لا) على (حبذا) لا يخلو من إشكال؛ لأنّ (حبّذا) إما فعل، و (ذا) فاعل، أو كلّه فعل، وعلى
كلا التقديرين لا ينبغي أن يدخل (لا) عليه؛ لأنّ (لا) لا تدخل على الماضي غير المتصرف، وتدخل على المتصرف قليلا، وأما هو بمجموعه اسم؛ فلا ينبغي أن يدخل (لا) عليه أيضا؛ لأنه إما أن يقدر منصوبا بها وليس بجيد؛ لأنّ النصب على العموم، نحو: لا رجل، ولا يصح هنا؛ لأنه خصوص.
وإما أن يقدّر مرفوعا، وليس بجيد؛ لأن الأصحّ تكرار (لا) فلا بدّ منه، ولا يجوز إذا ارتفعت الأسماء بعدها بالابتداء ألّا تكرر إلا على مذهب الأخفش والمبرّد 59. انتهى.
ونحن إذا مشينا على المذهب الذي رجّحه المصنف، واختاره وهو أنّ (حبّذا) فعل وفاعل سهل الأمر؛ وذلك أن يقال للشّيخ: (حبّذا) وإن كان لا يتصرف الآن؛ فهو قبل إسناده إلى (ذا) متصرف، وإنّما عدم التصرّف له عارض، فلا يعتبر، وأنت قد اعترفت بأنّ (لا) تدخل على الفعل المتصرف قليلا، فهذا من القليل الذي أشرت إليه.
ومنها: أنّ المصنف قد جوز في إعراب المخصوص الواقع بعد (حبّذا) وجهين:
أن يكون مبتدأ والجملة بعده هي الخبر عنه، وأن يكون خبر مبتدأ مقدّر 60، وذكر الشيخ أنّ منهم من يقول: إنّه مبتدأ محذوف الخبر، فيصير فيه ثلاثة أقوال، كالثلاثة التي ذكرها في (زيد) من نحو: نعم الرجل زيد.
وأقول: قد تقدّم بيان ضعف هذا القول الثالث، فلا ينبغي التعويل عليه، وقد تقدم عن ابن كيسان أنّ (ذا) من (حبّذا) مشار به أبدا إلى مذكّر محذوف، والتقدير: حبّذا حسن زيد؛ فعلى مذهبه يقال: إنّ «زيدا» من نحو: حبذا زيد - - المقصود؛ لأنه ليس لازم الوصف؛ لجواز الحذف بالغرض، ولأنّ بعض العرب ينصب بها التمييز لما أراد بيان الذات، ولو كان لكان الأولى رد الأصل».
اه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2600
................................
تابع لـ (ذا) على البدل تبعا لازما، وكأنّه حكم للمضاف إليه بعد حذف المضاف، بما كان يحكم به للمضاف، وأمّا القائل بأنّ المجموع اسم فقد عرفت أنّ المخصوص هو الخبر عنده و (حبّذا) قبله هو المبتدأ.
قال الشيخ: وهو قول المبرّد، وأباه أبو عليّ، واختار أن يكون (حبّذا) خبرا، والمخصوص مبتدأ 61.
ومنها: أنّ الذي أفهمه كلام المصنّف، وتمثيله في شرحه لقوله: وقد يكون قبله أو بعده تمييز مطابق أو حال عامله (حبّ) أنّه حيث كانّ ذلك الاسم المنصوب جامدا حكمنا بأنه تمييز، وحيث كان مشتقّا حكمنا بأنّه حال؛ لأنّه مثّل للحال بقوله:
حبذا زيد مقصودا وقاصدا، ولا حبذا عمرو صادرا ولا واردا، وبقول الشّاعر:
2060 - يا حبّذا المال مبذولا بلا سرف 62
وأما ابن عصفور فإنّه قال: والاسم المنصوب بعد (حبّذا) - جامدا كان أو مشتقّا - تمييز، بدليل جواز دخول (من) عليه، كقولك: حبّذا من رجل زيد، وحبذا من راكب زيد (3). قال: ومن النحويين من يجعله إذا كان مشتقّا حالا، وهو باطل؛ لأنّ (من) لا تدخل على الحال 63، وذكر الشيخ في شرحه أنّ في ذلك للنحاة مذاهب ثلاثة:
الأول: مذهب جماعة، منهم الأخفش والفارسيّ 64: أنّ ذلك الاسم منصوب على الحال لا غير، سواء كان جامدا، أم مشتقّا.
الثاني: مذهب أبي عمرو بن العلاء 65: أنه منصوب على التمييز، لا غير، سواء كان جامدا أم مشتقّا.
-
الحديث: 2060 - الجزء: 5 - الصفحة: 2601
................................ الثالث: مذهب بعضهم: وهو أنّه إن كان مشتقّا فحال، وإن كان جامدا فتمييز 66، قال: وقبول الجامد والمشتقّ دخول (من) عليهما [3/ 111]، يرجّح أن ينتصبا على التمييز؛ لأنّ الحال لا تدخل عليها (من) وهذه إشارة من الشيخ إلى ما قاله ابن عصفور، ثمّ قال الشيخ: والذي يظهر أنه إن كان جامدا كان تمييزا، وإن كان مشتقّا فمقصدان للمتكلم: إن أراد تقييد المبالغة في مدح المخصوص بوصف كان ذلك المنصوب حالا، ولا يصحّ دخول (من) عليه إذ ذاك. وإن أراد عدم التقييد، بل جنس المبالغ في مدحه كان ذلك المنصوب تمييزا. فمثال الأول: حبذا هند مواصلة، أي في حال مواصلتها. ومثال الثاني: حبذا راكبا زيد، وهو الذي تدخل عليه (من) 67. انتهى. وهو كلام حسن مقبول. وقال ابن عصفور: وإنما ساغ دخول (من) على تمييز (حبّذا) ولم يسغ ذلك في تمييز (نعم)؛ لأنّه هنا لا يشبه المنقول؛ لأنّ (حبّ) لم تكن مسندة إليه، في حال من الأحوال، ولأنّه جنس، والمحبوب الذي قصدت أن تبيّن أنه محبوب بالنّظر إليه بعضه، فساغ دخول (من) المبعضة عليه لذلك 68. ومنها: أنّ المصنف أنشد: فحبّذا ربّا 69 مستدلّا به على أنّه قد استغني فيه بالتمييز عن المخصوص، وأنشد أيضا: 2061 - ألا حبّذا لولا الحياء......... البيت 70 مستدلّا به على أنّه قد استغني فيه عن المخصوص، دون تمييز. فأما الأول 71: فالتقدير فيه: فحبذا ربّا الإله، وأمّا الثّاني 72: فالتقدير فيه: ألا حبّذا حالتي معك، مشيرا إلى هواه إياها، وزيارته، وما رتب على ذلك في قوله: هويتك حتّى كاد يقتلني الهوى... وزرتك حتّى لامني كلّ صاحب
الحديث: 2061 - الجزء: 5 - الصفحة: 2602
................................
وحتّى رأى منّي أدانيك رقّة... عليك، ولولا أنت ما لان جانبي 73
وبعد ذلك البيت:
بأهلي ظباء من ربيعة عامر... عذاب الثّنايا مشرفات الحقائب 74
قال الشيخ: وفي جواز حذفه - أي: حذف المخصوص - دليل على فساد قول من ذهب إلى أنّ (حبّذا) كلّه فعل، وأنّ المخصوص فاعل به؛ إذ الفاعل لا يجوز حذفه، ودليل على أنّه لا يكون خبر مبتدأ؛ إذ يلزم حذف الجملة بأسرها، من غير عوض عنها، ولا قائم مقامها، وذلك لا يجوز.
ومنها: أنّ المصنف قال - في قول القائل: وحبّ دينا -: إنّه أراد: وحبذا دينا، فحذف (ذا) ولم يتغيّر المعنى 75، فقال
الشيخ فيه: إنّ القواعد تأبى ذلك؛ لأنّه إن كان فاعلا فلا يجوز حذفه، وإن كان جزءا من المركّب الذي حكم عليه بأنّه اسم كلّه، أو بأنّه فعل كلّه، فلا يجوز حذفه؛ لأنّه - حال التركيب - صار جزءا من أجزاء الاسم، أو أجزاء الفعل، فكما لا يصحّ حذف بعض الاسم، ولا بعض الفعل، كذلك لا يصحّ في (حبّذا) 76. وأمّا: «وحبّ دينا» فلا حذف فيه؛ لأنّ لـ (حبّ) استعمالين:
أحدهما: أن يليها (ذا) وتضمّن المبالغة في المدح.
والثاني: أن لا يليها (ذا) وتكون ممّا بني على (فعل) وأجري مجرى (نعم) و (بئس) فيتخرج «حبّ دينا» على أن تكون (حبّ) استعملت هذا الاستعمال الثاني، وعلى هذا يكون في (حبّ) ضمير يفسره قوله: (دينا) ويكون قد حذف المخصوص، والتقدير: وحبّ دينا ديننا، كما أنك تقول - لمن ذكر زيدا -: نعم رجلا زيد، فيكون مثل قول الشّاعر: -
الجزء: 5 - الصفحة: 2603
................................
2062 - وزاده كلفا بالحبّ أن منعت... وحبّ شيئا إلى الإنسان ما منعا 77
وإذا احتمل أن يكون من باب (نعم) و (بئس) لم يكن في قول القائل:
«وحبّ دينا» دليل على جواز حذف (ما) منها (2).
ومنها: أنّ الشيخ قال: ومن ذهب إلى أنّ (ذا) فاعل بـ (حبّ) في (حبّذا) لا يجيز إتباعه بنعت، ولا عطف، ولا تأكيد، ولا بدل، وأما المخصوص فيجوز فيه ذلك 78. انتهى.
ولا شكّ أنّ هذا الذي ذكره يعلم من قول المصّنف: إنّ (حبّذا) جرى مجرى الأمثال، وما جرى مجرى الأمثال حكمه حكم الأمثال، وقد علم أنّ الأمثال لا تغيّر فـ (ذا) من (حبّذا) - وإن أعربناه فاعلا - إنّما هو باعتبار الأصل؛ لأنه اسم قدّم عليه فعل فارغ؛ فوجب إسناده إليه ولكنّه في هذا الاستعمال - أعني «حبّذا زيد» - صار الإخبار عنه بالفعل غير مقصود، وصار المقصود إنما هو الإخبار بمدح المخصوص في (حبّذا) أو ذمّه في (لا حبّذا).
وإذا كان كذلك، فكيف يتبع ما هو غير المقصود تابع؟!.
ومنها: أنّ المصنف لمّا ذكر النقل في (حبّ) إذا أفردت عن (ذا) قال: وكذا كلّ فعل حلقيّ الفاء مراد به مدح أو تعجّب، فقال الشيخ: ليس النقل مختصّا بكون الفعل حلقيّ الفاء، بل كلّ فعل على (فعل) أصلا أو محولا لمدح أو ذمّ يجوز فيه النقل فيقال: لضرب الرّجل 79.
الحديث: 2062 - الجزء: 5 - الصفحة: 2604
شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة 778 هـ
دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)
[المجلد السادس]
الجزء: 6